أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل امليلح - السقاع والغيمة















المزيد.....


السقاع والغيمة


عادل امليلح

الحوار المتمدن-العدد: 6455 - 2020 / 1 / 4 - 19:31
المحور: الادب والفن
    


                                  
فجأة ينبعث صوتً رهيبٌ أتٍ من خلف الغيوم المتكاثفة في السماء، يُومض وميض برقٍ شديدٍ في اتجاه الشرق، إنه مشهد غيرُ مرحبٍ به في مثل هذا الوقت من السنة، حيث المحاصيل السنوية من الكيف "القنب الهندي" للتو نضجت، وبعضها يقبع على الأرض في الحقول أوعلى سقوف منازل القرويين ليجف تحت أشعة شمس شهر نيسان، في مثل هذا الوقت يمكن للمطر أن يفسد كل شيء، هذا المطر وإن كان يشكل حلمًا وأملًا لأهل المدشار في موسم الحرث، إلا أنه الآن غير مرغوب فيه بتاتًا، وينظر إليه بدل أن يكون مهدًا للحياة والخصوبة، على أنه نذيرًا  للخراب لقدر الله..
تتزايد حدة هزيم الرعد ومع أولى القطرات تدب الحركة في المدشار، رجالا ونساء بعضهن حافيات لم تتسنى لهن الفرصة لينتعلن نعالهن أو أحذيتهن، متلفعن في مناديل ودُثر يغلب عليها اللونين الابيض والأحمر.. الأطفال كذلك، فعندما يتعلق الأمر بالمحاصيل فلا أحد يستثنى مهما كان كبيرًا أم صغيرًا.
. يسارعون الخطى حاملين معهم أكوامًا من قطع البلاستيك لتغطية محاصيلهم أوجمعها بأقصى سرعة ممكنة، يظهر في الحقول اناسٌ هنا وهناك، وتفرغ المقاهي والمساجد من روادها..
في هذه الاثناء تتوحد هموم اهل المدشار، ويتناسى الناس خلافاتهم وصرعاتهم إلى حين..
لكن محمد الكرواني الملقب ”بالسقاع” يحلو له هذا الجو، مرتكنا إلى جذع شجرة البلوط الأخضر، التي تتدلى منها فروع في كل الاتجاهات موفرة ظلالا ورافة لمن أراد أن يحتمي نهارا من حر الشمس، لكنها أيضا تقع على قمة التل وتشكل فضاءً جماعيًا وفرديًا لرجال وشباب المدشار الذي يطارد أحلامه الخاصة، حيث تطل مباشرة على الوادي والطريق الرئيسي وبئر الجماعة الذي يشكل ملتقى النسوة وفتيات المدشار بغية جلب المياه.. هذه هي "الكذية" حيث توجد شجرة الوالي الصالح، "سيدي بلعباس"..
منمًا عن بهجة عجيبة مترصدة،  تثير سخط المدشاريين، ومتماديًا أكثر في انشاد ألحانه  الحزينة، وما يزيد من ذالك تعليقه على الماريين وخاصة النساء، ثم ذاك اللحن المنبعث كسم قاتل من تلك القصبة البالية الممتدة في وسط ذلك الشعر الكثيف الذي يكاد يملأ وجهه عن أخره، ذلك الوجه الرصاصي الذي تبرز على صفحته عينين سودويتين جاحظتين وغائرتان أتعبهما الزمن، وذلك الشعر المتسخ الذي يترامى في كل الاتجاهات، كأسلاك السياج من أيام الحرب. تتساوى نفخاته مع حركة أصابعه الهزيلة، إذ يمكن تمييز حركة بطنه من على مسافة، يصور لمن يراه على شدة هزالته أن يتساءل من أين تأتي تلك القوة لتعطي صوتا شجيًا وحزينًا بهذا الشكل؟ وحينما يطرب لبرهة يتوقف ليردد بعض الأهازيج التي اخترعها لنفسه..
"شحال من صابة جعلت مولها غرار
حتى قال راه طلع لسما
ونسا بلي كاين فوقو جبار...
وشحال من دار كبيرة
گالوا ناسها ملكوا العلام
وهما غير على حافة كبيرة
من لولين ماعرفين القدار
وهذا غير العطار
بحمارو يدي ويجيب الخبار
من مدشار لمدشار
فالحياة ميدوم ليها غير الصبار..."

ولكن ليس على الناس مؤاخذته على أقوله، فالسقاع كما عهد منذ زمن ليس سوى مجنون، دارت عليه الأيام بعد أن كان من خيرة شباب المدشار..
ما عرف عن السقاع أنه كان أكثر شباب المدشار جرأةً وأكثرهم فطنةً ودهاءً، ذلك الذي تسكنه روح مرحة تستقطب كل شباب جيله وأحيانًا من يفوقه سنا، لكنه أيضا كان صعب المراس قويا غير رحيم بخصومه، وصاحب سوء الحظ من يقع في عداوة أو خصومة معه، فأخوه "المعطي" هو فخر المدشار وسيد الخصومات فيه.. وهو يريد أن يرث طبعه. لكنه حينما ولج الثانوية بدأ سلوكه يتغير ويصبح أكثر تعقلا، ولم يعد بذلك العنف الذي كان يطبعه ويطبع بعض أفراد أسرته...
ظهرت فطنته في الدراسة متأخرة نسبيا، فبعدما كان يحتل المراكز المتأخرة أصبح يحتل الأولى، وبعدما كان منبوذا مكروها من طرف الكثير من الأساتذة سار محبوبا لدى الجميع، بل ويحير بعض الأساتذة بأسئلته، ولعل تلك الحادثة مع أستاذ الرياضيات خير مثال، إذ تمكن السقاع من حل عملية حسابية معقدة عجز الأستاذ ذاته عن حلها، فتحول إلى مثل يحتذى به داخل المدرسة وخارجها، وحتى بالنسبة الى أستاذ الرياضيات تحول السقاع الى فخر يكابر به أمام السادة الأساتذة.. في الثانوية تعرف السقاع على إبنة المدير، "سماح"، لكن لحظة اللقاء بينهم بدأت قبل ذلك، لقاء مختلف، كانت حصة التربية البدنية صبيحة ذلك الخميس، فبينما كان السقاع وزملائه يلعبون كرة القدم كانت سماح مع بعض صويحباتها جالستين إلى مقعد خشبي بجوار الملعب، وفجأة ودون قصد قذف السقاع بالكرة لترتطم بوجهها لتسقط على الأرض ويرتطم رأسها بنتوء إسفلتي، أغمي عليه في الحين، وبدأت الدماء تتدفق من رأسها بشكل خطير.. تعالى الصياح والصراخ،  لينتهى الأمر بسرعة الى المدير، الذي أتى مسرعا!! ولما علم بالأمر إنهال على السقاع بالصفع والركل، في حين ظل هذا الاخير جامدا لم يحرك ساكنا.. ثم كانت النتيجة أن اتهم بسوء السلوك وطرد من المدرسة مباشرة..
هنا وجد نفسه خارج أسوار المدرسة بعد أن توطن له ذلك الحلم الوليد في أن حياته لن تكون إلا في هذا الفضاء الجميل المفعم بالروح والدافعية، فبعدما كان حلمه أن يصبح أشهر تاجر مخدرات مقتفيا خطى التاجر       « الكولومبي الشير إسكاوبار»  والذي كانت صوره تملأ غرفته ويستمد منه بعض سلوكاته العنيفة، والتي كانت محط خوف للأخرين... لكنه لما وعى بأهية التعليم والتعلم توقف عن ذلك وأصبح همه أن يصبح كاتبًا، هكذا انتقل من البحث عن الوجاهة الإجتماعية إلى البحث عن المكانة التاريخية والحضارية..
لكن كل شئ بدأ يتبدد أمامه، بكى بمرارة وحرقة وجن جنونه من هذه الواقعة، مرددا مع ذاته
- إنني لم أقصد ذلك، ربي إنك تعلم أنني لم أتعمد ذلك، حتى لو قصدت هل تكون العقوبة الطرد؟

غير أن هذا القدر سيتغير، إذ تدخلت أستاذة الفلسفة الجديدة معتبرة أن الطرد أمر مبالغ فيه ولا يتماشى مع ادبيات التأديب التربوي المعمول بها.. وأن الإنسان يخطأ، ولما حاول المدير الضغط عليها، تدخل أستاذ اللغة الإنجليزية هو الأخر متفقا مع موقف الأستاذة، لأنه كان مغرقا بسحر جمالها وأنوثتها البسيطة، فهي استاذة مرموقة حوارية وذكية، وهو منذ الوهلة الأولى التي أبصرت عيناه وجهها الجميل تركت في قلبه طباعا، فكر فيها كثيرا، ومنذ ذلك الحين وهو يحاول التلطف والتقرب منها.. ولما تبين للمدير أن هناك تحالفا يبنى ضده وأنه لربما تسرع في الحكم شعر معه بأن سلطته أصبحت مهددة خاصة وهو يعلم أن قرار الطرد لا يستوفي الشروط الأدنى الموجبة للطرد، وأن الأمر يتعلق بصلة قرابة مما قد يهدده ويجر عليه تهم كبيرة، ورغم ذلك لايمكن للمدير أن ينهزم
فإبن أخيه ذي شأن كبير في الوزارة، مما سيوفر له الحصانة ضد أي انقلاب في المدرسة... كان بديهيا أن تدافع عنه أستاذة الفلسفة، لأنه كان الوحيد الذي يمتلك تلك البديهة التي جعلت منه يناقش الفلاسفة في أدق انساقهم.. كانت ترى فيه مستقبل فيلسوف تماما كما كان يرى فيه أستاذ الفيزياء عالم فلك..
لكن لم عجز بعض الأساتذة في ارغام المدير للتراجع عن قراره، خرج تلاميذ الثانوية والاعدادية في احتجاجات مطالبة باعادة السقاع الى المدرسة، لم يكترث لها أحد في البداية، حتى أصبحت مطالبها رحيل رئيس الجماعة، وتخريبهم لحديقة القيادة وتكسير زجاج الجماعة، بل وعطلت حركة السوق الاسبوعي... مما أدى بالجهات المسؤولة الى إلغاء قرار المدير الذي إنصاع مجبرا وألغى بدوره القرار، كان أستاذ الإنجليزية هو من يقف خلف ذلك.. عاد السقاع إلى صفوف المدرسة، لكن كشخص أخر مختلف تماما، لم يعد ذلك الذي يتكلم كثيرا ومن الناذر ما يجيب على سؤال إلا إذا طلب منه الأستاذ ذلك، لكنه بدأ يحصل على علامات كاملة تقريبا في كل الإمتحانات، وبدأ يميل الى الإنعزال بدل مشاركة زملائه كما كان يفعل في السابق.
وعلى الرغم من الإلحاح المتواصل من أصدقائه وزملائه عليه لم يكترث، فستوعب الجميع أن السقاع قد تغير..
غير أن صيته لم يداع إلا حينما شارك ذلك اليوم في مسرحية بالمدرسة، قدمها وحيدا، كانت تحت عنوان "المتمرد"، تدور المسرحية حول شخص لم تعد الحياة التي يعيشها تقنعه بتاتا، ولم تعد ثقافته تساير طموحاته، لا تمائم الفقيه ولا بركة الضريح.. لا شيء..
يقول:
حينما راودني الشك، عزمت أن أعيد قراءة أناي وأغوص في تلك الطبقات الكبرى التي ترصرصت بداخلي، هناك كان نبع تلك الظلمة السوداء، هناك يقبع وحش الجهل الذي يزيف نظرتنا للوجود والحياة..
يساءل السقاع هذا الوحش: إن شكي يخبرني أنك هناك، تعالى لا تخف لأكشف وجهك، تعالى لأرى حقيقتك..
يقوال هذا وهو يرفع ساعديه الى السماء، ثم ما ينفك ينقلب الى دور الوحش، الذي يتلولب على الأرص رافضا أن يكشف نفسه أن يظهر زيفه، ثم يقول في تكبر:  إنني هنا في أفكارك، في عيونك وفي كل شيء فيك، أنا أنت وأنت أنا.
يرفض السقاع أن يكون هو الوحش..
وكلما قرأ السقاع وتأمل زاد صراخ الوحش وبدأ يتعر فجأة، هكذا حتى يقول في حزن.. أنا الخرافات والعادات التي وضعها المجتمع بداخلك، أنا الذي طلب مني أن أحافظ عليك مثلهم صالحا..
لكن ما إن يصدح السقاع أيها الشك أظهر الحقيقة.. ليخر الوحش صريعا، فتأتي الحقيقة وهي عبارة عن رداء أبيض..
يقول السقاع إن الإنتصار على الخرافة
لا يمكن أن يتم إلا من خلال القراءة والخيال.. الذان بواسطتها يمكن للإنسان أن ينتصر ويتمرد على العجز والقصور الذي يحدثه فيه الجمود الجماعي...
كانت المسرحية مبهرة، فقد جسد فيها مشكلة المدرسة خير مثال، عندما قال إنها تمنح الفرص بقدر ما يعيق المجتمع بلوغها، وأن للمجتمع يؤسس للجمود والمدرسة تؤسس للحركة، فهذا التوازن بين الممكن والعائق سرعان ما يختل لينهار .
هكذا أثار تساؤلات عميقة وأيقظ حزنا دفينا في أعماق الحضور، وحدها تجاربنا ما تستحق التقديس..
وما زاده شموخا هو حينما وقف المدير الإقليمي للتربية والتكوين، وصفق له بحرارة للتوالى التصفيقات..

هنا ستأتي إليه سماح -في ما بعد لتعتذر عن الذي بدر منها ومن أبيها..
كان يجلس على جذع يابس وحيدا حينما قصدته مباشرة، جلست وقالت.
- كان أداؤك رائعا جدا لم أفهم بالضبط قصدك لكن كلامك ونبرة صوتك كل شيء كان رائعا أحسست بشعور روحي دفين تحرك بداخلي.
تأملها جيدا متتبعا ملامح وجهها البياض وشعرها الأشقر الناضح، ووجهها الدائري الوضاء تأملها جيدا بدت له مختلفة عن تلك الفتاة التي شاهدها من قبل عن تلك الساكنة الممتدة على الأرض، بدت جميلة جدا وكأن معاييره قد إختلفت...
لم ينبس ببنت شفة لكنها تابعت
- أقول لك اني جد أسفة على ما حدث، كنت على خطأ كذلك ما كان أن يؤدي موضوع صغير الى كل تلك الضجة..
- لماذا تعتذرين؟
- في الواقع لا تتسنى لنا الفرصة لنعرف قيمة الشخص إلا حينما يعلن عن قوة عزيمة تبطل غرورنا، النتائج القروية كفيلة بتغيير كل شيء.. المسرحية رأيت فيك شيئا مختلفا.. كنت رائعا بالفعل..
- بالنسبة للإعتذار فهو مقبول لقد سبب لي ذلك الحادث مشكلة لكن ايضا لولاه لما كنت أنا ولما قدمت ما قدمت.
- شكرا، بالمناسبة إسمي سماح السنة الأولى، أنت أحمد السنة الثانية..
- طبعا
منذ تلك اللحظة توطدت علاقتهما، حتى أصبحا لا يتفارقان أبدا، وتبين كل من في المؤسسة هذه القرابة المنبعثة، فسماح هي جوهرة ولؤلؤة المدرسة أما هو فنبراسها...

حصل هو على المعدل الأول على الصعيد الإقليمي واختار المعهد العالي للهندسة، درس السنة الأولى، ثم لحقت عليه سماح إلى نفس المعهد، وهناك بدأت علاقة من نوع أخر، علاقة حب بالممارسة..
فقد تسنت لهم الفرصة لقطف ثمار حبهما..
ولم يتصور مطلقا أن سماح يمكن أن تخونه بعد هذه المدة الطويلة، فبعد ثلاث سنوات وفي عطلة الصيف تزوجت إبن خالتها وأخذها معه إلى تلوز بفرنسا، ولم علم بالخبر لم يصدقه، ظل يعتقد أن هناك مكرا في القضية حتى إتصلت هي به وأخبرته ..
- الحياة لا تقدم سوى فرصة واحدة، أحترمك كثيرا لكن هذا هو قدرنا.. الحب ليس كل شيء في هذه الدنيا، ويعمينا عن حقيقتنا الإنسانية... كانت فرنسا حلمي ولم يكن الحب. شكرا على كل شيء
ثم قطعت الخط لم تترك له مجالا للسؤال..
ليجد نفسه في متاهة جديدة لا يعلم لها قبلا، توقف عن الذهاب الى المعهد، وبدأ يمضي معظم وقته متجولا في ضواحي المدينة، حتى صار يمضي بعض لياليه في الخلاء.. لينتهي به المطاف إلى ما هو عليه، لخمسة عشر سنة مضت وهو على هذه الحالة، لا يعرف اهل القرية ما يقع لكن، كل يعمل بما قيل، لقد سكن بروح شريرة، أوتعرض لسحر اسود...
وحتى عائلته تخلت عنه، وأخوه المقرب منه لم يتوانى في طرده عندما سئم منه، وعندما لم تجدي معه وصفات الفقهاء ولا بركة الأولياء لذلك أصبح الخلاء فضاؤه وقبة الضريح مسكنه ومؤواه، ففي الصيف ينام في الفضاءات الفسيحة إما في الكذية أو النوالة وغيرها.. أما في الشتاء فالضريح هو ملجأه، ضريح حقير بني من الطين وسقف بالقصدير، له مدخل صغير يكاد يتساوى مع النافذة، حيث يوجد باب خشبي غير متقن الصنع مهشم في الوسط..
ولا أحد من المدشار بامكانه أن ينام في هذا الفضاء لما يقال حول تجارب بعض الناس الذين عاينوا أشباحا، ورؤوا شخصيات غير بشرية، أي "الجنون" إن الروضة هي معقل الأراواح الشريرة "أصحاب الأرض أو البلاد" أما الأطفال فلا يستطيعون المرور من هنا بعد المغرب باستثناء القليل، فجرو المقابر، وغول الكهف، والبوهالي صاحب الكيس الذي يسرق فيه الأطفال، وطائر البوم الذي يدل حضوره على خطر كبير ونعيقه يعد نذير شؤم... كل ذلك ربط بالروضة، وما يزيد من فزاعتها وجودها في وسط أشجار كثيفة ومتداخلة... ولم يفسر استوطان السقاع لها إلا باعتباره مجنونا، فالجن الذي يسكنه هو ما دفعه ليستوطن هذا الضريح..
كيف سكنه هذا الجن لا أحد يعلم، لكن قال بعض الرؤاة والفقهاء المختصين في الجن، إنه يسكنه سلطانا لقبيلة شريرة.. وعلى الرغم من كل المحاولات التي كان يدفع ثمنها ضربا بالعصي.. لم ينجح أي أحد في إخراج هذا الجن منه، لذلك ترك لحاله وأصبح بدوره رمزا من رموز الخوف بالنسبة الأطفال وبعض النسوى معا..
ينجح تقريبا كل أهل المدشار في إستغاثة محصولهم، ولا تقدم السماء سوى قطرات متفرقة، ورياح تعمل على إزلة الغبار من المنطقة والطرقات ومن فوق أسقف المنازل.. ليتنفس الجميع الصعداء، لكن تطرح ضرورة الإسراع في جمع المحصول، فليس هذا هو اليوم الاخير..
أما السقاع فالأمر لديه سيان، فليس له من محصول ليقلق عليه، ولا أرض تثير فيه الشقاء.. يعيش لذاته مكتفيا بما يجده أو يلقى له.. الحياة عنده غير حياة الناس..
وفي فصل الصيف الجو ينقلب بسرعة، فسرعان ما تعتلي الشمس وسط السماء طالقة لهيبها على رؤوس القرويين ومواشيهم، مبخرة بعض مصادر مياههم ومصيبة بعض محاصيلهم بالعطش، وهنا تبرز حياة جديدة حياة مختلفة، إنه جهاد في سبيل السقي حيث تقل مصادر المياه وتتضاءل فرص سقي المحصول، فينجم عن ذلك خلافات خطيرة تنتهي في بعض الأحيان بإوهاق الأرواح، تماما كما قتل "المعطي" ولد "البردعي"، و"القشتالي" الذي قتل الأخوين "رحباني والقرمودي".. كل ذلك حدث وليس من المستبعد أن يحدث فالجفاف يأتي معه بالمصائب، وعندما يذهب الماء تتعطش الأرض للدماء، لذلك تنشب حمة تملك مصادر المياه، ولتحنب الصدامات، تدخل المدير مخبرا أهل المدشار أن أفضل حل هو أن يتملك الإنسان المصادر التي توجد في أرضه أو بجانبها بالنسبة للواد، كما يمكن لكل شخص تملك مصدرا في غير أرضه في حالة سماح صاحبها له بها... وبما أن أغلبهم يمتلك أراضي على الواد تقبلوا الأمر، لكن سيستمر ذلك لسنوات حتى يتوطد المدير قال هذا، فمن الصعب تغيير طباع الناس هنا!!
- بدون أن ندمج هذا في سلوك الناس لن يحقق أي شيء...
السقاع لا يهتم ما يحتاجه ماء للشرب وعين للسباحة، وهو لا يكاد يمر يوم ويشاهد في الوادي يستحم في حفرة أو حقينة.. وفي بعض الأحيان في الأبار والعيون..
كان الوقت الثانية زوالا حينما توجه "الزباط" ليأتي بالماء من البئر، فإذا به يسمع صوت تراشق المياه، ساده رعب عجيب، لكن لفضوله تسلل ليرى ماذا يحدث هنك، تقدم في صمت.  نظر فإذا برجل مغطى بالشعر يسبح عاريا تماما، إندهش وعاد إلى الوراء قليلا قبل أن يرمي أقدامه للرياح مهرولا، ظنا منه انه. شهد جنا... ولم تعرف حقيقة السقاع إلا من طرف أطفال المدشار الذين رؤوا السقاع يسبح في العين، لتبطل إشاعة الجن العاري...
وقد حذا بعض الشباب اليافع حذوه ليتحول السقاع بدون وعي إلى ناقل لسلوكات جديدة... لكن بعدما دفع ثمنا غاليا، فأخوه لم يتقبل سباحته في بئر تستخدم لمياه الشرب، فضربه ضربا مبرحا ولولا زوجة المقدم لكان كسر أضلاعه..
عندما يضرب السقاع، يتجه صوب الضريح ويأخذ في البكاء، منهارا، يبكي بحرقة لهذا الظلم المبين، يبكي إضطهاده من لدن السكان وأطفال المدشار الذين لو كانوا يعرفون السقاع في عهده لما ساروا في الطريق الذي يسير هو منه، لكن الحزام يدور والعقب يثقب..
بعد خمسة عشر سنة ونصف عادت سماح، من فرنسا، تلك السيدة أصبحت في السادسة والثلاثين من عمرها، ماتزال محافظة على جمالها الناصع وجسدها الرقيق، وتحولت ملامحها لملامح سيدة فرنسية، عادت إلى المدشار تسأل عن السقاع، عرفت ما جرى منذ تلك الفترة، بعد مرور السنوات يعود ذلك الحنين الذي ينبعث من الفناء الخلفي الإنسان ليفسد عليه سنوات من الكفاح، سنوات من محاولات الطمس، لكن مع تقدم الإنسان في العمر يصبح هشا تجاه تلك المؤثرات، تجاه تلك المشاعر المنسمة بعطر الطفولة الغابر، السقاع إنزوى خلف جنونه يداوي جرحا، أما هي فلا الحياة المادية الباضخة ولا جمال باريس الساحر وحدائقها الزاهية وشوارعهها الضخمة، يفشل بورج إبل في دحر ذلك الحب المغدور، سماح إستسلمت لتعود لقرية نائية لا يعلم عنها أهل باريس شيئا، تعود في سيارتها وهندامها الفرنسي، لكن في الداخل لاشئ، هناك فقط تلك الرغبة المتعالية على الزمان والمكان في رؤية حبيب، تنزل في الملتقى الطريقي للمدشار حيث يوجد المقهى الوحيد المكتض برجال وشباب المدشار وغيرهم، كل العيون تتفحصها قادمة، تنفجر رغبات القرويين من جلاميدها الصخرية.. لتسبح مع أشباح منبعثة للتو..
هذه المرأة التي تتقاذفها النوازع، الرغبة الخالصة في التطلع إلى وجه الحبيب وفي نفس الوقت الخوف المهين من ردت فعل غير مرحب بها، إنها تستعيد تلك الفترة التي هاجرته، تركته هكذا بدون سبب محقته بحواب عاهر.. لكن تؤمن في أعماقها أن الحب يمكن بطريقة ما أن يبعث بنفسه من الرماد ليصلح بعض الأشياء المكسورة ..
كانت دهشة سكان المدشار وحيرتهم هي عندما سألت عن السقاع، ذلك المجنون المنسي، والذي لا يستحضره الناس هنا الا من خلال ألحان نايه وأهازيجه، أو سرقته  الثمار من بعض الأغراس.. تطرح الكثير من الأسئلة لماذا هو؟ أي علاقة تجمع بينهم؟
عرفت سماح أن السقاع ليس ذلك الذي كانت تظنه، السقاع شخص أخر غريب عن الناس وغريب عن نفسه، تساءلت كيف كانت السبب في سنوات وعقود من التعفن والذل الذي عاشه ويعايشه السقاع..
عندما التقت عينيها بالسقاع صعقت لما رأت، هذا الكائن الهزيل الغارق في الشعر والأوساخ، هذا هو سبب كل شيء.
قالت: يا إلهي كيف للإنسان أن يكون هذا؟ مالذي حدث خلال كل هذا الوقت؟؟ لم تتعرف على اي شيء فيه، أما هو فاشتم رائحتها عرفها، عرف عينيها وشامتها ووجنتيها عرف كل شيء، إنها هي، لكنه إنحنى ورحل مسرعا يصرخ بأقصى صوته.. حاولت تداركه لكنه طار..
في المدشار تتقاطع أصوات طواحن القمح مع بعض الرعدات المتقطعة، الكل يسارع ليطحن سنابل القمح..والفول والشعير.. يتعاون بعض الناس في ما بينهم.
إنهم متعودون على هذا الروتين..
ويحلو للفقيه والمقدم أن يزوروا كل شخص يطحن، فهناك الولائم.. ومرحب بهم، فلا أحد يمكنه أن يرفض هذين الشخصيتن.. فهما السلطة والقرار هنا، وحضور الفقيه معناه الدعوات وبالتالي البركة..
إن الاسرة لا تقوم بعملية الطحن سوى مرة او مرتين في السنة، لذلك تحاول أن تقدم افضل ما لديها من ولائم منفقة بعض المال في سبيل ذلك. ثم لا حديث لأهل المدشار اليوم سوى عن تلك الزائرة الغريبة التي جاءت تسأل عن السقاع، وهذا يثير غضاضة في نفوس الناس، ويدفع الفضول ببعضهم الى رشي السقاع بشيء ما ليبوح لهم، لكنه أبدا يفعل، بعضهم يعنفه رمزيا وماديا.. لكن ابدا، العنف لم يعد يجدي فيه، تصلب جسده كصخر صلد...

بدأ السقاع يستعيد بعض الذكريات، بدت له ذكريات الطفولة أكثر صلابة واسترجاعا.. رأى نفسه كطفل صغير يحبوا في بهو المنزل، ثم يقطف بعض الزهر من المزهرية... وانفجر في عقله ذلك السيل من الذكريات.. إنزوى في الضريح يرتب كل شيء..الذكرة الوحيدة التي لم تصالحه، هي ذلك اليوم الذي صادرته فيه سماح.. بكى بحرقة على كل هذه السنوات ولاول مرة سيتأمل نفسه هندامه، وأمكنه أن يقارن بينه هو وبين ذلك الذي سبقه..وعندما لم يسعفه الحظ في ذلك، إنتحر، الحياة هي الجنون.. الحياة لم تعد تقنعه، تذكر ذلك اليوم في المسرحية ذلك التمرد هو ما يبغيه ليقرر الإنتحار. شنق نفسه في سقف الضريح، أما سماح فلما عاينت الحادث سلكت الطريق نفسه، إنتحرت بطريقتها في عزلة طويلة..
لن يفترقا أبدا..
وفجأة ترخي السماء لتنهمر مطرا، تجرف المياه كل ما تجده في طريقها، لكن تجرف معها أيضا السقاع وسماح، إنها تمسح ذنوبها بزوبعة، وتفضح ذنوب البعض..
المدشار هكذا يا صديقي..






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرق العلَّم الوطني أية دلالات؟
- خواطر شعرية: بين السجن والمقبرة
- قضية تجديد تاريخ المغرب عند عبد الله العروي
- خواطر شعرية: تخبرني أنني هنا
- الربيع العربي، التمرين الأول والدروس المستفاذة
- خواطر شعرية: بين ثنايا قلبي تقبع مرارة كل هذا الوجود
- العطش المعرفي اي واقع في المحتمع العربي
- التنمية الترابية بالمغرب ملاحظات منهجية
- الأستاذ الجامعي بالمغرب، من الوظيفة التربوية إلى الممارسة ال ...
- هل يعاني المغرب من مأزق إجتماعي أم أزمة ضمير سياسي؟
- ما هو التنوير؟
- المرجة والحراث


المزيد.....




- جلالة الملك يعزي في وفاة عبد العزيز بوتفليقة
- بطريقة سينمائية.. محام اختلق تفجير مجمع محاكم المنيا في القا ...
- الأول في التاريخ.. روسيا تعلن عن تصوير فيلم كامل في الفضاء ب ...
- تحوّرات كورونا.. كاريكاتير “القدس”: الأحد
- عبد الستار بكر النعيمي يصدر ديوان -معبد الشوق-
- مخطوطة إسلامية نادرة تحتوي على أول تشريح لجسم الإنسان
- فيديو| الاحتلال يعلن اعتقال المحررين الكممجي وانفيعات واهالي ...
- قصيدة
- جواد الهلالي يقود زعامة الحمامة من بحر أكادير إلى بر مراكش
- مراسل صحافي على أبواب رئاسة المجلس الإقليمي لتيزنيت


المزيد.....

- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد
- أهمية الثقافة و الديمقراطية في تطوير وعي الإنسان العراقي [ال ... / فاضل خليل


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل امليلح - السقاع والغيمة