أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - نوال السعداوي - «وردة» بريقها الطفولي يبتسم للكلب الوولف وقلبها يمتلئ بالحزن














المزيد.....

«وردة» بريقها الطفولي يبتسم للكلب الوولف وقلبها يمتلئ بالحزن


نوال السعداوي
(Nawal El Saadawi)


الحوار المتمدن-العدد: 6644 - 2020 / 8 / 12 - 09:38
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


فى ذاكرتى «رواية» لم تكتب، تعيش فى كيانى، تحتل الوعى واللاوعى، منذ ماتت أمى فى شبابها وهى تمسك يدى بيدها، كنت طبيبة فى العشرينات من عمرى، ممشوقة القوام، جامحة العقل والثقة بالنفس، يقول الناس عنها: فتاة غير عادية، جاذبيتها غير مألوفة، نفورها من الجنس الآخر غير طبيعى، لكن التاريخ كان يقول لها: هذا الجنس انحدرت فصيلته من الغوريلا، قبل ظهور مؤسسة الزواج، وكلمة «بعل» كانت تعنى «الزوج»، لم يكن فوق العين نقطة حينئذ، وكانت تعنى أيضا المعبود «بعل»، إله القبائل القديمة، التى تحولت من تقديس الأم إلى عبادة الأب. قليل من الناس الذين يؤمنون بالفطرة الصادقة العادلة، والتى تدعمها صفحات التاريخ، أن الانحطاط الحضارى للبشرية، والفساد الأخلاقى، والجرائم المقننة ثقافيا وقانونيا، والحروب الدموية، كلها بدأت نتيجة هذا التحول من تقديس الأم، إلى عبادة الأب.


فى ملفاتى بالكمبيوتر، أربع روايات لم تكتمل أبدا، منها رواية أمى «زينب شكرى»، ومنها رواية «الطفلة وردة»، ومنها رواية «الرجل الذى لم يوجد أبدا»، وأجزاء متعددة من روايات أخرى، بدأت كتابتها منذ القرن الماضى وحتى القرن الحالى.

فى الصباح الباكر، كنت أمر بها، حين أخرج من بيتى فى رياضة المشى اليومية، أجتاز شارع الجيزة إلى كوبرى عباس، ومنه إلى شارع النيل من جهة المنيل، ثم إلى كوبرى الجامعة حتى نهايته، فأتجه لليسار إلى شارع النيل بالجيزة حتى كوبرى عباس، دورة كاملة حول النيل تستغرق خمسين دقيقة، كانت هى تغسل السيارات فى شارع النيل، أمام العمارة، ما بين مبنى السفارة الفرنسية بلونها الوردى، ومنزل السفير الأمريكى الأبيض بسوره العالى كالقلعة، طفلة فى العاشرة أو الحادية عشرة، قالت اسمها «وردة»، تلف رأسها ثلاث لفات أو أربع بحجاب شاحب الزرقة يميل للصفرة، فى يدها جردل بلاستيك أخضر، وفوطة صفراء بليت من كثرة الاستخدام، جلبابها الرمادى الطويل مبلول تعلوه البقع والرقع، يلتصق بصدرها وبطنها، نهداها برعمان دقيقان كل منهما أدق من بندقة، يهتزان رغم إرادتها تحت الجلباب، تشد طرف الحجاب المتدلى لتغطيهما، يدها اليمنى تدعك زجاج السيارة بقوة وإتقان، حتى ترى وجهها فيه كالمرآة، تتوقف لحظة، كأنما مندهشة لرؤية وجهها أمامها، لم تعرف منذ ولدت أن لها وجها، أو أن لها أما، أو بيتا فيه مرآة، سكان العمارة يملكون السيارات التى تنظفها كل صباح، مالك العمارة يسمونه الباشا، ابنته دكتورة، تخرج مع كلبها الوولف كل صباح، شفتاها مزموتتان لا تنفرجان فى ابتسامة، يسرع السائق الأسود ليفتح لها باب السيارة الطويلة البيضاء ذات البوز المدبب، يبتسم الكلب ويهز رأسه برقة، أكان يبتسم لها؟ لم تر من قبل ابتسامة كلب، فهل يبتسم الحيوان كالإنسان؟. تحرق كلمة «إنسان» حلقها، تمتلئ عيناها بالدموع دون وعى، تمر الدكتورة بجوارها قبل أن تصل إلى سيارتها، تلتقط عطرها الرقيق كالياسمين فتنكمش داخل جلبابها، تكتم فى جسدها رائحة عرقها المتراكم تحت إبطيها، تطرق للأرض فترى حذاءها الجلدى المتين له بوز طويل مدبب، كعبه العالى الرفيع، يدق بلاط الرصيف بصوت عال، من بوز شبشبها البلاستيك تطل أصابع قدميها الطفولية بأظافرها المقصوفة تحتها لون أسود، يداها تدعكان الزجاج، أصابعها ناحلة، أظافرها مشققة بالماء والصودا الكاوية والكيماويات فى سوائل التنظيف.

سقطت نقطة ماء ساخنة فوق الزجاج، فأدركت أنها تبكى، لماذا تبكى الآن ولم تكن تبكى أبدا؟. تمسح دموعها وتضحك، عيناها السوداوتان يكسوهما بريق طفولى، تبتسم للكلب الوولف وقلبها يمتلئ بالحزن.

أتوقف عندها كل صباح، كنت طفلة مثلها، أبتسم للقطط والكلاب، لم أكن أغسل السيارات فى الشارع، وكان لى بيت فيه مرآة وأم وأب، وأخ أيضا، يرسب أخى كل عام فى المدرسة وأنا أنجح بتفوق، يحظى فى العيد والإجازات بضعف نصيبى، ويخرج ليلعب مع أصحابه، وأبقى أنا بالبيت لأطبخ مع أمى، وأمسح البلاط، وأدعك المرحاض، لم تكن فضلات أبى تطعن كرامتى، فهو إنسان رقيق، ليس مثل أخى المتغطرس، فضلاته طعنة فى صدرى، وأزعق فى غضب: ليه؟.. ليه؟.. وترد جدتى «أمر الله»، وأزعق «لأ، لأ»، فى الليل وأنا نائمة أطعنه بسكين المطبخ.

فى هذه اللحظة تهرب الرواية منى، وتسقط فى بئر العدم!!



#نوال_السعداوي (هاشتاغ)       Nawal_El_Saadawi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حاكم جائر.. زوج مستبد.. غضب الطبيعة الأم.. كلها سجون
- كيف سيتم استثمار كورونا لصالح الحضارة الرأسمالية العالمية؟
- ذكريات بين كازاخستان الشيوعية وكازاخستان الرأسمالية
- ربما عاشت الخيال كالحقيقة.. عاقلة مجنونة مثل كل المبدعين وال ...
- الفساد الجنسى للرجال واحد رغم اختلاف الانتماء السياسى والدين ...
- اشتياقات أصيلة نفقدها في خضم الزيف والصخب
- رفع الحجاب عن عقل النخب الإعلامية والتعليمية
- الخوف من الموت والخوف من الضحك والخوف من كورونا
- السبب الوحيد لتعدد الزوجات يضرب الاتجاه السلفى الشبقى
- ذلك الطريق المفتوح إلى الأبد هو سر عذاب الإنسان وسر سعادته
- كلمة السر هى «الاستغناء».. المقاومة حتى النفس الأخير
- طاعة المرأة مقابل إنفاق الرجل قانون استعباد
- المأساة النفسية والجسدية التى تعيشها المرأة المختتنة
- أنكر الداعية فعلته معى ووصفنى بقلة الأدب والفساد
- مارتن لوثر كينج وحلم سقوط التفرقة العنصرية
- شهريار ذو السُلطة المطلقة ينام كالأطفال على حكايات شهرزاد
- لا ينطقون مع النَّفَس الأخير إلا كلمة «أمى»
- الرغبة فى عبادة وتقديس السلطة الفردية.. مرض مزمن عالمى ومحلى
- أحاسيس دنسة تسللت إلى جسدها غير الطاهر
- الكاتب الكبير والكاتب الحر


المزيد.....




- -لا يوجد أحد آمن.. لا شيخ ولا طفل ولا امرأة-.. صور مروعة من ...
- منسق أممي: أشعر بقلق بالغ إزاء مقتل النساء والأطفال برفح
- استئناف محاكمة طارق رمضان بعد تبرئته من تهمة اغتصاب
- طارق رمضان أمام محكمة الاستئناف بجنيف بعد عام من تبرئته بتهم ...
- الولايات المتحدة... رجل عمره 100 عام يتزوج امرأة عمرها 102 ع ...
- سفاح التجمع: قاتل متسلسل يستهدف النساء في مصر…ما القصة؟
- طارق رمضان أمام محكمة الاستئناف بعد عام على تبرئته من تهمة ا ...
- “مش هتسمع زنهم خالص طول اليوم!!”.. تردد قناة توم وجيري الجدي ...
- “سفّاح التجمع”.. النظام الأبوي وصناعة السفاحين
- مجزرة الخيام في رفح…استمرار الإرهاب الصهيوني


المزيد.....

- بعد عقدين من التغيير.. المرأة أسيرة السلطة ألذكورية / حنان سالم
- قرنٌ على ميلاد النسوية في العراق: وكأننا في أول الطريق / بلسم مصطفى
- مشاركة النساء والفتيات في الشأن العام دراسة إستطلاعية / رابطة المرأة العراقية
- اضطهاد النساء مقاربة نقدية / رضا الظاهر
- تأثير جائحة كورونا في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي لل ... / رابطة المرأة العراقية
- وضع النساء في منطقتنا وآفاق التحرر، المنظور الماركسي ضد المن ... / أنس رحيمي
- الطريق الطويل نحو التحرّر: الأرشفة وصناعة التاريخ ومكانة الم ... / سلمى وجيران
- المخيال النسوي المعادي للاستعمار: نضالات الماضي ومآلات المست ... / ألينا ساجد
- اوضاع النساء والحراك النسوي العراقي من 2003-2019 / طيبة علي
- الانتفاضات العربية من رؤية جندرية[1] / إلهام مانع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - نوال السعداوي - «وردة» بريقها الطفولي يبتسم للكلب الوولف وقلبها يمتلئ بالحزن