أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - العبث وخرافة اللاوعي














المزيد.....

العبث وخرافة اللاوعي


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 6753 - 2020 / 12 / 6 - 17:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عن العبث والحرية
١٢ - خرافة اللاوعي
في الفصل الثاني من الجزء الثاني من رواية الغريب، يحكي لنا ميرسو قصة توضح العبث بصورة أكثر وضوحا من ميرسو وجريمته "العادية". وذلك في شكل خبر قرأه «ميرسو» في قصاصة ورقية قطعت من جريدة من الجرائد وجدها في زنزانته : «وجدت بين الفراش وألواح السرير قصاصة قديمة من ورق الجرائد، صفراء شفافة، تكاد تلتصق بالقماش، كانت تروي حادثة تنقصها البداية، لكن لابد أن تشيكوسلوفاكيا كانت مسرحاً لها، رحل رجل من بلدته في تشيكوسلوفاكيا طلباً للثروة، وبعد خمسة وعشرين عاماً عاد، بعد تجمبعه ثروة لا بأس بها ومعه زوجته وطفله، وكانت أمه وأخته تديران فندقاً في البلدة التي ولد فيها، ولكي يفاجئهما، ترك زوجته وابنه في مكان آخر، وجاء لأمه لكنها لم تتعرف عليه عندما دخل، فخطرت له على سبيل المزاح، فكرة استئجار غرفة في الفندق والكشف عن هويته في اليوم التالي، أظهر لأمه وأخته نقوده، وفي المساء قتلتاه بضربات مطرقة، طمعاً في ماله، وألقيتا بجثته في الترعة، وفي الصباح جاءت زوجته وكشفت عن غير قصد عن شخصية المسافر، فشنقت الأم نفسها، وألقت الأخت بنفسها في البئر».
وهذا هو ملخص مسرحية «سوء تفاهم» التي كتبها كامو عام 1943، حيث أراد كامو أن ينقل إلى خشبة المسرح رؤياه لعالم يمزقه كل ما يتنافى والطبيعة البشرية : قتل الأم لابنها، وقتل الأخت لأخيها، لم يكن هذا الحلم وليد المصادفة، ذلك أنه المعنى الحقيقي للمأساة القديمة، التي عمل كامو على إحيائها، ومن المؤكد أن «سوء تفاهم» مسرحية قاتمة كتبها كامو في بلد محاصر محتل، ويحاول من خلالها معالجة موضوع "الصدفة" أو "القدر"، في قالب عصري، وفي رسالة من رسائله كتب: «إن شقاء البشر يتولد عن عدم اتخاذهم لغة بسيطة، لو أن بطل سوء تفاهم قال: «أنا ابنك» لكان الحوار ممكناً، ولما كانت المأساة، مادامت قمة كل مأساة تكمن في صميم فكرة البطل، ففي الواقع المأساة دائماً سوء تفاهم بالمعنى الحقيقي للكلمة، أو بعبارة أكثر شمولاً نوعا من الصمم "، وهنا تكمن مشكلة كامو الأساسية، تقديسه لأسطورة "الطبيعة البشرية"، هذه الأم تستطيع أن تقتل إنسانا من أجل ثروته، ولكنها تنتحر إذا علمت أن هذا الإنسان هو إبنها، رغم أنها لم تتعرف عليه ولم تره منذ عشرات السنين. العبثية هنا ليس قتل الأم لإبنها والأخت لأخيها، وليس في عملية القتل ذاتها، وإنما في الدوافع التي تؤدي للجريمة. وربما هذا ما أراده كامو حين جعل ميرسو يقتل عربيا بسبب الشمس، غير أن ذلك في نظرنا لا يمكن أن يسلب هذا العمل من المعنى، فكل عمل إنساني ينضح بالمعنى مهما بدا مجانيا وعبثيا من الخارج، فليس هناك تصرفات غير واعية كما تدعي ألأساطير والخرافات الفرويدية.
حتى لو أفترضنا أن مقولة العبث تعبر عن كل ما "لامعنى له"، فإنه من الواضح أنه هناك القليل من المواقف والتصرفات التي يمكن نعتها بالعبثية. سارتر يرى أن مفهوم "الحرية" كمفهوم وجودي يمكن تلوينه بلون العبث، لأن الحرية هي إختيار ملزم، وليس هناك إمكانية عدم الإختيار فنحن محكوم علينا بالحرية ومجبرون على الحرية، وحتى في حالة إختيار العبودية والخضوع أو الإستسلام فإن ذلك يكون بإختيارنا. أما الوجود الإنساني فلا يمكن أن يوصف بالعبثية، فالواقع الإنساني له معنى في جميع الحالات والمواقف، دائما الإنسان يتجاوز نفسه في صورة مشروعه. بينما الموت له طابع عبثي، لأنه ليس ما يضفي المعنى للحياة، بل بالعكس هو الذي ينزع عنها كل معنى. العبثية في حقيقة الأمر هي مسلمة تحليلية - postulat analytique تقلص وتختزل الزمن في لحظات متتابعة، متجاهلا بطريقة مفتعلة التعالي والتجاوز وبالتالي التجاهل عمدا لمعنى السلوك البشري، وفي هذا الخصوص يعتبر إدوارد سعيد من الذين ألقوا ضوءا ساطعا على هذه الرواية من الوجهة الإجتماعية والسياسية، رغم تغاضيه عن الجانب الفني والجمالي للعمل.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,244,334,767
- بين التمرد والعبث
- الصياد وجنية البحر
- القفص الزجاجي
- براءة الغريب
- الطفو على سطح الأحداث
- المحاكمة
- ميرسو وإغتيال الشمس
- ميرسو - اللامبالي
- المسامير والعودة المضنية
- الغريب .. والسرد العبثي
- نهاية كامو العبثية
- ألبير كامو وأسطورة العبث
- عن الحرية والعبث
- فردة الحذاء والكورونا
- عدو الوطن
- جففوا المطر
- تحب تفهم تدوخ
- الشاعر لا يحب الأزهار
- الله غني عن الكينونة والوجود
- الله والخياط


المزيد.....




- قد تكون سلفا مباشرا للبشر.. تقنية متطورة لمسح أحفورة -ذات ال ...
- تفاجأ بوقوف موكب السيسي عنده.. شاهد ردة فعل بائع فاكهة مصري ...
- أنفاق كهفية في تركيا..نظرة على مدن كابادوكيا الجوفية
- ثورة في عالم البناء..نوافذ من الخشب الشفاف بدلاً من الزجاج
- تفاجأ بوقوف موكب السيسي عنده.. شاهد ردة فعل بائع فاكهة مصري ...
- روسيا تتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية في سوق الغاز الأو ...
- تركيا تعثر على شريك جديد في المتوسط
- الشرطة السويدية تفض مظاهرة ضد قيود كورونا في ستوكهولم
- تدريبات عسكرية سنوية قصيرة بين كوريا الجنوبية والولايات المت ...
- تداول فيديو انقاذ معلمة في السعودية لطالبة من لص رأته خلال ح ...


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - العبث وخرافة اللاوعي