أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - كيف أصبح تاريخ العرب ديناً للشعوب !‏ (1)















المزيد.....



كيف أصبح تاريخ العرب ديناً للشعوب !‏ (1)


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6253 - 2019 / 6 / 7 - 21:15
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


بداية.. سادتي القراء الأعزاء، فإننا نقصد بالعرب هنا تلك القبائل العربية الحجازية التي هبت مثل موجات الجراد من الصحراء على الشعوب المدنية ‏في العراق وفارس والشام ومصر ..إلخ. هذه الموجات البرية حملت ثقافتها البرية التي حصلت على قدسية دينية باسم " الفتوحات الإسلامية"، ‏بينما هي غارات شنتها عصابات برية صحراوية ضد المدنية فدمرتها ودمرت أفكارها وأعدمت عقولها وأصابتها بالشلل، ونقصد هنا بالشعوب؛ تلك ‏الشعوب المغبونة أي الواقعة تحت مظلة الظم العربي الذي حجب عنها نور الشمس وأجبرها على العيش في ظلام، وهي تلك الشعوب المدنية التي وقعت تحت هذا الغزو البري العربي وانكسرت إرادتها وطُمست هويتها ولغاتها وثقافاتها وتصحّرت عقليتها بفعل ‏الغبار الصحراوي الذي جلبه أولئك النازحون من الصحراء... وسننظر هنا بمسقط رأسي على العلاقة بين الإسلام والمجتمعات المجاورة ، وهل هي ‏علاقة حربٍ دائمة، أم سلام اجتماعي؟

فالعلاقة بين المسلم وجاره علاقة مقدسة في الإسلام بغض النظر عن ديانة هذا الجار، فقد أوصى رسولنا الكريم بالجار السابع حتى ظننا أنه ‏سيورثه... فهل علاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات المجاورة له مشتقة منها لتضمن التعايش في سلامٍ اجتماعي؟ أم أنها تقوم على الحرب الدائمة ؟

فالدين عند الله هو الإسلام، ولا يعني ذلك حصر الإسلام في الرسالة التي بُعث بها نبينا محمد عليه السلام فقط، لكنه الإسلام الذي نزل على كل ‏الرسل.. وإن تعددت شرائعه، فالعقيدة واحدة بكل الرسالات لكن الشرائع تتباين. لذلك يقول تعالى معترفاً بكل تلك الشرائع: ((... لِكُلٍّ جَعَلْنَا ‏مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...) 48/المائدة، وجاء الإسلام في صورته النهائية ممثلاً في الرسالة المحمدية ليجُبّ ما قبله، أي أن كل الرسالات السابقة عليه هي ‏جزء لا يتجزأ منه، فالإسلام السماوي هو هواتف الإنسانية والمودة بين كل الخلائق ابتغاء مرضاة الله، وقد خلق الله في نفوسنا منذ الفطرة الأولى هذا ‏الهاتف السماوي قبل أن تنزل به المناهج المقروءة على يد الأنبياء والرُسل، فالعقل البشري هو صنعة الله، وقد وضع فيه أساس العبادة على الفطرة ‏السوية عند خلقه.. ويتمثل هذا الهاتف السماوي الفطري في أصول التراحم بين الناس، والميل الفطري للعدالة الربانية، وشكر الله على نعمه وفضله ‏والاعتراف بأحقيته في العبادة ، وهي عقيدة السلام والإسلام. ثم نزلت بعد ذلك تدريجياً المناهج السماوية على الأنبياء والرسل لتقويم ما قد انحرف في ‏عقائد الناس.. تعدد الرسل وتعدد الرسالات، والعقيدة واحدة بين كافة الأديان السماوية تقوم على توحيد ألوهية الخالق والإيمان به واليوم الآخر، بينما ‏الاختلاف في الشريعة ذاتها والأحكام التفصيلية، الصوم والصلاة والحج وشعائر العبادة.. لذلك عندما نتدبر معاً آيات القرآن: ‏

‏1.‏ فالله يقول على لسان سيدنا إبراهيم: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏‏}البقرة128. ويقول أيضاً {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }آل عمران67. وهو الذي سمّانا ‏المسلمين من قبل أن يكون هناك سيدنا محمد، حيث يقول تعالى [ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ..].الحج 78.‏
‏2.‏ وقال نبي الله يوسف ما يؤكد أن دينه الإسلام فقال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ‏الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }يوسف101.‏
‏3.‏ وجاء موسى بالإسلام... وتدبر قول سحرة فرعون حينما آمنوا بموسى في قولهم: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ‏وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }الأعراف126.‏
‏4.‏ وقال نبي الله نوح: { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ{72}.....‏
‏5.‏ وقال نبي الله موسى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ }يونس84.‏
‏6.‏ وقال فرعون وهو يغرق، قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }يونس90.‏
‏7.‏ وقال نبي الله سليمان في رسالته لملكة سبأ: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ }النمل31.‏
‏{قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ }النمل38‏
‏{فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ }النمل42.‏
‏8.‏ وقال الله على لسان الملائكة عن ديانة نبي الله لوط: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ }الذاريات36.‏
‏9.‏ ويقول تعالى عن نبي الله عيسى والحواريين: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا ‏مُسْلِمُونَ }آل عمران52.‏
‏10.‏ وجاء على لسان نبينا محمد {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }النمل91.‏
‏11.‏ ومما يؤكد أن الدين واحد وأنه الإسلام هو قوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ ‏وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة136.‏
‏12.‏ وفي سورة الشورى يقول‎ ‎الله تعالى" شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا ‏الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13)‏‎ ‎‏/ الشورى

فالله هو من أرسل جميع الرسل لهداية الناس إلى الإسلام، وإن كانت الرسالات جاءت متوالية تدريجية، فهي في النهاية أجزاء مترابطة مع بعضها، ‏مضمونها العقائدي واحد وهو التوحيد والإقرار بالآخرة، وإن اختلفت الشرائع، ونلاحظ أن الله اعترف بالإسلام لكل الموحدين برغم اختلاف شرائعهم، ‏فاعترف بالإسلام لليهود والنصارى والحنيفيين والمسلمين على ملة محمد عليه السلام، جميعهم مسلمين حتى وإن اختلفت شرائعهم. ودليل اعتراف الله ‏جاء في قوله تعالى: (... لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...المائدة 48، فاليهود مسلمون والمسيحيون مسلمون ونحن مسلمون كذلك مهما اختلفت ‏الشرائع.‏

وتقول الروايات التاريخية أن النبي محمد عليه السلام قبل وصوله سن الأربعين ونزول الوحي عليه، كان علي معرفة بالقس ورقة نوفل وتزوج ابنة عمه ‏السيدة خديجة وهي مسيحية بإكليل عقده القس ورقة نوفل .. وتقول الروايات أن النبي محمد كان من طائفة الحنيفية علي ملة إبراهيم عليه السلام وهم ‏مؤمنون موحدون بالله وهم قليلون وسط العرب، وكل من آمن بأن الله واحد وبأن يوم القيامة حق وبالعمل الصالح فهو مسلم وإن كان يهوديا أو ‏مسيحيا، فتلك الثلاثة هي أركان الإسلام لله، والإسلام يعني التسليم بأن الله واحد وبأن يوم القيامة حق وبالعمل الصالح. وليس من المنطق القول بأن ‏الرسول كان مؤمناً حقاً قبل نزول الرسالة ثم بمجرد نزولها أصبح إيمانه السابق كفراً وشركاً بالله، الأصح والمنطق يقول بأن الرسالة هي تكملة للسابق ‏وتجويد له، وطالما كانت الرسالة المحمدية تكملة لما سبق عليها فهذا لا يعني أن يصبح ما سبق عليها شركاً وكفراً من حيث المبدأ. ‏

فالإسلام لم يأت ضد الإنسانية ليعادي الجميع ويجعلهم مستحقين للقتل أو دفع الجزية كما تصوّر العرب، بل هو دين سلامٍ ورحمة للجميع، لكن ‏العرب بعد وفاة الرسول فهموا الإسلام بمنطق مجتمعهم وأعرافهم وعاداتهم وانحناءاتهم النفسية. والإسلام جاء ليرسي قواعد تضمن الحقوق والقيم والمبادئ ‏الإنسانية في كل مجتمع، وليس كما فهمه العرب بأن كل غير مسلم فهو كافر وكل كافر فهو عدو، أو كل من لم يؤمن فهو عدو ذميم ولا يستحق الحياة ‏وإن تُرك ليحيا فيكون في مقام الكائنات غير الإنسانية.. هذه النظرة التي شاعت في كتب الفقه الإسلامي مصدرها نرجسية العرب، فحتى وإن كان ‏الإنسان كافراً، فما مصدر العداء هنا؟ العرب قديماً تصوروا أن الكافر هو عدو الله وعدو المسلمين لأنهم خلطوا بين مفهوم الكافر عامة وبين مفهوم ‏المنافق، فالله تعالى حينما وصف الكافر بأنه عدو لله وللمسلمين في قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ‏وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" كان يقصد بخطابه هذا الكافرين الذين عقدوا العزم والنية على محاربة المجتمع المسلم بسبب إسلامه، ‏فهم بذلك أعداء للدين وللمسلمين، ومعهم المنافقين الذين يقفون تحت لواء المسلمين وهم في الحقيقة مخادعين، وليس كل كافر أو ملحد هو عدو لله، ‏بل فقط من يضمر العداء لعبادة لله أو يضمر العداء لعباد الله، هؤلاء فقط هم الأعداء الذين ينطبق عليهم الوصف الصحيح لغوياً لكلمة عدو؛ لأن ‏هناك كافرين وملحدين لا يضمرون أي نية عدوانية سواء لعباد الله أو للعبادة أصلاً ، وإنما هم غير مقتنعين فقط، أو في ريب من أمرهم دون وجود أي ‏نية عدوانية، بل إنهم رغم كفرهم وإلحادهم يحملون بداخلهم نفوساً إنسانية نقية.‏

‏ وأذكر مثالاً على ذلك سيدة من الكفار في أمريكا تعرفت على أسرة عربية مهاجرة حديثاً، وكانت هذه الأسرة العربية لديها طفل مريض بتلف ‏في الكبد وكان بحاجة ضرورية لاستئصال كبده وزراعة فص كبد جديد مكانه، ولم تكن فصيلة دم أم هذا الطفل أو أي من أسرته توافق فصيلة دمه، ‏وبالتالي لم يتمكن أحد من والديه أو إخوته من إنقاذ حياته.. وهنا تدخلت سيدة كافرة واحتضنت الطفل وشملته بمشاعر الأمومة والإنسانية (بعيداً ‏الأديان أو الإنسانية التي تصورها العرب قديماً عن الإسلام)، وتبرعت له بفص من كبدها لتنقذ حياته، وبعدما نجحت العلمية وخرج الطفل لاستقبالها ‏على أبواب المستشفى، لم يكن بوسع والدته العربية إلا أن تنحني احتراماً لمعنى الإنسانية، حتى وإن كانت كافرة. ‏

فالإنسانية هي المكوّن الأساسي في الإنسان وهي روحه وجوهره، ولا يمكن اعتبار كل غير مسلم فارغ من معاني الإنسانية أو يستحق القتل على ‏كفره إن لم يدفع الجزية كما تصور العرب قديماً، فالإيمان هو علاقة بين العبد وربه فقط، وغير مصرح لأي إنسان بالتجسس على هذه العلاقة أو الرقابة ‏عليها. ولا يمكن وصف هذه السيدة الكافرة التي تبرعت بفص من كبدها بأنها عدو لله وعدو للمسلمين لمجرد أنها كافرة، لأن وصف العدو لا ينطبق ‏لغوياً إلا على من أظهر أو أبطن نية العدوان والعداء.. أما العرب قديماً فقد اعتبروا كل كافر هو عدو لهم وعدو لله ! ذلك لأنهم لم يدركوا معنى ‏الإنسانية، ولم يدركوا أن الإسلام جاء لتغذية وتزكية الإنسانية، وفهموا الإسلام من منظورهم الاجتماعي البدوي الصحراوي الموحش، ولهذا انطلق خالد ‏الوليد ليرتكب أبشع جرائم الحرب في التاريخ باسم الدين وهو منه براء، يقتل نصف مليون إنسان بريء ويسلب ماله ويخطف أولاده وزوجته باعتباره ‏كافر وعدو ! هذه المفاهيم المغلوطة ليست من الإسلام وإنما من ثقافة العرب ومن الضرورة الفصل الدقيق بين الإسلام وبين ما فهمه العرب، بين ‏الإسلام وتاريخ العرب الملوث بالدماء والعنف والهمجية.. فالعرب ليسو أوصياء على هذا الدين لمجرد أن الرسول بُعث فيهم أو أن منهم الصحابة، بل ‏إن الرسول بُعث فيهم تحديداً لأنهم كانوا أفسق شعوب الأرض ومن ثم كانت الحاجة إلى معالجتهم ماسة وضرورية من الناحية الخلقية والعقائدية ‏والسلوكية، وليس من المنطق والعقل القول دائماً وأبداً أن المجتمع المريض هذا تحول إلى مجتمع مثالي يفرض وصايته على دين الله لمن جاء بعدهم من ‏الشعوب، لأن الصحابة مهما كانوا قد صفّوا قلوبهم ورسول الله بينهم لكنهم فُتنوا بعد رحيله، وانحرفت مفاهيمهم عن الإسلام واختلطت بالعادات ‏القديمة للمجتمع العربي الذي هو منشأهم في الأساس.‏

إن فقه الكراهية الذي اصطبغت به نفوس العرب قديماً تجاه الشعوب غير المسلمة صنع منا مرضى بالعنصرية والنرجسية، فلم نستخدم إلا الآيات ‏التي تقول بالكفر...مثل (لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة)...أو (لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح عيسى بن مريم).. وكان لدى العرب ‏تصوراً خاطئاً يقوم على وجوبية قتل كل كافر! ثم قالوا بأن من يلم يعترف بكفر المسيحيين لذلك فهو نفسه كافر ! فمن أين جاؤوا بهذا الأمر؟ العرب ‏من أنفسهم توهموا أن واجبهم هو "تعبيد العباد لرب العباد" وقتل كل كافر عقاباً له على عدم خضوعه لسلطة العرب ! فهل جعل الله من أمة العرب ‏أوصياء على عبادته في الأرض؟ بالطبع لا، ولكن العرب عبّروا عن عنصريتهم ونفوسهم المريضة فتوهموا أن دور المؤمن في الحياة هي قتل الكافر مرضاة ‏لله ! ونسو قول الله تعالى: وما على الرسول إلا البلاغ، أفأنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين؟ بل إن الكارثة في من يتصورون بأن إيمان أهل ‏الكتاب كان فقط لمن عاشوا قبل نزول القرءان.. أما بعد نزول القرآن فقد أصبحوا كافرين ومن ثم استحقوا القتل ! وعلى فرض أنهم كانوا مؤمنين قبل ‏الإسلام وبنزوله اعتبر من بقي على دينه كافراً، فماذا يوجب قتل هذا الكافر؟ ألم يضمن الإسلام حرية الفكر والعقيدة؟ ‏

إن العرب نفذوا أفكارهم ورؤيتهم البدوية الموحشة للإسلام بأهوائهم، ومن هنا وضعوا واجباً على كل مسلم بأن يقتل كل كافر وفتحوا له نافذة ‏استثنائية للحياة وهي أن يدفع لهم الجزية شريطة أن يعيش ذليلاً بينهم، وحكموا بأن قتل كل كافر هو حق واجب النفاذ، ومن ذات المنطلق حكموا ‏بقتل كل من يرتد عن دينه، استرشاداً بما فعله الصحابة في حرب الردة، وكأن خطأ الصحابة أصبح بذاته ديناً لمن يأتي بعدهم ! مع أن فكرة قتل الخارج ‏عن الدين لم تظهر أصلاً في عهد الرسول، بل إنها من أفكار عصابات المافيا، فإذا انضم شخص لعصابة مافيا، ففي الغالب الأعم أن يقتلوه إذا فكر في ‏الخروج. هذا هو منهج عصابات المافيا وقطاع الطرق وليس منهج دين. بل إن الإسلام في ذاته ومبادئه أعظم من أن يهدد الخارجين بالقتل، هو ليس ‏بحاجة لهم أصلاً ولن ينهدم أو يتأثر بخروجهم منه، بينما عصابة المافيا معرضة للهدم وافتضاح أمرها إذا انشق أحد عناصرها عنها لأنه بالطبع يسرب ‏أخبارهم وخططهم وتحركاتهم الإجرامية أو يفضح أوكارهم، وينقلب عليهم، ولذلك لا بد أن يقتلوه حماية لأنفسهم.. ولأن العرب لهم طبيعة نفسية ‏خاصة بهم كمجتمع، وبعد وفاة الرسول تسربت في نفوسهم عجينة المنشأ الاجتماعي ففهموا الإسلام وفقاً لها ولم يدركوا مضامينه الحقة. والمشكلة ‏الكبرى التي ترسبت في عقول الفقهاء هي السؤال عن الحرام والحلال دون السؤال عن الصواب والخطأ، فمسألة الصواب والخطأ والحق والعدل هي مسألة ‏واقعية تحتاج موازنات عقلية منطقية واقعية، بينما هم فكروا بنص عقل عن الحلال والحرام فقط فتوهموا كثير من الأشياء على أنها حلال دون أن يدركوا ‏كونها خطأ في الواقع، فاستورد كل منهم نصوصاً تؤيد رؤيته، حتى أن بعضهم عثر على نصوص أسند لها آراء إجرامية، ولم ينتبه لمعيار الصواب والخطأ ‏لأنه معيار عقلي منطقي وقد أهمل فقهاء المسلمين معيار العقل والعلوم العقلية على مدار تاريخهم، حتى انتهى بعضهم إلى أن زواج الأب من ابنته في ‏الزنا حلال! فهل تختلف قاعدة الحلال والحرام مع منطق العقل؟ فقط تختلف إذا غاب العقل والمنطق وأصبح السند هو نصوص بلا عقل ولا منطق.‏

وسنفتح ملف مسألةٍ شائكة لا يزالُ النزاع يدور فيها بين الفقهاء إلى اليوم، وهي مسالة العلاقة بين المسلمين وبين غير المسلمين، بين المسلمين ‏والعالم، وهل الأصل فيها الحربُ الدائمة أم السلام الاجتماعي ؟ فالعرب قديماً فهموها على أنها علاقة حرب دائمة، لأنهم كمجتمع هذه صفتهم، الحربية ‏والإغارة والنرجسية، ولهذا فهموا التعاليم الدينية من منظورهم الاجتماعي وفي حدود ثقافتهم وتقاليدهم وأعراف مجتمعهم. لكن الغريب أن الفقهاء ‏المسلمين على مدار التاريخ ساروا على ذات النهج من دمج الثقافة التاريخية والأعراف الاجتماعية القديمة باعتبارها موروث ديني وجزء لا يتجزأ من ‏الدين والعقيدة، فتصوروا أن دور المؤمن في الحياة هي شن الحروب بصورة متواصلة على الشعوب المجاورة لتوحيد عبادة الله، أو كما قالوا بتعبيرهم "تعبيد ‏العباد لرب العباد " ! وفي الحقيقية في هذهِ المسألة للسادة العلماء ثلاثةُ أقوال، أي قد ذهبوا فيها مذاهب ثلاثة:‏

المذهب الأول: وفيها من رأى أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هي الحرب. وهذا في الحقيقة هو مذهب جماهير العلماء ، إنه ‏مذهب الأئمة الأربعة، والإمام ابن حزم ومعظم أتباع هؤلاء ، ومذهب جميع الشعوب المسلمة في عصرنا الحالي بالطبع، فهم يشعرون بداخلهم أنهم ‏مكلفون بحرب غير المسلمين والجهاد في سبيل الله بقتلهم وتخليص العالم منهم كما فعل الصحابة وإلا أصبحوا مقصرين في حق دينهم!. ‏

وقد أقام هؤلاء وأتباعهم فكرهم على نظرية " النَسْخ" وهو يقوم على الطعن بالصورية في آيات القرآن ووقف نفاذها وسريانها، واعتبارها مجرد نص ‏نظري صوري وموقوف عن العمل، وهو ما اصطلحوا عليه بنظرية النسخ أي حلول آية محل الأخرى، أو تغليب قاعدة على أخرى ، ومعيار التغليب هنا ‏هو عقل الفقيه، فهو الذي يحكم أي آية تتغلب على الأخرى دون أن يفسر لماذا تغلبت هذه ولم تتغلب الأخرى، فقالوا بأن آية السيف نسخت كل ‏آيات الرحمة والعدل والسلام الاجتماعي ! وقالوا أن (الآيات المُقيدة للقتال بشروط منسوخة)، بمعنى أن حُكمها باطل لا يُعملُ به لأنه منسوخ، وقالوا ‏الناسخ هي آيةُ السيف نسخت الآيات اللاتي تأمرُ بالصفح والسلام والعفو والصبر وهي آياتُ كثيرة، يعني الآيات التي تتحدث عن علاقة السلام ‏الاجتماعي بين الشعوب، آيات المُصالحة والعفو في كتاب الله تبارك وتعالى كُلها منسوخة وبلغ الأمر ببعضهم كأبي بكر العربي القاضي المالكي الذي ‏قال بأن آية السيف قد نسخت "مئة وأربعة عشر آية" تتحدث عن السلام الاجتماعي!، جميعها نُسخت بآية واحدة ! برغم أن الفقهاء لم يُتفقوا على ‏تعينيها تماما ولم يعرفوا مكانها في القرآن، فلم يحدد هؤلاء الفقهاء ما هي آية السيف وما هو منطوقها، ولكنهم جمعوا كل الآيات الخمسة أو الستة التي ‏تأمر بالحرب عند توافر شروطها الضرورية، واعتبروها ضمنياً واصطلاحياً هي آية السيف سواء كلها أو إحداها، وقاموا بإلغاء الشروط المقيدة لها وفتحوا ‏مجالها في المكان والزمان، واتفقوا على أنها تنسخ وتلغي كل آيات العفو والسلام والإنسانية ! والغريب العجيب أن هذا النسخ لم يرد بالقرآن، ولم يرد به ‏حديث عن رسول الله حتى ولو كان مكذوباً ! لكن نظرية النسخ هذه نشأت من اجتهاد الفقهاء لتعطيل آيات القرآن التي لا توافق هواهم في العدوان ‏على الآدمية، واستخدموها في توسيع النطاق التنفيذي لآيات تأمر بالقتال بعد أن حرروا هذه الآيات من شروطها وفتحوا لها المدى والأفق على ‏مصراعيه، برغم أن الآيات التي تحدثت عن السلام الاجتماعي مطلقة وغير محدودة بمكان أو زمان، وأن آيات القتال هي التي جاءت استثناء محدود ‏ومقيد بشروط محددة، لكنهم على العكس قيدوا المطلق العام وعطلوه عن السريان، وفتحوا المجال أمام الأمر الاستثنائي المقيد بشروط، جعلوه هو ‏المطلق العام وواجب مستمر طول الوقت، وبهذا حولوا العلاقة بين المجتمع من كونها قائمة على السلام الاجتماعي إلى فكرة الحرب الدائمة بين الشعوب ‏والمجتمعات ! وهذا ما يوضح النَفَس العربي والزفير القرشي في الفقه الإسلامي؛ لأن الحربية في الأساس هي طابع المجتمع العربي وليست طابع الدين، ‏وطالما انتهى الفقهاء إلى حتمية الطبيعة الحربية على المجتمع فهم بذلك يتفقهون في تاريخ العرب وليس في الدين، وهذا هو ما اتفق عليه جمهور الفقهاء ‏والأئمة الأربعة. وفي الغالب أسسوا فقههم على فكرة إزالة العقبات بالجيش لنشر الإسلام أي الإطاحة بحكام هذه البلاد ليدخلها العرب وينشروا الدين ‏فيها !‏

والأغرب من الخيال، هو ما ذهب إليه الفريق الثاني من الفقهاء والذي احتار في تكييف العلاقة بين المجتمعات وهل هي قائمة على السلام ‏الاجتماعي أم الحرب الدائمة. واعترفوا بأن كل الآيات التي تحدثت عن القتل كانت مشروطة ومقيدة بظروف وأسباب واقعية تبرر الأمر بالقتال وهي ‏أسباب جوهرية ومعقولة بالنسبة لكافة المجتمعات ولا تتعلق بحق حصري للمسلمين في حرب غيرهم، وأن هذه الآيات هي استثناء من الأصل العام ‏القائم على السلام الاجتماعي، والاستثناء هو القتال إذا توافرت شروطه وأسبابه الملجئة، وأسباب الحرب هنا لا تختلف بين الشعوب والديانات، ‏فالسبب المبرر للحرب في الإسلام هو ذاته مبرر للحرب عند الشعوب المسيحية واليهودية والزرادشتية والملحدة لأن مبررات الحرب في الإسلام هي ‏الدفاع عن حق الوجود وهذا الحق مكفول لكل البشر بلا استثناء. وهو أمر من أمور الدنيا كما لو هطلت أمطار غزيرة أو رياح عاصفة فكيف يتصدى ‏لها المجتمع؟ بالطبع سيكون التصرف وفقاً للظروف الواقعية والأدوات والآليات المتاحة للتصدي لحالة الطوارئ. ولم يختلف فقهاء هذا الفريق حول ‏الأسباب الشرعية المبررة للحرب، ووجود الأسباب والاعتراف بها هو ما يجعلنا نفرق بين الحرب ما إذا كانت هجومية وما إذا كانت دفاعية شرعية، ‏فالأسباب الشرعية تجعل الحرب شرعية. ‏

أما الغريب والعجيب أنهم اقتنعوا بذلك لكنهم اصطدموا بآية أخرى جعلتهم يتحللون من فكرة السلام الاجتماعي فقط مع الشعوب المجاورة ! ‏فقرروا أن السلام الاجتماعي يكون فقط مع البلدان البعيدة والتي ليست من دول الجوار !، أما العلاقة مع دول الجوار والشعوب المجاورة فالأصل فيها ‏هو الحرب الدائمة ! فالجوار أولى بالحرب والأقرب فالأقرب أولى بالقتال ! وهذا ما يتناقض مع مبدأ حسن معاملة الجوار سواء كان الجوار هنا للأفراد أو ‏للشعوب، فكيف يأمرنا الله بحسن الجوار، ثم يأمر مجتمعنا بالعدوان على المجتمعات المجاورة !، والغريب أن استنادهم هذا لم يكن قائماً على منطوق الآية ‏التي اصطدموا بها أصلاً، ولكن فقط قائم على تفسير خاطئ توارثته الأجيال عبر التاريخ دون أن يدرك أحدهم هذا الخطأ الجلي في التفسير وفهم الآية، ‏وهو ما يخرجها تماماً وكلياً عن سياقها ومضمونها اللغوي والمعرفي! وبرغم ذلك استمر الخطأ فقط لأن الصحابة العرب فعلوا ذلك، وبالطبع هذا يوضح ‏كيف حل تاريخ هؤلاء الصحابة العرب محل الدين، وأصبحت أفعال الصحابة ديناً تتعبد به الناس لربها، وكأنه جل شأنه أنزل نواب عنه في الأرض ‏يشرعون للناس كيف يعبدونه! بينما في الواقع أن هؤلاء الصحابة العرب ما هم إلا حفنة من الصعاليق تلقوا جرعة العلاج ولم تؤثر فيهم ولم تأت بأي ‏نتيجة، لكن.. للقارئ الحق في أن يتساءل حول هذا الكلام البذيء.. كيف تقول أن الصحابة حفنة من الصعاليق أجرموا وجعلوا سجلهم الإجرامي ‏ديناً للشعوب بدلاً من القرآن كتاب الله، وهل كان القرآن بعيداً عن أيدي الفقهاء على مدار 1400 سنة ؟!‏

والجواب؛ بالطبع كان القرآن في أيدي الفقهاء طوال هذه المدة ولم ويدركوا ولم يستطيعوا التفرقة بين ما هو دين من عند الله وما هو تاريخ أسود ‏إجرامي من عند العرب، برغم أن القرآن مدون في مصحف مستقل، بينما تاريخ هؤلاء الصحابة العرب الذين تصفهم بالإجرام مدون في كتب السير ‏والمغازي وكتب التاريخ، والفقهاء يعرفون جيداً التفرقة بين كتاب الله وكتب التاريخ ، لكنهم في الواقع لم يستقوا الأحكام من كتاب الله ولكن قرؤوا آيات ‏المصحف وفسروها بأمثلة ونماذج من كتب التاريخ ، فهل هذا الكلام يُعقل؟! كيف تقرأ في كتاب كيمياء وتفسر بكتاب هندسة فراغية ؟! ... هذا ‏اللغز لا يمكن حله إلا من خلال مؤتمر عالمي يضم أطباء علم النفس وعلم الاجتماع والطب النفسي كي يحللوا العقلية الفقهية من الناحية النفسية ‏والفسيولوجية ويشخصوا الحالة الطبية ، لأن الشعوب التي ووقعت تحت دولة العرب لا يمكن التعامل معها باعتباره مجتمعات مستقلة مختلفة وأن كل ‏جيل مستقل مختلف عن سابقه، بل إن كل مجتمع هو كائن حي واحد يمر بمراحل عمرية وفسيولوجية معينة تستمر قرون وربما آلاف السنين، ومعنى ذلك ‏أن مؤتمر الأطباء وعلماء النفس والاجتماع هذا قد يخرج بورقة تشخيص تقول أن الشعب العربي كان مصاباً بحالة اكتئاب استمرت ألف وخمسمائة عام ‏مثلاً ! نعم هذا صحيح، وعلى هذا الأساس يمكن تحليل توجهات الفقهاء خلال حقبة العصور الوسطى بكاملها، فيمكنك القول بأن العقل الجمعي ‏كان يميل إلى الانغلاق أو التشدد أو التقييد في الأحكام، ثم خلال الألف الثاني بدأ العقل الجمعي يميل إلى الانفتاح ، كما حدث في شعوب أوروبا ‏خلال العصور الوسطي، فبداية من القرن الخامس عشر بدأت تظهر توجهات تحررية غريبة للمجتمع الأوروبي وكأن الناس عامة اتفقوا على هزيمة رجال ‏الدين، برغم أنه لم يحدث مثل هذا اتفاق أو تنسيق ولكن توجهات الرأي العام والعقل الجمعي كانت تنمو في هذا الاتجاه خلال هذه الحقبة ، وفي ‏النهاية انهزم رجال الدين المسيحي وتقوقعوا في أركان محدودة في زوايا المجتمع ولم تعد لهم الكلمة العليا عليه بعد أن أفلت العقل الجمعي من رقابة وسيطرة ‏رجال الدين على تصرفاتهم...

وبالمناظرة في العالم العربي نتساءل، - بالنظر إلى أن العقل الفقهي كان أعجمياً خالصاً ومن تلك الشعوب المقهورة التي ‏وقعت تحت الاحتلال العربي وانكسرت إرادتها جمعياً، وأما العقل السياسي المسيطر فكان عقلاً عربياً خالصاً، أي أن هناك كيانان متصارعا (أعجمي ‏وعربي) وانتصر أحدهما على الآخر، واستمر المنتصر العربي في ممارسة السياسة والسيادة والهيمنة، بينما استمر العقل الأعجمي المهزوم في ممارسة الفقه، ‏وكان على المهزوم بالطبع الاستسلام والاستجابة تلقائياً لتوجهات العقل العربي السيادي المنتصر... هذا الكلام الغريب العجيب لم يقل به أحد من ‏السلف من قبل، لكننا سنكتشف أنه حقيقة واقعية للأسف الشديد، وسنكتشف أن فقهاء الإسلام على مدار الحقبة التاريخية السابقة لم يتفقهوا في ‏دين الله وإنما تفقهوا في تاريخ العرب وجعلوه هو الضابط لأحكام القرآن وما توافق من القرآن مع أحداث التاريخ العربي فعّلوه ، وما اختلف من القرآن ‏عطلوه بنظرية الناسخ والمنسوخ... والسبب في ذلك هو الإصابة المرضية التي أصابت الشعوب بعدما احتلها العرب هؤلاء الجرذان الصحراوية التي ‏قفزت من الصحراء بالسيوف على ظهور الحمير والبغال على المجتمعات المدنية في الشام والعراق ومصر وإفريقيا فأفزعتها وأحدثت لديها صدمة نفسية ‏عميقة في الوعي الجمعي أصابتها بمتلازمة ستوكهولم العربية، تلك الحالة المرضية النفسية التي شرحناها في سلسلة المقالات الأولى بعنوان " غبار الاحتلال ‏العربي" .‏

‏ ... والحقيقة ليست في أن التفسير خطأ ولكن في انحراف النفوس التي اقتنعت بهذا الخطأ وجعلتها تغير قناعتها من فكرة قيام المجتمع على السلام ‏إلى فكرة قيامه على الحرب الدائمة مع شعوب الجوار فقط!، فإذا لم تكن النفوس قد مالت بداهة إلى مفهوم الحربية الدائمة لكان مستحيلاً اقتناعها بهذا ‏التفسير الخاطئ. إنما هو تفسير خاطئ لكنه استمر لأنه وافق النفوس والغريزة النرجسية الحربية.‏

فيقول هذا الفريق الذي يتزعمه الإمام أبو حنيفة، وبعض أئمة الزيدية، ويرى هذا الفريق ضرورة التمييز بين حالتين، بين حالةٍ يكون فيها الكُفار ‏أو أهل الحرب متاخمين للمسلمين، أي الجوار الملاصق عن قرب بلا فاصل أو حدود جغرافية بين المجتمعات، المسلمين وغير المسلمين، فقالوا أن الأصل ‏في هذه الحالة الحرب لا السلام بشرط أن تكون الحرب دوّارة بالأولوية أي قتل الأقرب فالأقرب! ‏

وفي الواقع فإن هذا الفكر العدواني الغريب خارج تماماً عن معاني الإنسانية والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، هو فقط نابع من النفوس التي ‏حبذت قتل الشعوب المجاورة وأوجدت لها مبرراً من الدين للاستفادة من الجزية والغنائم والسبايا من الأطفال والنساء الحسناوات، هذا المبرر كما زعموا ‏هو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) 23/التوبة، فاعتبروا بذلك الشعوب ‏الجتاورة لهم "كفار ووجب قتلهم بالدور وعلى التوالي، واعتبروا أنفسهم هم المتقين الذين يبقى اهأر معهم في قتل هؤلاء الأبرياء.. فكما قلنا مسبقاً أن ‏هؤلاء العشيرة التي نسميهم صحابة، ما هم إلا عصابة بدوية برية شرسة لا تألف الحياة المدنية، بل هي معادية للبشرية والحضارة ومنعدمة الحس ‏الإنساني... ‏

أما إذا كان هُناك ثمة فاصل بين دار الإسلام ودار الكُفر أو أهل الحرب بشكل عام، كصحراء أو بحار أو أي حواجز جغرافية، فالأصل يكون ‏السلام لا الحرب ! (إشارة: دار الكفر عند الفقهاء هي هي دار الحرب أو هي البلاد الحربية التي يسكنها أهل الكفر، فلا يشترط الفقهاء لوصف بلد ‏ما بأنها بلد حربية أن يكون جيشها ملتحماً مع الجيش المسلم، بل فقط أن تكون بل غير مسلمة ولا تربطها معاهدات مع أي دولة مسلمة ! هذا هو ‏مفهوم الفقهاء للبلاد الحربية، وهذا المفهوم نابع من الغريزة النرجسية في إقصاء الغير وعدم الاعتراف به ومعاملته على أنه عدو ما لم يقدم ولاء الطاعة)‏

برغم أن المنطق الرباني والفطرة تقول أن الجوار أولى بالحسنى، لكنهم قالوا بأن الجار أولى بالحرب! وبهذه الفلسفة العكسية انقلب العرب عن منهج ‏الإسلام، وقد بدأ هذا الانقلاب في المجتمع العربي من لحظة احتضار الرسول محمد عليه السلام، واستمر تحول الصحابة عن المنهج واندماجهم في ثقافة ‏مجتمعهم الأصلي مع سيطرة فلول قريش على المشهد السياسي لدرجة أنهم برعوا في فنون السياسية والحرب وجعلوا لكل ذلك تخريجاً دينياً سائغاً في ‏نفوس الجميع. وفيما يلي سنوضح الخطأ في فهم الآية التي اصطدموا بها فشرعوا الحرب الدائمة على المجتمعات المجاورة وشرعوا السلام الاجتماعي فقط ‏للشعوب البعيدة عنهم.‏

أما الفريق الثالث من العلماء يرفضون الاقتناع بهذا الفكر العدواني، فهم يرون أن الله لم ينزل الإسلام ليعلن الحرب الدائمة على الشعوب الآمنة، ‏ويرى هذا الفريق أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هي السلام لا الحرب، وبهِ قال عدد قليل من العلماء منهم سُفيان الثوري والأوزاعي ‏وابن شُبرُمة، ومن المعاصرين جمعٌ غفير، بداية من العلامة محمد عبده، وتلميذهُ رشيد محمد رضا، وإمام الأزهر محمد الخضر حسين، والشيخ محمود شلتوت ‏شيخ الأزهر في وقتهِ أيضاً ، والعلامة مُحمد عبد الله دراز، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور محمد أبو زهُرة، والدكتور مصطفى السباعي، الشيخ مُحمد ‏الغزالي، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، و وهبة الزُحيلي، والدكتور محمد البهي، والشيخ سيد سابق، كثيرون من المعاصرين ذهبوا هذا المذهب، أن ‏الأصل في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين هي السلام وليس الحرب .‏

وهنا يتضح بجلاء أن أغلبية الفقهاء القدامى اعتقدوا بأن العلاقة بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات قائمة على الحرب الدائمة مرضاة لله ‏وطمعاً في الجنة والحور الحين، وفي الدنيا سبايا وغنائم وجزية وخراج وعبيد وخير كثير!، ثم بدأ تراجع العلماء بداية من عصر التنوير الذي بدأه الشيخ ‏محمد عبده الذي نفض غبار التراث عن الدين، واستمرت حركة التنوير، لكن بقى بعض المتأخرين فكرياً والمتشبثون بجلابيب السلف يصرون على التأكيد ‏على أن علاقة الإسلام بالمجتمعات هي علاقة حربٍ دائمة وليست قائمة على السلام الاجتماعي، وأنهم إذا تركوها للسلام الاجتماعي يصبحون بذلك ‏مقصرين في حق الله لأنهم لم يقتلوا المخالفين لهم ! هؤلاء المتأخرين فكرياً لا يطيعون الله بقدر ما يلبون رغبة نفوسهم الدموية التي تطيع السلف والخلف، ‏ولا يعبدون الله إلا كما ألفوا آباءهم يعبدون، يرون أن اتباع منهج السلف هو المنقذ في الحياة، ويطلقون على البلدان والشعوب التي لا تربط المسلمين ‏بهم معاهدات أو اتفاقيات تعاون، يطلقون عليها مسمى "البلاد الحربية" هذا المصطلح اخترعه السابقون للتعبير عن رؤيتهم لموقف الإسلام من شعوب ‏العالم، فكل شعوب العالم في نظرهم بلاد حربية ما لم يكن هناك معاهدة معهم تقيد المسلمين عن حربهم! وكل بلد لم يلتزم المسلمون معه بمعاهدات ‏سلام فهو بلد حربي، أي تكون المعاملة مع أهله على أنهم أعداء وتحل أموالهم وأنفسهم وإعلان الحرب عليهم واجب مقدس ! هذا هو تاريخ بني أمية ‏الإجرامي الذي تحوّل إلى دين عشقه الفقهاء وتغزلوا فيه على مدار الزمان.‏

هذه خلاصة المذاهب والأقوال في هذه المسألة، خاصة الفريق الأول وهو في الحقيقة الفريق الذي سيطرت أفكاره على شعوب المسلمين، والذي ‏ذهب إلى أن الأصل بين الشعوب هو الحرب لا السلام، وهو ما لا نستريح إليه مبدئياً، لأنه ببساطة إذا جاء أعرابي مثل عمرو العاص يأمرني باتباع ‏دين يكلفني بمهمة إيمانية هي قتل الناس من أجل اههو، فما يجبرني على اعتناق هذا الدين القذر ؟! ومن يثبت لي أنه دين من عند اهي أصلاً، فكيف يخلق ‏اهبا بشراً ويتعب نفسه في تسويتهم بأحسن صورة كما قال ثم يأمرني بقتلهم حصاداً؟! وفي النهاية نكتشف أن هذا ليس دين اهكَ إنما هو دين الصحابة ‏العرب... لكن نفوس الفقهاء استراحت كلياً لهذا الرأي كمبدأ عام برغم أن الله يقول: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، لكنهم حاولوا قدر جهدهم ‏تكييف القضية بقدر ما تستريح له نفوسهم، فابتكروا فكرة نسخ الآيات ليصلوا إلى النتيجة المرجوة، حتى ولو خرجوا عن موضوعية النص القرآني، فقد ‏تمكنوا من تخريجه بالطريقة التي استراحت لها نفوسهم. بل وصل الأمر إلى الادعاء بأن كافة المعارك التي دخلها النبي ص كانت هجومية وليست دفاعاً ‏شرعياً، بل إن هناك منهم الكثير من يغضب إذا قلنا بأن معارك الرسول كانت دفاعية ! برغم أن الرسول في حياته كاملة لم يعتد على أحد، لكنهم رغبوا ‏أن يكون عدوانياً ليبرروا عدوانيتهم الكامنة في نفوسهم. ثم يعودون للقول بأن للحرب في الإسلام أحكامٌ وآداب، لكن كيف تكون الحرب هجومية، ‏وفي ذات الوقت تلتزم بتعاليم الإسلام بعدم العدوان؟ أليس فعل الهجوم والمبادرة في حد ذاته عدوان؟ وكيف تكون للحرب آداب وأحكام دينية وفي ‏ذات الوقت تبيح السلب والنهب وخطف الأطفال والنساء واغتصابهن واستعبادهن؟

‏(لم ينتهِ لقاؤنا... سيدي القارئ العزيز، أذكرك بأن الخطاب هنا ليس تنحية للدين جانباً عن الحياة وليس دعوة للعلمانية والتحلل من العبادة، بل ‏هو إنقاذ للدين مما علق به من تراث وعادت البدو العرب الذين بُعث فيهم النبي لهدايتهم وما اهتدوا... لأن التدين حتماً يوجب التحضر والتسامح ‏والارتقاء، وهذا يختلف عن الفكر البدوي الذي خلطه العرب على الدين الإسلامي فجعلوه ديناً بدوياً برياً يحمل ملامحهم هم وليس ملامح الله... فهم ‏قد طمسوا هوية الشعوب التي احتلوها وحكموها عنوة وكسروا إرادتها ومنعوا أبناء هذه الشعوب من حكم بلادهم بأنفسهم وتسلطوا عليهم وحصّلوا ‏خيرات بلادهم ومجهودهم الاقتصادي لينفقوا منه على قصورهم ونسائهم، وفي ذات الوقت طمسوا هوية الدين وطمسوا ملامحه وقيمه ومبادئه تعطلت ‏لتتلاءم مع ظروف المجتمع البري الصحراوي الطائش الذي يبغض المدنية بطبعه ويأنف من فكرة الحضارة. فلا يمكن أن يقتنع عقل بأن الإسلام يأمر بأن ‏تكون علاقة المجتمعات ببعضها قائمة على أساس الحرب الدائمة أبداً، إلا إذا كان ذلك الفكر نابع من عقلية حربية برية شرسة من منبتها ومنبعها... ‏وفي المقالة التالية سنتعرف على الكلمة التي غير العرب تفسيرها في القرآن ففتحت لهم أبواب المال والنساء على مصراعيها.. هذه الكلمة قلبت الدين ‏رأساً على عقب جعلته أداة للفجور بدلاً من إصلاح النفوس، لكن الفقهاء لم يستطيعوا استخلاص المعنى الأصلي الحقيقي لها، لأنه يتناقض مع ما فعله ‏الصحابة الكرام... وهم يعبدون الصحابة كوسيلة لعبادة الله، ولم يتوقعوا أن تكون الوسيلة منتهية الصلاحية، فظلوا يشربون وينهلون من معينها حتى ‏فسدت بطونهم وعقولهم ، فنتمنى لهم شفاءً عاجلاً من هذا السم الذي تجرعوه رغماً عن إرادتهم... بتصرف من كتابنا؛ غُبار الاحتلال العربي)‏




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,247,912
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (6)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (5)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (4)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (2)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏
- الخليفة الذي زحف على بطنه داخل الهرم
- جلالة الملك المظلوم
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (2)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (4)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- النهج الديمقراطي يدين الزيادة في أسعار زيت المائدة ويعبر عن ...
- التنوير في الأدب البحريني ( 2- 2)
- الأزياء حكايات
- البطالة قلق دائم لشباب البحرين
- المجتمع الأمريكي بين الإنقسام والديمقراطية المعتدلة
- فنجان قهوة
- حامل في زمن “كوفيد”
- مطر صيف
- التغيير الوزاري.. لماذا وكيف؟!
- كذب أبيض


المزيد.....

- الحركة الاجتماعية بين التغيير السلمي وراديكالية الثورة / زهير الخويلدي
- النظرية والتطبيق عند عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني / عيبان محمد السامعي
- أسباب ثورة 14 تموز 1958، (الوضع قبل الثورة)* / عبدالخالق حسين
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - الجزء الثاني / احمد حسن
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - مقدمة جوروج نوفاك / احمد حسن
- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - كيف أصبح تاريخ العرب ديناً للشعوب !‏ (1)