أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - حين خبَّأ صوته في إحدى مغاراته السحيقة .. - قصة قصيرة -














المزيد.....

حين خبَّأ صوته في إحدى مغاراته السحيقة .. - قصة قصيرة -


أماني فؤاد

الحوار المتمدن-العدد: 6256 - 2019 / 6 / 10 - 01:06
المحور: الادب والفن
    



تروي صديقتي الشامية قصة عشقها لجبل، تُقسم أنها بالفعل قد أحبت جبلا، وأنها عندما كانت ترغب في تدليله كانت تناديه: جبل بن صخر بن جدار بن حجر. تقول: وقتها كان لا يفعل شيئا سوى أن يميل بجسده المدكوك ناحية اليمين، ثم ينظر إليها مليا، ربما بشخوصه إليها على هذا النحو كان يحفر عميقا ليثقب صدرها بإحدى الجرافات الثقيلة التي تركها طغاة التاريخ فوق مدارجه، اعتقدَ أن بتجويفها على هذا النحو قد ينتهي من استجوابها دفعة واحدة فتعترف بأنها قطعا مذنبة، فاستنادا على مقولات جداته وفقهاء ثقافته منذ "شمشي أدد الخامس" قبل الميلاد كثيرا ما هدد بإلقائها من فوق قمته الشاهقة.
ملحوظة: عندما تحكي صديقتي الروائية عنه ــ وهي لا تَكفُّ في كل لقاء ــ يتجسد مقام الوله مثل شموس صغيرة تنطلق من مداراتها، فيرتفع الوجد بالطاولة والمقاعد التي نجلس فوقها، كما تتطاير حقائبنا، و الأكواب، وطلاء أظافرنا، والكلمات.
تَذكرُ أنها كلما عرفته أكثر كلما ازداد مأزقها مع اللغة، فلقد كانت بحاجة لمفردات أكثر صلابة، وأكثر رهافة أيضا؛ لعلها تقبض على وصف لائق للسحاب الكثيف الذي كان يحوّط قمته لدرجة غوصها الساحر في طراوته، ثم تبدده المفاجأ وكأنه قد مُسَّ. فعلى حد قولها: نسق الثقافة العربي يستدعي كل ما هو حجري وطارد، يستدعي أيضا التقلب بين فيض العشق وغدره.
يَردُ في قصتها أيضا أن هذا الجبل كان كلما مشط شعرها الطويل أزاحه جانبا لبرهة؛ ليرسم فوق جيدها بشفتيه اسمه، وأحلام عشاق واديه، يكتب مقولات من سكنوا كهوفه من متصوفه، وجل ما يحفظ من أبيات الحب والغزل.
استطراد: الروائية ليست "لينا الهويان الحسن" ولا "بسمة الخطيب" كما أنها ليست سحر خليفة، فلا داعي للبحث عن امرأة بعينها داخل النص.
عَشِقته حينما اجتاحها الشلال العذب الذي يصب من قمته، كأنه أسطورة النهر الذي يتساقط من السماء مباشرة. تقص المتمردة التي لا يروقها إلا التفرد، أنها تركت العالم بمخلوقاته كافة وذهبت إليه مأخوذة لتقف تحت أحد مصباته الشاهقة، مدَّت يديها فامتلأت، فشربت من مياهه العذبة حتى ارتوت، مدَّتهما ثانية فجفلت من الحصى المدبب المتساقط مع الماء، هذا الذي أدمى يديها الناعمتين في كل مرة، فلقد كان جرمها الدائم أنها امرأة متلبسة بالكتابة، فحين نزع الجبل قناعه في إحدى المرات ذكر لها: "أن هناك فارقا كبيرا بين الأفكار التي تكتبها وشروط الحياة في واديه وفوق صخوره".
تتذكر مندهشة أنها منذ أيام رأته ــ على ضخامته المهولة تلك ــ يجلس في غرفة شاحبة الإضاءة، شديدة الفوضى، مُقيدة ذراعيه خلف المقعد بحبل متين، كما رُبطت قدماه جيدا، لاحظت أن الحبل ذاته نفذ إلى روحه والتف حول عنقِها، على ذقنه آثار الدماء التي تسقط من شفتيه وأسنانه. نظرت جيدا، ثم مسحت عينيها غير مصدقة، وتعجبت كيف قيد ذاته على هذا النحو. تأكدت مرة أخرى أنه جبلها بكل تضاريسه، بقمته التي يكسوها الجليد بضعة أشهر من كل عام، تعرفه بتكويناته الجيولوجية التي ترسم تغضنات جبهته، بجلدِه لها، وللعالم من حولهما. تصورت أنها ربما تحلم، لذا استدارت سريعا لتخرج من هذا المشهد العبثي، وتوصده جيدا، ألقت نظرة سريعة ثانية فلمحت آثار صبغة شعره الأسود على سفحه المترامي.
لوهلة سمعت حشرجة غضب فاستدارت لتنصت، فلقد كان مذ فترة قد خبأ صوته في إحدى مغاراته السحيقة، كان يحدث نفسه: " لماذا تعود تلك البلهاء كل آن، ألم توجعها كدمات الصمت الزرقاء، خبزها اليومي الذي أرسله خصيصا لها، ألم تعي أن شلالاتي قد ساقوها إلى خزائن الأعداء، وأن الأغنيات قد احترقت، يكفيني فقط أن أحمي الصغار، مالي وامرأة تُنكر أن القبح بهذا العالم هو الجوهر."
يسمع صوت بكائها فيصرخ: لم يعد في حوزتي لكِ شيء، ولا حتى الحصى الصغير الذي كنت منه تشتكين، ابتعدي فأنا منتج حرب كما تصفين، يأمرها أن تُحكم غلق المشهد، وأن توصد بابه بقفل ضخم.
تُكمل الشامية بقولها: أنها في كل صباح، منذ أن قيد ذاته لئلا يحن إليها، تنتظر أن تصيبها لعنة الحجر. المدهش في الأمر أن ظلال الجبل العنيد ــ رغم قيده ــ كثيرا ما تتراءى فوق صفحة المياة الزرقاء التي تحده مباشرة.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,024,184,741
- حتى استوت بحيرة .. -قصة قصيرة-
- التجريب في السرد القصصي في مجموعة رؤى المدينة المقدسة لأميمة ...
- الفن والأيديولوجيا - حبيبي داعشي -
- العرب بعد 2018 ..
- المصريون والعقل الجمعي
- المقولات المطلقة سلطة زائفة
- اعتياد الهامش يشل القدرة على الفعل
- في متغيرات الشخصية المصرية
- الدماء
- الرواية وواقع مجوف للروائي محمد علاء الدين
- بكائية الصعود إلى السماء والتأريخ المباشر للروائية نادية رشد ...
- الجسد والتعددية في رواية مأوى الروح للروائي عبد السلام العمر ...
- سحر الموروث السردي ( نجيب محفوظ )
- تراكب المستويات الفنية في تقنيات -طيور التاجي-
- Yanni
- جمال الغيطاني عاشق الإبداع
- حوار حول بعض القضايا الثقافية المعاصرة
- إلى السيد رئيس جمهورية مصر العربية
- نصير الشمة الملحن عازف العود الأول وجائزة الرواية الألمانية
- المرأة والوعي السياسي ( 1 )


المزيد.....




- السيرة النبوية -الرجل النبيل- للكاتب علي بن جابر الفيفي
- -ظهور الإسلام في أوربا- تأليف فوزية العشماوي 
- كتاب -سيد رجال التاريخ محمد ? - تأليف علي الطنطاوي 
- إنجاز عالمي للسينما المصرية... فيلم مصري يفوز بالسعفة الذهبي ...
- فرنسا عقب حملات المقاطعة: الدين والثقافة الإسلامية جزء من تا ...
- عادات وتقاليد متوارثة.. هكذا يحتفل العراقيون بالمولد النبوي ...
- المغرب يدين هجوم نيس ويعرب عن تضامنه وتعاطفه مع الفرنسيين
- الفنان الفرنسي إدريس بي: كوفيد-19 دفع الناس للتفكر واللجوء إ ...
- الفنان الفرنسي إدريس بي: كوفيد-19 دفع الناس للتفكر واللجوء إ ...
- 7 إطلالات وتصريحات غريبة تخطف الأضواء في مهرجان -الجونة- الس ...


المزيد.....

- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة
- أكوان الميلانخوليا السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- التآكل والتكون السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- رجل يبتسم للعصافير / مبارك وساط
- التقيؤ الأكبر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- الهواس السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - حين خبَّأ صوته في إحدى مغاراته السحيقة .. - قصة قصيرة -