أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوال السعداوي - ذكريات بين كازاخستان الشيوعية وكازاخستان الرأسمالية














المزيد.....

ذكريات بين كازاخستان الشيوعية وكازاخستان الرأسمالية


نوال السعداوي
(Nawal El Saadawi)


الحوار المتمدن-العدد: 6605 - 2020 / 6 / 29 - 09:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



منذ أيام قليلة، جاءتنى دعوة إلى كازاخستان، ومع الأسف اعتذرت عن عدم قدرتى على الذهاب، بسبب الوعكة الصحية التى أمر بها.

وشردت فى الذكريات، حينما سافرت إلى كازاخستان لأول مرة عام 1968. سافرت إلى الاتحاد السوفيتى، فى رحلة طويلة، قطعت بعضها بالطائرة، وبعضها بالقطار،وبعضها على نهر الفولجا، فى سفينة مع «فالانتينا» التى تم تتويجها بطلة الفضاء حينئذ، من بعد رائده الأول «جاجارين». زرت عددا من المدن، منها لينينجراد، ستالينجراد، موسكو حيث الكرملين ومقبرة لينين، رأيته راقدا داخل بذلته الرسمية السوداء، محنطا مثل توت عنخ آمون، والطوابير من البشر تملأ الميدان الكبير، تنتظر بالساعات لتلقى نظرة على زعيم الثورة البلشفية. لم أكن من أتباع لينين، أو غيره من زعماء الشرق أو الغرب. لكن احتفاء الشعوب بفرد ناضل من أجلها أمر عظيم ونبيل.

كانت مدينة «ألماتى» فى ذلك الوقت عاصمة كازاخستان تحت الحكم السوفيتى. حضرت بها مؤتمرا أدبيا، وأكلت تفاحها، (كلمة ألماتى تعنى التفاح)، وجوه أهلها تشبه الصينيين.

ثم جاءت رحلتى الثانية إلى كازاخستان، حيث دعيت لإلقاء كلمة فى مؤتمر أدبى، بعد أكثر من خمسة وأربعين عاما من رحلتى الأولى، وقد سقط الاتحاد السوفيتى. أصبحت مدينة الأستانة هى عاصمة كازاخستان منذ 1991 وحتى 2019. هبطت فى مطارها بعد رحلة طويلة فى الجو، بدأت من القاهرة إلى فيينا، ومنها إلى الأستانة. رغم مرور الزمن، مازلت أفرح بالتحليق فى الهواء، أو ركوب القطار مثل الأطفال.

لا شىء مثل السفر وتجاوز الحدود، يقضى على التعصب للقبيلة ومسقط الرأس. لا شىء مثل السفر، يوسع عقولنا وقلوبنا، تذوب الهويات الضيقة الصغيرة الموروثة، تاريخيا بالدم والرحم والدين، والعٍرق، نكتسب الهوية الإنسانية الأكبر، التى توحد البشر رغم الاختلاف. أشعر بالراحة فى السفر، وسعادة التحرر من القهر المزمن، داخل سجن الأرض والأسلاف.

مازالت الذكريات تحملنى معها، عندما جاءتنى الدعوة لإلقاء كلمتى فى مؤتمر قالوا عنه «رفيع المستوى»، حدقت فى هاتين الكلمتين «رفيع المستوى».

هذه المؤتمرات تنظمها الحكومات، شرقا وغربا، تنفق عليها الملايين، والنتيجة؟؟.

الكلام الممل المكرر، والدعايات، والحقائب المنتفخة بالأوراق، وصور المسؤولين، والخطب الطويلة المصقولة، لكن رغبتى فى رؤية الأستانة، عاصمة كازاخستان الجديدة، تغلبت.

منذ المدرسة الابتدائية، قرأت فى كتاب التاريخ عن الأستانة. تصورتها الامبراطورية الممدودة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، فى آسيا حتى حدود الصين، البحر الأسود، وبحر قزوين، إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، إلى مصر ونهر النيل فى إفريقيا. كلمة الأستانة شغلت خيالى الطفولى، مع اسم محمد على باشا، حاكم مصر، كان يجلب منها العلماء، وإليها يرسل البعثات.

رجال البروتوكول فى المطار، يشبهون رجال البوليس، لا بد أن أتبع طقوسهم فى الاستقبال، وأن أبتسم لصورة الرئيس المنشورة، كنت مدعوة وهكذا كان الأمر دائما، بصفتى الشخصية، كاتبة حرة مستقلة، لا أتبع أى حكومة، لا أمثل أى نظام.

فى الفندق خمسة نجوم، أصابنى تسمم غذائى. قضيت الليلة الأولى أفرغ ما دخل معدتى، أول نتائج المؤتمر رفيع المستوى، والانفتاح على أمريكا وأوروبا.

هذا إيجاز بليغ للانفتاح على الرأسمالية تحت أسماء براقة، يختبئ التسمم الغذائى تحت شعار الثورة الخضراء، والأمن الغذائى.

فى الصباح، صحوت مشرقة كالشمس، وذهبت إلى المؤتمر، وألقيت كلمتى، ونلت تصفيقا طويلا، رغم نقدى للديمقراطية الزائفة، والخصخصة، والسوق الحرة، لكننى أشدت بالتعليم الجديد القائم على التعددية، وحرية الفكر، وإثارة الجدل، وعلى قوانين الأحوال الشخصية التى هى كلها قوانين مدنية.

مرافقتى كانت فتاة كردية الأصل اسمها «نارينا»، تجولت معى فى المدينة. الشوارع واسعة نظيفة، البنات فى الحدائق، النساء يتسوقن، لم أر امرأة واحدة محجبة، والرجال لا أحد منهم يتطلع إلى النساء أو الفتيات. قالت نارينا: «الأغلبية هنا من المسلمين، لكنهم لا يؤمنون بحجاب المرأة، وهنا تتعدد الأديان والمذاهب والأعراق، وعندما يصل المواطن سن العاشرة، من حقه أن يغير اسمه واسم أبيه أو اسم عائلته، وديانته أو مذهبه، هنا لا يفرض الدين بالوراثة أو التربية والتعليم». وعرفت منها أن أثناء الحكم السوفييتى، كان التعليم بالمجان، ولكن مناهج التعليم كانت محكومة بالفكر الشيوعى، وبعد الاستقلال، والانفتاح على أمريكا وأوروبا أصبح التعليم بالفلوس لمن يملك المال، وأنه على غرار ما يحدث فى البلاد الرأسمالية، اتسعت الهوة الطبقية، لكن الحريات الشخصية والفكرية تزدهر. سألت نارينا: «لو كان بإمكاننا الجمع بين حسنات الشيوعية وحسنات الرأسمالية، ألن يكون هذا أمرا جيدا؟». قالت: «يا ريت يا دكتورة، لكن الرجال يحكموننا بالعقلية التقليدية، شيوعية أو رأسمالية.. النساء المسلمات هنا متحررات لكن الرجال يحتكرون السلطة فى الدولة والعائلة».



#نوال_السعداوي (هاشتاغ)       Nawal_El_Saadawi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ربما عاشت الخيال كالحقيقة.. عاقلة مجنونة مثل كل المبدعين وال ...
- الفساد الجنسى للرجال واحد رغم اختلاف الانتماء السياسى والدين ...
- اشتياقات أصيلة نفقدها في خضم الزيف والصخب
- رفع الحجاب عن عقل النخب الإعلامية والتعليمية
- الخوف من الموت والخوف من الضحك والخوف من كورونا
- السبب الوحيد لتعدد الزوجات يضرب الاتجاه السلفى الشبقى
- ذلك الطريق المفتوح إلى الأبد هو سر عذاب الإنسان وسر سعادته
- كلمة السر هى «الاستغناء».. المقاومة حتى النفس الأخير
- طاعة المرأة مقابل إنفاق الرجل قانون استعباد
- المأساة النفسية والجسدية التى تعيشها المرأة المختتنة
- أنكر الداعية فعلته معى ووصفنى بقلة الأدب والفساد
- مارتن لوثر كينج وحلم سقوط التفرقة العنصرية
- شهريار ذو السُلطة المطلقة ينام كالأطفال على حكايات شهرزاد
- لا ينطقون مع النَّفَس الأخير إلا كلمة «أمى»
- الرغبة فى عبادة وتقديس السلطة الفردية.. مرض مزمن عالمى ومحلى
- أحاسيس دنسة تسللت إلى جسدها غير الطاهر
- الكاتب الكبير والكاتب الحر
- كيف تتحقق ديمقراطية المجتمع فى ظل ديكتاتورية الأسرة؟
- قانون واحد للأسرة المصرية
- أعطونا كتاب الله وأخذوا أرضنا وأموالنا


المزيد.....




- بين رفح وتل السلطان وغيرهما.. مقتل 6 أشخاص على الأقل بقصف إس ...
- كيف اكتشف المتحف البريطاني بعد عامين سرقة مجوهرات وبيعها على ...
- شاهد: بعد -مجزرة الخيام-.. مستشفى ميداني في رفح يستقبل عشرات ...
- برامج الأحزاب الألمانية في انتخابات البرلمان الأوروبي
- كوارث في أفريقيا بسبب الطهي بطاقة غير نظيفة – فما الحل؟
- فلكي سعودي يكشف عن ظاهرة فريدة اليوم: كل العالم سيكون مواجها ...
- للمرة الرابعة في 6 أشهر.. رئيس الأرجنتين يزور الولايات المتح ...
- تداول فيديو لغرق الرصيف الأمريكي المؤقت قبالة سواحل غزة
- محمد بن زايد آل نهيان يصل إلى كوريا الجنوبية في زيارة دولة
- حتى لا تقطع حديثها.. مذيعة أمريكية تبتلع ذبابة على المباشر! ...


المزيد.....

- والتر رودني: السلطة للشعب لا للديكتاتور / وليد الخشاب
- ورقات من دفاتر ناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- ورقات من دفترناظم العربي - الكتاب الأول / بشير الحامدي
- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ
- العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني / حميد الكفائي
- جريدة طريق الثورة، العدد 72، سبتمبر-أكتوبر 2022 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 73، أفريل-ماي 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 74، جوان-جويلية 2023 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوال السعداوي - ذكريات بين كازاخستان الشيوعية وكازاخستان الرأسمالية