أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - ابو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الاسلام(2)















المزيد.....

ابو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الاسلام(2)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 6681 - 2020 / 9 / 19 - 17:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إذن ثمة هدف سامي يهدف اليه المتصوف، أو غاية، فيشير الى ذلك المؤلف باقتضاب، فيرى أن الغاية القصوى من الحياة الصوفية هي الوصول إلى الله عن طريق الحال التي يطلق عليها الصوفية اسم الفناء.. وموضوع الفناء من حيث هو ظاهرة صوفية يجب أن تفسر على أساس أخلاقي أو نفساني أو أخلاقي ونفساني معًا، وأنكروا أن يكون لهذه الحال صلة بدعوى فلسفية كالحلول أو الاتحاد أو الصيرورة: بمعنى أن الصوفي يفنى عن الأخلاق الذميمة ويبقى بالأخلاق الحميدة، ويفنى عن صفاته من علم وقدرة وإرادة ويبقى بصفات الله الذي له وحده العلم والقدرة والإرادة، وأخيرًا يفنى عن نفسه وعن العالم حوله ويبقى بالله بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا الله. الامر الذي مضى عليه الحلاج وامثاله ولم يتنازلوا عن مبادئهم، فذاقوا الموت كأنهم يذوقون حلاوة الآخرة.
وبالتالي، فأن التجربة الصوفية حال تتحقق فيها الوحدة الذاتية بين الحق والخلق من غير أن يحل أحدهما في الآخر أو يصير أحدهما الآخر بأي معنى من معاني الصيرورة إذ لا حلول ولا صيرورة هناك، وإنما هو تحقق لأمر موجود بالفعل هو الاتحاد أو الوحدة. فإذا تكلم ابن عربي عن الفناء والبقاء بالمعنى الصوفي فإنما يعني أن الفناء عن «الجهل» بالوحدة الذاتية للموجودات والبقاء ﺑ «العلم» بهذه الوحدة، وإذا تكلم عنهما بالمعنى الفلسفي فإنما يعني فناء الصور الوجودية وبقاء الذات الواحدة المتجلية في هذه الصور، وهذه هي حركة الخلق المستمر الذي يسميه ﺑ «الخلق الجديد»، وهو يرى أن الفناء والبقاء بهذا المعنى أكمل في تقرير الوحدة في حين أن الفناء الصوفي أكمل في الشهود.
والحب لدى المتصوّفة حال لابد أن توجد في المتصوف، كي يحقق ذاته ويسمو بنفسه.
فيقول الحارث المحاسبي، وهو استاذ ابو حامد الغزالي، واصفا الحب:
" الحب هو الشوق؛ لأنك لا تشتاق إلا إلى حبيب، فلا فرق بين الحب والشوق إذا كان الشوق فرعًا من فروع الحب الأصلي، وقيل إن الحب يُعرَف بشواهده على أبدان المحبين وفي ألفاظهم وكثرة الفوائد عندهم لدوام الاتصال بحبيبهم. فإذا واصلهم الله أفادهم، فإذا ظهرت الفوائد عرفوها بالحب لله. ليس للحب شبح ماثل ولا صورة فيعرف بجبلته وصورته، وإنما يعرف المحب بأخلاقه وكثرة الفوائد التي يجريها الله على لسانه بحسن الدلالة عليه٦ وما يوحي إلى قلبه. فكلما ثبتت أصول الفوائد في قلبه، نطق اللسان بفروعها. فالفوائد من الله واصلة إلى قلوب محبيه. فأبْين شواهد المحبة لله شدة النحول بدوام الفكر وطول السهر بسخاء النفس بالطاعة، وشدة المبادرة خوف المعاجلة، والنطق بالمحبة على قدر نور الفائدة؛ فلذلك قيل إن علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلب من اختصه الله بمحبته".
وهكذا يذوب المتصوف في الحب، وهو في حالة سكر وشوق ابدي، وطالما، هو في حال استغراقه في حب الله يدرك نوعًا من المعرفة ومن اللذة لا عهد لغيره بهما، فهو في حال الحب يعرف محبوبه، وهو في حال المعرفة يحب معروفه: أي إن المعروف والمحبوب اسمان لشيء واحد، والمعرفة والحب وجهان لحقيقة واحدة، ولم يبعد الصوفية كثيرًا عندما شبهوا هذا النوع من المعرفة بالمعرفة الناشئة عن الأذواق والتجارب الحسية المباشرة، فإن الإنسان يدرك معنى الحلاوة في الشيء الحلو ومعنى المرارة في الشيء المرّ إدراكًا مباشرًا، ولا يستطيع وصف الحلاوة والمرارة ولا تعليلهما، ولا نقل معنيهما إلى من حُرم حاسة الذوق. فالصوفية قالوا كذلك الحال في التجربة الصوفية، إلا أن المعرفة الحاصلة فيها ليست راجعة إلى الحس أو العقل، وإنما هي نور يقذف به الله في قلب من أحبه، أو هي إشراق الجانب الإلهي في قلب الصوفي.
وكل ذلك تشعر به النفس لدى المتصوف، يراها هو حقيقة شاخصة امامه، لا يراها غيره. حيث تدرك النفس الصوفية ذوقًا لذة الحب الإلهي التي يقال إنه لا يعدلها في قوتها وصفائها لذة أخرى، كما تدرك بعض معاني الحقيقة الوجودية في حال تجلُّ عن الوصف وتستعصي على التعبير. فإذا حاول الصوفي الإفصاح عن هذه الحالة لم يجد في كثير من الأحيان سوى لغة الرمز والإشارة، وإن كان في أحيان أخرى يلجأ إلى اللغة المتعارف عليها. فهو يتحدث عن «الشهود» فيصفه بأنه فيض من النور الإلهي الذي تنغمس فيه الروح وينكشف به سر الخليقة، ويتحدث عن «الحب» فيصفه بأنه نار محرقة تنمحي فيها الشخصية الفردية ويفنى فيها المحب في المحبوب، ويتحدث عن «الحرية» فيصفها بأنها الانطلاق من قيود العبودية إلى سعة فِناء السرمدية، ويشبه النفس بطائر يحن أبدًا إلى الرجوع إلى وطنه الأول، ويتحدث الصوفي عن الخمر والسكر والساقي، وعن المغاني والأطلال والدمن، والغياض والرياض، وعن ليلى ولبنى وعزة وسلمى، كما يتحدث عن الوصال والاتصال والعناق والتلاقي والفراق والهجر والأنس والوحشة وغير ذلك من ألفاظ الغزل الإنساني.
وما هذه الاشياء التي يذكرها المتصوف الا رموز يجعلها حاضرة في جنانه، كمصادق. فكما يرى المؤلف أنه من الطبيعي أن يستعمل الصوفي لغة الرمز وهو يحاول التعبير عما يشعر به في الحب الإلهي الذي يختلف في جوهره عن أي حب معهود، وربما كان في رمزيته أبلغ وأعظم تأثيرًا في نفس سامعيه مما لو استعمل لغة التصريح والتوضيح: إذ الرمزية لها عمل كعمل السحر، لا تمس العقل إلا من حيث تثير فيه الخيال والوجدان، ولكنها تمس القلب مسًّا مباشرًا، ويعمق أثرها وتتضح معانيها مع التكرار، ولغة الحب الإلهي الرمزية لغة عالمية يستعملها جميع الصوفية على اختلاف أديانهم وأوطانهم لأنهم في الحقيقة ينتمون إلى وطن واحد هو الوطن الروحي الذي يعيشون فيه جميعًا.
ويعلل المؤلف الامر إن الصوفي لا غنى له عن لغة الرمز والإشارة، واصطناع أساليب التمثيل والتصوير لكي يترجم عن أحواله ويعبر عن مواجيده وأذواقه، مهما يكن في لغة الرمز من قصور عن التعبير؛ لأن موضوعات تجاربه خارجة عن نطاق الموضوعات الحسية والعقلية التي تعبر عنها اللغة الوضعية الاصطلاحية.
اما لماذا لجأ المتصوفة في التعبير عن الحب الإلهي إلى الأسلوب الرمزي؟، يقول أنهم أرادوا أن يحتفظوا لأنفسهم بأسرار ضنوا بالإفصاح عنها على غيرهم، أو أنهم اتخذوا من الرمزية ستارًا يخفون وراءه عقائد لو صرحوا بها لاستبيحت دماؤهم، ولكن السبب الحقيقي أنهم إنما عبروا عن حبهم لله وعن الكثير من أحوالهم ومواجيدهم بتلك الأساليب الرمزية لأن التجارب الصوفية أشبه شيء بالتجارب الفنية: والرمز، لا الإفصاح، هو التعبير الوحيد عن هذه التجارب، ولكن ليس كل صوفي أوتي ذلك المزاج الفني ولا قوة التعبير الفني؛ ولذلك انقسم الصوفية الصادقون في تصوفهم إلى طائفتين: طائفة التزمت الصمت وأخرى نطقت رمزًا.
ولم يقف المتصوفة عند هذا الحد في نشاطاتهم المعرفية، بل تطرقوا الى العلم والمعرفة، لكنهم وضعوا التفرقة بين المعرفة والعلم منذ تكلموا عن المعرفة، وعن معرفة الله بوجه خاص، وكان للتمييز بينهما أثر عميق في موقفهم من الله ومحبته والاتصال به وغير ذلك مما لا مجال للعقل فيه. بل إنه جاء دور من أدوار التصوف كانت «المعرفة» فيه هدفًا من أهداف الطريق الصوفي، أو الهدف الأكبر فيه، واعتبر كل ما عداها وسيلة لها، وإذا قيل إن الحياة الصوفية تهدف إلى الاتصال بالله، فليس لهذا الاتصال من معنى عند جمهور الصوفية سوى معرفة الله عن طريق حبه، أو حب الله عن طريق معرفته، والله عند الصوفية حقيقة تعرف، بل هو الحقيقة على الإطلاق، وكل ما يُدْرَك من الحق يشير إليه.
وبخصوص الرؤية لله، فهم يعتقدون أنهم يرون الله في القلب، لا رؤية العين، وبمعنى رؤية الله في القلب فإنما يقصدون بها مشاهدته بنور يقين القلب، وليس نور يقين القلب إلا شعاعًا من النور الإلهي الذي وضعه الله في قلب العبد، وبواسطة هذا الشعاع يرى العبد ربه ذوقًا، كضوء الشمس الذي يمكِّن الناظر إليها من رؤيتها. يقول أبو يزيد البسطامي إن الذين يتكلمون عن الأزلية لا بد أن يكون فيهم مصابح الأزلية، وهذا المصباح هو نور اليقين.
وهذه خلاصة ما جاء في هذه الدراسة، اختصرناها بحسب رؤيانا، وبينا من خلالها موقفنا الواضح من المتصوفة، وأنه بالتالي، سوف تتعزز الاتجاهات الصوفية مستقبلا، بعد أن ذاب العالم برمته في الماديات، وغار في دهاليز السياسات، حتى صار العالم يحارب بعضه البعض، ويقتل بعضه البعض، بهدف الهيمنة، والتسلط على رقاب الشعوب باسم الدين، لسلب ثروات هذه الشعوب، وربما القضاء على مستقبلها، على وفق متغيرات العولمة، وصراع الدول القائم على قدم وساق.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوف الوداع
- سوق شعبي
- القصيمي و دايروش شايغان.. نكسة الامة
- مصطفى محمود.. ومأزق الكتابة
- هموم القصيدة ورسالة الشعر عند الشاعر فاضل حاتم
- من أمسك بتلابيب ذهولي؟
- ظاهرة (الشعر الشعبي) آفة تستفحل
- القصيمي و دايروش شايغان.. مقدمة اولية(1)
- أرُيدُ أن اطعن ثغركِ بالقُبلات
- القصيمي و دايروش شايغان.. مقدمة اولية
- تسلية في فراغ جامح
- الفيلسوف الذي انتقد ماركس بشدة ووصفه بالنبي الكذاب
- تحدي
- بقايا وطن
- مجنون!
- رجلٌ مرشّح للهذيان
- هذيان في الحجر الصحي!
- انت تدخّن ايامك
- في ذلك الشارع الهرم!
- الحُسين!


المزيد.....




- بينهم سوريون وفلسطينيون.. وصول مهاجرين جدد إلى ليسبوس قبيل ز ...
- شاهد.. الصور الأولى لضبط مخدرات بملايين الجنيهات قادمة من تر ...
- أردوغان يجري اتصالا هاتفيا مع محمد بن زايد
- -طالبان- تعلق على الاشتباكات مع القوات الإيرانية
- لبنان.. عون وميقاتي يبحثان أزمة عدم انعقاد المجلس الوزاري
- يشكل إنذارا أمنيا.. الشرطة البريطانية توقف رجلا بشبهة دخوله ...
- شاهد: مهاجرون أكراد يلجؤون لـ -مستودع- يأويهم مؤقتا على الحد ...
- وزير ألماني: الحكومة المقبلة ستعتمد سياسة هجرة أكثر انفتاحا ...
- حرس الحدود الأوكراني ينفي صحة تقارير عن قتله مهاجرين
- لبنان.. حظر تجول ليلي لغير المحصنين ضد كورونا وإجبارية التطع ...


المزيد.....

- نعمةُ آلمعرفة فلسفيّاً / العارف الحكيم عزيز حميد مجيد
- الفلسفة من أجل التغيير الثوري والنهوض التقدمي الديمقراطي في ... / غازي الصوراني
- حوار مع فيلسوف عربي / عبدالرزاق دحنون
- الذات عينها كآخر في فلسفة التسامح والتضامن / قاسم المحبشي
- خراب كتاب عن الأمل / مارك مانسون
- فن اللامبالاة / مارك مانسون
- كتاب أربعون / أحمد الشقيري
- جائحة كورونا وإعادة انتاج الحياة الاجتماعية تأملات سوسيولوجي ... / محمود فتحى عبدالعال ابودوح
- تأملات فلسفية وسينمائية / السعيد عبدالغني
- حوار مع جان بول سارتر حياة من أجل الفلسفة / الحسن علاج


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - ابو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الاسلام(2)