أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر المظفر - عن أمريكا وعن حزبيها وعن الترامبية أيضا.















المزيد.....

عن أمريكا وعن حزبيها وعن الترامبية أيضا.


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 6789 - 2021 / 1 / 16 - 19:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كثيرا من الظواهر الغربية نقرأها بعيون مجتمعاتنا ولا نقرأها بعيون غربية لظننا أن النظر والقراءة هما من وظائف العيون وليسا من وظائف العقول. من هنا ينشأ الخطأ في الأحكام. مثال على ذلك ظاهرة الحزبين الوحيدين في أمريكا, الجمهوري والديمقراطي. بالنسبة إلينا نحن عواجيز المهاجرين الذين قضوا أعمارهم يتحدثون عن المؤامرة الأمريكية ضد بلدانهم فقد صار من الصعوبة عليهم إختراق الحاجز النفسي لمعرفة الواقع الأمريكي على حقيقته. إن إقترابا كهذا سيوفر لنا مناخا معرفيا خارج ثنائية المحبة أو الكراهية وصولا إلى رؤيا موضوعية نؤسس عليها أحكامنا. كثيرٌ منا يرى أن الحزبين الأمريكين, الجمهوري والديمقراطي, هما في الحقيقة ليسا أكثر من حزب واحد ولكن بتسميتين مختلفتين. هذه القراءة التسطيحية تعكس بكل تأكيد عوزا فكريا واضحا. لقد ظل العقل العربي ومنذ تأسيس الدولة الإسرائيلية, مرهقا بإسقاطات المواقف الأمريكية المساندة لإسرائيل.
ليست الكراهية المتكلسة وحدها من تمنعنا من الإقترابات الموضوعية الحرفية لفهم الظاهرة من داخلها. هناك أيضا ظاهرة القراءة الإسقاطية, والمعني بها هنا, قراءة الغرب بعيون مشرقية .
مقابل ظاهرة "الإستشراق" نحن نعثر على نموذجنا الأسوء ألا وهو "الإستغراب ولا أقول الإغتراب" الذي لا يحاول صاحبه النظر مطلقا إلى الظاهرة من داخلها والحكم عليها بعد تفكيكها وصولا إلى فهمها كحالة متأسسة على قواعدها البنيوية الخاصة بها, بل يحاول الإقتراب منها كما هي, ثم يقارنها بما لديه, ليحكم عليها من خلال معاييره الأخلاقية والثقافية دون ان يأخذ بنظر الإعتبار الفوارق البنيوية المنتجة لكل ظاهرة على حدة.
إن الظواهر الإجتماعية والسياسية هي ظواهر ذات خصوصيات عالية الحساسية, وحين لا يتم الإقتراب منها بشكل علمي محايد, وبنوايا هدفها الفهم قبل النطق بالحكم, فقد يملك التجريد البيئوي أسبقية تركيب الأحكام النهائية دون أن يترك للفهم المتوازن فرصته العادلة للنظر إلى الظاهرة بشكل حرفي بما يؤسس للإدانة أو الثناء.
لنأخذ الظاهرة الإجتماعية التالية كمثال صارخ : في الغرب حينما تبلغ الفتاة سن النضج تبدأ الأم بالقلق عليها حينما لا يطلب منها أحدٌ من الشباب الذهاب إلى مطعم أو مقهى أو مرقص أو حتى حينما لا تحصل لها على "بوي فريند". وأفهم أن معنى "البوي فريند" عندهم هو غير معنى البوي فريند عندنا !.
في مشرقنا العربي الأمر في الغالب على خلاف ذلك, تبدأ الأم بالقلق حينما يبدي شاب إعجابه بإبنتها, ولو تم ذلك من خلال نظرة عابرة, وبدلا من أن تفرح المرأة نراها تلاحق الشاب بنظرات حادة أين منها نظرات اللبوة الشرسة, ولو صادف وأن كان الشاب هو إبن الجيران فستوصي المرأة زوجها أن يقوم من الصباح الباكر ببناء سياج فاصل بإرتفاع أعلى من إرتفاع حائط برلين (رحمه الله).
الظاهرة هنا واحدة, غير أن السلوكين تجاهها هما على النقيض تماما. بسرعة سيكون حكم العراقي والعربي بشكل عام على سلوك المرأة الغربية (هذولة ما عدهم شرف). على الطرف الآخر سيكون حكم المرأة الغربية على سلوك العربية (تخلف, هَمَج).
يتوجب الوصول إلى الحكم الصائب إزاء الظاهرة عينها, فهم المُرّكب الإجتماعي الذي أنتج الظاهرة, ويشترط ذلك بشكل أكيد دراسة الظاهرتين كلٌ على حدة.
حينما يتم العودة إلى جذر الظاهرة سوف نجد أن تلك اللحظة الإجتماعية التي أنتجت أي من السلوكين هي نتاج لمركب تاريخي من التفاعلات الثقافية والمتغيرات الإقتصادية والتحديات النقيضة المتجادلة. فهي إذن لحظة تاريخية مركبة وليست لحظة زمنية مقتطعة من سياق. هي تاريخ بأكمله وليست مجرد لحظة زمنية عابرة. إنها لحظة إجتماعية عضوية حية كأي مخلوق آخر, وهي ليست لحظة زمنية مجردة تنتهي تماما حال مجيء الثانية, لأن الزمن في حقيقته لا يقبل التقطيع بل نحن الذين دخلنا عليه بسكاكينا وقطّعناه إلى سنين وشهور وأيام ودقائق وثواني.
حينما جئت إلى أمريكا لأغراض الدراسة لم يكن في نيتي البقاء فيها أبدا بل كنت عاقدا العزم على أن أعود إلى العراق في اللحظة التي أستلم فيها شهادة التخرج, وكنت حينذاك غارقا في بحر السياسة كعراقي ولا دخل لي من قريب او بعيد بالعمل السياسي والإجتماعي الأمريكي, وحينما تم تعارفي مع أحد الأخوة العراقيين من سكان نفس الولاية التي أعيش فيها لم أخفِ تعجبي حينما إكتشفت بعد ذلك أن هذا العراقي هو عضو في الحزب الجمهوري الأمريكي رغم حبه للعراق وتعلقه به.
ولا أخفي إنني بقيت وحتى مغادرتي لأمريكا بعد ثلاث سنوات متعجبا من صديقي لسببين, أولهما إنتماءه لحزب أمريكي, رغم روحه العراقية, لظني أنه (تأمرك) أكثر من اللازم, وثانيهما إصراره على أن يكون جمهوريا بدلا من ديمقراطيا. وكنت أظن أن تقاطع الثقافات وحتى المصالح بين أمريكا والعراق يجعلان من حالة الإنتماء تلك صعبة التفسير والتحقق. ثم أن حكمي كعراقي على طبيعة عمل الحزبين جعلني أضحك حينما كان الرجل يناقش برنامج حزبه الجمهوري بحماس مع جاره في الجلسة الذي كان ميالا إلى الحزب الديمقراطي, حتى كدت أصيح بهما, وما الفرق بين الحزبين حتى أراكما لم تبطلا النقاش طيلة وقت الدعوة ؟ وأتذكر أنهما لم يعيرا أي إهتمام لمداخلتي تلك وحتى أنهما تجاهلاني, لا بسبب إنشغالهما بالنقاش وإنما لمعرفتها إنني كنت قد دخلت على خط الحوار وأنا متمترس بالثقافة العراقية من مفرق الرأس حتى أخمص القدم بما لا يسمح لي بالنظر إلى الأمور من خلال عيون أمريكية.
لإنسان ينظر إلى السياسة الأمريكية من خارجها, وخاصة حينما يكون عربيا متعبا بتوجهات هذه السياسة المنحازة لإسرائيل, ولكونه تعود على طبيعة الصراع بين الأحزاب الأيديولوجية المتقاتلة بالسلاح الأبيض, ولغياب الثقافة الديمقراطية التي من شأنها أن تروض الروح القتالية لهذه لأحزاب.
لذلك الإنسان القادم من الميدان الذي كان يئن من إسقاطات الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي والغربي, ونتيجة لطبيعة المواجهات والضغوط الإجتماعية والإقتصادية التي تسلط إفرازاتها على مجتمعاته ولإختلاف مناهج التغيير التي تحتاجها هذه المجتمعات ..
لإنسان كهذا, فإن السياسة في أمريكا هي مجرد ترفٍ وملهاة. وفي ظنه إن كلا الحزبين هما في حقيقتهما ليسا أكثر من حزب واحد, وأن (الرأسماليين) في كلا الحزبين يشاركون في تمثيلية واحدة هدفها إلهاء المواطن الأمريكي وإستلاب إرادته وتوجيه إهتماماته وضبطها بحيث لا تخرج عن طبيعة المناهج التي يضعونها ثم يدعونه للعب في ساحتها بعد أن يكونوا قد ظمنوا تفريغه من مكوناته الإنسانية وتاكدوا من سريان مفعول المخّدِر في جسمه .
بطبيعة الحال أن الأمور لا تجري على هذه الشاكلة. وكما أنه ليس من العدل أن "يختطف" المستشرق الغربي ظواهر مجتمعاتنا ويحللها في مختبراته فإنه ليس من حق المغترب العربي أو المشرقي أن "يختطف" ظواهر المجتمع الغربي والأمريكي ويحللها في مختبراته.
وحتى يستطيع كلا الإنسانيين القادميْن من عالَميْن مختلفيْن تحقيق الإقتراب المهني المطلوب فإن على كل منهما أن يقرأ بعناية وبدقة تاريخ الآخر حتى يفهم كيف يمكن أن يكون هناك موقفين مختلفين تجاه ظاهرة إنسانية واحدة, فالإنسان الآخر ليس هو ما نراه وإنما هو ما يرى نفسه.
ولقد أردت من هذه المقالة أن تكون متممة للمقالة التي سبقتها وأن تكون مقدمة للمقالة التي تليها والخاصة بفهم الظاهرة الترامبية : كيف فاز ترامب وكيف خسر وهل ستنتهي ظاهرته أم تراها ستتحرك قويا مرة أخرى من داخل تلك المجتمعات التي أرسلت ممثليها لغزو مبنى الكابيتول.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقالتان لي, الأولى تنبأت بفوز ترامب, والثانية بغزوة الكونغرس
- هل إنتهت ثورة تشرين الباسلة.
- يوم كدت أشارك مريضي غيابه عن الوعي
- مقتل رئيس جامعة البصرة مطلع السبعينات
- لقاح بدهن الخنزير
- دولة البصرة ودولة الموصل
- رفع الإصبع الوسط في وجه الحاكم الغلط.
- حينما تذكرت الجلبي.
- العزيزان : عزيز السيد جاسم وطارق عزيز (2)
- العزيزان : عزيز السيد جاسم وطارق عزيز (1)
- شيطنة العدو .. بين تعنت الإيديولوجيا ومستحقات السياسة
- إنقلاب تموز عام 1968 ومشاركة عبدالرزاق النايف*
- 17 – 30 تموز ... (1)
- وقد يتعدد الجلادون وتختلف الأسواط لكن المجلود واحد
- ترامب أيضا لا يريد أن ينطيها
- ما هكذا يكتب التاريخ*.. عن العراق الملكي وهل كان طائفيا
- حرب السبعينات بين النجف وكربلاء (4)*
- العراق بين بكائيتين
- حرب السبعينات بين النجف وبغداد .. (3)*
- حرب السبعينات بين النجف وبغداد (2)*


المزيد.....




- الروس يخترعون غرسات طبية لاسلكية
- 2000 مسؤول إسرائيلي لبايدن: الاتفاق النووي الإيراني يعرض تل ...
- التشيك: الرد الروسي كان أقوى مما توقعناه
- تحديد موقع دقيق لهبوط مركبة -أوريول- الفضائية الروسية
- إعلام: السفير الأمريكي في روسيا يرفض المغادرة رغم توصيات موس ...
- الملف النووي.. محادثات فيينا تدخل مرحلة التفاصيل ومسؤولون إي ...
- -العدالة والتنمية- التركي: أنقرة مستعدة للتفاوض مع أثينا وفق ...
- مقتل جورج فلويد: تأهب في مدن أمريكية لقرار هيئة المحلفين في ...
- زلزال قوي يضرب إندونيسيا
- رئيس تشاد يفوز بولاية سادسة وسط تصاعد القتال مع الجماعات الم ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر المظفر - عن أمريكا وعن حزبيها وعن الترامبية أيضا.