أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - الجسد والتعددية في رواية مأوى الروح للروائي عبد السلام العمري















المزيد.....



الجسد والتعددية في رواية مأوى الروح للروائي عبد السلام العمري


أماني فؤاد

الحوار المتمدن-العدد: 5076 - 2016 / 2 / 16 - 01:55
المحور: الادب والفن
    


الجسد والتعددية في رواية " مأوى الروح"
د/ أماني فؤاد
**************************
تحيرت عند قراءتي الأولى لرواية " مأوى الروح " للكاتب محمد عبد السلام العمري ، شعرت بزورق غير ذي هدف ، تتخبطه أمواج ومياه متنوعة ، تتغير الأنواء حوله في طَقْس عاصف متقلب ، اضطراب في الرؤية ، وضبابية في الحبكة ، تناقض في اللغة ، واهتزاز في رسم الشخوص .وعند تمام القراءة تساءلت عن طبيعة النص الذي أواجهه نقدياً:
- ربما هو نص وصفي يشبه أدب الرحلات خاصة وأنه يحتشد بوصف تفصيلي لبعض آثار البلدان ، سياحة خاصة في باكستان والهند ومناطق من مصر ، ووصف لبعض العادات والتقاليد والطقوس التي يمارسها أناس هذه المناطق.
- ربما هو عمل قائم من أجل حوار لا ينقطع بين الرجل والمرأة عن الجسد والغريزة والرغبات ، عن الحب ، عن " مأوى الروح " من خلال علاقات متشابكة ، أبلغ ما توصف به التناقض والانفلات ، التطلع إلى المزيد من الاكتمال الذي لا يتحقق سوى للحظات ، فدائماً هناك حالة انتقاص مما يستدعى رغبات لا تنتهي وتقلبات لا تهدأ للنفس البشرية ، وطمع في كل ما قد يتاح للإنسان.
- في أحيان أخرى من القراءة تنساب بأذني موسيقى وأجواء ألف ليلة وليلة ، فأتذكر شهرزاد وهي تروي قصصها ومبالغاتها الخيالية الآسرة ، وأذهب من خلال بعض المشاهد إلى علاقات فنتازية بين الأشياء ، عوالم من الدهشة العصرية المتجددة.
- في أوقات تراءى لي أنني أقرأ ما يشبه مقامة أو أجواء حديث عيسى بن هشام "للمويلحى" ففي تجولات آمال وأبو الخير أو تعليقات عمرو الشرنوبي على تردي الأوضاع بمصر ، هناك رصد للكثير من سلبيات الواقع ، ينضم إلى ذلك بعض الإشارات المعلوماتية التوثيقية التاريخية في الفقرات المطولة عن الخيل العربي والفئران والصقور ، وغيرها من موضوعات لها إشارات اجتماعية خاصة ، أراها مقحمة على العمل الأدبي في غير أجواء الرؤية للعمل.
في القراءة الأولى لم أحدد رؤية واضحة ، خيطاً أساسياً يتبلور من خلاله العمل .
فتطلب الأمر قراءة ثانية ، وفيها لمست المأزق الذي وقع فيه الروائي ، تقدم الرواية رؤية ملتبسة ، لما يحوطها من حساسية مفرطة في المجتمعات الشرقية ، لأسباب عقائدية واجتماعية راسخة ، وليس من السهولة بمكان التعرض لها على نحو صريح ، لذا توافر للعمل أفكار جريئة وزوايا التقاط جديدة مستفزة وغير متداولة ، تخير الروائي أماكن تكتنز بأسرارها وتخدم وتشير من زوايا غير صريحة للرؤية والموضوع الذي من أجله أنشأ هذه الرواية،لكنها عناصر لم تتبلور على نحو محكم .
أضطر الروائي في تصوري أن تبقى رؤية النص غائمة ، شبه مشتتة ، ولذا جاءت مفردات سرديته كأنها جزر منعزلة إحداها عن الأخرى ، ليست هناك فكرة واضحة لها قدرة على جذب أركانها، فبدت هشاشة بعض عناصر الرواية ، وأثَّر ذلك بالطبع على التقنيات المتعددة في بناء هذه الرواية ، فكانت تقنيات ذات فنية عالية ومبدعة ، وأخرى أصابها عنصر التصدع والتهافت.
يحكي العمل عن مهندس شاب " عمرو" يحب طبيبة بمصر " ليلى" ثم يتركها دون مبرر ويسافر للعمل بإحدى دول الخليج " جارثيا" هناك يتعرف بأخرى عربية اسمها " آمال" ويقع في عشقها ، يعود في إحدى زياراته لمصر فيحاول أن يرجع ما كان بينه وبين حبيبته الأولى ، ويتركها دون مبرر منطقي ليسافر بحثاً عن الأخرى وهو لا يعرف من يريد ومن يحب ، وهل هو بحاجة إلى الاثنتين؟ ، تتزوج "آمال" من الشيخ " أبو الخير" العاجز جنسياً لتبدأ علاقة بين أربعة أطراف ، امرأتان تعتركان حول رجل ، ورجل مخدوع يشتري العالم بماله ، وآخر لا يعرف ماذا يريد سوى لذاته وغرائزه.
** الشخوص ومأوى الروح**
"عمرو الشرنوبي " شخصية الرواية الرئيسية شخصية مشوشة ، لا يعرف ماذا يريد بالضبط، تتشتت إرادته وفق رغباته ، يبحث عن حب حقيقي، موزعاً بين تاريخه وحبه القديم " ليلى" وبين حب حياته الذي قابله في " جارثيا" " آمال" بدا ممزقاً منفصم الشخصية قريباً من شخوص ما بعد الحداثة من حيث إيمانه وانصباب اهتمامه بالجسد ورغباته فقط يقول :" وأيقن بما لايدع مجالاً لأي شك أن للغة الجسد سطوة ورهبة وسيطرة في اشتياقه، بدا جسده ينبض ويشتعل كحمى البراري ، ظمآن ينادي باستجداء وتوسل .." (ص53). وهو إذ ينشغل بالكثير من قضايا وطنه ، حيث تمتلئ صفحات الرواية برصد للكثير من السلبيات التي وقعت للشخصية المصرية ، ولأحوال كثيرة لهذا البلد فهو يبقى راصداً فقط ، لا متفاعلاً مع شيء أو قضية سوى ذاته، والبحث عن الحب قضية أولية تشغل كيان الإنسان ، وتشكل اهتمامه الرئيسي ، بحيث بدا وكأن ذراعين مكان عقله ، يفتحهما لأي أنثى تروي غرائزه على تنوعها وتقلباتها.
عمرو يعمل مهندساً في بلد خليجي ، لا تشغله كثيراً الأعراف أو الموروثات الدينية والأخلاقية ، إيمانه الوحيد بالإنسان وعقله ورغباته، ويبقى على مكانة وطنه بقلبه برغم سوءاته يقول:" يتساءلون: كيف نحب بلداً يطارد مواطنيه ، ويتهمهم في شرفهم وأخلاقهم، يشنع عليهم ليدمرهم ، يساعد الأوساخ على تلويث سمعة الشرفاء ولا يسمح لك بالعمل ، الأنكى أنهم يحكمونهم أيضاً " (ص182)، وتبقى رغباته الأقوى تأثيراً فيه يقول:" رأسه يعج بالرغبات ، والفرح يشتاق لكل بهجات الحياة ، عمل واحد لا يكفي ، وحياة واحدة لا تكفي ، وامرأة واحدة لا تكفي ، وفي الوقت نفسه ، يعي أهمية أن يكون لها ، وله حرية الاختيار كاملة ." (ص118).
وبالرغم من ذلك يبدو عمرو مسكوناً بالتناقضات فهو مسكوناً بهواجس الموت والرغبة منه ، لا تغيب صورته عن مداركه ووعيه (ص45). ولطبيعة هذه الشخصية بدت تحولات غريبة في مواقف الشخصيات. فهو إذ يبحث عن "آمال" ويتعذب بحبها يذهب إلى " ليلى" ويحدثها عن الارتباط بل وينجذب إليها جسدياً (ص16)، هو ذاته يسأل نفسه :" ولكن بماذا تبرر يا متحضر قتالك الشرس وحتى الرمق الأخير برغبة الاحتفاظ بالاثنتين ؟ أليس الفهلوي هو أنت متجسداً في أبشع صورة " (ص59).
وتتميز شخصية عمرو الشرنوبي بقدرته على خلق حياة متخيلة ، أحلام يقظة مستمرة ، حياة تعويضية يعيش فيها ما يفتقده في الواقع ، فهو باحث عن الحب وعن حبيبته التي أسرته يقول واصفاً حاله :" يتلظى على جمر وقدر النار حتى يلقاها ، إن لم يجدها سيخترعها" (ص52).
يعشق " عمرو الشرنوبي" الحب ويقول عن تقديره للحب :" إنني أحب حبي ، واحتفظ بطلاوته وحلاوته ، وعذوبته لنفسى، لا أحب أحداً يشاركنى فيه .. إنه حب الإضافة ، وليس التملك.." (ص226.225)، لم يقف عمرو طويلاً أمام زواج " آمال" ولم يَعُدّ الشيخ غريماً له فهو شخصية تؤمن بالتعددية ولا يعنيها سوى اللحظة المعيشة.
تبدو شخصية " آمال" شخصية مغامرة ، عنيدة قادرة على فعل ماتريد وإن تصدت للجميع، مثقفة وجميلة ، متعددة الهوايات، قادة على إحاطة من تهوى بالحب والحنان، تستحوذ على عقله وجسده بحنكة امرأة تعرف أسرار الروح والجسد معاً ، تعزف على الأوتار التي تمكنها من الرجل الذي تريده، بارعة في إظهار أنوثتها في أفضل صورها، حقق لها الشيخ " أبو الخير " ما يفوق الأحلام من طموحات مادية وترف فاحش، فقط هي تشير وعليه أن ينفذ ، تعاني من زواج قبلته بعد ضغط من رجل عجوز غير قادر جنسياً على إشباعها تسافر إلى مصر ، إلى بلد حبيبها الأول، وتقرر أن تنال من المتع مع الحبيب ما حرمت منه، خاصة بعد هجوم زوجها الرعوي على عيادة " ليلى" وشكه فيها تقول:" لقد أحيا بهجومه الرعوي هذا ما كانت قد قمعته في لحظة ما ، قررت بالفعل أن تمارس ما ظنه فيها، إنما هذا ليس خيانة من وجهة نظرها . أعدت تبريرات كثيرة لذلك..."(ص93).
- تبدو " آمال" شخصية متألقة ، ذات هوس بكل ما هو جديد ، متقلبة المزاج، تتمتع بعقل وذائقة متحررة ، تحتال على القيود في جرأة وحنكة.
وفي لحظات اطلاق المكبوتات النفسية العميقة حين دعتها نساء الواحة إلى الرقص بدت "آمال" أخرى " استدعت الغناء والرقص الهندي ، وسعوا لها الدائرة ، أغاني شجن وحب وعبق أنثوي فواح ، تنادي بألم وحزن وشجن عن حبيب مسكونه به ، تناديه صادقة، تبكي وتتألم ...نسيت تماماً نفسها ، وكلما رقصت ازدادت بكاء.." (ص203)، في تلك اللحظات تنكسر أقنعة الشخصيات التي تبدو متماسكة وتبدو المتناقضات جلية، الملاحظة التي يمكن أن أسجلها أنه لا صراع مع معنى أو قيمة أو فكرة يأخذ حجمه في بناء الشخصيات بالرواية ، فكرة التعددية في العلاقات أو فكرة الخيانة كلها تمر دون أن تأخذ حقها في بحثها من جوانب متعددة ، ودون أن تعترك وتتحاور بنفوس أصحابها.
- تبدو شخصية " ليلى" الطبيبة المصرية الباحثة في " علم النفس" شخصية متماسكة ظاهرياً، لكننا نلمح بالقص حاجتها إلى الحب والتحقق والاكتمال مع رجل تثق في الحياة معه، وهي تمثل شخصية الأنثى المصرية في جوانب متعددة: ارتباطها بأسرتها ، كفاحها من أجل تحقيق ذات عملية مستقلة ومثقفة جديرة باحترام الآخرين وحبهم، حرصها على عفتها برغم حبها لعمرو، انخراطها في قضايا مجتمعها من خلال مواقف تفاعلية حقيقية ومؤثرة يقول:" ..كانت تتحدث عن انتخابات نقابة الأطباء ، واشتراكها في جمعية الوفاء والأمل ومساعدتها للمعوقين في حرب أكتوبر، لجان التبرع بالدم .." (ص23)، فروع دراستها المتعددة.
تعلن عن موقف من السلطة السياسية في ذلك الوقت الذي تحكي عنه الأحداث في الثمانينيات من القرن العشرين (1978) يقول واصفاً مكتبها :" ...معلق عليه العلم المصري خلفه صورة الرئيس ، تغطيها أثناء وجودها بقماش أسود..." (ص34).
تنتابها لحظات الضعف والحنين والغيرة شأن شخصيات الواقع الجارية بعروقهم الدماء " فرغم كل الجروح العميقة بدت من قبلتها وتجاوبها بالمبادأة متمسكة به، مما جعلها تمثل لغزاً محيراً..." (ص44).
وتنتاب ليلى التناقضات شأن الإنسان الحقيقي فتتناوب مشاعرها لعمرو خاصة في غيابه وسفره وعلمها بحبه لأخرى" (ص49).
وتتملكها الغيرة من آمال فتود إيذاءها، وتصاب هي أيضاً بحمي الهوس بالجسد شأن الرؤية الكلية للأشخاص بالرواية ، فتحكي هواجس امرأة لغريمتها وتتحول هذه الهواجس إلى نوع خاص من " الايروئيكية" حين تتحدث ليلى عن هواجسها تجاه جسد آمال ، أو ربما لأن السارد المفارق العليم ذكر جاءت هذه الهواجس على هذا النحو (ص94).
وكشأن شخصيات هذه الرواية وتحولاتهم المباغته غير المنطقية تنتاب ليلى هذه التحولات المتاقضة والمفاجأة ، فبعد إحساسها بحرمانها من عمرو وسطوة حبه لآمال وقدرتها ، تحولت عن موقفها تقول:" بدت حياتها سلسلة من العذابات المتوالية ، يسلمها عذاب إلى آخر ، هاهي الأيام تمضي دون أن تتمتع بشبابها، ولذة اكتشاف الجسد مع من تحب...عزمت أن تأمل خيراً كثيراً، ومستقبلاً مشرقاً...لقد توصلت في لحظة صفاء مع النفس إلى أن الألم الذي ينشأ من العاطفة الجياشة ، والقلب المشجون يولَّد في الإنسان كراهية لكل ظلم " (ص101،100) ، وقد اتخذت هذا القرار بعد اقتحام أبي الخير ورجاله لعيادتها، وشعورها بسطوة آمال وقدرتها على تنفيذ ما تريد.
تبدو ليلى شخصية متماسكة برغم كل تناقضاتها، تجعلها اقتناعاتها ورؤيتها الفكرية قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف معها حتى وإن نالت منها ومن كرامتها هي القائلة :" إن الحياة جوهرها الديناميكية ، الحركة والتجدد، ولولا ذلك لفقدت معناها ، وفقدنا إحساسنا بها.." (ص222).
** طبيعة المشهد في مأوى الروح***
ما يلفت الانتباه حقاً في هذا العمل الأدبي هذه المشاهد التي ينسجها الروائي وتتسم في أولها بالواقعية ، اشياء ومشاهد عينيه تحدث أمامنا بصورة طبيعية ثم يهبها الروائي قدرة سحرية لتتحول إلى مشاهد فنتازية تمزج بين الواقع والخيال وتخلق عالم من السحر والتجدد ، القادر على بعث الدهشة الجميلة في نفوس قُرائه، ولقد تعددت هذه المشاهد بالرواية ويمكن أن نعدها تحت ما نسميه بالواقعية السحرية.
هناك مشهد لعمرو مع ليلي حين يقول لها أنه من خلال عطرها سيذيع سر محبتها له، ليعلو المشهد يتذكرها للحظات الحب بينهما ، فيزداد الناس ازدحاماً يقدمون لها التحية ويحملون صورها (ص49).
ويرسم الروائي مشهداً فنتازياً لرحلة صيد تقوم بها آمال وهي في سيارتها هذه المعجزة سيارة القرن فتصعد إلى قلعة قايتباي وحولها ترتفع الأسماك والقوارب وتطيرلها (ص153)، ثم رحلتها إلى القاهرة عبر رشيد وشأنها مع الأسماك ، لنا هنا أن نتذكر البساط السحري وعوالمة في التراث السردي.
ونلمس أيضاً في هذه المشاهد عوالم ألف ليلة وليلة قدر المبالغات التي كان لها السرد يحتشد بها يقول:" كلما تمشت تبعتها الفراشات الملونة بالآلاف، تظلها من حرارة الشمس ، تستر جسدها من التراب ، تزودها بالطعام ، تدخل في فمها بإرادة كاملة، وطواعية بالمئات ، وقد تراءى لها قبل أن تظللها صور فراشات جميلة ملونة ، تأكلهن فتاة جميلة ، أطفال بلا وجوه ، قصور خرافية مملوءة بالجواهر ، كأنها الحلم الذي يخترق فوضى الزحام بجو خاص لها ، وزمن مختلف دون أن تصطدم بأحد " (ص166)، وعلى مقدار التوظيف السحري إلا أنني شعرت ببعض الاستنفار من هذا المشهد إذا تجسد في الواقع ، لكننا يمكن أن نلاحظ في هذه التقنيات لبناء المشاهد المقتبسة مع الموروث السردي في الفلكلور الشعبي التراثي في الحكي العربي ، وتماسكه مع هذا الموروث في محاولة لمد جسور الماضي في الحاضر.
هناك مشهد آخر وهو الرحلة التي قام بها الشيخ أبو الخير وآمال وفريقه إلى الصحراء (ص183)، وفيه يستعرض الروائي لعادات وتقاليد مناطق بكر تشكل جزء من التقاليد المصرية في الزواج عند أهالي الواحات.
والمشهد الذي صوره الروائي بعد اقتحام أبو الخير لعيادة ليلى وآمال في زيارتها ثم التجمهر الذي حدث بالشارع لرفض الأهالي هذا العنف واستعراض القوة تجاه مواطنتهم الدكتورة ليلى (88-98) يعد مشهداً دالاً على النخوة والكرامة المصرية قدر ما يدل على التنازلات التي تقدمها بعض الفئات من هذا الشعب ، والكاتب إذ يرسم هذه المشاهد فهو ينسجها ليتنوع بمدلولاتها النهائية ليشير ويكني عن معان متنوعة يرى أنه من الواجب التنويه بها.
وللأشارة إلى أن هناك جوانب بالحياة خارجة عن حدود العقل والمنطق ، في أول قراءتي للرواية تعجبت من هذا الرجل " عمرو" كيف يمكنه أن يحقق رغباته مع أية أنثى ، وهل تستوي لديه أية امرأة أحبها أم شعر نحوها بانجذاب غرائزي ، لكنني اكتشفت اختلاف مشاعره من اختلاف مشاهد الجنس والحب بالرواية، فهي قد تراوحت بين مشاهد تقطر منها العذوبة والرقة والوصول إلى أعمق مكنونات الحب الحقيقي المتحقق بالواقع ، بل وبمشاركة الطبيعة هذه السعادة ، والاتحاد معها ، مثل المشاهد التي تمت بين عمرو وآمال في آخر صفحات الرواية في قوله :" ينحني على شفتيها ليأخذ قبلة ، يحس بالفرح والنشوة والسعادة ، وأن النيل يحوطه ويباركه ويحسه . ترفرف المياه ، تزغرد مع كل حضن ، مع كل ضمة تتأوه..." (ص228).
أوفى قوله :" يعدٌّها لتتلقى نعمة الله التي طال انتظارها من كلا الطرفين كثيراً ، تسأله أنت رايح فين ، إلى أين تريد أن تصل بالضبط ، وعندما دفقا ، انتفض السمك منصتاً صامتاً لسيمفونية لم يسبق له أن سمع موسيقى مثلما يسمع الآن ، ترفع ساقيها مثل صاري سفينة تمر من بعيد.." (ص229)، يصور الكاتب تلك المشاهد وشخوصها وكأنهم في حالة اتصال عرفاني ، واتحاد وجداني واندماج مع عناصر الكون وتعرف آمال الحب ، تصف مشاعرها له تقول :" الحب هو العطاء والحنان ، لكنه في الآن نفسه الولع والرغبة في الانتماء إلى الآخر ، هو الأخذ والعطاء ، والذوبان فيه ، وتشكيل جزء منه ،...إن الانفعال الجسدي الخاص يشكل جزءاً من الحب ، ليس الرغبة في الوصول إلى ذروة النشوة الجنسية، إنما في التمدد بقرب الآخر ، وتنسم أنفاسه ..هو معرفة طعم الآخر ورائحته ، تذوقه ...هو أن نتحادث ،يفهم أحدنا الآخر ويعتمد عليه ، أن نوجد من أجله، لكنه أيضاً عناق الجسدين وتشابكهما ، إن ذكرى المحبوب الجسدية هي الأقوى والأكثر دواماً من الذكريات الأخرى كافة" (231.230).
يقدم الكاتب من خلال صوت آمال نظرات عميقة للحب الحقيقي ، نظرات لا تسبح في مجردات متعالية لا يقوى عليها الإنسان ..، بل توحي بتجارب اعتركتها الحياة وصاغتها من تجارب إنسانية تحتوي الواقع على قدر ما تحتوي احتياجات الروح وأتصور أن اسم الرواية يخرج من هذه المنطقة الأثيرة الحميمة التي عاشت بين عمرو وآمال.
هناك مشاهد حب أخرى تقع في منطقة ضبابية ما بين الحقيقة والخيال هل حدثت بالفعل،أم أن حدوثها كان بخيال عمرو فقط ، لقطات تضمه مع آمال وتبدو مشاهد جنسية لكن يغلفها الحب ويوشيها بالعذوبة والرقي أيضاً ، وأغلب ظني أنها عوالم خلَّقها عمرو ليعوض حرمانه من حبيبته التي غابت عنه بزواجها من آخر.
وتغرق هذه المشاهد في أوصاف مبدعة للأجواء المحيطة بآمال جسدها أزيائها ، عطورها أدوات زينتها ، حمامها يقول:" ...راسخة النهدين ، مشدوداتهما ، نقية ونظيفة بعد حمام دافىء ، تتألق كأرض انغسلت بالمطر، فابيضت زهورها وتفتحت براعمها ، ازدانت قدماها بعصير الحناء الأحمر ، عياناها بالكحل الأسود لرد لعين الشريرة" (ص169.168)، تتوالى هذه المشاهد وتزخر بهيام وعشق حقيقي ، بالتقاط لكل التفاصيل الصغيرة ، المفردات التي حول الشخصية ، هذه الإحاطة وبهذا الوله يدرك معها القارئ مكانة هذه المرأة بداخل هذا الجانب الأنثوي من طقوس المرأة المترفة في حياتها ، المرأة التي تعشق جمالها من أجل رجلها. تخرج بعض المشاهد الجنسية الأخرى عن نطاق الحب الحقيقي وهذا العشق والاتحاد بالكون والوصول إلى لحظات السعادة النقية ، لتهبط بعض الدرجات فتتناول ذكرى الحب تتحدث عن بقايا عواطف ، غرائز لم تنطفئ كلية ؛ لأنها لم تشبع ، ولكن تبدو طريقة التعبير عنها شهوانية ممتزجة بالقلق لا بالتوحد والاستغراق وتذوق معاني النشوة الحقيقية وتتمثل هذه المشاهد في علاقته بليلى حبيبته الأولى يقول :" لمحة ، ياإلهي – ياله من نهد – أشعة القمر التي كانت تنيره كاشفة ، تتيح للملهوف أن يلاحظ منه بضاضة البياض البراق ، جالت عيناه بشراهة فوق القبة الفاتنة إحساس مجهول في تلك اللحظة ملأ قلبه بمزيج من القلق واللذة . نار فائرة سرت في أوصاله ، ألف رغبة جامحة أخذت خياله " (ص35). يستمر المشهد الجنسي ونلمح به الرغبة والأداء الجسدي المشتعل،لكنه مختلف عن مشاهده مع آمال ، فهو قائم من أجل هدهدة الذكريات ، بقايا عواطف ، غرائز لم تنطفىء لأنها لم تشبع.
في مستوى رابع يصور الكاتب ليلة قضاها عمرو في الهند مع " ساندي راجا كومار" يقول : "بحيث لم يكن يريدها فحسب ، بل إن كل ذرات جسده تحتاج إلى ذرات جسدها صارخة أنها تلزمها...وقد أرادها الآن ، ليلة يقضيها ، ثم يستعد لليلة أخرى، شاكراً آمال التي اتاحت له كل هذه البهجة ....لم يعتقد في وقت ما أنه يمكن أن يحب أخرى لمجرد أنه يرغبها رغبة عابرة ..،فبدا غير مدرك الفرق بين نشوة اللحظة ونشوة الحب"(ص112،111). ويستمر المشهد بعد هذه التساؤلات ويصور الممارسات التي تمت بين عمرو والهندية ، وهنا يمكننا ملاحظة إن شخصية عمرو ممن يحتفلون بحاجتهم الجنسية والجسدية بدرجة عالية ، و يضعون لها أهمية أن تكتمل، يلمسون فروقاً بين الحب والرغبة وبين الغريزة وكيفية إشباعها ، مَثّل عمرو وفريقًٍ من البشر ، وهنا يمكن أن نضع أيدينا من خلال هذه المشاهد – على رؤية قدمها المؤلف في الرواية على استحياء لحساسيتها وحساسية المجتمع الشرقي تجاهها وهي التعدد في العلاقات والرغبات الإنسانية التي تأخذ صوراً متنوعة ولا يحدها آفاق أو سقف محدد إنها احتياجات الجسد الإنساني في حالة خروجه عن القيود.
هناك بعض المشاهد التي تدعو للعجب ، بل تجعلنا نتساءل هل يسيطر هاجس الجسد والغريزة إلى هذا الحد في طقس هذا العمل.
تذهب آمال لزيارة ليلى في عيادتها فيقول الكاتب :"..ثمة سر خلف هذه الأنثى، مع دخولها وخروجها اندفعت ذبابة كالصاروخ ، لطمت وجه ليلى التي انتفضت وانقبضت ، حاولت إبعادها ، كلما حاولت التصقت بها وبدا أنها مسلطة عليها بفعل قوى خفية ، وإذا بالذبابة بدأت تزاول هوايتها المحببة في فنون الرذالة ، فاجتذبت ذكرا ، بدأ يواقعها على وجهها ، بقدر من الانتباه واليقظة " (ص87).
هناك بعض المبالغات التي تقف لتنتقص من مخزون العمل الفني والتقني وتضيف له بالسلب لا بالإيجاب ، هل يقصد الكاتب بالذبابة رمزاً يشير إلى آمال وصنيعها مع عمرو، أظنها إشارة مفتعلة غير مناسبة لعناصر الموقف وشخوصه.
هناك أيضاً ملاحظة يجب التنويه إليها تكتظ الرواية بالتقاطات فكرية ووجدانية تختص بالمشاعر الإنسانية ، غاية في العمق والذكاء بل يضاف إلى ذلك إنطلاقها من تجارب حياتية واقعية تجعلها تتسم بالمصداقية والبعد عن الأفكار المثالية المجردة التي لا تصمد في الواقع الإنساني كثيراً ، مثل نظرات آمال السابقة وغيرها من أقوال عمرو وليلى فيما يخص مشاعر الإنسان أو شان المجتمع الذي يعيش فيه.
كماأن هناك أقوالاً وتعبيرات جميلة منثورة كأنها زهور بعثرها الروائي بين فقراته ، نتف جميلة ، لكنها لا تشكل كياناً مكتملاً تقول آمال:" والحب يجعلنا نعشق حتى المسافة التي تفصلنا عمن نحب... لا أعرف نهاراً جديداً بدونك " (ص171).
وأتصور أن هذا التفاوت في الأسلوب ،وسقوطه احياناً من الروائي راجع إلى طبيعة الصراع بالرواية وعدم وضوح الرؤية ، أو حساسيتها بالنسبة للمجتمع الذي نحيا به ، لذا نشعر بهذا العلو الذي يعقبه سقوط على فترات في القص ، يصف عمرو قبعة ترتديها آمال يقول :" كانت ترتدي قبعة الجمال، طرفاها أشبه بقرون خروف ، يزينها ويتدلى منه قرط كبير أشبه بالميزان " (ص172)، أتصور افتقاد اللياقة في عناصر هذا التشبيه وثقله على النفس.
تكتظ الرواية بإشارات إلى تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر ، وهي إشارات متعددة ، وتبدو كومضات كاشفة ، منبهاً لأوضاع يعاني منها المصريون ، تحولات أصابت الشخصية المصرية يقول الروائي على لسان ليلى:" الخطأ ليس خطأنا ، الفقر عيب النظام ، الذي لايعطي للإنسان ثمرة عمله ، إن الشخص الوحيد الذي يستفيد من النظام الرأسمالي هو اللص ، الذي يمكنه أن يصبح مليونيراً في غمضة عين " (ص22.21). ويشير الروائي إلى الخصخصة والوجه القبيح لعمليات بيع الوطن يقول :" قرأ الشيخ صباح هذا اليوم أن هناك قطاعات كبيرة من ممتلكات الوطن تم بيعها ، وأصبح كل شيء معرضاً للبيع كما تخيلوا ،وأن قطار الخصخصة يمشي ببطء ولكنه أكيد ، وذلك منذ بدأ تاريخ الانفتاح " (ص128). كما لا يفتأ الروائي لإظهار الوجه القبيح للقاهرة ومدى الفوضى التي أصابت شوارعها وسلوك مواطنيها ويشير أيضاً إلى العبث بتاريخ الأمة حين يصورما آل إليه حال مدينة رشيد ، ثم الإشارة إلى العجز الاقتصادي الذي نال من اقتصاد مصر بعد توجه قدر كبير منه في مشروعات الساحل الشمالي ، يشير أيضاً في سخرية مريرة إلى رغبة بعض الفئات في بيع تاريخ مصر وذاكرتها الثقافية من خلال إشارته لبيع نادي سبورتنج بالإسكندرية بعد تحكم عناصر الفساد في مقدراته، (ص130).
تبدو هذه الإشارات مع غيرها نوعاً من الرصد وألقاء الضوء على المشكلات، من أجل التنبه لها ومحاولة مواجهتها ، لكنني أتصور أنها لم تأتِ ضمن الإسهام في صنع حبكة السردية الروائية ولذا فقد تبدو إشارات دخيلة تضعف من كثافة الرؤية الأساسية وفنية البناء ، أو أنها تشكل بمجموعها خيطاً آخر في الرواية موازياً للرؤية الأم ومقحماً عليها.
أقحمت أيضاً بالرواية صفحات مطولة عن الجياد وأنواعها وصفاتها وتاريخ السلالات منها، وأشهر الجياد، وصفحات أخرى عن الفئران والصرف الصحي بمدينة رشيد في حكي لا يضيف أبعاداً جديدة للرواية قدر ما يشير إلى استعراض لمعلومات الروائي استعراض غير مبرر ، الصفحات المتعلقة بالجواد مطولات توثيقية وما حاجة الرواية إليها، وماذا تخدم في صنع حبكتها. فقرات أخرى مطولة عن الصقور والصيد في الصحراء والحيوانات التي انقرضت من الأراضي والصحراء المصرية والكاتب لا يتوانى فلا يمر موقف إلا ويشير إلى التراجع في أحوال المجتمع المصري ، بل ويتباكى على الأوضاع المختلفة به (ص200).
** اللغة ومأوى الروح**
يبدو أن الروح ظلت في بحث مستمر عن مأوى تستقر به فقد اتسمت اللغة التي عبرت عنها بعدم الإنسيابية فلغة الرواية لا تشبه جدولاً ذا طبيعة متجانسة تستدعي الجملة فيها لاحقتها ، لقد داهمني شعوراً بأن اللغة قد اعتمدت او أختيرت أولاً ، تعبيرات سابقة التجهيز،ثم ركّبت إحداها تلو الأخرى فلنقرأ قول آمال مخاطبة لعمرو :" أعقلن شاطحة فكرة تخيلية، واصلت: لاتخف مادام لدينا القوة والعزيمة للوقوف ثانية ، ارفع رأسك فابتسم ، هذا الذي حدث لك ، الذي سوف يحدث ، سوف يمر . أضحك ،إن ما يهم بالفعل أن تغزل شرنقة حول قلبك لتقمع ما يجذبك إلى الماضي ، لا تعتمد على تعاطف الآخرين ، إنك تستطيع أن تتخطى كل شيء بدونهم ، ثم قالت:" إن البغل أذكى من أن يرهق قلبه بالركض مسافة ميل طلباً للمجد كما يفعل الحصان " (ص171) .
اللغة تشوبها لهجة خطابية وتبدو الجمل ذات نتوءات وكأنها سبيكة غير متجانسة ، يقول السارد على لسان آمال :" قالت يتراءى لي مستقبل قائم ، أهرم فيه يوماً بعد يوم إلى جانب هذا الرجل الذي لم يعد لديه تقدير ولا رغبة ، أحس بهدير تمرد ينبثق من مركز طبيعتي نفسه، وان الأمر بالنسبة لنا أضحى الآن هو الرغبة في انتصار الأمل على التجربة، ثم قالت : إن عيون الخوف كبيرة" (ص168).
لا تبدو اللغة هنا طبيعية وتوحي بتلقائية الحوار ، وأتصور أن ذلك يرجع لرغبة الكاتب في حشد تعبيرات وأقوال عميقة وعجيبه لنصه ، لفتات ذات بريق خاص، وتحتوي خلاصة تجارب بشرية عميقة ، وهو إذ يصنع هذا يقفد نصه كثير من تلقائية الحوار وانسيابيته ومحاكاته للواقع ، في إحدى االفقرات التي ينقل فيها عمرو أقوال اختصته بها آمال، تصورت آمال وكأنها على منصة تخطب ، وتطيل من نصائحها ، وكأن أمامها حشد من الجمهور وتسعى هي جاهدة أن تتابع أحكامها الجاهزة في الحياة يقول :" كاد يصيبه الجنون ، أي حب يريد ، أية أنثى يرغب ، بدا في لحظة أنه لم يعش مع إحداهما ، أبداً...ابداً ، وأنه استرجع عصور الحب التي رسخ في عقول بشرها ، إن أي شخص من الممكن أن يحب بحرية ، دون الاحتياج إلى شريك أو إلى طرف آخر يبادله العاطفة ، ويصلح من قانون الرغبة الجسدية واللذة الجنسية ، في الوقت الذي قالت فيه آمال : احترس أن تكون ظلالاً لغيرك، وإن التحدي الحقيقي هو كيف تعيش حياتك ، وإن الزمن يأكل الحياة ، والعدو الرابض في الكلام يأكل القلب . وفي رحلة الحياة لا تفقد أنفاسك قبل الخطوة الأخيرة ، إن أجمل الأشياء تلك التي لا يراها غيرك ...وإن .." (ص214). هل يمكن أن نشعر بتغلغل الصراع في نفس عمرو، أو بعذوبة الحوار الذي تم بين آمال وعمرو فقالت فيه هذه الخلاصات الفكرية، اللغة تقف عائقاً دون تشكيل صراع يأخذ حجمه في العرض في أسلوب العرض ذاته ، وهل هكذا تنقل الحورات ، ولمَّ الحوار لا يكتب بالرواية بين طرفين قول ورد ، تستشعر من طريقة العرض هذه أنه برغم الانجذابات الجسدية بين عمرو وآمال ، أو بين عمرو وليلى إلا أنني لاحظت أن طريقة الحوار لا تنم عن حوار عقلي عاطفي بقدر ما هو حوار خطابي جدلي.
يكتب الروائي في تقنية بارعة حواراً بين أطراف أربعة عبر قنوات صوت الحلم وفيه يخلق عالماً من الكشف والتحدي ، ومن تعريه الحقائق وإزالة الأقنعة ويبدو هذا الحوار كأنه رسائل مشفرة عبر النت مقتبساً من الكومبيوتر تقنياته ووسائله، وتوظيفها في الكتابة الأدبية الروائية يقول:" وصلت آمال رسالة عمرو مشوشة ، عرفت أن ثمة دخولاً على خطها، أرسلت إنذاراً أولياً مفاده أن حب الجنون يهرب من قواعد فرضها المجتمع ، بما فيها وجود الشيخ وليلى الآن ، يحس الشيخ ويشاهد الأفكار المتطايرة ، فعجبته لعبة الحوار الندى، ومحاولات ليلى الإيجابية والمجيدة، والوعي بما يحدث حولها حتى لوكان في المخيلة..." (ص211). وانبرى الكاتب يصنع حواراً تنكشف فيه سرائر الشخوص الأربعة وكأنه حوار حقيقي قد تم بالفعل فهو يصنع له عالماً مادياً به التجسيد والحركة والتنقلات بين الشخوص، وفي مرحلة متقدمة من القراءة لهذا المشهد ينمحي الخط الفاصل بين هذا الحوار بين العيون وصوت الأحلام وبين الحوار الحقيقي الدائر بالفعل بين الشخوص وقد يتساءل القارئ لماذا اصطنع الكاتب هذه التقنية ؟ أتصور، لأن اجتماع عناصر الصراع الأربعة في مشهد واحد ومكان واحد استدعى نوعاً من المغامرة لصنع هذا الطقس الكشفي الغائم ، الذي تبدو فيه الأذهان وكأنها تلعب لعبة مع معاني الوجود الأزلية الحب ، والخيانة ، الغيرة وغيرها ، خلق هذا ليعري السرائر ويبقى مشهده ظاهرياً على درجة من اللياقة الظاهرية ، أتصور أن الذي انتقص من فنية هذا المشهد الحواري المتخيل المبدع هو تشويه الأفكار وعدم وضوح الرؤية لدى الأشخاص ، فجاءت الحوارات والمواقف والاراء بها كثير من التناقضات، بها الكثير من عدم اليقين ، لا أحد يعرف ماذا يريد، عمرو حائر بين ليلى وآمال ، وآمال موزعة بين زوجها وحبيبها، وليلى لا تعرف هل تريده أم تريد حريتها، وأبو الخير حائر بين إخلاص زوجته أو خيانتها، لقد تطلب هذا الوضع اصطناع هذه التقنية الحوارية، وكان الكاتب موفقاً فيها ، فالجميع في حالة من الحيرة والتخبط وعدم تحديد الارادة.
وللتخصص الهندسي لشخصية الرواية، آثر في بعض اللمسات الفنية التي راعاها الروائي في اختياره للألفاظ للجمل فجاءت متوافقة مع طبيعة الشخصية يقول:" ولم يكن اللقاء مصادفة عن تدبير السعادة . كان تصميماً علمياً تلاقت فيه الفسيولوجيا مع التخطيط، يقول لها : أحب ظلك الناعم ، قالت الحب مفاجأة ينتظرها القلب.." (ص169).
تبدو اللغة هنا كأنها تقسيمات هندسية لعقلية اعتادت هذه التوصيفات الموضوعية وكانت الغة عند ليلى وآمال لتخصصهما الطبي بها الكثير من الألفاظ المتداولة في هذا التخصص العلمي (ص217)، وغيرها من صفحات.
لاحظت أيضاً أن للغة الروائي سمات خاصة مثل:-
1- توالى البدل المستمر والمتغاير يقول يحملها بين جوانحه : في قلبه ، وعقلة ، نبقى حياة متداخلاً في نسيجه ، دمه ، فكره " (ص7)، أو قوله :" لكنه لم يتوقع مطلقاً أن ثمة زواجاً تم بين أبي الخير " و" آمال " ، هذا فوق حدود العقل ، غير محتمل ، غير وارد أبداً في حساباته..." (ص7).أن كانت هذه المتواليات للاحاطة والتأكيد ، إلا أنها تشي ببعض المبالغات ويمضى الأسلوب بعدها بحاجة لبعض الضبط والتعامل بمقدار الأشياء يقول:" يارب هل لدى عمرو الشرنوبي لقدرة على نسيان ليلى؟ من أين استمد هذه القسوة، وهذه الغلاظة وهذه الجلافة؟"(ص8).
2- استخدام بعض التعبيرات المتداولة والمبتذلة والتي تهبط بالأسلوب في بعض مناطقه وتخرجه عن النطاق الفني الرفيع المستوى يقول:" ليكون رداً صاعقاً، ساحقاً، وماحقاً، (ص9)، أو قوله:" لقد حركت الكلمة " برياني" مصارين بطنه وشهيته " (ص75).
3- تنوع وتعدد الضمائر في الفقرة الواحدة يقول الروائي :" تظهر دائماً جديدة و طازجة ، في حلة مبهرة ، فستان أحلامي من الدانتيلا ، تختلف يوماً عن يوم ، ولا تراها مرتين . ها أنت امرأة جديدة كل يوم ، وكانت أرادت أن ترى الأثار المصرية.." (ص181). نلاحظ في الفقرة القصيرة السابقة تغير الضمائر وتعددها في الجمل المتعاقبة مما قد يسبب إرهاق المتلقي وإشعاره بعدم سلاسة اللغة معه ، واعتقد أن ذلك يرجع لحساسية رؤية هذه الرواية، وتقلبات المشاعر وردود الأفعال المتغاير بها ، أيضاً لوقوع الحوار في منطقة ملتبسة هل هو ديالوج أم مونولوج متخيل بين الشخوص في داخل شخصية عمرو.
** المجاز ومأوى الروح **
يتميز المجاز التصويري في الرواية وتبدو العلاقات التي يلتقطها الكاتب فيما يشمل المادي والمجرد علاقات متجددة ولها طزاجتها دون تعقيد أو ذهاب لآفاق مركبة يقول على لسان آمال: " نوري يبحث عن خلية اسمى ، إنها فيك أنت يا عمرو" (ص9)، أو قوله :" ....ابتسمي يزهر الليمون، والمسيني لأورد خيلي ماء الينابيع ، وأنا من رأى غده إذا رآك . ودبوس شعرك يكسر سيفي وترسي.." (ص180).وينتفي الروائي تعبيراته التي تتخذ التشبيه وسيلتها بعناية يتغياالجدة والتأثير من خلالها يقول وهو يصف حال عمرو بعد حديثه مع ليلى:" بدا جافاً وغليظاً وسميكاً وأن جفافه حاد الزوايا، كشظايا زجاجية..." (ص41). يمزج الروائي بين المجاز الذي يجسد المعنوي" الجفاف" ويجعل له زوايا حادة ثم يعقبه بتشبيه مؤثر ويصف حال الشخصية.ويستطيع الكاتب وصف نظرات واقعية في الآخرين لكنه يؤديها في قالب مجازي معبر يقول:" وكانت مراجعي المتواضعة تهيئ جزءاً من معرفة كونية شاملة بالإنسان، لذا أقول برأي قاطع وضمير متآلف ، أنت ريح ، صواعق، براكين ، لا أعرف من أين يأتي رد فعلك، حتى أحتويه" (ص48).
** المكان والزمان بالرواية**
احتشدت الرواية بأماكن متنوعة وتكتنز بالثراء التاريخي والمعرفي ، كما أنه تحكي موروثات وأساطير متعددة ، ومن خلال المكان عالج الروائي علاقة الإنسان بالجسد والغرائر وعرض لكثير من طقوس الشعوب الشرقية وعاداتهم وتقاليدهم ، الأمر المثير للدهشة أن ورود هذه الأماكن في الرواية يبدو وكأنه قد زج عنوة، فالحبكة الروائية لم تستدع هذه الأماكن بقوة أو بمبررات فنية منطقية ، واتصور أن الروائي قد جعل عمرو يقوم قسراً برحلته إلى باكستان وكراتش ليناقش طقوس وموروثات وتقاليد تتعلق بالجسد و الممارسات الجنسية التي تعلق بالرغبة والغرائر ، والإشارة إلى حرية التعدد، ولقد أسهب الروائي في وصف العلاقات المتحررة والمتعددة للمرأة في باكستان (ص78،77)، كما وصف المعابد الهندية مثل معبد "شيفا" الذي يمجد رمز علة الخلق والوجود الإنساني ، قضيب من الزمرد أو الذهب باعتباره طوائف من الخلق ، ومعابد خاجوراه ، النشوة السماوية ، وادي المطلقات.
ويتناسب هذا العرض مع الرؤية التي طرحها المؤلف على حياء في هذه الرواية . ولقد وظف الروائي الأماكن بمصر لتوضيح تحولات خاصة حدثت في المجتمع المصري فهو إذْ يتحدث عن النادي الملكي للخيل " نادي سبورتنج" أو عن مدينة رشيد والريف المصري العريق والطبيعة الحرة الخاصة الجميلة يشير إلى تغيرات مجتمعية عميقة ، تعبث فيها أيدي الفساد ببيع وانتهاك هذا التاريخ المصري العريق ، والطبيعة الحرة الخاصة الجميلة. وفق الكاتب أن يجعل تلاقي ليلى وعمرو في عيادتها أو المستشفى الذي نعمل به لفرض قيود على هذه العلاقة وتطويقها بعدم الاندفاع ، كما وفق في أن يجعل تلاقي عمرو وآمال في انطلاقة قارب ، مغامرة غير محسوبة وغير مقيدة برغم أغلالها، شأنها شأن العلاقة.كانت هناك إشارات بالرواية إلى أن أحداثها تجري في بداية سنة 1978 بما يتواكب مع فترة قلقة في المجتمع المصري ، وفترة انفتاح ، وتمرد بعد المعاهدات التي برمت مع العدو ، وخلخلة للذات الجمعية و فترة المد الاشتراكي لقد كان هذا الزمن أرضاً خصبة لبزوغ هذه التوجهات الذاتية الجسدية الغرائزية ، هروباً وتعويضاً في آن واحد.
تميزت المساحة الزمنية أيضاً بالرواية بانفتاحها الزمني على السنوات والفترات والحوادث التي استجلبتها مرور السنوات ما بعد هذا التاريخ الزمني ، فغطت الرواية فترات الخصخصة والبيع والتدخلات الأمريكية في الشأن المصري وغيرها من الحوادث ولذا يبدو الإيقاع الزمني بالرواية مضطرباً.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,019,105,414
- سحر الموروث السردي ( نجيب محفوظ )
- تراكب المستويات الفنية في تقنيات -طيور التاجي-
- Yanni
- جمال الغيطاني عاشق الإبداع
- حوار حول بعض القضايا الثقافية المعاصرة
- إلى السيد رئيس جمهورية مصر العربية
- نصير الشمة الملحن عازف العود الأول وجائزة الرواية الألمانية
- المرأة والوعي السياسي ( 1 )
- المرأة والوعي السياسي (2 )
- الوجود المشوش وانعكاسة علي سردية -كلب بلدي مدرب- للروائي محم ...
- حوار حول الحب قيمة في حياة الإنسان
- ...في جسد واحد -قصة قصيرة-
- الذاتية وتقنية القصة القصيرة في المجموعة القصصية -كل شيء محت ...
- يوسف القعيد ..مثقف الشعب وحكائه
- ماركيز.. لتنبعث طاقتك في عوالم أخرى
- جماليات الفوضي في الرواية المعاصرة..-نبيذ أحمر- نموذجا
- سرد الومضة في رواية -وصمة الفصام- للروائي حسين عبد الجواد
- تشظي الحبكة الروائية في -سيرتها الأولى- للروائي محمود عبد ال ...
- قراءة معاصرة لرواية -الحرب في بر مصر- للروائي -يوسف القعيد-
- كقطة مدللة .. - قصة قصيرة -


المزيد.....




- بين ماكرون وأردوغان: المعركة الأهم !
- صدر حديثا كتاب -سنواتى فى الصين- للناشر الدكتور أحمد السعيد ...
- فرنسا ومسلموها .. قرن من السياسة الإسلامية تأليف صادق سلام  ...
- الإسلاموفوبيا؛ الحملة الأيديولوجية ضد المسلمين لستيفن شيهي
- فيلم -The Platform-.. هل الإنسان حقا ذئب أخيه؟
- قط عراقي ينافس على جوائز السينما في مصر
- حكايتي ...كريم شغيدل: الشاعر صانع أوهام وسعادات ونبّاش مآسي ...
- كاريكاتير العدد 4797
- بيان من جموع السينمائيين والفنانيين: مهرجان “الجونة” ضرب بقر ...
- لن أعود إلى هنا دون أبي.. محمدوف يسجد باكيا والده ويعلن اعتز ...


المزيد.....

- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة
- أكوان الميلانخوليا السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- التآكل والتكون السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- رجل يبتسم للعصافير / مبارك وساط
- التقيؤ الأكبر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- الهواس السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - الجسد والتعددية في رواية مأوى الروح للروائي عبد السلام العمري