أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل امليلح - جفاف وانتحار















المزيد.....



جفاف وانتحار


عادل امليلح

الحوار المتمدن-العدد: 6671 - 2020 / 9 / 8 - 17:45
المحور: الادب والفن
    


بدأت علامات القلق تعتلي ملامح القرويين، وأصبحت نظرات الناس تتطلع إلى السماء أكثر مما تنظر إلى الأرض.. وسارت جل أحاديثهم تدور حول تأخر سقوط المطر، خاصة وأن موسم الحرث قد انقضى، مما أثر على مزروعاتهم، وبدد أمال الكثرين في موسم جيد ومعطاء، فحتى صلاواة الاستسقاء لم تجدي نفعا، وما أكثرها، ولا أهازيج النساء في طلب الغيث.. لكن وعلى الرغم من ذلك هناك أمال كبيرة في السماء محمولة في صدور الناس، وهي توازي بعنفوانها القلق الكبير على تدهور المحاصيل..
مر شهرا ونصف، منذ أن ألقى سي العربي البذور في الأرض، فالبذور التي لم تكن تستغرق سوى أسبوعا أو أسبوعين في أقصى تقدير لتبرز من التراب، تأخرت كثيرا هذه المرة.. فلا شيء حتى الأن، والشمس طيلة شهرين تلفح الوجوه من شدة الحر، كما أن النمل يدب في كل مكان ناقلا البذور التي يصادفها إلى جحوره.. وأمام هذا الوضع الذي ينذر بالخوف من موسم جاف قد تنتج عنه مجاعة لا قدر الله، تتزايد أثمنة السلع الاستهلاكية والأعلاف في السوق، فلا شيئ يصبح يسيرا في مثل هذه الظروف، ويقابل ذلك تدني في أثمنة الماشية التي تشكل موردا أساسيا للساكنة، حتى إن البعض ليضطر قهرا من شدة الفاقة إلى أن يبيع قطيعه بثمن أقل عشر مرات من الفترات العادية، ولعل بعض الناس المتقدمين في السن يدركون ما معنى أن يواجه الانسان جفافا، فهم يسترجعون ذكريات كان قد طمسها الدهر، عكس حديثي السن، الذين سيكون عليهم تحمل تشكل ذكريات جديدة وقاسية.. ربما تكون موضع استرجاع فيما بعد.
يجتمع رجال المدشار وشيوخه بعدما ركب خاطرهم الهم والسأم، فتفشى في كيانهم الخوف والشك، وقصرت أحديثهم وقلت ضحكاتهم.. وكلهم في اتجاه واحد صوب المسجد طلبا لعطف الفقيه، لربما يمتلك جوابا عن هذا الوضع الذي يدعو لليأس والقنوط، وربما أيضا تمكن دعواته من أن ثني إرادة السماء!!
يتقدم سي حمو، أحد شيوخ المدشار وأكثر الناس هنا التزاما بالمسجد وأداء لشعائر الدين، ويقال أيضا إنه الوحيد بعد الفقيه يحفظ القرآن الكريم، وهو شيخا كهلا في التسعين من عمره، فبالكاد يستطيع أن يمشي مرتكنا على عكازه الخشبي الذي لولاه لما استطاع المشي، يتقدم الجماعة ليتحدث بلسانها إلى الفقيه، ولذلك دلالات كبرى هنا، عندما يعبر شخص ينال تقدير الجميع عن لسانهم جميعا، فما إن يراه الفقيه حتى يرتبك، فهو يعلم يقينا أن هذا القدوم يضعه وجها لوجه أمام الناس هنا، يتقدم حمو ويلقي السلام ثم يتحدث قائلا:
- إنك تعلم أيها الفقيه أننا لربما مقبلين على جفاف مدقع، لا قدر الله، وأننا قصدناك بعدما لم يعد لدينا أي حيلة، وبعدما استبدنا الضعف والهوان، أمام هذا الوضع المزري..
يرد عليه الفقيه قائلا: إن هذا بلاء من الله ليبلو به عباده على الصبر، ويميز بين المؤلفة قلوبهم على طاعته والمنافقين الذين يخادعون الله والذين أمنوا، وإن في ذلك خير والله لا يأخذ أكثر مما يعطي ونعمه قائمة، وكل إنسان قدر عليه رزقه.. وإن الله يأخذ الناس بذنوبهم فيمسك عنهم المطر ويسلط عليهم المرض، ليكون ذلك كفارة لهم من الذنوب والخطايا.. لعل الكثرين مما حضروا كانوا يأملون قولا أخر غير هذا، الذي يعرفونه..
يتحدث في وسطهم وهو مكور في جلبابه الأبيض متأملا ملامح هؤلاء القرويين البؤساء، ليس هذا طبعهم، ولكن حتى هو له تخوفه من الوضع، فقلة الحاجة لن تقتصر عليهم فقط، وإنما عليه أيضا، فالجفاف يعني أن حظوظه من الهبات والصدقات ستقل، حيث في الأيام العادية كل ساكنة المدشار تغدقه بجودها، وقد يهدد ذلك نقص في الوجبات اليومية التي تقدم له من لدن الساكنة.. لذا فحتى هو يتطلع في قرارات نفسه إلى زخة مطر، بل نسمة هواء رطب تداعب خده، فذلك له معنى كبير لدى الساكنة ولديه، كما أن "الصابة" الجيدة يتبعها العديد من الإحتفالات والمواسم والأعراس وغيرها..
أما عن الراضي وبعض أعيان المدشار فهم لايحضرون مثل هذه النقاشات إلا قليلا، وحتى وإن حضروا فهم لا يبالون بها ولمكنونها، إذ لا مصلحة لهم في ذلك، فسي الراضي يسقي حقوله بواسطة محركات عصرية لايمتلكها أحدا غيره في المدشار، وليست متاحة للكل لعدة أسباب.. ثم إنه يهيمن على كل منابع المياه في المدشار تقريبا "فالعين" الوحيدة التي بناها الاستعمار، يسيطر عليها هو، لما له من أراضي شاسعة وشأن في المدشار..
أما النسوة فلهم طريقتهم الخاصة بهم في طلب المطر أو كما يسمونه "الغيث"، فهن ليسوا مثل الرجال، الذين يجلسون في عبوس داخل المساجد ويصلون تارة في يأس وتارة في أمل، بل يجتمعن مع بعضهن البعض في فضاء مفتوح إلى جانب مقبرة المدشار حيث يرقد الجد الأول سيدي بوعمامة، وكل واحدة منهن تأتي بما توفر لها من كسكوس وخضروات أو ديك بلدي وكذلك خبز.. ثم يشرعن في عمل جماعي في جلب الماء وإعداد الطعام في زغاريد وقهقاهات مستمرة، وكأنهن غير معنيات بتاتا بهذا الشقاء والبؤس الذي يجثم بثقله على أهل المدشار، ولأطفال يجدون في ذلك فرصة لهم للتسلية عن أنفسهم، فمثل هذه المناسبات جد قليلة إذ يجتمعون ويسرون عن أنفسهم تارة في ألعاب شتى، وتارة أخرى يختلسون بعض الفاكهة أو لقمة من الكسكس من هنا وهناك معتبرين ذلك تحديا يجب رفعه.
وعندما ينتهون من تناول الطعام وتقاسم الوليمة تجتمع بعض النسوة وتربط قطعتين من القصب على شكل صليب ثم يلبسونها قفطانا تقليديا وقبعة من دوم ويعلقون عليها مجموعة من الاشرطة الملونة، "تاغونجة" ويتوجهن صوب المنابع المائية يرددن أناشيدا عدة توارثوها أبا عن جد لطلب الغيث، وتارة يتقاذفن فيما بينهن بالماء مبللين بعضهن البعض كعلامات على الارتباط بالماء وأهميته التي تتجاوز حدود الإنسان هنا، وهذه هي طريقتهن في التعبير عن توجههن نحو السماء، فعلى الرغم من فوضى هذا العالم يجب أن يُبقي الإنسان نفسه مرحا مفعما بالتفاؤل، وهذا ما أكده ويؤكده صديق الوافي الأستاذ بفرعية المدشار.
وعلى الرغم من تحذيرات الفقيه وإلحاحه المستمر، من أن ذلك بدعة محدثة لا علاقة لها بالدين، فإن كلامه هذا لا يلقى إستحسانا من لدن أهل المدشار الذين فتحوا أعينهم على هذه العادة الأصيلة والمتأصلة فيهم، وقلة من الرجال مما حاولوا تنفيذ كلام الفقيه، لكن لم يفلحوا في ذلك أبدا، فالنساء يعتبرن ذلك حقهن ويدافعن عنه بدون هوادة.
صحيح أن تأخر المطر يقلقهن أيضا، ولكنهن ليسوا مثل الرجال في ذلك، فالرجال بطبعهم هنا فما إن ينهمر المطر وترتوي الأرض حتى يطلق أغلبهم السماء إلى حين، وتستهويه الدنيا بملذاتها وتنسيه حتى أقرب الذكريات، أما النسوة فتعبيرهن أصدق، لأنهن يعبرن عن ذلك بسعادة ولطف، فالسماء نتعامل معها بحب ولطف وليس بخوف وقسوة، ولذا يقال هنا إنهم من أكثر وقود النار لأنهن لا يخفن الله!!
لكن لا صلوات الرجال ورجائهم، ولا لحية سي حمو الطاعن في السن، ولا زغاريد النساء وأناشدهن.. إستطاعت أن تثني إرادة السماء، وملوا من النشرات الجوية التي لم تعد تتحدث سوى عن الحرارة والشرگي، حتى إنهم بدأوا يقيسون ذلك بالمذيعات اللائي تقدمن تلك النشرات، فلسان حالهم يقول: مع هذه المذيعة لم نرى المطر قط، وربما لن نراه مدامت هنا.. ومع هذه كذا وكذا..
انتقل الأمر من سوء إلى أسوأ عندما زف لهم سي المعطي ذلك الخبر المشؤوم الذي جعل الفتنة والخوف تستبد بأهل المدشار، كانوا جالسين في المقهى لما دلف فاغرا فمه، ممتقع الوجه غائر العينين متعرقا يلهث كما يلهث كلب الصيد، إنتبه له الجميع في غرابة واستغراب، كيف لا! وهو لا يقبل إلا مستبشرا ومقهقها ناثرا سلامه المحمل بنكتة ومفعم بحس الفكاهة.. تثير الجالسين سرورا، وهاهو اليوم يفشي سلامه المبحوح والمخنوق بالكاد يسمع، ثم اقترب من بعض الجالسين وتناول قنينة الماء وشرب وكأنه لم يدق الماء لأيام..
وعندها سأله أحدهم مستفسرا:
ما لنا نراك على غير عادتك اليوم؟
- أتدرون أين كنت؟
- وأين كنت؟
- لقد قدمت من الكذية للتو، واكتشفت أن البذور قد تحممت "تلفت"..
- ربما ليست كل البذور!! يتساءل أحدهم
- منذ السادسة إلى الأن وأنا أبحث ولم أجد ولو بذرة واحدة ما تزال على قيد الحياة، بحثت أيضا في حقل سي العربي والزروالي.. نفس الأمر..
وهنا ساد صمت رهيب، اندهاش مريب بين الحاضرين وإن كان ذلك متوقعا حدوثه ولكن بشكل جزئي لاغير، غير أن هذا النبأ زرع الخوف في نفوس السامعين، أهي ملامح الجوع؟ أهي سنة القحط؟ تساءل البعض في أعماق ذاته، فلا أحد يشك في كلام المعطي إنه لا يعرف للكذب طريقا وهو رجل نزيه وصاحب كلمة.
ورغم ذلك هناك هواجس تريد أن تتعامل مع الحقيقة بنوع من العماء، بسرعة إنتقل الخبر كالبرق داخل المقهى وخارجه، ولم يعد بمقدور الناس الإنتظار حتى قدوم الغد، بل انطلقوا مهرولين في اتجاه أقرب حقل يصادفونه، وكل يسعى إلى حقله متمنيا أن يكون الإستثناء في هذه الكارثة، ولكن لبرهة تأكد الخبر فبستثناء المروج الرطبة، كل شيء ذهب سدى، فبذور القمح والشعير والفول.. كلها تلفت من شدة الحر..
أنئذ كانت حقول سي الراضي وقلة من الأعيان، مخضرة كثيفة النبات، والمياه تغمرها في كل لحظة وحين، حيث يوظف تقنيات جديدة تستطيع نقل المياه لمناطق بعيدة وتخوله سقي حقوله دون استثناء تقريبا، وهنا يتذكر أحمد نبؤة الوافي التي لم يعرها أحد يوما الاهتمام، ولم يكن بمقدوره أن يستوعب مضمونها تماما كما معظم الناس هنا، أما الآن فبلى لقد قال:
"عندما تحدث الأزمات، الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا.. هكذا هي طبيعة العالم، ولن تكونوا الإستثناء ستجربون بأنفسكم"
تماما ها هو أحمد يقارن بمقت بين سي الراضي وباقي أهل المدشار، لقد جمعت فيه كل صفات الشياطين والأبالسة، ورغم ذلك ها هي حقوله دائما منتجة ودائمة العطاء والخضرة، ويضاعف إنتاجه انتاج ساكن المدشار كافة، لكن أحمد الإنسان للقروي لن يغازله الشك، في أن يفصل بين الجوانب الميثالية والعملية في المسألة، فالشيطان مهما زين عمله وعظمه فمصيره واضح، الخسران، وكذلك الراضي!!
وليس أحمد وحده فهناك كثيرون غيره، ولما استفرد أحدهم بالفقيه مستفسرا عن هذه المفارقة بين سي الراضي الذي لا تؤثر فيه لا أزمات ولا جفاف، بل ويبلغ اعتقاد البعض أنه طرفا فيها، فإن الفقيه يرد بحزم:
إستغفروا الله يا قوم، ويضرب لهم مثل الرجلين الذين كانا يسكنان في عمارة، الأول في الأعلى يأكد الفول ويرمي بالقشور من النافذة وهو غير قانع بما له ويشتكي باستمرارا، والثاني في الأسفل يجمع تلك القشور ويقول:
الحمد لله الذي رزقني هذا دون جهد وعناء.
لذلك يدعوهم للصبر والقناعة، والإكثار من عبادة الله والدعاء له، والإحسان إلى أوليائه.. لعل ذلك يأتي بالفرج وانفتاح الأفق.
ولكن هنا البعض يتساءل: ماذا لو كنا جميعا مثل الراضي لنا ما له ولدينا ما لديه؟
بيد أن كل الأسئلة تظل معلقة هناك مع قطرات المطر التي ترقد في غربة غير معهودة عن المدشار..
أما الراضي فتفكيره مختلف، ومساعيه وغاياته ليست كما الباقي، إن الجفاف يعني له فرصة لا تعوض واستثناء عظيم، ربما يأتي مرة واحدة في الحياة برمتها، فهو ليس له ما يشكو عليه ويخاف منه، إذ يعلم يقينا أن استمرار الوضع سيتسبب في إنهيار أثمنة المواشي والأرض وغيرها، وبما أنه يمتلك المال والمقهى والدكان الوحيد في المدشار، فقد حانة اللحظة العظيمة بالنسبة له.
فدادين خصبة بجانب الوادي وفي السفوح الرطبة، بخسة الثمن، قطعان من الأغنام والأبقار والبهائم، ثم إن أغلب أهل المدشار سيضطرون للاستدانة منه، وهكذا يبدأ في الحصول على أراضي جديدة وتتنامى ثروته وأملاكه بسرعة.. والراضي ليس رجلا مرتجلا في قراراته، بل إنه يشاور إبنه البكر وذراعه في كل شيء، محمد، يقول له:
إن الفرصة مواتية لنضع أيدينا على كل شيء هنا!!
- نعم إن الأمر كذلك ولكن هناك مشكلة علينا أن ننتبه لها..
- ما هي؟
- إذا سقط المطر فإن الساكنة يمكنها التعويض نسبيا عن خسارتها بحقول الكيف "القنب الهندي" السقوي..
يعقف سي الراضي حاجبيه ويدور كلام إبنه في رأسه جيدا، ثم يتابع:
نعم لنتمنى ألا يحدث ذلك..
- هناك شيء أخر أود أن أطلب موقفك حوله..
- ما هو؟
- إن معظم الأسر مفلسة هذه الأيام وستضطر لبيع قطعانها، وستطلب الحصول على ما يستلزمها من مواد غذائية بالدين.
- هذا طبيعي.
- كلا، يجب علينا أن نشتري كل هذه القطعان بالثمن الذي نريده، كما يجب علينا أن نغرق هذه الأسر في الديون.
- كيف؟
- سنسهل أمامها الحصول على كل ما تريده، وهكذا لن تلجأ إلى الأسواق ولا إلى دكاكين بمداشير أخرى.
- ولكن أنت تعلم قد لا تتمكن هذه الأسر من رد ديونها وستكون خسارة بالنسبة لنا.
- إذا كنا نحن فعلا نريد الخسارة.
- ماذا تقصد؟
يقهقه محمد ملء شدقيه أمام حيرة سي الراضي.
- نخسر قليلا ونربح كثيرا، لقد حان الوقت لترشح نفسك في انتخابات الجماعة، والدين سيكون ورقة لنا للضغط على الأسر.
- كيف؟
- من يصوت لصالحنا سنخصم ديونه، أو ننقص له منها..
- لا لا هذه ستكون خسارة.
- اه يا أبي! نحن لن نخسر، بعض السلع سنضاعف ثمنها، والمنافع قادمة..
وهنا يبتسم سي الراضي ابتساماته الماكرة تلك، ويربت على كتف إبنه، قائلا:
- ما أشدك دهاء وذكاء، إنك تشبه جدك، ورثته في كل شيء.
وعلى الرغم من أن محمد لم يتجاوز في مساره المدرسي الثالثة إعدادي إلا أنه يمتلك بديهة ومكر قل نظيره، فعندما يقرض الراضي الفلاحين فهو يضع أغلالا في عنق كل واحد منهم، ولا يعود الواحد منهم قادرا على رفع رأسه أمامه أبدا، هكذا يستثمر الراضي في سبيل مصلحته ومشروعه الكبير، ويتمدد نفوذه وسلطانه فوق الجميع، لذلك فإن أقل ما يتمناه هو المطر، وهو أكثر ما يخشى حدوثه..
وزوجته عندما تذهب للإحتفال مع النسوة في طلب المطر، تأخذ معها بالوفرة، من أطعمة وحلويات توزعها على الأطفال والعلكة التي تعشقها النسوة هنا، بل وتقدسها، وتأتي معها خديجة محبوبة المدشار، متألقة مثيرة الفتنة في قلوب الشباب الحالم، ومصيبة النسوة والشبات اللائي هم في سنها بالغيرة والحسد، وهذا ما يجعل بعض الشباب يتطفلون على مجامع النساء تحت مبررات شتى.
لكن ذلك كله لا يثير عندها أي شيء، إنها ليست حاضرة هنا أبدا، ولم تأتي رغبة منها، بل رغبة من أمها التي تريد تمرير العديد من الدلالات من خلالها، فخديجة هي الأخرى تنتظر في اشتياق عودة الوافي من كندا، وطالما حاولت أن تقنع نفسها بعودته إليها، أليس عشيقها الوحيد وحبيب قلبها ومتنفسها أمام رتابة هذه القرية التي تعيش على هامش العالم رغم ما يدعي أهلها؟ وتسيه في مداعبة ذاكرتها وذكرياتها من خلال استحضار بعض قصص الحب التي شهدتها عبر التلفاز من مسلسلات وأفلام، محاولة أن تجد نفسها هناك، لا بد لذلك الفارس المغوار أن يعود مظفرا بالنصر، موشحا بأشرطة ذهبية، راكبا فرسه الأبيض.. ليطير بها إلى الأبد، ليبعدها عن هذه القلعة المظلمة، عن هذه الأدميات التي لا يطيق قلبها الرقيق زيفهم ونفاقهم.. ثم إنها يئست من تسلط أخيها محمد وأوامر أبيها وشتائمه وضربه لها، ولم يعد هناك سوى أمل واحد تتشبث به، وهو الوافي، إنه الشعاع الوحيد الذي ترى من خلاله الحياة، إلا أنها لا تعلم إن كان هو أيضا يفكر فيها بالطريق ذاتها، إنه لم يتصل بها قط، ورغم ذلك تجد في قلبها كل المبررات لبراءته وحبه لها..
إنها تتذكر وتستعيد أجمل ذكرياتها معه، كلامه المنتظم المتسم بالرزانة والاتزان، وقصصه الفاتنة حول جلييت وروميو، وبول وفرجيني، وكذلك حول لو والخياطة الصغيرة.. تلك القصص الجميلة والساحرة التي تثير فيها العاطفة، تهيج مشاعرها الدفينة، أشعاره الرومنسية المغرقة في العشق والهيام.. تتذكر أيضا لمساته الرطبة وجسده المالح والندي تنهذاته الصامتة، وقطرات عرقه الساخنة.. تسهى في ذلك، تسهى في حقول الذرة والقمح وأشجار التين والرومان، في الوادي وفي المنبع.. هناك كتبت ترانيم حبهما، وهناك كانت تكتمل دائرة عشقهما، ولذلك فخديجة هي الوحيدة في أسرتها من تتعاطف مع أسرة سي العربي وتحتفظ بعلاقات حسنة معهم، على الرغم من مقت علالة لها، ورغم ذلك فما إن تصادفها في الطريق حتى تأتي إليها في استحياء، لتسلم عليها على الرغم من جفاء ردود علالة.
ذات يوم كانت علالة قادمة تمتطي حمارها وكان الوقت ظهيرة، قابلتها خديجة في الطريق قائلة لها:
كيف حالك خالتي علالة؟
- بخير
ردت علالة دون أن تكظم ملامحها الرافضة.
- وكيف هو حال عمي العربي والوافي؟
- كل شيء بخير
- متى سيعود الوافي؟ لقد طال غيابه
- وفيما ينفعك رجوع الوافي من عدمه؟
- مجرد سؤال وحسب، أليس إبن مدشارنا؟
لم تكلف علالة نفسها عناء الرد، وسارت تاركة خديجة في حيرتها..
وفي المساء لما جلست إلى الطاولة بحضور كل من إبنها أحمد وزوجته، وسي العربي، نطقت بالموضوع رامية بشكوكها، وهنا توقف أحمد عن الأكل موجها كل انتباهه حول ما سيقال، إنه يعلم عن علاقة أخيه الوافي بخديجة، يعلم عن حبهما كما يعلم بعض شباب المدشار، ولما بلع سي العربي لقمته أجاب:
في المرة القادمة إذا اعترضت سبيلك قل لها من الأفضل أن تبقى هي وعائلتها بعيدا عنا، فليس هناك علاقة تجمع أسرتينا نحن الإثنين، ثم إذا سألتك عن الوافي قل لها إنه تزوج من كندية مسلمة...
اندهش أحمد من هذا الكلام، إنها كذبة لم يعهدها في أبيه، وليست من خصاله.
في أوائل شهر ماي هب نسيم بارد، بطيء، قادما من الغرب، ولعله بشارة، فالناس تعلم يقينا أنه يمهد الطريق لنزول المطر، وعلى الرغم من أن الناس يؤسوا، إلا أن نزول المطر سيجعل الكثير من الناس تعيد زرع الحقول، وزرع بعض المزروعات الصيفية، وعلى الأقل توفير الكفاف من الحاجيات المائية للشرب وسقي القطعان لاجتياز حر الصيف الذي يطول هنا، وتنذر فيه الموارد المائية إذ يجف الوادي والكثير من العيون والأبار، وتحتم عليهم قطع مسافات طويلة لحلب الماء، كما يؤدي ذلك لنشوب نزاعات خطيرة..

وإلى أن ينزل المطر المنتظر يكون العديد من شباب القرية قد هاجر في اتجاه المدينة، باحثين عن عمل يوفرون بواسطته لقمة العيش، بعدما أصبح ذلك مهددا وصعبا هنا، ومن بين من هاجر أحمد ابن سي العربي وزوجه، فعلى الرغم من أن سي العربي ميسور قليلا إذا ما قورن بأغلب الناس هنا إذ لاينقصه خير كما يقال، ويحصل على تحويلات مالية من طرف إبنه الأصغر الذي يشتغل بالجندية، إلا أن أحمد أراد أن يجرب حظه مثل كل الشباب تقريبا حيث تتضخم المدينة هنا في مخيال الجميع إلى ذلك الحد الذي يغري الكثيرين خاصة الشباب، ثم إنه لم يعد يطيق شقاء الحرث والحصاد، فقد مل من تكرار ذالك باستمرار..
وكما كان متوقعا فالنسيم سرعان ما تبعته زخات مطرية عاصفية لم تكن تدوم طويلا، ولكنها أحيت الأمل في النفوس، ودبت في المدشار حركة غير معهودة، وعادت الناس إلى بذر أرضها من جديد وبسرعة، وإذا كان هذا أدخل السرور على الكثيرين فإنه رسم العكس في نفس سي الراضي، الذي رأى في ذلك تهديدا مباشرا لمصالحه، ولما صارح إبنه البكر بذلك، طمئنه قائلا:
بل أبشر، فهذا هو ما كنت أتمنى حدوثه، فالآن سيستهلكون كل مدخراتهم في إعادة بذر الأرض، وأغلبهم سيأتي إلينا ليحصل على السماد، وإني أعلم أن ذلك لن يدوم طويلا، فموسم الحرث قد مضى وانقضى، وما يدفع هؤلاء غير اليأس الأعمى..
وهنا يستحضر سي الراضي تلك المقولة، فإذا فاتك يناير وفبراير فقد فاتك الموسم بأكمله، وأما الأن فالعام أظهر جوفه، وكل الدلائل توحي بحدوث الجفاف، لكن لا أحد سيثني القرويين الذين استبدهم الأمل، الفوران الذي تولده اللحظة.. أنئذ كانت السنابل تعتلي حقول سي الراضي وشتلات القنب الهندي بارزة مخضرة، في انتظار ازالة الأعشاب الضارة منها..
وكأن محمد نبيا مبشرا بما سيقع، إذ سرعان ما عادت الأمور إلى سابق عهدها، بل وازدادت سوءا، فقد ارتفعت الأسعار في دكان سي العربي كما في السوق، وظلت المزروعات قصيرة متفرقة مصفرة لم يكتمل بروز سنابلها، واشتد حر الشمس، فبرزت ملامح البؤس والفقر على محيا القرويين من جديد، ولم يعد هناك سوى أمل طفيف في حقول الكيف على الواد الذي ظهرت فيه بعض البرك المغلقة مع التهاطلات الأخيرة، لكنها في كل يوم ينقص مخزونها بفعل التبخر، وتهافت الناس على السقي.. ورغم كل شيء تدهورت حقول الكيف ومعظمها يبس، وبعضها نهشته الحشارات والطفيليات، ولم تنفع الأدوية في حصر ذلك، وظهرت بوادر العطش والجوع ليس في المدشار فقط، وإنما في الاقليم ككل وأجزاء من أقاليم مجاورة، وبدأت الأسر تقلل من استهلاكها اليومي، وتتخلص من قطعانها التي لم تجد ما تقدمه لها، ولم يعد هناك من سبيل حتى ضمان حياة الكفاف من غذاء الأسر.
وهنا عاد الراضي إلى عادته المعهودة في شراء كل ما هو قابل للشراء، إلى الحد الذي سار فيه يمتلك نصف الأراضي والأغراس في المدشار، وما يفوق تسعين رأس غنم ومثلهن من المعز، والكثير من رؤوس البقر وغيرها.. وهو يحصل على الدعم من طرف الدولة عكس سكان المدشار الذين لا يحصلون على شيء باستثناء البعض، فالراضي له علاقات قوية مع مسؤولين كبار، بحيث يوظف علاقاته في شراء كل مواد الدعم لصالحه، ويعيد بيعها بأثمنة مرتفعة للساكنة، كل واحد يبيع له بالثمن الذي يريد، فالبعض مما يقفون في صفه يبيع لهم بأثمنة منخفظة عكس الأخرين، وكل من أظهر ميوله له وتأييده يقدم له الراضي ما يلزمه بثمن مناسب أو بالدين أو كهبات.. وهكذا تكون دائرة قدر الناس هنا قد اكتملت.
لم يتساءل أحد لما يفعل الراضي ذلك، فالبعض يعتبر أن تلك مساعدة وتسهيلا من طرف الراضي، والبعض الأخر رأوا أن الراضي يستغل الناس هنا بلا هوادة، وكل أوّل الأمر حسب مشاعره تجاه االراضي ولكن كما هي العادة يتحدث الناس طويلا ثم يسيرون نحو منازلهم ليعيدوا نفس الحديث غدا!! أما هو فيعلم يقينا أنه يستثمر، وأن مكانته وكفاحه يخول له مشروعية الهيمنة والسيطرة، فإذا لم يفعل هو ذلك، سيفعل غيره، إن الراضي رجل أفعال وليس كلام.
إن الجفاف قد أعطى للراضي فرصا لا مثيل لها، لكي يبسط سيطرته على المدشار بأن يتحكم في بنيات الإنتاج، وسرعان ما ظهرت عليه ملامح الثروة والبذخ، فها هو إبنه محمد يقتني سيارة فارهة بثلاثين مليون سنتيم، والراضي اقتنى شاحنة وجرار جديدين، وقيل إنه اشتري عقارا بالمدينة وفتح مقهى وصالة للتجميل، ثم إنه يبني لعائلته فيلا في المدشار.. إن الحكمة هنا تحقق، يولد الإزدهار من رحم العاصفة..
لكن إن كان ذلك قدر المدشار وعائلة الراضي فهو ليس قدر خديجة، وكأنها لم تكن معنية بهذا الإزدهار، إنها تعلم يقينا أن ذلك سيحرك نوازع الطامحين للتقرب من أبيها، ولن يكون ذلك إلا من خلالها وعلى حساب قلبها، وإن كانت لا تستطيع أن تحدد مكان أبيها، بأن تحاكمه إن كان ظالما أو لا، فهي تدرك أن ما يقوم به ليس طبيعيا، إنه يمارس السرقة ولكن بإرادة المسروق الذي يجد نفسه مضطرا، لذلك فالثروة كانت تسير ضدها لا في صالحها، وزادة تحطما عندما أشيع في المدشار أن الوافي تزوج كندية، وأكدت لها علالة على ذلك عندما سألتها لكنها ظلت تشك في ذلك، ظلت متشبثة بحبها للوافي، فهي تعلم يقينا أنه لن ينساها، وبدأت تعيش أزمات نفسية متوالية في كل يوم، تصارع هذه الشخوص التي تهتاج كموج جامح في كيانها الرقيق، وبدأت بعض الأفكار المؤذية تنتابها بأن تضع حدا لحياتها، وأصبحت حياتها هشة تعيشها على هامش الوجود، ولم تحتاج إلى الكثير، فقد كان تقدم إبن القائد لخطبتها كافيا ليجعلها تهوي إلى حيث لا نهاية، فهي رفضت أن تتزوجه، وتحدت كل من أبيها وأخيها، فقد أكد لها الراضي قائلا:
ستتزوجينه شئت أم أبيت..
أما محمد فقد أكد لها: لن نفوت هذه الفرصة مهما كلفت، إنه إبن القائد، ويعني ذلك لأسرتنا الكثير، سوف تتزوجينه ولن تظلي سائبة هنا كالحمقاء.
وكذلك أمها فاطمة إصطفت ضدها عندما أكدت لها على مزايا هذا الزواج وما يمكن أن يأتي به من نعم على حياتها..
وهنا وجدت نفسها وحيدة، بل أكثر وحدة، كم تمنت أن يعود الوافي ليأخذها معه، كم تمنت أن تطير بها زخمة هواء إليه، وعندما وجدت نفسها تموت يوما بعد يوم إختارت طريقها، إذ وجدت ذات صباح معلقة في جذع شجرة التفاح في مغرس العائلة..
لقد انتابت الراضي موجة من الحزن وكذلك إبنه ليس على خديجة بالضبط وإنما على العلاقة التي كانت ستربطه بالقائد، أما تجاه خديجة فلم يكن هناك سوى عطف أسري جامد، والوحيدة التي حزنت هي أمها، أدركت أنها كانت سببا في موت ابنتها وفلذة كبدها، فالراضي يعلم أن له زوجة ثانية بالمدينة لها طفلين، ومحمد كذلك على بينة، ولكن لم يصارح أباه بما يعرفه حوله.
هكذا رحلت خديجة العاشقة وفية لحبها، وإن كانت قد تركت انطباعا بالفراغ عند بعض الحالمين، وشكل رحيلها خلاص البعض.. في حين قال البعض من أهل المدشار إن بوادر الإنتقام الرباني باتت واضحة على الراضي الغاصب، لما أبدى من ظلم واستغلال في حق الضعفاء من سكان المدشار، وليست هذه سوى البداية وهكذا تمادى البعض في ظنونه إلى الحد الذي اقتنع فيه بأن سقوط الراضي أضحى وشيكا..
تركت خديجة رسالة سرعان ما اكتشفها محمد، كتبت فيها " إنني أفعل هذا من أجلك ومن أجل حبنا، يعتقدون أنني طفلة صغيرة، لأنني لم أنخرط في لعبتهم القذرة تلك، لكن منذ رحيلك بدأت أزداد لك حبا واشتياقا، كنت دائما حاضرا معي هنا حبيبي، وصورتك لم تغادر خيالي، وكلماتك ما تزال تطن في اذاني.. اليوم أرحل وأنا مقتنعة أنني فعلت الصواب، لم أشأ أن أتزوج فقط لأن أبي وأخي يريدون أن يجعلوا مني قنطرة لتحقيق مآربهم.. لا أحد هنا يحترم الحياة لأنهم لا يفهمونها، أمي التي ولدتني وقفت ضدي، يا حسرتاه!! ولكن لتعلم حبيبي وحدك، أنني عشت هذه السنوات يتيمة من دون عائلة، وسأرحل يتيمة باستثناء هذا الحب الذي أكنه لك، ليعلم الله ذلك وليجمعنا في مكان ما.. إنني أومن بذلك"
الوحيد الذي قرأ الرسالة هو محمد، وحينها مزقها من شدة الغضب، ولم يستعيد مضمونها الفعلي إلا بعد مرور تسع سنوات عندما كان في السجن، بدأت هذه الذكريات تباغثه وتنغص عليه سكونه، فقد عادت خديجة تأنب ضميره، وفهم مع الأيام المعنى لكل ما فعله وكان يفعله، بل هذه المرة كان بمقدور أخته أن تغيره وتعيد بعثه من جديد..
لقد امتد نفوذ الراضي إلى حدود كبيرة، بعدما أصبح برلمانيا، ونظرا لما يتوفر عليه من سلطان ومساعيه المتواصلة في السيطرة وبسط النفوذ، تصادم مع أشخاص في مستواه، وكان من ذلك الافشاء بإبنه محمد الذي كان يمتلك شبكة لتهريب المخدرات، وتم الحكم عليه بالسجن خمس سنوات، ولولا إسراع الراضي في الاجهاز على خصومه لكان هو أيضا في السجن، وهنا وجد محمد الفرصة لأول مرة ليعيد النظر في نفسه، فقد أدرك أنه كان مخطئا تماما فيما فعل، وأعلن توبته، فمباشرة بعد خروجه أخذ زوجته وإبنيه وتوجه إلى مدينة طنجة، ورغم تهديد الراضي له بحرمانه من ثروته ومراثه إلا أنه لم يبالي أبدا، وسرعان ما خارت وعود الراضي بتمسك محمد بموقفه، لكن وجد في إبنه الثاني خالد سندا يغنيه عن محمد البكر..
إن الوحيدة التي تألمت لخديجة عي علالة أم الوافي، فقد شعرت بوخز الضمير حينما كذبت وأشاعت زواج الوافي، فقد ظلت لأسابيع منكسرة تدعو مع خديجة في كل صلاة، وتحول كرهها لها إلا حب عجيب، حتى إنها زارت قبرها خلسة، واعتذرت لها، ولما أطلعت سي العربي زوجها بما ينتابها أجابها قائلا:
ليس عليك مؤاخذة نفسك بذلك، إن الله حرم قتل النفس، ووعد الذين يفعلون ذلك بالعذاب الأليم، ولا علاقة لنا بما وقع..
- ولكن ألم يكن لكذبتنا تلك أثرا فيما وقع؟
- أبدا!! فقد دافعنا عن كرامة أسرتنا وشرف إبننا، ولم أكن لأغفر للوافي فعلته لو تزوج بها.
لكن هل كانت كلمات سي العربي الغارقة في التعميم كافية لتقنع علالة؟
كلا، إن مشهد خديجة ظل جاثما أمام عينيها، عندما كانت لالة علالة في نزعها الأخير، أمكنها أن تخاطب خديجة، أن تلمس وجهها أن تقبل وجنتيها، فقد كانت إبنتها وإن لم تلدها..
إكتملت دائرة البؤس حينما تم اكتشاف أن مردودية الكيف ضعيفة وزاد الأمر بلة تدني الأسعار، ليجد الناس هنا أنفسهم مكبلين ومحاصرين من كل الاتجاهات، ولم يعد بوسعهم معرفة ما يفعلونه، بعدما استشرت فيهم الحيرة..



أما الفقيه فلم يكن صادقا تماما في نبؤته، فعلى الرغم من تأزم الأمر فإن إقبال الناس على المسجد قد تزايد، وتزايد الطلب كذلك على دعوات الفقيه لينقذ الناس مما هم فيه ومن مصيرهم المجهول، أما الوجبات اليومية فظلت كما هي، باستثناء نقص العطايا فلم يعد بمقدور كل الناس تقديم العطايا كما كانوا للفقيه، وكذلك لهجرة العديد من الأسر نحو المدينة، فالناس هنا لا تريد أن تعصي الله بأن تقصر في واجبها تجاه خادمه والقائم بشؤونه هنا، كما أن سياسة الفقيه في تقسيم الناس هنا إلى كرماء يجيدون ويجدون في سبيل بيت الله، وأخرين يقصرون في ذلك، ولا يتوقف عن ترديد أسمائهم، والغالبية تتمنى ذلك من صميم قلبها، فالناس تريد أن تتظاهر هنا بالنعمة على الرغم من فقرها وحالها المدقع، فليس الواقع هو ما يهم ولكن ما يراه الناس هو الأهم، وشهادة الفقيه تعني الكثير، لذلك يلجؤون للدين، بل إنهم يمضون في حياة القلة والفاقة توفيرا لما تقتضيه وجبة الفقيه، لذلك لم يتأثر الفقيه بالأزمة واستفاد من الثروة المتنامية لسي الراضي، فهو على الرغم من أنه لم يعد يزور المدشار إلا قليلا، فقد أوصى أبنائه بتقديم كل شيء يحتاجه الفقيه، بل وخصص له مائتين درهم أسبوعيا، فالفقيه يجب أن يبقى تحت سلطته، وهذا كله جعل الفقيه يعيش حياة اللامبالاة فيما تعيشه ساكنة المدشار، ولم ينتبه أو يشك أحدا في سلوك الفقيه، لكن مكان للمسجد كان مختلفا بالنسبة للمدرسة، فالعديد من الأسر دفعهم الفقر إلى منع أبنائهم عن متابعة درساتهم، خاصة الفتيات، فلم يعد لهم من قدرة على توفير مستلزمات الدراسة، وأصبحت كل فئات الأسرة مطالبة بالعمل في حقول العائلة أو حقول الراضي بأثمنة بخسة، وقلة قليلة من كافحت من أجل ذلك، وهنا تحققت نبؤة الوافي الذي قال:
“في حالة الأزمات العظيمة، الفقراء لا يزددون فقرا وحسب، بل إنهم يفقدون مواقعهم الاستراتيجية، بأن ينسحبوا من المواقع التي يستمدون منها رأسمالهم الرمزي، وبالتالي يفقدون القدرة على النهوض من جديد، والفرصة في الرقي الاجتماعي، وعليه فالجفاف في العالم القروي ليس سوى معنى للحركة الاجتماعية السلبية" الوحيد الذي تذكر كلام الوافي هو صديقه الاستاذ، الذي لم يجد بيده حيلة غير القول، كم أنت صادق أيها الوافي!!
نصف ساكنة المدشار تقريبا هاجرت خاصة الشباب، والنصف الآخر حاول التكيف مع الأمر بتجلد وشجاعة، وزاد ذلك الراضي فرحا وسعادة، فأغلب من هاجر لم يجد بيده سبيلا لتوفير ما يلزمه من نقوذ غير بيع أرضه، ولا أحد هنا يمتلك القدرة لشراء الأرض غير الراضي الذي كان طبعا يحدد الأرض التي يشتريها وكذا السعر..
وبعد مرور خمس سنوات على غيابه عاد الوافي من كندا، كان جسده قد اكتنز وقامته تبدوا وكأنها إزدادت طولا، ملامحه تغيرت كثيرا عما كان عليه فيما مضى، فقد انتشر الصلع في مقدمة رأسه، وامتلأ وجهه وسارت بشرته نحو البياض، كان يرتدي معطفا أزرقا وشميز أبيض مع ربطة عنق حمراء، إنه رجل تظهر في سماه النعمة كأيما يكون، دخل إلى المدشار عصرا راكبا سيارته الفارهة من نوع الفولسواكن.. وما إن لمحت السيارة غير المعهودة حتى استبد الشك بخاطر سكان المدشار حول هذا الغريب الذي دخل مدشارهم، وبالضبط اتجه صوب منزل سي العربي، ولم يتمكن أحد من التعرف عليه، لخظتها، وما إن إنتهى الخبر إلى سي الراضي حتى اتصل بالشيخ وأخبره بالتحقق من الأمر، لم يستطيع أحد أن يعتقد بأن يكون الوافي إبن سي العربي، فقد نسوه ولم يعد حتى جزءا في احتمالاتهم.. ولكن سرعان ما إنتشر الخبر وعرف بأنه الوافي، فقد قال الشيخ للراضي:
إنه إبن العربي، الوافي ذلك المجنون..
- المجنون هو أنت، فالمجانين لا يذهبون إلى كندا ويعدون بسيارة مثل هذه.
هكذا رد الراضي على الفقيه.
وهنا إستبدت الشكوك بسي الراضي من جديد، وعرف أن الوافي ربما يهدد مصالحه بأكملها، فهو يظهر عليه أنه يمتلك نقوذا كثيرة، أو يفترض أن يمتلكها، وربما يدفعه عطفه إلى أن يوزع بعض الأموال على ناس رأفة بما أصابهم من جفاف وفاقة، أو أن يبقى هنا ويرشح نفسه، أو يمنح أباه مالا كافيا يمكنه من منافسته في شراء الأرض والأغراس وهذا ما لم يكن يتوقعه، فعودة الوافي هي السحر الذي لم ينتبه له سي الراضي ولا إبنه.. وانبعث فيه حسد رهيب له، متمنيا لو يختفي عن وجه الدنيا إلى الأبد..
استقبل سي العربي إبنه بسخاوة غير معهودة وعامله كما لم يعامله من قبل، أما علالة فقد ذرفت الدموع وأطلقت حلقها لنوبات من الزغاريد، إبنها عاد.. وكانت عودة الوافي بمثابة عرس للأسرة، ونظم سي العربي في ذالك صدقة "حفلة" اذ دعا الناس والفقيه وغيرهم وذبح خروفا كان يمتلك.
ولم يمضي طويلا حتى التقى الوافي ببعض الناس في منزل أبيه وفي المقهى، واكتشف أن النظرة المعتادة التي كان يرمقونه بها فيما مضى قد تغيرت جذريا، وأصبح سيدا فالكل يناديه "سي الوافي" ورغم ذلك لو كانت القلوب تنطق لذاتها لأفصحت عن جبال من الحسد والدغائن اتجاهه، خاصة من لدن الشباب الذين كانوا يسخرون منه فيما مضى، لقد نسوا شبح الجفاف الذي يطوف بهم، وأصبح الوافي على طرف كل لسان، وفي وسط كل حديث.. في كندا بدأ الوافي عاديا عاملا بسيطا في مطعم يغسل الصحون، لكنه تابع دراسته في شعبة الفلسفة وتخرج بعد سنتين، مدرسا في مؤسسة خاصة هناك، تعنى بتطوير مهارات الذكاء عنذ ذوي الإحتياجات الخاصة، غير أنه لم يتوقف هناك، فقد بدأ أعماله عندما أنشأ مطعما صغيرا يقدم بعض الأطعمة المغربية والعربية، ثم توسعت أعماله في ظرف وجيز، ليتمكن من شراء فندق، وهكذا استطاع الوافي بصبره أن يجمع بين مهنة التدريس ورجل الأعمال، كما أسس جمعية للدفاع عن تدريس المهاجرين الأجانب ومساعدتهم.. وانخرط في العمل السياسي.. وأصبح معروفا لدى العديد من الكنديين..
وعندما عاد الوافي كان متحمسا ليقدم تجاربه إلى أهل المدشار، فكندا أعطته خبرة واسعة ومهارات عالية وكثيرة، وأول ما فكر فيه الوافي إصلاح المدرسة وتجهيزها كخطوة أولى، فهو يؤمن بأن لا ارتقاء ولا تغيير إلا من خلال المدرسة، والمدرسة الفاعلة يجب أن تتوفر على البنيات المادية اللازمة، ثم يعبد السواقي ويشتري المحركات للناس لضخ المياه من مناطق بعيدة، ولذات الغرض رأى من الأهمية بمكان تأسيس جمعية، وفيما بعد تنظيم الناس في تعاونيات الإنتاج الزيتون والتين وغيرها، وكان مستعدا أن يسهل أمامهم الطريق ليصدروا ذلك إلى كندا، و أن يكون هو شريكا لهم فمطعمه يحتاج لمثل هذه المنتجات الرستاقية..
كانت هذه بالنسبة له نظرة متكاملة لتأهيل مدشاره، وعلى الرغم مما لاقيه منهم من اهمال وتقصير فيما مضى، إلا أنه وجد لذلك عذرا، فالناس هنا غير متعلمة وربما لم يجدوا من يفتح عيونهم على الحقيقة، ومن البديهي أن يكون تصرفهم هكذا.
علم الوافي بما وقع لخديجة التي ماتت منتحرة، أحازه الأمر في نفسه كثيرا لما حدث، فقد عاد أيضا من أجلها هي، فهو لم ينساها وإن كانت قد ضعفت في قلبه، إذ كان كل همه طيلة تلك الفترة أن يؤهل نفسه، ويستثمر فرصته تلك خير استثمار، وقد حمل معه لها هدية ثمينة، إنها خاتم الخطوبة، أملا مثلما كانت تأمل هي، أن تكون طيلة هذه الفترة ما تزال في انتظاره، ولكن ها هي انتخرت، والوافي قد عاهد نفسه ألا يتزوج إنسانا تهزمه الحياة هكذا بسهولة، إذ يمكن أن نتقبل أي شيء ما عدا أن نخون هذه الأمانة.. ورغم ذلك إنتابه هوس في معرفة السبب ومعرفة الدافع، لكن كل ما علمه أن إبن القايد كان قد تقدم لخطبتها ورفضت، لذا سيدرك الوافي أنه كان على خطأ وأنه بطريقة أو بأخرى كان السبب في ذلك، إن الإنتخار هنا ليس هروبا من الحياة، ولكنه شكل من المقاومة، شكل من الاخلاص والخلاص الابديين، إذ يختار الإنسان موتا واحدا بدل أن يموت باستمرار، وقد أخبره أخيه أحمد، لقد كانت تحبك، لم تستطيع أن تمنع نفسها من حبك، لطالما سألت أمي عنك وعن حالك وعودتك.. وهنا استبدت الوافي موجة من الندم والحنين مختلطين معا، وانهار على ركبتيه يبكي كطفل صغير، وعزل نفسه في غرفته ليومين كاملين، فقد استبده الآسى والندم الشديد، ومن ثم سار إلى قبرها، وأفرغ قلبه وذرف دمعه.. قدم لها الهدية في عزاء دفنها في تراب قبرها، لكن الوافي يميز جيدا بين خلجات وشجون عواطفه ومسؤوليته تجاه ذاته وتجاه الناس التي يفرضها عليه ضميره الأخلاقي، فخير ما نفعله ازاء الازمات التي تعترضنا أن نستمر في القيام بالواجب، دون توقف.. الواجب هو الحياة!!
مضت الأسابيع بسرعة، ولم يتمكن لا سي الراضي ولا الشيخ من النفاذ لمشاريع الوافي رغم محاولاتهم المستمرة، فقد أدرك الوافي الحقيقة الجاثمة التي تمسك بناصية كل روح ونفس في هذا المدشار، إنهم يعيشون الجفاف، وهنا وجد في ذلك عاملا مهما لتمرير مشروعه، فالجفاف إذا فرصة لفعل الخير كما هو فرصة لفعل الشر، إنه يمهد للمصلحة العامة والإصلاح والتغيير، كما يمهد للمصلحة الخاصة والتسيب والتسلط، لم يجد سي الراضي من حل أخر غير أن يطلب من إبنه محمد أن يتكلف بمعرفة مشروع الوافي ونوياه التي لم يعلن عنها بعد..
فهو يعلم يقينا أن غيرته على المدشار ما تزال تسكنه، وأن سي العربي إذا ما توفرت له النقوذ لن يتوانى في شراء الأرض.
لما التقى محمد بالوافي حياه في ابتسامة، فالوافي ليس كباقي الأشخاص هنا، فله مكانته، وتحيط به هالة من السلطة، تلك السلطة التي لا يحب سي الراضي أن ينافسه فيها أحد، إن كل من يملك له مكانته، ومن لا يملك ولا تظهر عليه مظاهر النعمة لا مكانة له هنا مهما كانت رساميله الرمزية ومهما كانت فضائله..
سأل محمد:
- كم ستبقى هنا معنا في المدشار؟
- كنت سأظل هنا شهران على الأكثر، ولكن لما رأيت حال الناس هنا وما أصابهم ربما سيطول الأمر قليلا لستة أشهر.
- يعني أنك تفكر في إنقاذ الناس مما أصابهم من بلاء؟
- طبعا، فلا يسمح لي ضميري أن أترك الناس في مثل هذا البؤس؟
- وكيف؟
- أفكر في تأسيس جمعية وتنظيم الناس في تعاونيات هنا، وذلك الإصلاح المدرسة وتمكينهم من المعدات لسقي حقولهم، وحفر بعض الآبار...
- هذا جميل، فكندا تبني في الإنسان أحلاما كبيرة.
- والارادة أيضا في تحقيقها، فكندا لا تعلم الكلام المجاني، ولا تقيس الإنسان بما يقول، وإنما بما يفعل ويعمل وبما ينجزه..
- جيد جدا
- أنتم عائلة ميسورة هنا، إذا كان بودك مساعدتي في ذلك فسوف نحول هذا المدشار إلى جنة، وربما يعود هذا عليكم بالكثير مستقبلا.
- كيف؟؟
- أنت ترى، فمدشارنا في مكان مميز للغاية، ويمكن تحويله لمكان سياحي في اطار السياحة القروية!!
- رائع لقد أقنعتني حقا..
- ولكن كما تعلم يجب أن أناقش هذا مع والدي..
لم تطاوع الوافي نفسه في السؤال حول سبب موت خديجة، ولكنه رأى في استجابة محمد تشجيعا كبيرا للمضي قدما في مشروعه، غير أن محمد كان يشعر بحقد كبير تجاه الوافي، فما يرمي إليه هو تهديد مباشر لمصالح أسرته، وتذكر محمد رسالة أخته، لكنه كظم غيضه وتظاهر بحسن السلوك والسيرة أمام عدوه الوحيد، هذا العدو الذي لم يكن في الحسبان أبدا.
أما سي العربي الذي يمتاز بواقعيته الصارمة فهو الوحيد الذي صارح الوافي إذ قال له:
- اسمع يابني، إن لا مستقبل لإنسان متعلم هنا، فالناس في هذا المكان يا بني تملأ صدورهم الأحقاد والضغائن، ولن يغفروا لك تقدمك هذا، وسرعان ما ستدرك أن ما تصبوا إليه مجرد وهم أو حلم كندي جميل..
- ولكن يا أبي فالأحوال تبدلت هنا كثيرا، والجفاف يكاد ينقلب مجاعة، وهل سنقف نرتقب هذا البؤس في سكون؟
- إنني أفهم غيرتك، وأفهم دوافعك النبيلة تجاهنا..
- إذن لماذا هذا التردد؟
- إننا يا بني لم نولد لنغير فنحن ولدنا لنحافظ على تاريخ أجدادنا وأبائنا. لا أحد هنا يستطيع أن يتصور نفسه أنه يمكن أن يعيش بطريقة أخرى مختلفة عن تلك التي عاشها أبواه وأجداده الأوائل.
- ولكن يا أبي دعني أحاول وأثبت لك أنك على خطأ!! وإني لست متحمسا، بل إنني على دارية بواقع الحال هنا.
- حسنا يا بني افعل ما تراه مناسبا لن أتدخل في إرادتك، ولكن دعني أقدم لك نصيحة ربما تشكرني عليها.
- هاتي نصيحتك فربما تكون مفيدة، فأنت خبرت الحياة هنا وبالتالي لربما تدرك عمق ما يحدث أكثر مني، ولعلي أكون في قصور من الفهم حول أمور كثيرة..
- إعلم أن ذلك سيجلب لك الكثير من الأعداء والصراعات خاصة مع ذلك الشيطان الراضي وخادمه الشيخ.
- لا تخشى من ذلك يا أبي فقد حاورت البارحة محمد إبن الراضي وأبدى استعداده ومساندته لما أصبوا إليه.
- أنت تخطيء، لقد كان يريد معرفة ما تضمره، وإني لأعلم يقيننا أنه أول من سيحاربك هو وأبيه.
- أنت يا أبي تمزج عداوتك مع الراضي في الموضوع، وتبدو الأمور مضخمة جدا من وجهة نظرك..
- أنا مجرد ناصح، وافعل ما بداك، اعذرني.
ولكن لا سي العربي ولا غيره كان بامكامه أن يجعل الوافي يتراجع عن قراراته، وأن يمضي في عزمه هذا الذي يؤسس نفسه في سبيل الفضيلة.
وعندما حاور أهل المدشار حول إصلاح السواقي والمدرسة وشراء المحركات.. أبدو في البداية استجابة لابأس بها، لكن الراضي ازداد فضاضة وغضاضة عندما علم بالأمر، لقد أدرك الراضي عمق المأزق، وتساءل ماذا سيقول الناس في الجماعة: رئيس الجماعة لم يصلح حتى مدرسة مدشاره!! فكيف بمدارس باقي المداشير الأخرى؟ ثم سيجعل ذلك الوافي في عيون الناس بطلا، وسيجعلني بطريقة أو بأخرى في الهامش. هكذا قال الراضي.
لذا رأى أن ذلك من اختصاصه هو وحده، وهنا تبرز حنكة الداهية الراضي لما أوحى له الشيخ بفكرة خطيرة لم تكن لتخطر على باله، ولا على بال إبنه، إذ قال له:
فهو لا يمكن إصلاح المدرسة بدون ترخيص من المدير
- إذن عليك بالمدير، أخبره بأن يمتنع عن ذلك وسيحصل على قهوته.
- نام على جنب الراحة، واعتبر أن الأمر قد نفذ.
وعندما إلتقى الوافي بالمدير وعرض عليه مشروعه، بدأ المدير يلتوي في كلامه، وإنتهى إلى القول: بأنه من حيث المبدأ لا يمكن القيام بذلك، فالأمر سيتطلب سنة كاملة، أي عندما تبرمج المؤسسة لمشروعها القادم، ورغم إدراكه لأهمية ما يطمح له الوافي ودوره في ازدهار المدرسة، وعلى الرغم من إلحاح الأساتذة على المدير بتمرير المشروع حيث كان من بين مكوناته بناء سكن للأساتذة وتمكينهم من الطاقة الكهربائية والأجهزة الالكترونية وغيرها، إلا أن المدير قد رفض، واعتبر ذلك تطفلا صارخا على اختصاصاته.. ولم يقف الوافي هنا، فقد رفع دعوة قضائية وناشد جمعيات مدنية محلية، إلا أن يد الراضي كانت صلبة وكأنها قدر محتوم هنا.. ولم يبقى أمامه سوى حل وحيد، وهو أن يناشد أهل المدشار من جديد ويفتح عيونهم على مصلحتهم، لكن لا أحد استجاب له، وهنا بدأ يستعيد كلام ونصائح أبيه.. لم يفشل هنا وحسب بل إنه لم ينجح في تأسيس جمعية ولا تعاونية كما كان يعتقد، لقد بدت الحقيقة واضحة "نحن لم نولد لنغير" ولكن إذا ما نُظر للمسألة من ناحية منطقية، فإن كلام سي العربي باطل في أساسه، إنه ينم عن بلاهة، فالتغيير هو الشيء الوحيد الأكثر ثباتا في الكون.. واقتنع بأن التغيير الذي ينشده يقتضي المزيد من النضال، لذا اشترى أرضا ووضع مشروعا لتربية الأبقار الحلوب، وانخرط في تعاونية محلية، وذلك ليثير حافزية الناس للانخراط في هذا المشروع بأن يصبحوا جزءا منه، في البداية لم يكن الراضي يرى في الأمر تهديدا كبيرا وإن مع استمرار حقده تجاه الوافي، لكن ما إن حاول الوافي شراء أرض فسيحة بالواد وتحد مع الطريق العام حتى آثار ذلك سخط الراضي، الذي سيتأمر على الوافي، لينتهي الأمر إلى تسميم أبقار الوافي وموتها جميعا.. ثم اضرمت النار ليلا في المشروع.. ولما رفع الوافي دعوة ضد الراضي لم يستطيع ادانته، فلم يشهد له أحد على الرغم من أن الجميع هنا يدرك في قرارة نفسه أن لا أحد غير الراضي يمكنه فعل ذلك، ثم إن الراضي من خلال نفوذه باستطاعته أن يورط الجميع، لقد كانت تلك نكسة عظيمة مني بها الوافي وما كان منه سوى أن اتجه صوب المسجد ونادا في الناس قائلا:
هل تعلمون لماذا تقدموا هم وبلغوا ما بلغوا إليه؟ لا لأن الله جعل لهم الجنة في الدنيا! بل لأنهم لا يسكتون عن حقهم أبدا، الحق عندهم مقدس ويدافعون عنه بكل شيء، ولا يتساهلون مع من يريد سلبهم أشياءهم، إنهم أكثر نهيا عن المنكر، ويعرفون واجبهم ويقدمون تضحيات في سبيل ذلك، أما أنتم فلستم سوى تلة من الخائفين الذين لا يعرفون ما يريدون، ولكنهم للأسف يعضون الناس وينسون أنفسم، لقد خنتم ثقة الله فيكم بأن استخلفكم، ولكنكم تعصونه بلا كلال، ثم تخشون أشخاصا مثلكم فانون، ذلك الفقيه الذي يضحك عليكم بكلمات..
عندما أتيت كانت غايتي أن أجعل هذا المدشار يزدهر، وكنتم جميعا ستستفدون وتحظون أنتم وأبنائكم بحياة جيدة وراقية، ونمط عيش أكثر تقدما، لكنكم تحبون حياة الشقاء، ماذا كنتم ستخسرون؟ لا شيء!! في نظري أنتم لا تستحقون أي شيء، فعيشوا على طريقتكم..
قال هذا ثم رحل، وفي المنزل أكد له سي العربي قائلا:
قلت لك يا بني، الأن بت تعلم من نحن، إسمعني! لا مستقبل لأمثالك هنا، إمضي إلى أرض النصارى فهي ما تستحق مبادراتك.
ولأول مرة يدرك الوافي عمق كلمات والده على الرغم من رفض أمه التي رأت أن ذلك سيكون سببا في ابتعاده عنها من جديد، مما سيحتم عليها انتظاره لسنوات طوال ربما لن تتحملها أبدا..
ضبط الوافي أغراضه وعاد أدراجه نحو كندا، ولم يدرك الوافي أيضا أن الفقيه حرض بعض الناس ضده، ورفض أفكاره معتبرا أنه يحاول زرع أفكار وبدع كفرية نصرانية، لذا فالبعض لم تتاح له الفرصة لينظر بعيدا، ولكنهم كانوا يخلطون كما يخلط الناس عموما بين أعمال الله وأعمال الناس..
ترك كلام الوافي الأخير انطباعا عند بعض الناس أولئك الذين هدتهم بصيرتهم إلى فهم عمق مشروعه، وبادرته، وما كان ينوي القيام به، وأصبح ذلك جليا في الانتخابات، فلم تتحقق توقعات الراضي بأن يكتسح المدشار، فعلى الرغم من نجاحه فإن نسبة الاصوات تراجعت، وهنا أدرك هو وإبنه محمد أن هناك مقاومة جنينية تتشكل ضدهما، ولذلك فلا خيار غير وأدها في مهدها، لذلك سعى محمد جاهدا لمعرفة العناصر التي خرجت عن المألوف، وقد تمكن فعلا من معرفتهم جميعا، لذا حاول الراضي الانتقام منهم بطريقته الخاصة، فقد أوصي المستخدم في الدكان بعدم منحهم أو بيعهم أي شيء، كما منع الإستفادة
من أعلاف الراضي وآلاته الزراعية، وامتنع عن شراء أي شيء منهم، وعندما لم يجدوا أية وسيلة لضمان قوة العيش، ذهبوا إلى منزل الراضي طالبين المغفرة، واعتذروا، وحده سي العربي الذي لم يفعل، ورغم ذلك يحترمه الراضي، فهو خصم لا بد منه، ويجب أن يكون في المدشار، لقد استطاع سي الراضي أن يجمع بين رئيس جماعة وعضو برلماني، وجعل إبنه رئيس الغرفة الفلاحية بالاقليم، وما إن مرت شهور حتى بدأ سي الراضي في تجهيز أراضيه تجهيزا عصريا..
كان الوافي جالسا في مقعده بالطائرة وهو منغمسا في التفكير في هذه الوضعية، بدا له الأمر غير قابل للفهم، أناس يرفضون مصلحتهم، ثم ماذا كان يطلب منهم ولا قرشا واحدا، لا درهما ولا دينارا.. ولا حتى أن يضعوا أنفسهم في مواجهة أحد، ورغم ذلك إختاروا أن يبقو عبيدا للمناخ والأسياد، ثم يشكون من ضعفهم وهشاشتهم، لقد أدرك الوافي في نهاية المطاف أن المشكل ليس مجرد خوف وتردد، بل إن المشكل هو مشكل منظومة عقلية وثقافية غير واعية بمصلحتها، ولكنها تتظاهر بالمعرفة والوعي معا، وترفض التغيير!! ومن يريد أن يمد لها يد العون لإخراجها من المأزق، تتصدى له وتتنكر لفضله، ولم يحزه ضياع أمواله، أو ما تعرض له من خذلان، بل حاز في نفسه أيضا أن الناس الذين يسيرون الأمور هنا غير ناضجين كيفاية ليفهموا مصلحة المواطن، وأنهم يفصلون فصلا خاطئا بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، فهم لا يعرفون أن دعم المصلحة العامة هي التي تثري المصلحة الخاصة، وأن دعم المصلحة الخاصة لا تثري المصلحة العامة، بل تؤدي إلى إنهيار المصلحتين معا، وهاذا ما سماه بالتنمية، لقد كان يتوجب على الراضي لو كان واعيا أن يصلح المدرسة لا أن يمنع اصلاحها، وبذلك كان سيكسب مشروعية عظيمة أكثر من تلك الدراهم التي سعى في إثرها..
لكنه خمن جيدا هذه المرة، بعيدا عن نوازعه وعواطفه، وأدرك أن لا مستقبل له هنا، كما أن لا مستقبل لإنسان أو جماعة ضمن هذه المنظومة، ولذا ركز على مستقبله في كندا، إنها البلاد التي قدمت لي الكثير وأعادت لي معنى الحياة، فلماذا إذا عليا أن أبقى هكذا عائدا إلى الخلف؟ هكذا قال، لقد قطع وعدا نهائيا بأن يفصل أماله وأحلامه عن هذا المكان، فهو يرى أن غربته الحقيقية هنا وليست هناك.
مباشرة بعد عودته تزوج الوافي فتاة كان يعرفها، إنها "بتريس" فتاة في الثلاثينات من عمرها ناصعة البياض شقراء الشعر، وتملأ عينيها زرقة خلابة، مع ابتسامة ترسم على محياها إشراقة تبعث على المرح والسرور، وهي عضوة في الجمعية التي فيها الوافي، ولكن الوافي في منآى عن هذا، فهو عندما يجلس إليها تسكون خواطره وينتابه شعور نحو الاكتمال النفسي، ويمضي الوقت بطوله في تفحص عيناها والإصغاء لصوتها، صارحها بقصته مع خديجة، وتفهمت الأمر، لقد وجد الوافي في بتريس السند القوي، فهذه المرأة علمته أهم شيء يفتقده الإنسان في تلك المناطق، وهو أن يتعلم الإنسان احترام نفسه وذاته، وستكون بمثابة الشعلة التي سترفعه إلى أعلى العليين هنا في كندا، عندما سيصبح فيما بعد، كم تمنى لو كان مجتمعه الأول مثل هولاء الناس يبادرون إلى مصلحتهم، بل ويخلقون مصالحا جديدة، لقد تساءل:
ماذا ينقصهم حتى يكون هكذا؟
فكر ووجد أن السؤال الذي طرحه ويطرحه باستمرار سؤال غير مشروع، فليس العيب في أن يكون الإنسان جاهلا، بل العيب كل العيب أن يكون كذلك وهو يدعي العكس؟؟
وقد أمكن لسكان المدشار فيما بعد رؤية الوافي عبر شاشات التلفاز، كم حسدوه حينها، كانوا يخجلون من أنفسهم وهم يرون واحدا منهم بلغ هذه المرتبة، إن المجانين هم الناس الذين لم يتحملوا أبدا تفاهة هذا المجتمع، لم يتحملوا أن يكونوا جزءا من هذا العبث، لذلك اختاروا الجنون، وهم كلما توفرت لهم الظروف أصبحوا أنبياء عصرهم، كان الوافي مجنونا، وهاهو يقود أجيال دولة عظيمة..
أما سي العربي فقد أخذ على عاتقه أن يعمل بنصيحة إبنه الوافي، تحت إلحاح أحمد، بأن يستقدم مرشدين فلاحيين ليغرس أرضه من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، ومع تقدمه في السن إذ أصبح في الرابعة والستين من عمره، وجد أن لا ضرورة غير ذلك..
وتشاور مع زوجه علالة قائلا:
لقد فكرت فيما قاله الوافي.
- في ماذا؟
- بأن أغرس الأرض.
- ربما سيريح ذلك من متاعب الحرث هنا.
- عندما أتأمل كلام الوافي يبدو لي العبث عينه، فأنا غير مقتنع به.
- بل الحقيقة
- إنني متردد بعض الشيء، لكن أحمد لم يعد بمقدوره تحمل شقاء هذه الأرض.
- قال لي إنه لن يقتل نفسه من أجل االفقر.
وبالفعل فعل سي العربي ما أملاه عليه ضميره المنبعث من رؤية أبنائه، وقام بغرس كل أرضه بالزيتون والتين والكرم، وبات فعله هذا موضع استغراب واستهجان في نفس الوقت من أهل المدشار، فالوافي لا ينظر أمام أقدامه، فلا سبيل هنا للتكيف مع الغد البعيد غير هذا الفن، وقد زاد من ثقته تأكيد المرشدين له، على أهمية اختياره هذا، وعندما اتصل به وأخبره بذلك، استبشر الوافي سعيدا، لم يذهب جهده سدا، لقد غير عائلته، أجل، غير ما لم يكن قابلا للتغيير في نفسه، إن الأفكار الصادقة والمستنيرة لا تموت، ولكنها تختفي وتعود منبعثة من جديد، إنها تنمو بطريقة مختلفة، وسيؤدي ذلك إلى حمة واسعة.
وبالطبع أصبح الغرس الطابع المهيمن، ولم يعارض الراضي الأمر فلم تعد أرض المدشار تهمه، فقد حصل على هكتارات شاسعة بالسهول، وإن كان يعلم أن ذلك سيعود له في النهاية، لما له من سلطان على السوق الواقع بالجماعة التي هو رئيسا لها.
فالراضي أصبح مليونيرا في زمن الدنانير، ولم يكن بمقدور أحد أن يفسر كيف يقفز الراضي إلى أعلى سريعا، ويقفز الجميع إلى أسفل بالسرعة ذاتها، لقد فقد إبنته وهذا صحيح، لكن شأنه تعاظم، وأصبح سيدا ذي مال وجاه، ليس بمقدور أحد أن يقف في طريقه.
أما الوافي فقد تذكر سؤال خديجة في حقل الذرة، عندما سألته:
- لماذا لا يناضل الناس البسطاء المعذبين في الأرض والمستغلين على حقوقهم؟
- لقد كان جوابه: إن الله لم يخلق الإنسان منزوع الإرادة، لذلك لا حق لأحد في أن يبرر انحطاطه، فتلك المجتمعات المتخلفة والبئيسة التي استبد فيها الجور والظلم والفساد، طالما تحاول أن تغطي عهرها بألحان ممسوخة، ستجدين فيها العاجزين عن ممارسة هذه الإرادة الربانية، منتظرين الله أن ينتقم لهم ويحقق لهم النصر، لذلك فالله يحضر عندهم كمبرر للتغطية عن خيانتهم الأهم قيمة كونية وهي الإرادة، هؤلاء لا يمثلون سوى أنفسهم التي لا يمتلكونها حقا، وإن الحيوان ليدافع عن نفسه بشراسة أمام مفترسه، لأن تلك إرادة الله فيه.. وعندما سيسألهم الله عن خنوعهم وصمتهم: لماذا لم تحركوا ساكنا لتنقذوا أنفسكم ووغيركم من الطاغوت؟ سيقلون كنا ضعافا، وإن الله لم يخلق إنسانا ضعيفا، وإنما خلقه قويا، لقد عصى أدم الله في حضرته وتمرد الشيطان على السماء، فيعجز هؤلاء على القيام بأي ردة فعل أمام من يستغلهم ويمتص دمائهم، أليس هذا دليل على أنهم غير جدرين بالحياة التي يتمسكون بها؟؟
لم تستوعب خديجة المغزى من كلام الوافي، إن الفلسفة هي مساره، والتفلسف هو طبعه ودأبه، وهي تفضل فيه حديثه عن الحب، أشعاره الرنانة، خطاباته التي تكون هي جزءا منها.. والوافي أيضا عندما استهوته كندا نسي هذا الكلام أو بالأحرى يجب أن ينساه، فلا تعود له قيمة هنا، لقد دفنه هناك في روضة صحراوية!!
وبعد سنة عادت الأمور إلى سابق عهدها، وانبعثت تلك الأحلام في الصابة والموسم، كان قد عطلها جفاف السانة الماضية، وعادت العديد من الأسر لتكافح في سبيل العادة، والأن أصبح من الأيسر نسيان الله، فلم تعد ثمة حاجة إليه، يجب أن نتركه لفترات المرض والجفاف، ولكن لا شيء يعود هنا لحاله، فالراضي كسب الكثير، والمدشار فقد حمامته البيضاء، ونبيه المنذر، لقد فقدوا كل شيء وهم كذلك لا يدركون كم بلغ بهم العراء.
ولكن صوت الحق لن يموت، ونار التغيير لن تنطفيئ أبدا.. لأن الجبال الشامخة تتحول إلى منبسطات مع الأيام..
إن العادة قوة كبيرة، ولكنها في النهاية تنهزم أمام عادة جديدة!!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,239,920,486
- التعليم عن بعد وسؤال التفعلات الأسرية والمدرسية
- -الطحونة المسحورة-
- -جائحة كورونا وضرورة مشروع تجديد وطني في المغرب-
- -حصاد وأحلام غير بريئة-
- تطور الحركة النقابية في المغرب بين 1919-1942
- خواطر شعرية: -أيها الغريب-
- -من جغرافية المجال الى جغرافية التراب: قضايا التجديد!!-
- كورونا الويل!!
- -روح الموسم-
- خواطر شعرية: -البحر يا أمي-
- رسالة وداع إلى سيدة أصبحت من الماضي
- في أحضانٍ عاهرة
- اليسار بين وعي الفرد وثقافة التنظيم
- المنظومة التربوية المغربية، وضرورة بناء منظومات تربوية جهوية
- وجهة نظر حول النموذج التنموي الجديد في المغرب
- السقاع والغيمة
- حرق العلَّم الوطني أية دلالات؟
- خواطر شعرية: بين السجن والمقبرة
- قضية تجديد تاريخ المغرب عند عبد الله العروي
- خواطر شعرية: تخبرني أنني هنا


المزيد.....




- تفاصيل إطلاق مسلسل جديد من ملفات المخابرات المصرية (صورة)
- تويتر: الممثل الأمريكي الشهير أليك بالدوين يجمد حسابه على مو ...
- سيمبسون يبقى في العرض حتى عام 2023
- ظروف مادية طاحنة للفنانين.. جائحة كورونا تلقي بظلالها على ال ...
- نقابة الفنانين السوريين تؤكد أن الفنان صباح فخري -بخير وصحة ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بشأن تطبيق بعض أحكام المل ...
- مجلس الحكومة يؤجل مناقشة مشروع قانون الاستعمالات المشروعة لل ...
- مجلس الحكومة يطلع على اتفاق التعاون في مجال السياحة بين حكوم ...
- جرأة فستان فنانة عربية تحصد آلاف المشاهدات... فيديو
- البحرين تفتتح أول مدرسة باللغة العبرية


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل امليلح - جفاف وانتحار