أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عادل امليلح - -من جغرافية المجال الى جغرافية التراب: قضايا التجديد!!-















المزيد.....


-من جغرافية المجال الى جغرافية التراب: قضايا التجديد!!-


عادل امليلح

الحوار المتمدن-العدد: 6538 - 2020 / 4 / 15 - 10:26
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لعل ما سنطرحه هنا يتجاوز حدود المؤلف، ذلك المؤلوف الذي دأب عليه الجغرافيين، حيث أعماهم التهافت المتواصل نحو تكميم الواقع، مما أدى إلى تشضي المعرفة الجغرافية في غير توليف وفي غير دقة.. يحلو للبعض أن يكتب، الجغرافيا، حيث أصبح هذا المصطلح مجرد وصفة شكلانية تنضاف إلى مطامح غير جغرافية أصلا، إذ يمكننا أن نجد كل شئ باستثناء الجغرافيا، إن تجديد هذا العلم بالطريقة التي ننادي بها قد يشكل صدمة رهيبة للبعض، خاصة أولئك المتعبدين في ردهات الجامعات، إنهم يكتبون لرفوف الموت حيث ترقد الجغرافيا في نعشها الأخير.. لم تعد الجغرافيا علم الضروريات، إنها بالكاد معروفة في الواقع الإجتماعي، حيث لا يمكنها أن تبرز، إلا إذا أعادت تعريف نفسها من خلال حقل أخر، تبدأ قضايا التجديد إذن من إعادة تعريف الجغرافيا ذاتها، أي علم هذا؟ "علم أمكنة وتوزيعات!! علم العلاقات والعتبات!! علم التراب أم الإنسان.." هذا هو ما وطد تخلف الجغرافيا عدم تمكنها من تعريف نفسها، فكيف إذن ندعي التقدم المظفر ونحن لم نستطيع حتى القول بوضوح من نحن؟ دعكم من هذا، إسؤلوا طالبا في شعبة الجغرافية ماذا تعني الجغرافيا؟ سوف تصدمون حقا.. إن هذه المشكلة الفضفاضة، هي ما يشكل المشكل الحقيقي لعلم الجغرافيا، إن الوازع النظري والعملي ضرورة لإيجاز علمية العلم، أقصد ماذا يجرد الجغرافيون اليوم، ما طبيعة المفاهيم التي يبنونها؟ ما النماذج النظرية التي يقدمونها؟ أم أننا أمام جغرافية تاريخية ساردة للواقع وحسب، تطعمه تارة من هنا وتارة من هناك.. إنها جغرافية تحترم نفسها كثيرا، متواضعة إلى ذلك الحد الذي أضاعت فيها نفسها.. إن هذا الخليط من كل شيء، رغم أهميته لم تفلح الجغرافيا في تركيبه لتعطي تصورا محددا للبنيات العامة الكامنة في المجال، ببساطة لأنها لا تستطيع إعادة بناء نظامه العام، إن علم الجغرافيا يعزوه الطرح الإشكالي، إنها تدفع نفسها نحو اشكالات باهتة لا تحمد عقباها..
وبالتالي فالضرورة تفرض عملية احياء لهذا العلم، يحب اخراج الجغرافيا لضوء الشمس، ولنفعل ذلك فنحن مطالبين باعادة فتح الباب جله امام كل النقاشات التي ستكون بمثابة اثراء للجغرافية، وعلى رأسها التراب كموضوع للجغرافيا.. يحب أن نقتنص أفق هذا العلم ونتملكه، كما ينبغي أن نعود عميقا إلى الخلف..
لقد دأب الجغرافي أن ينظر للمجال وفق تصورين، تصور وصفي قائم على ازدواجية العناصر (طبيعي/ بشري)، وتفسيري قائم على العلاقات بين العنصرين السابقين، بحيث أعطى للجانب التفسيرى مساحة اوسع للبحث الجغرافي وادماج مناهج ومقاربات جديدة، فالعلاقات ليست ثابثة، وإنما تمتاز بالعمق، أي العمق التاريخي والعمق المكاني ذاته.. ومن هذا المنطلق أصبحت الجغرافيا كعلم قائم الذات يبحث في مكامن العلاقات المجالية ويؤشر عن ذاته من خلال طبيعة المعرفة المجالية التي يتنجها، متجاوزا قصور المدرسة الفيدالية الغارقة في منطق المرئي ولامرئي.. هذا الحضور الوازن سيتبلور مثلا في مجلة جغرافية المغرب وكذا مباشرة مع اطلاق سياسة اعداد التراب الوطني.. حيث أصبح الفاعل الجغرافي في قلب الحدث ويستجيب للطلب الإجتماعي command-social، بمعنى أجل تحولت الجغرافيا من علم وصف وحرب، إلى علم تنمية، مساهمة في اتخاذ القرارات المرتبطة بالتخطيط والتنفيذ، على الرغم من بعض الاشكالات الابستمولوجية التي تبقى هي الأخرى إشكالية نظرية، ولكن، ووفق نهج بركماتي فإن قيمة العلم اليوم تحدد من خلال الفعل الإجرائي الملموس في الميدان، أي من مدى مساهمة العلم في العملية الإنتاجية وخلق المجال والبنيات التحتية...
لقد دأب الجغرافيين وحتى يومنا هذا، على اعتبار الميدان أساس العمل الجغرافي، بمعنى إضفاء الطابع الاستقرائي على البحث الجغرافي وجعله رهينا لما يتم من عمليات إعادة البناء من خلال مساءلة وتفحص المجال، وطغى في ذلك المنهج الوصفي-الكمي، إذ أصبح التشديد كثيرا على جمع المعطيات الكمية "النزعة التكميمية" وإعادة البحث عن مدلولاتها في إطار نظام العلاقات العامة.. وبالتالي فالرمز الكمي شكل أساس البحث الجغرافي المعاصر، بينما ظل الرمز النوعي والدلالي نوعا ما هامشيا، على الرغم من أن المجتمع ينتظر شيئا أخرا غير ذلك من الجغرافي، إنه ينتظر منه إعادة بناء النظام العام للمجال، وليس دراسة ظواهر جغرافية متفردة ومعزولة كل على حدا، فالمجال كائن يتنفس له وحدة تتفاعل في منظومة من العلاقات، التي تعرف دينامية مستمرة، وعليه فمهما ادعت الجغرافيا من تفردها بالمجال فهي تبقى قصيرة، لأن المجال كمعطى نسقي هو أوسع ويتطلب لفهمه وتحديده مقاربات أخرى تدخل ضمن اختصاصات متنوعة..
إن الحديث عن التنمية الترابية هو حديث عن معطى جديد، فالتنمية الترابية كفعل متبصر وممارس، تنطلق من قاعدة ترابية أي من التراب ذاته باعتباره ((إنتاجا))، فالتراب هو سمة العلاقات المجالية، أي الإنتاج العام للفاعل الترابي، الذي هو الإنسان، بحيث يتحدد تاريخيا "الهوية التاريخية" وثقافيا "التراث الرمزي والتراث المادي"، وسياسيا "التراب نمط من أنماط الصراع السياسي وتضارب المصالح" إجتماعيا واقتصاديا "علاقات الإنتاج ونمط الانتاج".. مما يؤدي في النهاية الى القول أن التراب هو منتوج اجتماعي، وليس هناك من تراب خارج الفعل والانتاج الاجتماعي، وكما يقول "بيير بورديو"؛ فليس هناك مجال لا يتم انتاجه اجتماعيا، كما أنه ليست هناك علاقة إجتماعية لا تعبر عن نفسها في المجال.." ومن هنا تطرح إشكالية الجغرافيا إذا كانت علم-دراسة المجال فقط، أم علم إعادة البناء والتنظيم، ولتضطلع الجغرافية كعلم بالمهمة الترابية من خلال الاسهام في البناء الترابي، فهي إذن مدعوة الى إنفتاح أوسع على الفاعل السياسي والاقتصادي وكذلك السوسيولوجي والثقافي.. وبالتالي البحث عن رؤية واضحة تحدد ضمنها مختلف التقاطعات العامة والخاصة، ففي التراب لن يكون هناك معنى لمقولة "إحتكار المجال" بل يجب أن ننتقل إلى مقولة "الإسهامات"، وعليه نتساءل؛ ما طبيعة المعرفة الترابية التي تلزم الجغرافيا في إطار الفعل الترابي؟ وكيف ستمكن هذه المعرفة الجغرافية من الاسهام في إعادة تنظيم التراب وانتاجه؟ يجب أولا أن نقر أن الإنخراط في التراب لا يعني بتاتا التخلي عن الدراسة المجالية "الإقليم أو الجهة.." وإنما يعني أساسا تحويل معطى المجال إلى «نسق معلوماتي» قابل للإدماج في إطار نسق معلوماتي أوسع، الذي يشكل أو يعبر رمزيا عن معطى التراب، فمن المتعذر على الجغرافيين اليوم ادراك التراب دون اللجوء الى الدراسات السوسيولوجة والقانونية والثقافية... حيث ان علاقات الإنتاج داخل التراب والتي تفرزه وفق منطق تاريخي ديالكتيكي، مجموعة من التفاعلات لا يمكن الاستدلال عليها من خلال الدراسات الوصفية للسكان والبنيات العقارية والتوزيعات وغيرها، فالمنطلق التحليلي يلزمنا بالبحث عن الروابط الاجتماعية والثقافية وتفاعلاتها، والتي لا يمكن للجغرافي ادراكها الا من خلال عمليتين:
- عملية الاستقطاب المنهجي، أي توظيف مناهج خارجية من باقي العلوم الاخرى، لاماطة الليثام عن واقع هذه العلاقات، وهذا يبقى مسألة نوعا ما صعبة، ذلك أن الجغرافي هنا مطالب بتخصصات عدة وعليه سيجد نفسه أمام مركبات ربما تفقده الموضوعية وتسقطه في الاحكام الجاهزة وصعوبة الربط وغيره..
-الإنفتاح على باقي العلوم الاخرى من سوسيولوجيا وعلم الاقتصاد والقانون وغيرها من العلوم، التي تقارب في دراستها التراب، وهذا سيحتم على البحث الجغرافي إعادة تعريف نفسه من جديد، بحيث سيقتضي الإنتقال إلى ((مجموعات البحث))، أي تكوين فرق بحثية متعددة المشارب تستهدف التراب في نسقه العام وتبحث عن مدلوله المركب العام، وتخطط له وتسهر على تدبيره وتنفيذ التدخلات فيه... وذلك دون أن يفقد الجغرافي هويته، لكن أيضا دون أن يسقط في إشكالية النسقية الأحادية التي لا تعكس واقع التراب..
إن التراب هو إطار جيوبوليتيكي وجيواستراتيجي، تحدد فيه أهم الإستراتيجيات التي تبرز علاقات القوة، والصراع من أجل انتاج التاريخ، فالمجال هو أرضية أو رقعة لممارسة الإنتاج وإدارة الصراع، بينما التراب هو النمط العام الكائن مجاليا والمنتج جدليا وبنيويا.. ولهذا فإنه من اللازم أن تنتقل الجغرافيا الترابية الى إطار نظري أوسع تكون فيه المعرفة الجغرافية سوى معطى ثانوي، وإذا ما قلنا إن تجليات المعرفة المنتجة هي "رمز" فإن الأمر يفضي الى أمران لا مناص منهما..
الأول: أن الرمز الجغرافي المعبر عنه من خلال البحوث والدراسات، هو مجرد مادة خامة، أو على الأقل هو التجريد المركب والمستنتج وفق تعبيرات معينة، ولكن ينبغي تفسير المعطى الرمزي على ضوء اشكالات الحاضر، أي بمعنى أجل البحث عن المدلولات الممكنة لهذا الرمز في الحاضر المعاش، بمعنى لابد من التأويل، تأويل المعطى الجغرافي بما يتماشى وحاجيات الحاضر، فالجغرافي ليس عالم فيزياء، لأن التراب كموضوع والاشكالات التي يطرحها تقتضي البحث في البنيات العميقة لعملية التغير الترابي، وليس مجرد وصف سطحي لقشرة هذه البنية، وهذا ما تنحو إليه الجغرافيا الطبيعية، التي تشكل النصف الأعمى من هذا العلم..
وثانيا: نتحدث عن غاية التأويل، هل نؤول لنفهم؟ بل لنمارس الفعل الحي الملموس بالتجربة الفعالة، بعبارة أخرى ينبغي تفعيل الرمز في الواقع، لمعرفة مدى قدرته على الانتاج، لذلك فلطالما أغفل الباحثين الأبعاد التأويلية والتجريبية لبحوثهم، التي تعد مجرد دراسات يعتقد أنها تفسر الحاضر، إن علم الجغرافيا هو علم انتاج وتطبيق وليس علما مناضلا، ولا علما رديكاليا، يطالب به انتاج نظريات رديكالية ضدا على الواقع، بل هو علم مؤسسة أي يجب أن يبقى نفسه دائما في ارتباط بالمؤسسة، مهما كانت طبيعتها، لأنه لا يعبر عن نفسه الا من خلالها، فلا جغرافيا فردية، وبالتالي فمن الراجح أن تعود الجغرافيا إلى احضان السلطة تلك السلطة المتجلية في بنية النظام الترابي ذاته، لا أن تعوقها، لأن بالعودة الى السلطة سيتسنى الحصول على المدلولات الممكنة لتطبيق الفعل، فذلك يعطي الجغرافيين مساحة أوسع للإطلاع والبحث.. إن الجغرافيا هي ميزة الدولة، هي وجه السلطة في "الأرض"، وليست علما مدرسيا، يعلم الأطفال عن البلدان والسكان، تكون الجغرافيا تقدمية وترابية اذا وفقط إذا كانت تستجيب لمتطلبات السلطة، وتساير عملها وفعلها وطموحاتها. ومن هذا المنطلق يمكن للجغرافيا الترابية أن تفرض نفسها، باعتبارها علما لتدبير الأزمات وإدارة الإستراتيجيات، إن الجغرافيا الترابية تتخطى كل التمظهرات الحالية، ينبغي أن تتجلى بقوى في جمعيات ومعاهد عليا متخصصة، يجب أن تمتد داخل كل بنيات المجتمع من الاعلام الى الحياة اليومية، فهي بذلك أيضا تصنع جمهورها وتنتج "طلبا إجتماعيا" خاصا بها، أما أن تبقى غريبة في رفوف المكتبات، فذلك هو حتمية الموت العلمي.. وبالتالي فالجغرافين مدعوين لتحطيم صنمهم العزيز المتمثل في المجال والمنهج الوصفي والكمي، لأن ذلك يسير بالجغرافيا الى الهاوية تماما كعروس خطفت في ليلة زفافها المبارك... إن الجغرافيا الترابية ليست جغرافية أشخاص، وإنما هي جغرافية مدارس، يجب أن تحافظ على التجديد المستمر، وأن تكون مرينة وتتيح امكانية أوسع لكل الفرقاء، بختلاف مشاربهم، كما لا ينبغي على الجغرافيا ان تقبل بموقعها الحالي، انها لم تعد قادرة حتى على انتقاد نفسها، وإنما يجب أن تمتلك النقد والمغامرة في صراعات مريرة مع باقي العلوم الانسانيه الأخرى، خاصة التاريخ، هذا العلم الذي يرتكن على المجال كبعد مهيكل، إنه ما ينفك أن يصبح جغرافيا بطريقة ما، ينبغي كذلك على قبيلة الجغرافيين اليوم قبل الغد قيادة قاطرة الهدم الشامل لكل الاحتكارات غير الموضوعية للتراب، ولتفعل الجغرافيا ذلك يجب عليها أن تقوم:
- بنقد منهجي عميق لتاريخها، وأن تحاكم نفسها، محاكمة شجاعة.. فلا يمكن الإنتقال إلى جغرافيا الترابية دون سن نقد داخلي جذري، ينبني على تشريح متواصل للظاهرة الجغرافية، يجب أن نفتح عيوننا بوضوح عما أنجبه هذا العلم عبر تاريخه، ولا تهمنا طبيعة المعرفة الجغرافية في حد ذاتها، بقدر ما يهمنا الجانب الابستمولوجي، يجب أن نعمق الدراسات الابستمولوجية لهذا العلم، حتى يتسنى لنا أن نعيد توطبن أنفسنا من جديد، إننا لا نريد بذلك بعض الشطحات الأدبية التي قام بها البعض وانتهى الى دعوة مجيدة لجغرافية محلية!! أقصد ذلك الكتاب الذي قرأته "الجغرافيا القول فيها والقول عنها"، فهو ليس بنقد ابستولوجي لعلم، إنه كراسة تصلح للتدريس في المدارس أكثر مما تصلح في الجامعات، يجب على النقد الإبستيمي أن يتحرى العمق الفلسفي للجغرافيا، ذلك العمق الذي لا يظهر، بالإضافة إلى تحرير الجغرافيا من الفلسفة، أو على الأقل أن يكون الجغرافيين على وعي بميولهم الفلسفية ومتطلبات العلم تلموضوعي، وهذا النقد يستلزم أن نحرك كل ما هو راكد، فهو لا يقوم به جغرافي شجاع، إنه نقد متواصل لنخبة مجددة متمثل في مدرسة رحبة..
- ينبغي على الجغرافيا أن تعيد النظر في كل اساليبها المنهجية وادواتها وطرق تعبيرها.. وأن تترفع عن جغرافية الهوات.. لا شيء يضر بالعلم من هوات مطمحهم الأساسي البحث عن الخبز، علم استرزاق، إن هذا الفخ هو ما وقعت فيه الجغرافيا اليوم، حيث جل الباحثين في هذا الباب يناصرون بوعي أو بدونه منطق الموضة!! التي أصبحت منتشرة في كل الجامعات، مهانة هذه! والتي لا ينتبه لها أحد، لماذا تموت الجغرافيا هناك؟ ذلك لسبب بسيط عدم وجود تنافس بين الباحثين والمؤطرين والمشرفين، ليست هناك مجموعات بحثية متنافسة، ولكن يوم المنافسة نصبح جميعا على توافق، نناقش من نفس الزاوية، إن هذه المعايير الهزيلة يجب تجاوزها وحلها، يجب أن تطرح البحوث للنقد العميق، يجب كشف الخلفيات الابستيمية للباحثين، هذا ما يجب أن يناقش، وليس المعطبات التي تم مسحها.. ولتفعل ذلك يقتضي احلال التجديد المنهجي، والدفع في اتجاه إغناء المناهج الجغرافية وتطويرها..
- ومن ثمة الإنفتاح على امكانية التجديد الشامل، الذي لن يتأصل سوى بانتصار منهجي، من هنا تتحقق العلمية ومعقولية الجغرافيا كعلم إجتماعي من جهة، وكمعرفة انسانية عملية من جهة ثانية، أي أن تتفرد بمنهجها الخصب، لم نجد يوما بحثا يعنون نفسه "قضايا في المنهج الجغرافي"، كل ما هناك نتف متفرقة من التوصيفات، مرطنة بشكل عاطفي... إن الإنتصار لمنهج جغرافي ما، هو إنتصار لكل شيء..
- ومن بعد ان تسعى الجغرافيا إلى تلمس موقعها، وأن تبتلع كل الامكانيات التي توجد في طريقها، وهذا يتحقق وفقط إذا اعتبرت الجغرافيا نفسها ((انسانوية))، فلا الصخور ولا الاشكال التضاريسية.. توازي الفعل الانساني، إن الجغرافيا الترابية، تنطلق من حقيقة ثابثة لا غبار عليها وهي أن "التراب حقيقة جغرافية أكثر مما هو حقيقة سوسيولوجية أو اقتصادية.."
فكيف تعيد الجغرافيا الترابية إنتاج التراب؟
إن الجغرافيا تصف وتفسر، وهذه حقيقة منهجية معروفة حتى من لدن التلاميذ في المدرسة، لا ضير من القول أن المعارف الجغرافية ذات دور إستراتيجي، في بناء كفايات قابلة للاستثمار في الحياة الإجتماعية والإقتصادية الإنسانية.. لكن هيهات أن تكون الجغرافية الترابية كذلك، إن الجغرافيا الترابية ينبغي أن تحقق كفايات إستراتيجية لدى الفاعلين، أي لدى النخبة التي تمارس الفعل المباشر في التراب، يجب أن تزودها لا بالمعلومات فقط وإنما بالمدلولات العامة والمرتبطة بابعاد استشرافية، هنا ستفرض الجغرافيا الترابية أهليتها لريادة العلوم الانسانية من خلال قدرتها الحقيقية على استشراف إنتاج ترابي معين في المستقبل، ولتفعل ذلك عليها أن تكون قادرة على بناء رموز موضوعية، وأن تضبط تأويلاتها من خلال دراسة مختلف السياقات، فالجغرافيا لا تعوض ها هنا علم التاريخ أو علم المستقبليات.. فهي تقدم نفسها بكل ثقة، لأنها لا تنظر للصراع السياسي أو علاقات القوى، فذلك ليس سوى معطى، وإنما تنظر لمنتوج ترابي كامل الأركان، يتساير مع مصالح محددة، ولهذا على الجغرافيا أن تعيد تحريك البركة الضحلة ليس لها فقط، وإنما للعلوم الإنسانية أجمع، والجغرافيا ليست فلسفة ولا نظرية معرفية تقتات على مخلفات علوم أخرى، وإنما هي علم يفرض ذاته كمنافس قوي، بأن يتفرد بالمدلولات الكبرى لمختلف الظواهر الترابية، وهذا لن يكن ممكنا دون إعادة هدم كل الحدود التي تعيق تحقيق هذا العلم الترابي، وأول حد هو بعض الهوات الذين يباركون للجغرافيا ضيقها هذا، يجب مواجهة اعمالهم وافكارهم، بنظرة منهجية ثاقبة، حتى تعرف مدى صوابهم، ثم ثاني حد وهو علم الاقتصاد المجالي وعلم البيئة، وبعض العلوم التي تجعل الجغرافيا ميدانا لتلاقي علوم عدة، بل إن الجغرافيا هي ما يجب ان تفرض طبيعة التلاقي وحدوده، وبهذا فالجغرافيا الترابية لا تفسر وحسب انها تبني وتقوم بكل عمليات الانتاج واعادة الإنتاج..
إننا نمتلك فرصة حقيقية اليوم لفعل ذلك، إن السوق قد أضعف من مقدرة كل العلوم الإجتماعية، فالعولمة اختزلت كل شيء، دافعة به إلى الأحادية المطلقة، لكن مهما تغولت العولمة، ستبقى الجغرافيا تنفلت من بين يديها، لأن التراب ما ينفك ينتج بنفسه تمظهرات مختلفة رافضة لكل اشكال الهيمنة، إن التراب ذي طبيعة مقاومة، للعولمة، وهو يفرض عليها شروطه، وبالتالي يعريها امام نفسها، يجرؤ بعض المؤرخين على اعلان نهاية التاريخ متى ارادوا ذلك، لكن لا يجرؤ الجغرافي على القول بنهاية الجغرافيا، لأنها وببساطة تعيد إحياء كل العلوم الأخرى، فطبيعة "التغايرية الترابية" ودرجته، تقوم بعملية احياء عميقة، وإذا كانت العولمة يمكن أن توحد كل شيء، فإنها لن تستطيع أن توحد التراب لأنه خصوصي جدا، فهي إذن تغتاله بأن تحاول اخفاء عجزها امامه، ولكن يكون عاقبة ذلك باهضا جدا...
ومن هنا فالحغرافي اليوم مطالب باعادة النظر في موقعه، ومدعو الى إعادة توطين نفسه لكي تصبح مسايرا للتطورات، ويستجيب للحاجيات الأنية والمستقبلية..
إننا لا نرفض الجغرافيا التقليدية، ولكن الجغرافيا الترابية كعلم منطقي يفرض نفسه بشكل متميز بدلالته الحيوية، إن الترابية كمفهوم مركزي لما نراه جغرافية المستقبل، جغرافية الضرورات التي تستطيع أن تفرض ذاتها، وتبتلع كل ما يحيط بها.. فالترابية تعني قبل كل شيء "توليف شامل للتراب، إنه علم يدرس من أجل مهمة جليلة وهي إعادة بناء التراب ليتماشى ومصالح السلطة، ولا نقصد هنا بالسبطة كما أسلفنا الذكر، سلطة الفرد، بل سلطة التاريخ الكامنة في النظام الترابي القائم في كافة أبعاده" فالترابية فضاء واسع، لا يتحقق في دراسات جزئية أو منوغرافيات مكانية محلية.. بل هو تجريد مركب لكل شيء، نظام من المعلومات، شبكة من العلاقات، نسيج من التأويلات، صيرورة من المفاهيم، جملة من الإشكالات.. والترابية لا تقدم توصيات، إنها تنتهي الى رؤية موضوعية للمستقبل، وتقدم مشروعا بديلا..."
ومن هنا فالجغرافي اليوم مطالب باعادة النظر في موقعه، ومدعو الى إعادة توطين نفسه لكي يصبح مسايرا للتطورات، وما ينطبق على الجغرافي ينطبق على باقي الفاعلين الأخرين الذين يتخذون من المجال والتراب ميدان دراسة، وهذا سيقتضي إعادة الربط بين المسالك الجامعية وتكوين ما اسميه، ((بالمسالك المتداخلة))، فالتراب يتخذ معناه انطلاقا من بناء منهجي تلاقحي وليس تفردي احتكاري..




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,239,853,824
- كورونا الويل!!
- -روح الموسم-
- خواطر شعرية: -البحر يا أمي-
- رسالة وداع إلى سيدة أصبحت من الماضي
- في أحضانٍ عاهرة
- اليسار بين وعي الفرد وثقافة التنظيم
- المنظومة التربوية المغربية، وضرورة بناء منظومات تربوية جهوية
- وجهة نظر حول النموذج التنموي الجديد في المغرب
- السقاع والغيمة
- حرق العلَّم الوطني أية دلالات؟
- خواطر شعرية: بين السجن والمقبرة
- قضية تجديد تاريخ المغرب عند عبد الله العروي
- خواطر شعرية: تخبرني أنني هنا
- الربيع العربي، التمرين الأول والدروس المستفاذة
- خواطر شعرية: بين ثنايا قلبي تقبع مرارة كل هذا الوجود
- العطش المعرفي اي واقع في المحتمع العربي
- التنمية الترابية بالمغرب ملاحظات منهجية
- الأستاذ الجامعي بالمغرب، من الوظيفة التربوية إلى الممارسة ال ...
- هل يعاني المغرب من مأزق إجتماعي أم أزمة ضمير سياسي؟
- ما هو التنوير؟


المزيد.....




- هاريس ونتنياهو يؤكدان معارضة واشنطن وتل أبيب لقرار الجنائية ...
- بعد مرور 10 سنوات.. الصليب الأحمر يخشى من أن تصبح سوريا أزمة ...
- بعد مرور 10 سنوات.. الصليب الأحمر يخشى من أن تصبح سوريا أزمة ...
- كاد يقضي على -المشروب رقم 1-... خبراء يكشفون -أكبر- خطأ ارتك ...
- الشرطة البريطانية تعلن إحباط 3 عمليات إرهابية خلال فترة الجا ...
- لجنتا -الصليب- و-الهلال- الأحمرين: السوريون يواجهون صعوبة غي ...
- -التعاون الإسلامي- ترحب بإعلان -الجنائية الدولية- التحقيق بش ...
- واشنطن تدرج وزارتي الدفاع والداخلية في ميانمار على القائمة ا ...
- محادثات قطرية أمريكية حول إيران
- شبان العالم العربي -ينزلقون بأعداد قياسية إلى خانتي العوز وا ...


المزيد.....

- ظروف وتجارب التعليم في العالم / زهير الخويلدي
- تطور استخدام تقنية النانو / زهير الخويلدي
- من أجل نموذج إرشادي للتوجيه يستجيب لتحديات الألفية الثالثة / عبدالعزيز سنهجي
- الجودة وضمانها في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية 20 ... / حسين سالم مرجين، عادل محمد الشركسي ، مصباح سالم العماري، سالمة إبراهيم بن عمران
- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عادل امليلح - -من جغرافية المجال الى جغرافية التراب: قضايا التجديد!!-