أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (6)‏















المزيد.....



بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (6)‏


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6250 - 2019 / 6 / 4 - 16:24
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


عرفنا في المقالات السابقة ويلات الاحتلال العربي وغباره وآثاره على العقلية المدنية الحضارية التي تتمتع بها الشعوب المدنية مثل العراقيين ‏والشاميين وإخوانهم المصريين، فهذه شعوب مدنية حضارية تستوطن على ضفاف الأنهار وتبني وتعمر حضارات مدنية، بينما العقلية البدوية الصحراوية ‏التي جاء منها العرب ليس من أبجدياتها فكرة البناء الحضاري من الأساس لأنها عقلية منبطحة أفقياً ولا تنموا رأسياً مثل النباتات ذات السيقان، وإنما ‏تنموا فقط أفقياً مثل النباتات الزاحفة من عينة الحنظل والأشواك الزاحفة.. هذه الأشواك الزاحفة تقافزت على المدنية المجاورة لها فاحتلت أوطانها ‏وسيطرت عليها واستمر سلبها ونهبها حقبة من الزمن حتى استوطنت ثقافتها وأصبح أبناء هذه الشعوب يفكرون بهذه العقلية البدوية الفقيرة المعادية ‏للحضارات المدنية... بل صار أبناء هذه الشعوب المغبونة يعتبرون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وعمرو وخالد أبطال قوميين ورموز قومية ، ‏وأعطوهم من درجات القدسية 100% ، بينما هم بمعيار الحضارة والعدل والرحمة والقيم الإنسانية المدنية سيهبطون بالجملة إلى سالب 100% ، لأنهم ‏نبتوا من جذر نبات الحنظل العربي الصحراوي، لكن أبناء هذه الشعوب المغبونة لن يدركوا ذلك إلا بعد أن ينقشع الغبار عن عقولهم ليروا الحقيقة جلية ‏ناصعة، ويدركوا أنه هؤلاء الصحابة تحولوا عن منج الإسلام بعد رحيل النبي بدرجة 99% مما كان عليه منهجه. بعدما تفيق أجيال هذه الشعوب من ‏غفلتها خلال المائتي عام القادمة ستدرك تلقائياً أن الصحابة الكرام لا يختلفون عن زعماء الهكسوس قيد أنملة، فهم ملوك رعاة بدو كما الهكسوس ‏تماماً. وبسبب كونهم رعاة بدو قساة القلب نزل الإسلام عليهم ليغير من حياتهم ويعالجهم لأنهم كانوا مرضى عقائدياً وسلوكياً، لكن كيف للمريض بعد ‏تلقي العلاج أن يتحول طبيباً استشارياً يعالج الشعوب المدنية ؟!! وستكتشف الأجيال القادمة بأنهم بمجرد أن يحذفوا تاريخ هؤلاء الصحابة من كتب ‏الدين الإسلامي سينتشر الإسلام في العالم بأسرع من المكوك، لأن العالم في هذا الوقت سيتعرف على حقيقة الدين الإنساني الرقيق الكامل الذي لم ‏تعبث به يد بشرية، فالصحابة وتاريخهم هم العقبة الكؤد أمام انتشار الدين في العالم، وهم السبب المباشر في بروز ظاهرة الإسلاموفوبيا ، وتقديسهم هو ‏السبب المباشر في تخلف وتأخر هذه الشعوب المغبونة، لأنهم يحبون الصحابة ويقدسون تاريخهم أكثر من معاني القرآن ولهذا لم يستطيعوا فهم القرآن بما ‏يخالف تصرفات الصحابة وجعلوا تصرفات الصحابة البرية غير الإنسانية معياراً للقرآن ذاته وفي ضوئها يفسرون كلام الله، برغم أن النبي رفض تفسير ‏كلام الله في ضوء فهمه هو!. هؤلاء الصحابة وتاريخهم مثّلوا العربة التي تقف أمام الحصان، لكن في الواقع فإن هذه المقولة غير دقيقة، لأننا نحن من ‏وضعنا العربة أمام حصانين اثنين، الأول حصان الحضارة والثاني حصان الدين، فقدسنا العربة ووضعناها أمامنا للسجود كما فعل يعقوب مع ابنه ‏يوسف، ولهذا كان جزؤنا غياهب الجُب ، وتعطل الدين وتعطلت الحضارة.‏

والغريب أن جامعة الأزهر منذ نشأتها من ألف عام، وهي المؤسسة التعليمية الوحيدة في مصر على مدار هذا الألف عام، نبذت كل أنواع المعارف ‏والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، (في ذات الوقت الذي تم فيه إعدام اللغة الفرعونية واعتماد اللغة العربية في مصر) فقط اهتم الأزهر بتدريس علوم ‏الدين باعتبارها ما يستحق أن يسمى علم، أما جوانب المعرفة الأخرى فلا وجود لها في الحياة، ما عدا قسم التاريخ والأدب العربي !! ورفضت تدريس ‏العلم للبنات واقتصرت على الذكور فقط. وهذا ما يؤكد أنها تدرس ثقافة العرب بملامحهم الثقافية وعللهم النفسية وليس الدين الإسلامي؛ فما زالت ‏جامعة الأزهر إلى اليوم تهتم جداً بتدريس هذا التاريخ الأعرابي البدوي القميء باعتباره " تاريخ الإسلام " أو تحت مسمى " تاريخ الدولة الإسلامية"، ‏وتفرغ له قسماً خاصاً بكلية اللغة العربية بكل فروع جامعة الأزهر التي تتجاوز 2400 فرع حول العالم ! ويتفرغ له أطقم كاملة من الأساتذة والباحثين.. ‏وكل يومٌ تُعقد المؤتمرات واللجان العلمية لمناقشة رسائل علمية، ماجستير ودكتوراه وأبحاث أخرى لترقية هيئة التدريس! قسم كامل بكل أعضاءه وطلابه ‏وميزانية كاملة بكل كلية بكل فرع من فروع جامعة الأزهر مخصص لتدريس هذا الوهم باعتباره " علم " ! يستحق التفرغ من أجله وتخريج أجيال من ‏العلماء والباحثين عن فرصة عمل! وهو في الواقع غبار ثقافي يمثل عوامل هدم فكري في المجتمع كما فيروس سي النشط. لأنه يعيد العقل إلى الوراء جذباً ‏روحياً ويمنعه من التقدم سوى بحدود التصورات والفلسفة والذكريات من بقايا ونفايات الصحراء والعرب الجاهليين والأمويين والعباسيين والتي تشحن ‏عقول الشباب بها كل يوم ! برغم أننا لو وضعنا القومية العربية في ميزان العدالة الإنسانية بمعايير حقوق الإنسان التي اعتمدتها مواثيق الأمم المتحدة، ‏سنخرج بنتائج صادمة للغاية، وسنكتشف أن هؤلاء العرب ما هم إلا عشيرة غجرية مجرمة منذ عصر الجاهلية، وجاءت بعثة النبي محمد عليه السلام ‏لتنتشلهم من هذه البيئة الفاجرة، لكنهم الصحابة العرب صاروا أكثر إجراماً وسفكاً للدماء وهتكاً للأعراض ونهباً للأموال .. فمن نقدسهم بأنهم صحابة ‏ورضي الله عنهم، ونصفهم بأنهم خلفاء راشدين وآباء روحيين من أبي بكر وعمر وعثمان وعمرو وخالد وغيره، ستخبرنا مواثيق حقوق الإنسان الدولية بأنهم حفنة من مجرمي ‏الحرب الذين سفكوا الكثير والكثير من الدماء البريئة !! وخلفوا وراءهم الكثير والكثير من الغبار الفكري ، فكيف يكون ديننا مصدره مجرمي حرب في ‏نظر مواثيق حقوق الإنسان الدولية ؟! ... وبالتأكيد أن هذه المواثيق هي المجرمة وليس الصحابة .. ولن يمكننا بناء حضارة إلا بعدما نفهم الفرق بين ‏الصحابة والهكسوس.‏

ولكل قارئ أن يتساءل لماذا تركت الجامعة كل أنواع المعارف والعلوم واعتبرتها مجرد حرف أو صنائع عديمة القيمة وأن العلم هو الدين فقط، مع أن ‏كافة فروع المعرفة ضرورية للحياة وضرورية لبناء الحضارة بذات الدرجة، فكما أوضحنا أن المعرفة في هذه الحياة تنقسم إلى قسمين رئيسيين هما المعرفة ‏الإنسانية والمعرفة الطبيعية، وعرفنا أن المعرفة الطبيعية هي الفيزياء والكيمياء والطب والأحياء والهندسة والفلك وغيرها، أما المعرفة الإنسانية فتشمل ‏الفلسفة والأخلاق وعلم النفس وعلم الاجتماع والقانون والتاريخ والأدب والفنون والأديان وغيرها من المعرفة السائلة. وعرفنا أنه لا يمكن أن تنهض ‏حضارة إلا بهذه العلوم متوازية، ولا بد أن تكون العلوم الطبيعية في الصدارة لأنها هي العمود الفقري لقطار الحضارة. ولكن دعنا نفترض أن جامعة ‏الأزهر كانت متخصصة حصراً في تدريس علوم الدين، وهذا يؤكد إهمال الدولة والمجتمع بالكامل لكافة أنواع المعرفة الأخرى لأن العقل المصري الجمعي ‏كان في مرحلة سكون لمدة ألفي عام، فلماذا اهتمت جامعة الأزهر بتدريس المعرفة التاريخية حصراً؟ هل لأن التاريخ أهم من الطب مثلاً؟.. بالفعل، لأن ‏هذا التاريخ ، التاريخ العربي المسمى لديهم باسم الدين هو مصدر للعديد من القواعد الفقهية وينسجم مع الفتاوى الدينية التي يدرسها الطلاب في ‏الأزهر، بما فيه من إجرام وانحراف وقصور واعوجاج.. هذا التاريخ هو الغبار الثقافي الذي تخلف عن حملات الاحتلال العربي لمصر وغيرها، فقد رحل ‏العرب وعادوا إلى الصحراء بينما بقى غبارهم ينتشر في الأجواء لتتنفسه الأجيال متتابعة جيل بعد الآخر، وكأننا نعيش حالة من العبودية للعرب وفق ‏مفهوم " عبودية الأمم" ولهذا نقول أن الاحتلال العربي لمصر لم يرحل من مصر طالما مازلنا نتنفس غباره. ‏

وإن رحل الاحتلال العربي فعلياً فما زال غباره يحجب الرؤية في الأجواء.. ما زالت كتل من الضباب والغبار العربي تحجب عقولنا عن المستقبل، ‏فتظل العقول تشعر بالدفء تحت هذا الغبار وتنظر إلى هذا الماضي الكسيح نظرة حنين وشوق باعتباره العصر الذهبي للدين، دون أن ندرك أنه محض ‏سراب، فلا هو تاريخ الإسلام وإنما تاريخ عصابات من الغربان الصحراوية القرشية، وليس فيه أي قيمة إنسانية أو حضارية قد تساعدنا نحن المصريين ‏على العبور من نفق العصور الوسطى المظلم هذا، فطالما استشعرنا الدفء تحت هذا الغبار الثقافي، وطالما استعذبنا هذا الزفير العربي القرشي، فلا يمكن ‏لنا إلا أن نفكر بالعقلية التي فكروا بها، بعدما شحنت عقولنا بنوستالجيا الغبار العربي واعتبرناه جزء ومكون رئيس من ثقافتنا، واعتبرناه جزء من قوميتنا ‏أو نسبنا أنفسنا لهذا الغبار!، بينما هم في الواقع شعب صحراوي بدوي وليس من شعوب الحضارات، له مكونات نفسية وعقلية نظرية مختلفة وجينات ‏وراثية ليست كما شعوب الحضارات، وهم من نسيج ثقافي واجتماعي وعقلي مختلف كلياً عنّا، وفي تماس وتوازي مع شعب الهكسوس القديم.. فنحن ‏لدينا الاستعداد الوراثي الجيني لبناء حضارة بينما هم جيناتهم لا تسمح بذلك، فلماذا نترك ثروتنا هذه ونعتنق غبارهم!.. وأتحدى أي قارئ وباحث أن ‏يبحث في التاريخ المصري تحت الحكم العربي (حقبة الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين حتى عصر أحمد ابن طولون الذي استقل بمصر عن الدولة ‏العباسية) أن يدرّس تاريخ الحكام العرب وسلالة قريش في مصر ويخرج بأي إنجاز ثقافي أو اقتصادي قام به أبناء قريش في مصر.. فجميع المصادر ‏التاريخية (ابن أياس وعبد اللطيف والمقريزي وابن عبد الحكم وغيره.)لا تذكر إلا أن هذه الحقبة كانت نكبة على المصريين وحلبة صراع سياسي وثروات ‏وتمرد واغتيالات سياسية قرشية قذرة وعنصرية فجة وانهيار في أحوال المصريين، لكن كتب التاريخ التي درسناها في مدارسنا تتجاهل الشأن المصري وحجم ‏الذل والقهر والقمع العربي وتخجل منه، وتترك هذه الحقبة العفنة من تاريخ المصريين وتضع مكانها إنجازات الخلفاء العباسيين في العراق في غزو الشعوب ‏المجاورة باعتبار ذلك انتصارات إسلامية! ‏

في الواقع ما ذلك إلا آثار خضوع ثقافي للاحتلال العربي، فالكثير منّا لا يجرؤ على انتقاد حكام قريش في مصر خوفاً من المؤسسة الدينية التي ‏تعتبر ذلك حكماً إسلامياً، ومازال أغلبنا مصاباً بمتلازمة ستوكهولم، حتى وإن زال الاحتلال العربي فعلياً من ناحية القوة المادية، لكن استمر غبار ‏الاحتلال بالقوة المعنوية المتمثلة في تبني ثقافة العرب وتمنى الافتخار بالعرب ومجدهم وأشعارهم ولغتهم، لأنه منذ البداية نحن المصريين لم نختر اللغة العربية ‏بديلة عن لغتنا المصرية الفرعونية المغروسة في عروقنا ونسيجنا الذهني، بل إن اللغة العربية فرضها علينا العرب عند دخولهم مصر بالقوة الجبرية، وبمرور ‏الوقت استعذبنا هذه اللغة وتعايشنا معها وصار مجدها مجداً لنا. حيث كانت البداية مع موظفي الحكومة المصرية الذين بيدهم دفاتر وسجلات الدولة ‏وحصر السكان والأراضي والأملاك والضرائب، ثم بدخول العرب أول شيء فكروا فيه هو تعريب هذه السجلات كي يتمكنوا من حصر ثروة المصريين، ‏وتعلم العرب منهم العلوم الإدارية والمالية، ثم فرضوا على الموظفين المصريين تعلم اللغة العربية وإلا سيتم فصلهم من العمل، وهو ما يهدد حياتهم وأسرهم ‏فاضطروا للاستمرار في عملهم باللغة العربية، ثم فرضوا على المصريين الصلاة باللغة العربية (مسلمين ومسيحيين في المساجد والكنائس)، ولم يسمحوا ‏للمسلمين المصريين أن يصلوا بلغتهم المصرية، لأن العرب بطبيعتهم النرجسية والتعالي، فاعتبروا استخدام لغة غير لغتهم هو انتقاص من شأنهم، مع أن ‏هذا حق الشعوب أن تستخدم لغاتها التي خلقها الله عليها، واستمر المصريين على هذا الوضع يستخدمون لغتهم على استحياء، حتى 400 عام وجاء ‏الحاكم بأمر الله وأمر بحظر استخدام اللغة المصرية وعقاب من يتحدث بها. وفي الواقع لم يكن الإكراه في الدين مباشرة لكن كان ضغوط اقتصادية ‏واستنزاف، بالإضافة إلى الإكراه في اللغة بالأمر المباشر الذي وصل إلى الإكراه في الصلاة باللغة العربية ومنع الصلاة باللغة المصرية، مع أن المصريين في ‏هذا الوقت كانوا يتقربون من العرب خوفاً من جبروتهم . وهذا ليس دفاعاً عن المسيحيين أو حقوقهم في الصلاة بلغتهم، ولكن دفاع عن الإسلام ضد ‏العرب لأن الإسلام أعظم شأناً وأجل قيماً مما فعله العرب باسم الدين. فالإسلام ليس بحاجة إلى التفوق بإضعاف غيره والاستقواء عليه، إنما الإسلام ‏قوي، والقوي من سماته العطاء وليس المنع والحظر.‏

هذه المتلازمة النفسية ربما تفسر خضوع المصريين للغبار الثقافي العربي واعتباره جزء أصيل من الثقافة والقومية المصرية، برغم أن العرب في الواقع ‏كانوا محتلين لمصر، وربما لم تقع معارك مباشرة بين العرب والمصريين، لكنها وقعت بين العرب والرومان في مصر وقتها، ورحل الرومان وحل العرب ‏المحتلين محلهم، وانشغلوا بجمع الجبايات والضرائب والإتاوات والجزية من المصريين، وبنو لهم معسكراً خارج القاهرة، كانوا يخرجون منه بحملاتٍ عسكرية ‏فقط لجمع الجبايات ووأد الثورات وحركات التمرد، ومع ذلك اعتبرناهم فاتحين نشروا الإسلام في بلادنا فهم أبطال ! فهل لم يكن ممكناً نشر الإسلام في ‏مصر على منبر الدعوة ودون جيوش أصلاً ودون جبايات ودون ضرائب وإتاوات ودون اغتصاب سلطة حكم البلاد والإدارة؟ هل كان المصريون يحبون ‏العرب في هذا الوقت؟ فلماذا لم يعتنقوا الدين الإسلامي إلا بعد 400 سنة؟ وفترة الأربعمائة عام هي عمر الدولة العربية الفعلي، وبمجرد أن سقطت ‏الهيمنة العربية أقبل الناس على الدين، وبالطبع فإن معاملة أي محتل تكون بالقوة الجبرية، خاصة أن العرب اغتصبوا سلطة الحكم ومارسوا دور الحاكم ‏الآمر الناهي وجمع الضرائب والجبايات من المصريين بالقوة الجبرية وقمعوا ثورات المصريين بمجازر دموية، ومع ذلك ما زلنا ندرس تاريخهم على أنه تاريخ ‏الإسلام ونشعر مع هذا التاريخ بالمودة والحمية والقدسية الدينية ونصفهم بأنهم كانوا فاتحين وليسوا محتلين! ونعتبر كل إساءة لهم إساءة للدين، ذلك ‏لأننا لم نستخلص الدين نقياً وإنما تبنينا ثقافتهم.‏

بل إن الأمر وصل بشيخ الأزهر الأسبق حسن العطار إلى أن ألّف كتاباً يدافع فيه عن الاحتلال العثماني لمصر ويصفه بأنه فتح! وأطلق عليه ‏مصطلح الفتح العثماني لمصر ! لأنه لا يختلف عن" الفتح العربي لمصر" فهل كانت مصر كافرة ليفتحها العثمانيون ؟ كان المصريون مسلمون وقت ‏دخول العثمانيون، فهل كانوا يعرفون عن الإسلام أكثر مما يعرف المصريون؟ بالطبع المصريون أقدم منهم في الإسلام بأكثر من ثمانمائة عام وكان ‏العثمانيون حديثي عهد بالإسلام! فكيف سماه الشيخ العطار " فتح عثماني؟ برغم أن الاحتلال العثماني مص كل موارد الاقتصاد المصري ودفعها إلى ‏عاصمته الأستانة، وصادر الحرفيين والعلماء والفنانين وكل من له صنعة أو مهنة مميزة تم نقله إلى الأستانة لتكون مركز للنشاط الثقافي والاقتصادي ‏العثماني، بينما ترك العثمانيون لمصر فقط عوائد الضرائب لـ 22 قرية فقط تنفق على (الكتاتيب والسُبل "التي تحمل اسم الخليفة العثماني") في مصر ‏وباقي الضرائب يتم مصادرتها إلى تركيا ! ثم يأتي شيخ الأزهر ليدافع عن تركيا ويقول إنه " فتح ". فقط يمكن تفسير ذلك بالرجوع إلى النفسية المازوخية ‏التي فسرتها متلازمة ستوكهولم‎ ‎لا غير.. لأن أكثر فئات المجتمع المصري التي تستلذ بالمازوخية والخضوع هم رجال الأزهر، فيعتبرون الخضوع للحاكم ‏خضوعاً لله، وبما أنهم غارقون بنوستالجيا الخلافة العربية، وما زالت عدوى ستوكهولم تلاحقهم، فقد انتقلت الخلافة من العراق إلى بغداد فهم معها، وبما ‏أن مفهوم الحاكم لديهم ليس له شرعية وإنما شرعية الحاكم هي الغلبة.‏

فنقرأ بعض مقتطفات ضئيلة عن الخليفة العثماني، سليم الأول، ويذكر المؤرخ قول سليم حين كان في معسكره قبل دخول القاهرة: «غدًا أدخل ‏مصر فأحرق بيوتها وألعب بالسيف في أهلها‎» ‎، بينما كان يشق القاهرة بموكبه ويقف المؤرخ المصري ابن إياس ليصفه فيقول: في الثالث من محرم ‏‏923هـ، شق سليم الأول القاهرة من باب النصر بموكب عظيم وصولًا إلى بولاق حيث أقام معسكره. ويصفه ابن إياس قائلا‎:‎‏" ذري اللون، حليق الذقن، ‏وافر الأنف، واسع العينين، قصير القامة، في ظهره حَنية، عنده خفة ورهج، كثير التلفت إذا ركب الفرس، له من العمر نحو أربعين سنة أو دون ذلك، ‏وليس له نظام يُعرَف مثل الملوك السالفة، غير أنه سيئ الخلق سفّاك للدماء شديد الغضب لا يراجَع في قول". ‏
وفي الخامس من محرم، بعد صلاة العشاء، باغت طومان باي بقواته معسكر سليم، وكان مع طومان باي العوام يرمون العثمانيين بالحجارة. ‏فانسحب العثمانيون من مساحات واسعة، وسيطر المماليك على القاهرة جزئيًا وصاروا «يكبسون الحارات في طلب العثمانية». ثم كر العثمانيون على ‏المماليك فطردوهم من الجزيرة الوسطى بالنيل ومن بولاق، وشنوا هجمة انتقامية على إحدى الزوايا في منطقة الناصرية، وأوقعوا بمن بها من العامة مذبحة ‏مروعة‎.‎

وحاول طومان باي أن يتحصن بقواته في بعض الجوامع الكبيرة، ولكن داهم العثمانيون المساجد وسيطروا على منطقة مصر العتيقة واقتحموا ‏ضريح السيدة نفيسة وداسوا قبرها ونهبوا ما به، ثم توجهوا لمسجد المؤيد واعتلى قناصتهم مئذنته وفتحوا منها الرصاص على الأهالي لمنعهم من اقتحام ‏باب زويلة لمساعدة طومان باي ورجاله، حتى صعد هؤلاء الأخارى إلى المئذنة وقتلوا من بها من قناصة‎.‎‏.. ثم تراجع المماليك عن القاهرة التي تملكها ‏سليم الأول مرة ثانية بعد ثلاثة أيام دامية. واندفع جنود الجيش العثماني يعيثون في القاهرة ويحرقون المساجد التي كان المماليك يتحصنون بها ويقتلون ‏من يقابلون من الأهالي حتى عدد ابن إياس من قتلوا في تلك الواقعة بنحو العشرة آلاف‎!‎

ثم داهموا الجامع الأزهر ومسجد الحاكم بأمر الله وجامع أحمد بن طولون وعدة من المساجد والمزارات يفتشون فيها عن المماليك، وتكررت مشاهد ‏كبس الحارات والبيوت وترويع الأهالي وقتلهم ظلمًا. وكان من يؤسَر يؤخَذ لمعسكر سليم حيث يتم قطع رأسه وإلقاء جثته في النيل‎.‎‏.. ويسهب ابن ‏إياس في سرد تلك المذابح المروعة ثم يشبهها بواقعة غزو الملك البابلي نبوخذ نصر لمصر في العصور القديمة، وباجتياح هولاكو بغداد سابقًا. وأخيرًا، ‏يعلن السلطان سليم الأول الأمان وإيقاف القتال، وإن لم يتوقف اعتداء جنوده على العوام وسرقتهم و«تشليح ثيابهم» و«سرقة عمائمهم» في الطريق‎.‎

ثم تبدأ مطاردة العثمانيين للمماليك وانتهاكاتهم بحق المصريين. فقاموا بالقبض على قائد العسكر المصري والتنكيل به ثم قتله، ثم مداهمة الجند ‏للمدافن والحارات والاصطبلات بحثًا عمن اختبأ بها وقتله، بل وقتلهم من يشتبهون به، حتى قتل في تلك الواقعة بعض الأشراف ظلمًا. ولما تكاثرت ‏رؤوس القتلى نصب العثمانيون أعمدة علقوها عليها... وبينما كان السلطان العثماني سليم يعين الموظفين من قبله لحصر ثروات البلاد، كان جنوده ‏يستوقفون كل من يشتبهون به قائلين: «أنت جركسي»، فيقطعون رأسه أو يقولون له: «اشتر نفسك منا من القتل بشيء»، فيدفع لهم من المال ما ‏يفتدي به نفسه. كما داهموا بيوت السيدات النبيلات يستولون على ثرواتهن النقدية والعينية‎.‎‏.. (1)‏

والأغرب من الخيال أن العثمانيون أنفسهم يعترفون بأن دخولهم مصر كان احتلال بقوة السيف ! ومع كل ذلك استمر فقهاء الأزهر يحتفلون ‏بـ"الفتح العثماني لمصر" على غرار الفتوحات الإسلامية في بقاع الأرض، وخليفة عثماني على غرار الخلفاء الآخرين... حتى صار الفقهاء في الأزهر ‏يبحثون في " شرط قُرشية الخلافة " على اعتبار أن الأصل القرشي للخليفة طقساً دينياً بامتياز ولا يكتمل الدين إلا إذا كان الخليفة من أصل قرشي، ‏لكن بعدما ضعفت الخلافة العباسية القرشية في بغداد أصبح الفقهاء في مأزق، فعادوا وتفاهموا حول هذا الشرط وجعلوا له استثناء، وقالوا أن " شرط ‏قُرشية الخلافة " فيه خلاف بين العلماء وكلام كثير ينتهي بأن شرط القرشية ليس على إطلاقه لمن يحوز على مرتبة الخلافة، بل يجوز أن يكون الخليفة ‏عثمانياً ! فهو مشروط بتوافر أسباب القوة والحكم للحاكم القرشي كي يكون على رأس الدولة الإسلامية، وفي حين لم تتوافر أسباب القوة لقرشي (فلا ‏مانع من تولي غيره من خارج العرب كلهم طالما حاز أسباب الحكم)، أي أن الأصل الديني عندهم قرشي، والاستثناء لا مانع من قبول غيره إذا عجز ‏القرشي! وبعدما سقطت الدولة العباسية القرشية في العراق، وأصبحت القوة متوافرة حينها للحكام العثمانيين الذين نجحوا في غزو والسيطرة على هذه ‏المنطقة من الشعوب، قال علماء الأزهر هنا يجوز للخليفة " أمير المؤمنين" أن يكون عثماني تركي! ‏

وهذا في الواقع يثبت بجلاء أننا نتبنى ثقافة قريش العرب منذ أيام احتلالها لمصر على يد عمرو العاص، وما زلنا نستعذب ثقافتهم ونتبنى هذا ‏الغبار الثقافي ديناً لنا، ونعتبر نظام الحكم لديهم وهو "نظرية الخلافة " ديناً لنا، حتى بعدما تحولت إلى نظام عصابات مسلحة، أصبح شرعية الخليفة ‏بالغلبة ولمن تملك القوة والسيطرة بغض النظر عن حجم الدم.. !. فالقرآن يعلن أن التفاضل بين البشر عند الله يكون بالتقوى " يا أيها الناس إنا ‏خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، والخطاب للناس كافة"يا أيها الناس "، وبما أن التقوى ليست ‏مقياساً بشرياً بل إلهيا، " الله أعلم بمن اتقى" لذلك نهانا الله عن تزكية أنفسنا" ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء " فإن البشر عند ‏البشر متساوون مهما اختلفت لغاتهم وألوانهم وأجناسهم وعقائدهم، هذه القيمة القرآنية الأخلاقية والإنسانية، ومع ذلك جعل العرب أنفسهم أفضل ‏البشر وأحق الناس بالحكم والإمارة، وتبعهم الفقهاء في ذلك بروايات عنصرية تجعل العرب وقريش أفضل البشر‎.‎‏ وهذا ما يؤكد بيقين أن هذا الفكر ليس ‏ناتجاً عن إرادة حرة وإنما إرادة مُكرهة وخاضعة خضوعاً إرادياً بمؤثرات متلازمة ستوكهولم العربية، وأنهم اتخذوا من تاريخ العرب ديناً للشعوب دون أن ‏يدروا ماذا يصنعون لأنهم مغيبون في الواقع غيبوبة زمنية طويلة المدى.‏

‏ والغريب أن هذا الخبل العقلي ما زالت تقدمه وزارة التربية والتعليم كغذاء ثقافي للأطفال في المدارس في كتب التاريخ كي تتشكل عقلياتهم بروح ‏القومية العربية والخلافة الإسلامية!، والأغرب أن تحتفل مكتبة القاهرة الكبرى (2) بما أسمته ‏‎ "‎الفتح العثماني لمصر‎"‎، فهذه كارثة ثقافية وتاريخية بل وطنية ‏بكل المقاييس. أما الأعجب أنه لا العرب ولا العثمانيون فرضوا الاحتفال بجرائمهم في بلادنا، وإنما مازوخية الخضوع والتلذذ به وعدوى ستوكهولم هي ‏التي مازلت تحرك أفكارنا لأن أفكارنا ليست حرة،‎ ‎فالعرب لم يفرضوا علينا العيش في ظل هذا الغبار الثقافي، نحن من لجأنا إليه ولملمنا فضلاتهم ونفاياتهم ‏الثقافية وجرائمهم في حق شعبنا واحتضناها وفتحنا أقساماً في جامعاتنا لتدريسه! وهذه أزمة نفسية مصرية حتى النخاع نابعة من العقلية المصرية التي ‏صعدت القمة في العهد الفرعوني وجاء دورها لتهبط هبوطاً طويلاً جداً لثلاثة آلاف عام فقدت خلاله ثقتها وشعورها الذاتي بالانتماء لهذه الأرض، ‏فالإنسان لا يمكن أن يتبنى ثقافة غيره أو يستسلم لها ويتنكر لذاته وأصله إلا إذا كان يعاني أزمة وانهياراً نفسياً على المدى البعيد يجعله تابعاً لغيره غير ‏واثق في نفسه وإمكاناته ويفقد الجرأة في التعامل مع الحياة من حوله. وفي الواقع فإن مرحلة الهبوط الطويل هذه لا تنتهي فجأة، بل تدريجياً، فالشعب ‏المصري حتى عام 1800 كان خاضعاً خضوعاً كلياً (مادياً وثقافياً) للغير، فتوالى المستعمرين بالقوة المادية العسكرية والقوة المعنوية الثقافية معها، ثم ‏استقل الشعب المصري بحكم بلاده نصف استقلال من حيث القوة المادية بداية القرن الثامن عشر بظهور محمد علي، ثم في القرن العشرين استقل ‏استقلالاً مادياً كاملاً، وبدأت مرحلة الاستقلال الثقافي بثورة 25 يناير، حيث أن الشعب المصري بالفعل جيشه مصري وشرطته مصرية لكنه فعلياً لا ‏يملك توجيه هذه القوة المادية بقوته الثقافية المعنوية، فهو مستقل مادياً لكنه مازال خاضعاً ثقافياً وذهنياً، طالما لم يستطع بعقل السيطرة على قوته ‏المادية، والاستقلال الثقافي لا يكون فقط على المستوى السياسي بل استقلال من كافة المؤثرات الثقافية الأخرى، بما فيها آثار الغبار الثقافي للاحتلال ‏العربي الذي ما زلنا نستعذب العيش فيه، وسنظل نستعذب العيش فيه خلال القرن الحالي أيضاً؛ لأن العقل الجمعي كما الفردي سيكولوجياً له أطوار ‏ومراحل تدريجية متتابعة. ‏

أما المشكلة الأكبر، فهي أن هذه الحقبة التاريخية هي التي ظهر فيها الفقهاء الأربعة الكبار، وجميعهم مصابون بعدوى متلازمة ستوكهولم العربية ‏التي تعرضنا لشرحها بالتفصيل في المقالات السابقة، وشرعوا أحداثها السياسية والعسكرية وأقروها بأعرافها وتقاليدها باعتبارها قواعد شرعية، وما زال ‏هذا الفقه يدرس في الأزهر إلى اليوم، فيكون تاريخ هذه الحقبة هو تاريخ للإسلام، وفي الواقع هو متعلق بمناهج الفقه التي يدرسها الأزهر وليس متعلق ‏بالدين في شيء، وهذا ما جعل الفقه في الواقع جزء من نسيج التاريخ العربي وليس الإسلام. ‏

أما الجانب الآخر والذي لا يقل خطورة، فهو قسم اللغة العربية ذاتها؛ لأن الطلاب يدرسون اللغة العربية بخلفياتها الثقافية، وهذه الخلفية الثقافية ‏متمثلة في جانبين هم مركز الخطورة؛ أما الجانب الأول؛ فالخلفية الثقافية للغة العربية تضم ثقافة نظرية بحتة وهي منقطعة الصلة بالتفكير العلمي لأن ‏منشأها ومنبتها نسيج العقل العربي وهو عقل نظري وليس عملي تطبيقي، فهي تقوم في الأساس على الشعر والنثر العربي القديم، وهذه الثقافة لا تحمل ‏أي قدر من التفكير العلمي والمنطقي المنظم، وليس بها أدنى قدر من المعارف التطبيقية والعلوم الطبيعية، هي فقط شعر ونثر ملأ الحياة العربية القديمة، ‏وهي خالية من كافة ملامح التحضر وليست دافعة للابتكار، وليست لها خلفية أو تجربة حضارية مثل الحضارة المصرية الفرعونية، فقط هي قائمة على ‏تراكم نثري وشعري أدبي بحت، ولا يمكن أن ينتج هذا النوع المعرفة عقلية مفيدة ومنتجة في العصر الحالي، هذا فضلاً عما تصنعه من نوستالجيا عشق ‏الماضي، نتيجة الخلفية الثقافية التي تراكمت بملايين من الصور الذهنية للصحراء والخيام والحياة البدوية البدائية، وحياة الدعة والكسل والتأمل النظري ‏المجرد. ‏

غير أنها في الجملة، هذه الثقافة النظرية الشعرية والنثرية، هي في الجملة نابعة من العقلية العربية في الماضي، وكما أوضحنا أن العقلية العربية بطبيعة ‏تكوينها النفسي ليست من شعوب الحضارات، وليست مؤهلة جينياً لبناء حضارة، لأن اللغة تحمل ملامح الفكر والثقافة، والفكر والثقافة يحملان ‏الملامح النفسية ومعالم النسيج الذهني لهذا الشعب ويمثلان خبراته وتجاربه وإمكاناته العقلية، حتى أن لغتهم جاءت أدبية وليست علمية، فاللغة العربية ‏موطن تميزها وعبقريتها هو الفكر الأدبي النظري سواء نثراً أو شعراً؛ وبالتالي فالخلفية الثقافية لهذه اللغة ليست علمية وإنما أدبية نظرية بحتة، وتساهم في ‏تقدم الأمم بقدر ما تقدم العرب قديماً فقط دون أن تتجاوزهم، هذه الخلفية الثقافية نابعة من العقل العربي وتحمل سماته النفسية والعقلية، وهنا مكمن ‏الخطورة؛ لأن تبني ثقافة العرب أو محاولة استخدام أدواتهم الثقافية لن يقدم ولن يجدي مع طوفان الحضارة المعاصرة. ولهذا يجب على الدولة إدراك مسار ‏الدفة التعليمية وتقليل المناهج الأدبية في حدها الأدنى وتكثيف المناهج العلمية بأقصى ما يمكن فهي التي تنسجم مع المزاج والنفسية لأن نسيج العقلية ‏المصرية علمي وليس أدبي، ولذلك تفكيره عملي تطبيقي وليس نظري شفوي، ونشاطاته في الحياة عملية تطبيقية حرفية وصناعية وعلمية مختلفة تماماً ‏عن أبجديات الحياة لدى الشعب السعودي، فكيف ينتج العقل المصري العسل إذا تغذى على القش؟

والمشكلة ليست في اللغة ذاتها، بل يمكن استخدام هذه اللغة في أي فرع من فروع المعرفة، وتطويعها من خلال عمليات التعريب التي يتولاها المجمع ‏اللغوي بالقاهرة، وتطعيم هذه اللغة بمصطلحات جديدة كافية، لكن المشكلة فقط في خلفيتها الثقافية الأدبية النابعة من عقلية عربية غير مؤهلة جينياً ‏لبناء حضارة وعلم وعلوم تطبيقية، فالعلم ليس من أبجديات العرب ولا من أدبياتهم وليس لديهم استعداد نفسي جيني وراثي له، ولذلك إذا تبنينا اللغة ‏العربية بخلفيتها الثقافية، فنحن نضع أنفسنا في خندق العدوى العربية بإرادتنا وباختيارنا نقرر أن نكون شعباً صحراوياً حضارته أدبية نظرية بحتة وكل ‏طموحه النفوذ والتسلط والسيطرة أو الفخر والهجاء.. فلديهم المعلقات، ولدينا الأهرامات، وكلاهما باقٍ للزمن، وكلاهما أثرٌ لحضارة، الأولى أدبية والثانية ‏علمية، وعلى من يفكر أن يبني حضارة البحث مقدماً في مواصفات البذرة التي يغرسها ويرويها ليجني ثمارها. ‏

من خلال هذا المسقط الرأسي الذي أسقطناه على الحضارات البشرية يتبين لنا أن العرب، وهم سكان شبه الجزيرة العربية، لم يكونوا أصحاب ‏حضارة يوماً ما، ولا يعرفون معنى الحضارة ولا الصناعة ولا العمران والهندسة أو العلم، هم فقط هاجوا من الصحراء على المدن وشيدوا قلعة من الرمال ‏الصحراوية تعالت ثم تهاوت قبل أن تمسها الرياح، لكنها أحدثت صخباً وضجيجاً في كل الدنيا بانتهاجها القتل عقيدة وواجب ديني مقدس.. إنما هم ‏فقط احترفوا صناعتين أخريين وجدوا فيهما السلوى وما يغنيهم عن كبد الحياة، وكانت حرفتهم الأولى ومن قبل الإسلام هي الإغارة، لكن كانت الإغارة ‏تتم بين القبائل وبعضها، يهجمون على بعضهم فجأة ليخطفوا الأطفال والنساء وينهبوا الأموال، لكن بعد نزول الإسلام تطورت صنعتهم وزادوا عليها ‏صناعة أخرى، تطورت صنعتهم فطالت الشعوب والمجتمعات المجاورة لهم، فأغاروا على العراق وفارس والشام ومصر وشمال إفريقيا وغرسوا سيوفهم في كل ‏الشعوب المجاورة حولهم.‏

أما الحرفة الأخرى التي راجت في بلادهم، فكانت الفُتيا والحكاية والرواية والتلاعب بإمكانات اللغة كعادتهم؛ أي الكذب على رسول الله، فكل من ‏يريد أن يفتي ينسب كلامه لرسول الله كي يحصل على صك القدسية، وتأتي الشعوب الساذجة لتتلقى هذه الحكايات بقدسية دينية دون تمرير على ‏العقل، فأذكر أن أحد التجار العرب كان يتحدث إلى صديقه فقال له عن قومٍ إنهم مثل البقر، فغضب صديقه من وصف الناس بأنهم بقر دون ذنب، ‏فقام التاجر وصعد على سنام الجمل ونادى القوم.. يا قوم.. يا قوم.. هلموا إليّ، فلما جمع الناس أمامه قال لهم: عن فلان ابن فلان ابن فلان ، عن ‏النبي عليه السلام أنه قال: من لحس أرنبة أنفه بلسانه دخل الجنة". . فوجد الناس قد أسرعوا بلعق أنوفهم بأطراف ألسنتهم، فنظر إلى صديقه وقال، ألم ‏أقل لك أنهم بقر؟ وهل يلعق أرنبة أنفه بلسانه سوى البقر؟ ‏

فقد برع العرب في الحكاية والرواية عن الرسول، ابتكروا واخترعوا الكثير من الأحاديث ونسبوها لرسول الله، فليس من دين شكلت بعضا من ‏نصوصه مادة ووسيلة ومرجعية للتكفير والإرهاب والتوحش، كما شكلت نصوص التراث الإسلامي، وليس من دين شكلت بعض الأعراف والتقاليد ‏التاريخية مرجعية للعبادة كما شكلت نصوص التراث الإسلامي، ولكن هذا لا يعني أن المقصود هم المسلمون، ولا الإسلام، ولكن تاريخ وتراث العرب ‏الذي اندمج في الدين الإسلامي. وليس فقط التطرف والإرهاب الذي صدره العرب لشعوب العالم، بل هناك نوع من الخبل الإدراكي لا نظير له، ربما ‏لأن العرب بطبيعتهم شعب حكّاء وثقافته شفوية وعقليته أدبية بدوية وليست علمية منطقية، واختلط الأمر بين الدين والسياسة خاصة عندما تغلبت ‏الثورة المضادة على الإسلام بقيادة معاوية أبي سفيان، واتخذ سنداناً متيناً لدعم عرشه.. كان صديقه الودود وخليله الوفي هو أبو هريرة الذي عجز ‏المؤرخون عن تحديد أصله ونسبه، فقط اشتهر بلقب أبي هريرة مع أنه كان يكرهه ويقول للناس: كان النبي يلقبني " أبا هر" وأنتم تعلمون الفرق بين ‏الذكر والأنثى.. لكن عامة الناس نبذوه واستمروا في تلقيبه " أبا هريرة" ربما نكاية فيه، وبصيغة التصغير مع الأنثى لا الذكر رغماً عنه.. وكانوا يتهمونه ‏بالكذب على رسول الله، وضربه عمر الخطاب بالكرباج لكذبه واتهمه بسرقة المال العام وصادر أمواله.. لكن معاوية استطاع استخدامه في ثورته المضادة ‏على الإسلام بجدارة وأجزل له العطاء حتى أنه اغتنى بعد أن كان خادماً لامرأة تعطيه أجره يوماً بيوم، صار سيداً غنياً من مال معاوية. وتزايدت ‏حصيلته الحكائية من الروايات والأحاديث التي نقلها عن صديقه اليهودي المفضل كعب الأحبار، وصديقه المبجل عبد الله سبأ، ما جعله يترك إرثاً غنياً ‏للأمة الإسلامية، تواتر الرواة والمحدثين على نقله شفوياً جيلاً بعد جيل حتى جاء البخاري وبدأ عملية التدوين بعد مائتي عامٍ من رحيل الرسول.‏

أخرج لنا البخاري مجلده الجامع لسنن النبي وأخباره في الكتاب المعروف بـ" صحيح البخاري"، وقد كان البخاري رحمه الله تلميذ أحمد بن حنبل ‏الذي هو تلميذ الشافعي تلميذ الإمام مالك الذي كان معلمه نافع، ونافع هذا تلميذ الأعرج والأعرج تلميذ أبو هريرة.. ولهذا فاقت مرويات البخاري ‏عن أبي هريرة خمسة آلاف دون غيره من كبار الصحابة.. فقد احتل أبو هريرة منزلة علية في الثقافة الإسلامية لدرجة أنه كان في حماية معاوية يروج ‏لمروياته بأنه كان منقطعاً وملازماً لرسول الله يتلقى منه الحديث في حجر جلبابه أولاً بأول ، بينما الصحابة الكبار اتهمهم بأنهم لم يهتموا بأمور الدين بل ‏انصرف المهاجرين إلى تجارتهم وانصرف الأنصار إلى زراعتهم وحقولهم وانفضوا عن رسول الله بينما بقي هو ملازماً مرافقاً له ! طوال عامين كاملين !‏

حتى أن أبا هريرة رضي الله عنه؛ روى عنه أحمد في "مسنده" (26034) من طريق أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : " دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ ، فَأَخْبَرَاهَا ‏أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ:( الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ ، وَالْمَرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ ) ، فَغَضِبَتْ فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ ، وَشِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ ، ‏وَقَالَتْ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا قَالَهَا رَسُولُ اللهِ عليه السلام قَطُّ ، إِنَّمَا قَالَ:( كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ)‏‎.‎‏.. وبرغم اعتراض السيدة ‏عائشة على نص رواية أبي هريرة التي أختزل معناها ومنطوقها فيما يجسد ويعيد إحياء عادات وأعراف المجتمع العربي، إلا أن موقف عائشة حصره ‏التاريخ في خانة المعارضة فقط، وصارت رواية أبي هريرة هي الرواية الرسمية، وصدقه العرب لأن هذا ما يتجاوب مع عقليتهم ونشأتهم.. هكذا عادت ‏العقلية العربية تدريجياً لإحياء عادات المجتمع العربي القديمة والتي هجرها الإسلام، مالت العقلية العربية بالفطرة إلى منشأها وأصلها فصدق الفقهاء ما ‏يخالف ويناقض الإسلام بالكلية، دون أن تكون عقولهم قادرة على التمييز بين الطيب والخبيث، فقد جعلوا رواية السابقين عليهم حجة مطلقة في ‏مواجهة القرآن، ولم يتخذوا من سنة النبي أسوة عامة في مبادئه الكلية.‏

وبمرور الوقت اعترض الإمام مسلم على طريقة أستاذه البخاري في رواية الأحاديث وأخرج مسنده المستقل عن البخاري، وهكذا تواترت الروايات ‏دون عرضها على كتاب الله، حتى وإن تناقضت معه، صار كثير من الفقهاء يعمدون إلى تعطيل آيات القرآن تمجيداً لمرويات العرب لأن العرب ‏استطاعوا تسويق أعرافهم وتقاليدهم بدمجها في الدين من خلال هذا الباب.. باب المرويات، لأنهم لم يستطيعوا العبث بكتاب الله.. فانتقلنا بمرور الزمن ‏من كتاب الله إلى ثقافة العرب الحكائية، لنزداد خبلاً على خبل.. ففي تفسير القرطبي للآية رقم 50 من سورة الكهف عن إبليس وذريته بقوله ‏تعالى:(..أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ.)‏
فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلَنِي رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ لِإِبْلِيسَ زَوْجَةٌ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ عُرْسٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ" أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ" فَعَلِمْتُ أنه لا تكون ‏ذُرِّيَّةٌ إِلَّا مِنْ زَوْجَةٍ فَقُلْتُ نَعَمْ.‏
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ إِبْلِيسَ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِ نَفْسِهِ فَبَاضَ خَمْسَ بَيْضَاتٍ، فَهَذَا أَصْلُ ذُرِّيَّتِهِ. ‏
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَهُ فِي فَخِذِهِ الْيُمْنَى ذَكَرًا وَفِي الْيُسْرَى فَرْجًا، فَهُوَ يَنْكِحُ هَذَا بِهَذَا، فَيَخْرُجُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ بَيْضَاتٍ، يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ بَيْضَةٍ سَبْعُونَ ‏شَيْطَانًا وَشَيْطَانَةٍ، فَهُوَ يَخْرُجُ وَهُوَ يَطِيرُ، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَ أَبِيهِمْ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِي بَنِي آدَمَ فِتْنَةً، ‏
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ أَوْلَادٌ وَلَا ذُرِّيَّةٌ، وَذُرِّيَّتُهُ أَعْوَانُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ.. والَّذِي ثَبَتَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الصَّحِيحِ مَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ‏‏....قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام:" لا تكن أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَبِهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلشَّيْطَانِ ‏ذُرِّيَّةً مِنْ صُلْبِهِ، والله اعلم.‏
قال ابن عطية: وقول" وَذُرِّيَّتَهُ" ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الْمُوَسْوِسِينَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَحْمِلُونَ عَلَى الْبَاطِلِ. ‏
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: ذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ الشَّيَاطِينُ، وَكَانَ يَعُدُّهُمْ: الَنْبُورُ صَاحِبُ الْأَسْوَاقِ، يَضَعُ رَايَتَهُ فِي كُلِّ سُوقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَجْعَلُ ‏تِلْكَ الرَّايَةَ عَلَى حَانُوتِ أَوَّلِ مَنْ يفتح وآخر من يغلق...الخ.‏

‏• فأهل العلم ببلاد العرب يقولون لك بأن الشيطان أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِ نَفْسِهِ فَبَاضَ خَمْسَ بَيْضَاتٍ.... وقيل يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ بَيْضَةٍ سَبْعُونَ شَيْطَانًا ‏وَشَيْطَانَةٍ.‏
‏• ومنهم من قالوا بأن شغل أهل الجنة هو افتضاض الأبكار تحت ظلال الأشجار على شواطئ الأنهار مع سماع الأوتار في ضيافة العزيز الجبار.. كل ‏ذلك تطبعه المطابع بمئات الألوف من النسخ سنويا بجميع أرجاء العالم الإسلامي ليتقعر الخبل ويزداد ويتم تتويج أصحابه بأنهم أهل العلم... هكذا ‏شوهوا الإسلام وهم أبعد ما يكون عن العلم والعقل.. ومن هنا أدخلوا الإسلام كهف الظُلم وأغلقوا عليه الأبواب..حينما حصروا الدين فيما ورثوه من ‏ثقافة العرب وبقايا حضارتهم الفاشلة... ‏

فلو نظرنا إلى الحضارة العربية سنجدها في حقيقتها لم تكن حضارة وإنما هوجة حضارية، فكيف تؤسس دولة على عوائد الجيش من السطو والنهب ‏والسلب وخطف النساء ! بداية من عهد الخلافة التي قيل أنها راشدة، ثم مروراً بخلافة الأمويين والعباسيين، فطريق البناء والصعود المفاجئ الذي ظهرت به ‏دولة العرب واستقرارها في دمشق ثم بغداد ثم الأندلس وتفرعها أفقياً ثم انكماشها دون أي ارتقاء رأسي.. ما كان إلا أشبه بمجموعاتٍ من العصابات ‏الصحراوية حاولت تتحد مع بعضها لتقوم بهجمة قوية، فتباعدت طموحاتهم بعدما كانت الغارات والهجمات على القوافل التجارية والأدبية وقوافل الحج ‏والعبادات، تطورت الفلسفة وصارت الهجمات تُشن باتجاه أقصى الحدود حتى وصلت الشعوب المجاورة لشبه الجزيرة. فأصل النشاط العربي ذاته الإغارة.. ولهذا ‏شدد الله عليهم حرمة القتل في الأشهر الحرم وضاعف فيها العقاب حتى يوفر الأمن والأمان للقبائل والقوافل، ولهذا فرض الأشهر الحرم.. ولو نظرنا للحضارة ‏العربية خلال 500 سنة من تاريخ قيامها في عهد الخلافة وحتى سقوطها، سنجدها نموذج مُكبر من هذه الإغارات الدورية الموسمية، أي إغارة حضارية كُبرى ‏بحجم 500 إغارة موسمية، وكل ما في الأمر أن الإغارة العربية كانت أقوى وأشد من قرينتها الإغارة المغولية، فطبيعة الإغارة أنها تتخذ محطات مختلفة في الطريق ‏لتعيد حساباتها كل فترة وتراقب الطرق والحركة ومراكز القوى ولا تستقر في مكان واحد.. وهكذا كانت حضارة العرب لها محطات مختلفة ما بين المدينة ومكة ‏ثم الكوفة بالعراق ثم دمشق بالشام ثم بغداد بالعراق ومحطة أخرى منعزلة في قرطبة بالأندلس، ثم تنازع حكام الأندلس وشكلوا عصابات مستقلة، وصارت ‏لكل عصابة محطة مستقلة تنازعوا فيما بينهم.. ثم في النهاية ما نهبه بني العباس في 400 سنة أخذه هولاكو في ليلة.. ولم يبقى من حضارة العرب سوى ‏المرويات والحكايات وألف ليلة وليلة، لأن واقع الدولة أصبح سراب ولم يعد لها أثرٌ حقيقي يمكن استنباته من جديد...‏

ولا مقارنة بين مرويات العرب الخرافية وبرديات الفراعنة؛ ليس فقط لأن الأولى شفوية والثانية كتابية، بل لأن الأولى أدبية والثانية علمية ‏منظمة؛ فيقول الدكتور مصطفى وزيرى مدير عام آثار الأقصر، أن المصريين القدماء كانوا عظماء بمعنى الكلمة فى كافة أمور حياتهم فهم عرفوا علوم ‏الفلك والطب والزراعة والصناعة والهندسة وبرعوا في كافة المجالات، ودونوا تلك المجالات وأمورها المختلفة على برديات فرعونية رصدت تلك العبقريات ‏الفرعونية، حيث أنهم عرفوا تكوين الجسم الآدمي لما أجروه من تحنيط الموتى بغرض الحفاظ على جثمان أصحابها، واشتهر الطبيب المصري القديم فى ‏البلاد المجاورة، لكونهم متقدمين فى الطب وشمل الجراحات البسيطة، وإصلاح كسور العظام وتركيب العديد من الأدوية، ومن تلك البرديات الشهيرة بردية ‏إدوين سميث وبردية إيبرس وبردية كاهون ولندن وبرلين وغيرها من برديات العلاج بالطب، وكذلك برديات أخرى تم فقدان أجزاء كبيرة منها أثناء العثور ‏عليها كبرديات تشستربينى، وليدن، والرامسيوم، وهرست، بردية بروكلين للعلاج من سم الثعابين. ‏

وبردية برلين الطبية التي تحتوى على شرح مطول عن القلب والأوعية وأغلب العقاقير نباتية وحيوانية. ومثال آخر بردية "إدوين سميث" أعظم برديات ‏الجراحة الفرعونية، فهي تعتبر أكثر البرديات الطبية أهمية فهي بردية جراحية بحته وتعرض معلومات عن التصرف الطبي الجراحي مع 48 حالة جميعها ‏إصابات حوادث، وتعرض أسلوب التعامل والعلاج مع كل إصابة فى أربع فقرات منفصلة، تبدأ بعنوان مختصر ثم طريقة الفحص الطبي ثم التشخيص ‏وتنتهي بالعلاج. ومن الحالات التي سجلتها تلك البردية الشهيرة التعامل مع مصابين بجرح في الفخذ، ومكتوب في البردية "إذا قمت بفحص مريض ‏يعانى من جرح في فخذه، ووجدت تورماً واحمراراً حول الجرح، يجب عليك أن تضمده بلحم طازج في اليوم الأول، ويكرر العلاج حتى يقل التورم، وبعد ‏ذلك يعالج بالشحم والعسل بضمادة موضعية يومياً حتى يتم الشفاء"... هكذا دون أجدادنا مروياتهم على بردياتهم ولم يتركوها شفوية مثل العرب تنتقل ‏بالعنعنة، وليس معنى أن تنهل الحضارة المصرية من العرب أن تنحني للقومية العربية.. فبإمكانها أن تستورد ما تشاء من شبه الجزيرة لا أن يُفرض عليها ‏حتى وإن كان صحيحاً عن فلا ابن فلان... ولا يمكن أن تستمر حالة خضوعية الحضارة المصرية للقومية والتراث العربي بأي حال.‏

في النهاية ندرك لماذا جمع العرب كل هذه المرويات وكل هذا التاريخ ودونوه باسمهم، ومنحوه قداسة الدين.. فجميع العلماء لم يكونوا من أصول ‏عربية، سواء كانوا علماء الفقه والدين أو علماء الطبيعة والفلسفة أو حتى علماء اللغة العربية لغة العرب أنفسهم، جميع هؤلاء العلماء من أصول غير ‏عربية، ولم يكن من بين العرب من تفوق في العلم كما تفوق خالد الوليد في المعارك الحربية والذبح والقتل.. ولم يكن عدد الحكام والسياسيين ‏والمتصارعين على الحكم في الدولة العربية يساوي عدد المشتغلين بالفقه أو العلم.. فالعرب ليس لديهم وظيفة في الحياة سوى الحرب والحكايات الشفوية، ‏ولهذا قدسوا الحرب وجعلوها ركناً من أركان الدين، وقدسوا الروايات الشفوية وجعلوها نصف الدين .. ولو نظرنا إلى تاريخ شبه الجزيرة العربية فلن نجد ‏لهم أي تاريخ يدل على أنهم كانوا موجودين على سطح الأرض، فتاريخهم والعدم سواء، ولذلك كان من الضروري لهم أن يصنعوا لهم تاريخ يتفاخرون به ‏مثل كافة شعوب العالم، فأعطوا تاريخهم غطاءً دينياً حتى يظل بمنأى عن النقد وفي ذات الوقت يحصل على قداسة الدين طالما ظل مرتبطاً به.‏

إن أوّل خُطى الحضارة والرقي والتقدم في حياة الإنسان تبدأ بمصالحة النفس والاعتراف بالفشل والوقوف على أسباب هذا الفشل والحقائق الواقعية، ‏إنما الإصرار والمكابرة وتضخيم وهم الماضي لن يقدم سوى مزيدٍ من الفشل والتراجع. وللحقيقة أنا لا يرضي طموحي هذا القدر الضئيل من العلوم ‏للفخر به، مقابل المجازر التي ارتكبها العرب بحق الشعوب المسلمة وغير المسلمة، وما وقع فيه الفقهاء من أفكارٍ خاطئة أوجدت ممارساتٍ وتطبيقات ‏عملية غير إنسانية، لا تحمل أيّ قدرٍ من التسامح والرحمة أو الرأفة أو السلام الاجتماعي، فالتاريخ العربي ليس به إلا صفحة واحدة بيضاء طوله ثلاثة ‏وعشرين عاماً من الزمان، هي صفحة النبي عليه السلام. وبالتالي لا بد أن نتصالح مع أنفسنا ونكون واقعيين أمام التاريخ، لا نُصرّ على الفخر ‏والاحتفاء به مع أن عدد الملايين الذين تم قتلهم وذبحهم وأسرهم واسترقاقهم يفوق ملايين المرات عدد الكتب العلمية التي تم تأليفها أو جاءت بفائدة ‏للبشرية.. إن الأزمة الفعلية أننا نستحيي من انتقاد تاريخ العرب خوفاً من المساس بالتراث الديني وبأشخاص الصحابة، وهذا ما يدفعنا إلى اعتبار ‏تصرفاتهم ومناهجهم السياسية نموذجاً غير قابل للطعن عليه، ومع ذلك، ففي كل المعارك الفكرية وعلى مدار التاريخ يكون المتشبثون بالتراث الديني في ‏موقف الهجوم، وهو مركز قوة باعتبار الأغلبية، فالعالم العبقري إديسون عندما اخترع المصباح الكهربي لأول مرة هاجمه الناس وطاردوه في الشوارع وقذفوه ‏بالحجارة باعتباره ساحر وزنديق، لكن في النهاية تنتصر الأفكار لأن الأفكار لا تموت، وما أراد إديسون إلا أن ينير لهم الدنيا لكنهم لم يدركوا قيمة ‏النور.‏

‏(غداً ننتقل إلى سلسلةٍ جديدة عن دور الفقهاء في تحويل تاريخ العرب ليصبح ديناً للشعوب، وتحويل الإسلام من منهج عبادة إلى كتالوج ‏إجرام... بتصرف من كتابنا: غبار الاحتلال العربي)‏

الهوامش؛
‎1‎‏ - في كتابه الشهير «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، دوّن المؤرخ المصري محمد بن إياس الحنفي وقائع دخول القوات العثمانية مصر-بقيادة السلطان سليم الأول- واصطدامها أكثر من مرة ‏بمقاومة المماليك والمصريين بقيادة السلطان المملوكي طومان باي، ثم فرض العثمانيين سيطرتهم على هذا البلد وضمه رسميًا لدولتهم الكبرى في العام 1517م‎.‎
‏2- رابط المصدر: ‏http://el7ekaya.com/opinion/2016/08/09/16570‎‏ ‏




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,232,909
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (5)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (4)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (2)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏
- الخليفة الذي زحف على بطنه داخل الهرم
- جلالة الملك المظلوم
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (2)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (4)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- النهج الديمقراطي يدين الزيادة في أسعار زيت المائدة ويعبر عن ...
- التنوير في الأدب البحريني ( 2- 2)
- الأزياء حكايات
- البطالة قلق دائم لشباب البحرين
- المجتمع الأمريكي بين الإنقسام والديمقراطية المعتدلة
- فنجان قهوة
- حامل في زمن “كوفيد”
- مطر صيف
- التغيير الوزاري.. لماذا وكيف؟!
- كذب أبيض


المزيد.....

- الحركة الاجتماعية بين التغيير السلمي وراديكالية الثورة / زهير الخويلدي
- النظرية والتطبيق عند عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني / عيبان محمد السامعي
- أسباب ثورة 14 تموز 1958، (الوضع قبل الثورة)* / عبدالخالق حسين
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - الجزء الثاني / احمد حسن
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - مقدمة جوروج نوفاك / احمد حسن
- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (6)‏