أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏















المزيد.....



بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6244 - 2019 / 5 / 29 - 04:01
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


سيدي القارئ هذه حلقة من سلسلة مقالات تلقي نظرة عمودية من مسقط رأسي على المجتمع العربي من منظور حضاري

وبداية.. الشعوب تعيش حياتها كما الأشجار.. تزدهر في فصول الربيع، وتثمر في فصول الصيف وتتساقط أوراقها في الخريف وتدخل في طور ‏البيات الشتوي حتى يأتي ربيعٌ جديد.. لكن هذه الأشجار بعضها تظهر ثماره وتختفي أوراقه في فترة قصيرة، وبعضها يظل مخضراً مثمراً لأطول ‏فترة ممكنة.. وهكذا الحضارات، فالحضارة المصرية القديمة مختلفة عن الحضارة الصينية عن الهندية وعن البابلية والرومانية والإغريقية بالتسلسل ‏عبر المواسم الحضارية... فهل تشابهت حضارة العرب مع إحدى هذه الحضارات؟ أم استقلت أم تقاربت مع الحضارات التي تزهر ولا تثمر مثل ‏حضارة الهكسوس والمغول ؟ وما هو حجم ثمار الحضارة العربية مقارنة بالحضارات الأخرى السابقة عليها. وهل كان موسم ازدهارها وإثمارها ‏طويلاً أم قصيراً؟ وهل كان من نوعية العلوم السائلة أم العلوم الطبيعية أم كلاهما معاً ؟ وهل للدين دورٌ في بناء الحضارات ؟ وهل تقوم ‏الحضارات على سواعد أبناء شعوبها وبجهدهم وعرقهم أم بتوظيف الآخرين للبناء ؟ .. ونقصد بالعرب هنا العرب الحجازية التي هاجرت موجات متتابعة من صحراء الحجاز مكة والمدية والطائف وما حولها بعد رحيل النبي إلى الشام والعراق وفارس ومصر وسيطروا على هذه الشعوب المدنية وحكموها من بغداد العراقية.

بوجهٍ عام، الشعوب لا تعيش حياتها وعصورها الزمنية المتتابعة على خطٍ مستقيم في ذات المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وإنما الشعوب تتموج ‏حالتها الحضارية مثل موج البحر. فلو نظرنا إلى حقبة المصريين قبل الميلاد، سنجد عصراً فرعونياً طويلاً يتدرج على فترات متقطعة من عصور ‏الاضمحلال والازدهار، فلو مرت ألف سنة عاشها الشعب في جهل وفقر وقمع، تأتي بعدها ألفي سنة في رخاء وازدهار، كما هو حال الزمن يتبادل ‏موجات موسمية بين الصيف والشتاء، فترتفع درجات الحرارة وتنخفض موسمياً، الصيف رخاء وازدهار وانفتاح، والشتاء سكونٌ وبرد وانكماش، ثم يبدأ ‏صيفٌ جديد.. وهكذا تسير الحياة.‏

وبالنظر إلى أن شعوب العالم متعددة وليست شعباً واحداً، أنسجة متعددة وليست نسيجاً واحداً، ولذلك قد نجد شعباً أو أكثر يعيش في قمة ‏الازدهار والرفاهية، بينما نجد شعوباً أخرى تعيش قاع الاضمحلال والتخلف والفساد، وربما نجد شعباً يصعد في طريقه إلى الحضارة، وشعباً آخر في ‏طريقه للاضمحلال. فشعوب العالم تعيش على سطح الأرض مثل سطح البحر، موجات عديدة ومتكررة وحالتها متغيرة باستمرار، موجات في القمة ‏وموجات في القاع وأخريات في الطريق بينهما صعوداً أو هبوطا.. أو بتشبيه آخر أقرب للأذهان، فكل شعب يسلك طريق الحياة عبر الزمن، ولا يوجد ‏طريق حضاري مستقيم على ذات الخط الأفقي المستوي، وإنما كل الطرق تكون متعرجة رأسياً فتصعد وتهبط بمستوى الحضارة على طول الطريق وكأنها ‏تصعد كوبري ثم تهبط نفق وتخرج منه خلال ألف سنة أو عدة آلاف سنة لتصعد كوبري آخر خلال آلاف السنين.. وهكذا الحياة، تظل حياة الشعب ‏مستمرة على الطريق صعوداً وهبوطاً ازدهاراً واضمحلالاً، وهكذا.. وكل كوبري له طول معين وله مطلع وله مهبط.. هذه مسافات زمنية متقاربة، ‏وكذلك كل نفق في طريق الحضارات له منزَل وله جسم مُظلم وله مخرج قد يكون طويلاً أو قصيراً فهو في كل الحالات بطول المسافة الزمنية للمنزَل، ‏فكلما كان صعود الحضارة مفاجئاً كلما جاء سقوطها مفاجئاً كما كانت حضارة العرب.. وكلما كان الصعود هادئاً رصيناً جاء السقوط هادئاً عبر ‏مسافة زمنية أطول كما كان حال الفراعنة، وعادة ما تبدأ الحضارات هبوطها بوقوع شعبها تحت الاحتلال من قبل حضارة أخرى صاعدة في طريقها، ‏فالحضارات البشرية تعيش متطفلة على بعضها وتأكل أذيال بعضها.‏

ومن أولى ملامح الحضارة أن تسعى الشعوب بعقل جمعي لبناء نظام حكم مركزي قوي، وتزدهر أنشطة اقتصادية، وتتسع رقعة سيادته السياسية ‏والجغرافية بتنظيم عسكري قوي، ويسانده تنظيم قانوني قوي ودقيق، مع تنظيم جيد للنشاط الاقتصادي بفروعه (زراعة – صناعة- تجارة) مع تطور ‏الحركة العلمية ومؤسساتها التعليمية وصناعة التدوين. ففي حضارة بابل وآشور القديمة، وفي مصر الفرعونية، والصين القديمة، وحضارات أخرى كانت ‏معاصرة لها أو لاحقة عليها مثل حضارة بيرو القديمة التي اكتشف بها بعض آثار للتحنيط، وحضارة المكسيك القديمة التي تركت أهراماً تشبه هرم سقارة ‏الفرعوني المدرج، هذه الشعوب عاشت حضاراتها على فترات ازدهار واضمحلال ولم تكن خطاً مستقيماً. ونجد في فترات الازدهار كانت هناك نظم ‏قانونية دقيقة ودبلوماسية متبادلة بين الدول والممالك، ولغة وكتابة وتوثيق دقيق للأحداث التاريخية والعلوم والآداب والفنون، ويرتفع معدل احترام ‏الشعب وتقديره للقيمة الإنسانية (حقوق الإنسان والحقوق المدنية وحقوق المرأة والطفل والحقوق والحريات في نطاق الأسرة والمجتمع على حد السواء)‏

بينما نجد العكس تماماً في فترات الاضمحلال – برغم أنها تالية ولاحقة في التاريخ على فترة الازدهار- نجد أن الشعب يميل إلى القمع (السياسي ‏والأسري) وتزداد سلطوية الرقابة الأبوية وتتعاظم سلطة الحكام والآباء إلى درجة تجعلها تحل محل القانون، حتى أننا نجد في فترات الازدهار الفرعوني ‏لوحات جدارية على جدران المعابد تصور فصولاً دراسية للأطفال يجلس فيها الأطفال الإناث سواءً بسواء مع الذكور، ونجد احتراماً لحقوق الإنسان، ‏بينما كان العرب يقتلون البنات ويدفنونهم أحياء خوفاً من العار.. وهذا ما يؤكد صدق الله تعالى حينما فرق بين القبائل البرية والشعوب المدنية.‏

وفي كل عصر تضع الدولة والمجتمع منظومة قانونية تنظم حياته وحقوقه، الدولة تضع منظومة قوانين رسمية تعبر عن حالة الشعب وإرادته، والمجتمع ‏كذلك يضع منظومة من الأعراف والتقاليد الاجتماعية والحِكم والأمثال الشعبية تعبر أيضاً عن ذات الحالة. بينما في عصور الاضمحلال تنهار تلك ‏النظم وتحل محلها أعراف غريبة وقوانين سادية مثل سلطة الأب في قتل ابنه، وحق الأب في بيع وتأجير أولاده للعمل بالسخرة مدد زمنية، وإذا توفى ‏الأب تنتقل هذه الصلاحيات إلى ابنه الأكبر فيما سمي وقتها " امتياز الابن الأكبر" فيصير له الحق في تسلم تركة والده كاملة وله الحق في بيع إخوته ‏الصغار أو تأجيرهم بالسخرة لمدد زمنية مختلفة، وغيرها من القوانين التي تحرم المرأة وتعاملها وكأنها مخلوقة فقط لخدمة سيدها الرجل وليست شريكة له في ‏الحياة. وتنتهك حقوق الضعفاء في المجتمع وتزداد الفوارق الطبقية في المجتمعات، وتحل الأعراف المجتمعية محل المبادئ الأصلية العادلة، وتحل سلطة ‏الحاكم محل قانون الدولة.. ثم تمر فترة زمنية من الاضمحلال والانهيار الحضاري يبدأ الشعب بعدها استعادة طريق الحضارة والرقي المدني، كما حدث في ‏تاريخ الحضارة الرومانية، إذا تقدمت شعوب أوروبا الشرقية " اليونان والرومان" وفي الوقت الذي ساد فيه العرب، اضمحل اليونان والرومان، ثم اضمحل ‏العرب وبدأ صعود نجم الحضارة الأوروبية مرة أخرى.‏

لكن العرب لم يكن لهم نصيب من هذه الحضارات والإنجازات البشرية، خصوصاً عرب شبه الجزيرة العربية. فلو قلنا أن المصريين الفراعنة بدؤوا ‏عصر الكتابة والتدين وتدرجت أولى خطوات العمارة البشرية منذ خمسة آلاف عام قبل الميلاد، وأنشأوا القصور والمعابد والأهرامات، وزرعوا شريط وادي ‏النيل، وشيدوا حضارة وابتكروا طرقاً وآليات للزراعة والري والبناء وصناعة الورق من نباتات البردي وكتابة الرسائل العلمية والأدبية وتوثيق الأحداث ‏العلمية والتاريخية، ووضعوا منظومة قانونية تتلاءم مع دولتهم، وعرفوا مفهوم الدولة بالمنظور العصري الحديث.. وكذلك الحضارة البابلية في العراق ارتقت ‏إلى أعلى درجات سلم المدنية ووضعت أول مدونة قانونية في تاريخها عام 1750 قبل الميلاد، نظمت المعاملات ووضعت ضوابط لطرق التقاضي ونظام ‏الادعاء القضائي.. وغيرها حضارة سبأ في اليمن القديمة، ثم ظهرت قبل عام 1200 ق.م الحضارة الأوروبية وشيدت وأبدعت علمياً وأدبياً وهندسياً، ‏ووضعت منظومة قانونية مثلت فناراً في صناعة القوانين.. وكذلك الحضارة الصينية والهندية القديمة استمرتا لعدة آلاف من السنين.. ‏

بينما بعد تراكم هذا الكم من الحضارات والخبرات البشرية في شتى أنحاء العالم، وحول العرب من كل اتجاه، فلم يكن لهم نصيب.. ظلوا يسكنون ‏الخيام، ويرعون الغنم ويتجردون من كل معالم الحضارة الإنسانية، كانت حياتهم عبارة عن صراعات قبلية ونزاعات وهجمات قبلية متبادلة بين القبائل ‏لخطف النساء والأطفال ونهب الأموال، ولم يكن لهم نظام حكمٍ مركزي ينظم حياتهم وعلاقاتهم، كانت حياتهم عبارة عن تحالفات قبلية ونزاعات حربية. ‏وبرغم اتصالهم بالحضارات المجاورة لهم عن طريق رحلات التجارة التي امتدت أطرافها ما بين اليمن (حضارة) وما بين الشام (حضارة) وما بين الصين ‏والهند (حضارة) وكانوا يصعدون فوق التلال والجبال ليشاهدوا الهرم الأكبر في مصر، إلا أنهم لم يقتبسوا أي من معالم هذه الحضارة وظلت عقولهم ساكنة ‏على مدار آلاف السنين وتماهوا في الغي والفساد الفكري والخلقي حتى جاءهم النبي محمد عليه السلام لينتشلهم من قاع الجهل إلى قمة الرقي والسمو ‏الإنساني، جاءهم برسالة لا مثيل لها في التاريخ من حيث تكامل الأركان والقيم والمبادئ الإنسانية. ‏

لكن عقولهم التي نشأت وترعرعت في القاع ما كان لها أن تغادر منشأها بعدما رحل النبي، عقولهم لم تكن تستوعب هذا الرقي الفكري ‏والأخلاقي، فآمن به بعضهم ورفض البعض وحاربوه، لكن حتى من آمنوا به لم يستطيعوا الاستمرار على نهجه بعد وفاته، عادوا إلى ما كانوا عليه قبل ‏مجيئه، وسيطرت عليهم عاداتهم القبلية. وبمجرد وفاة الرسول تشاحنوا على السلطة حتى قبل دفنه، ثم تصارعوا فيما عرف بحروب الردة وقتل فيها الكثير ‏من المعارضين سياسياً باسم الدين. وبرغم أن الرسالة حددت لهم نظام ديمقراطي رائع طبقه الرسول عملياً في حياته، إلا أنهم تجاهلوه بعد مماته، وخلال ‏عشرين عاماً فقط تلاشى مبدأ الشورى تماماً وسادت العصبية القبلية وحل نظام توريث السلطة وساد الفساد السياسي، ثم تحول إلى صراعات داخلية ‏على السلطة سقط فيها مئات الآلاف في حروب أهلية وفتن قبلية كما كانوا قبل الإسلام، حتى أنهم عادوا لفكرة الإغارة على بعضهم وخطف النساء ‏والأطفال، بل هجموا على مدينة رسول الله ذاتها واغتصبوا نساءها وأخذوا بنات رسول الله وحفيداته سبايا وانتهكت أعراضهن في الشوارع، وقُتل ‏أحفاده ذبحاً وصلبا.. عاد المجتمع العربي إلى حالته الأولى قبل الإسلام، ليس مائة بالمائة، لكنهم عادوا إلى 90% من عاداتهم في الجاهلية، ولم يبق فيهم ‏من تأثير الإسلام سوى القليل.‏

فقد حدثت ثورة دينية بدأت بنزول الوحي على الرسول الكريم وانتهت بوفاته، وقابلها العرب بثورة مضادة من فلول قريش ما لبثت أن تغلبت ‏على أصحابه، وساعد في تفوق الثورة المضادة انحراف العقلية الجمعية ذاتها عن الإسلام وانشقاق صفوف الصحابة، حتى أن الكثير منهم انضم لحزب ‏الفلول القرشية بقيادة معاوية أبي سفيان، ما مكن قريش من استعادة السيطرة على العرب، لكن في الصورة الجديدة بعد أن وحّد الرسول شبكة من ‏القبائل. ذلك لأن حالة الثورة بطبيعتها موجية تبدأ فجأة وترتفع إلى عنان السماء ثم تهوي، وهو ما حدث مع صحابة رسول الله، إذ تضامنوا وتحابوا ‏وتناصروا خلال الهجرة وبعدها، فتح الأنصار بيوتهم للمهاجرين واقتسموا معهم أموالهم وزوجوهم بناتهم، ثم بمجرد وفاة الرسول فكر الأنصار قبل دفنه في ‏الاستئثار بالسلطة، واجتمعوا في نادٍ بحيّ من أحيائهم واتفقوا على اختيار أمير من أهل البلد ضماناً لعدم وصول أحد المهاجرين (القرشيين) إلى الحكم، ‏وهو ما يعد حركة جماعية مضادة تماماً لما حدث عند استقبال الرسول وتآلف الأنصار والمهاجرين. وللمتخصصين في علم النفس أن يعيدوا النظر في ‏تلك الظاهرة، فالانقلاب والتحوّل جاء نفسياً من النقيض إلى النقيض، وهذا من طبيعة النفسية العربية، أياً كانت طبيعة المنهج أو الديانة، ذلك لأن ‏التغيير الذي أحدثه الإسلام في النفوس لم يكن بعمق التأثير النابع من الكاريزما الأصلية والمنشأ والبيئة البرية بالفطرة، فلا ننس أن هؤلاء الصحابة كانوا ‏قبل إسلامهم أمة وحشية بامتياز بينما كان النبي نبياً قبل بعثته وهذا ما يؤكد أن الدين لم يغير في نفسية النبي لأنها كانت نفسية سوية منذ الفطرة، ‏بينما هم عكسه تماماً، أي أن تأثير الإسلام كان سطحياً في نفوسهم، فلم يكونوا يقبلوا أن يحكمهم أحد من المهاجرين من قريش الذين منهم كبار ‏الصحابة (عمر وأبي بكر وعثمان وعلي وغيرهم)، وهنا انفرط عقد المحبة والتضامن الذي نسجه الرسول على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، وهذا من ‏الطبيعي أن يحدث لأن النبي لم يكن يبني حجراً على حجر، وإنما يروّض نفوساً بشرية مستعصية. ‏

لأن مثل عمر الخطاب الذي قتل طفلته بيديه وهي حية تمسح الغبار عن ثيابه وهو يحفر لها قبرها ليدفنها حية ، لا يمكن أن يتحول إلى إنسان رقيق ‏المشاعر ولو اعتنق كل الأديان السماوية، فمن يفكر ويدبر أكثر من مرة في عمليات لاغتيال " نبي " لا يمكن أن تتغير عقليته 100% إلى إنسان راقي ‏عاقل ومتحضر هادئ الطبع متسامح وصافي ونقي المشاعر الإنسانية، لأن الإنسان سليم الفطرة يولد سليماً بالفطرة، ولم نجد يوماً ما أن صعلوقاً تحول إلى نبي صالح ! ولم نجد امرأة رقيقة القلب تحولت إلى رجل غليظ القلب أو أشد قسوة من الحجارة، ذلك أن الجينات الوراثية ‏المكونة للنسيج الذهني العقلي لها السيطرة على عقولنا وأفكارنا وتصرفاتنا، وإنما الدين فهو تقويم للسلوكيات والعقائد. ‏وهذا ما يعني حتماً أن البيئة الاجتماعية الفطرية التي نشأ فيها عمر وغيره لا بد أنها تركت رواسب اجتماعية وفكرية، بل إن هناك نوازع نفسية وكاريزما شخصية لا تتغير أصلاً. وهذا يدلنا على الفارق بين العقلية المدنية ، تحتمس الثالث مثال؛ حيث كان يأمر جنوده بعدم إزاء الأسراى أو تركهم عطشى دون ماء، وهؤلاء الأسرى رجال مقاتلين تم احتجازهم في المعركة وتعامل معهم جلالة الملك تحتمس كما قال الله في القرآن لكن قبل أن ينزل القرآن بثلاثة آلاف عام، هو تعامل بفطرته الإنسانية السوية، وليس بعقية بدوية برية فظة وشرسة بفطرتها ، بينما عمر الخطاب سمح لجنوده بخطف النساء والأطفال لاستعبادهم وبيعهم في أسواق النخاسة، وهؤلاء النساء والأطفال لم يكونوا رجال مقاتلين إنما هم مدنيين عُزل، برغم أن القرآن كان بيد عمر ونهى الله عن التعرض للأبرياء ولا حتى الأسرى، فقال تعالى: "فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ" أي قيدوا الأسرى حتى تتوقف الحرب ثم تطلقوا سراحهم أو تأخذوا منهم فداء وتطلقونهم، لكن عمر جيء له بالأسرى وأهالي الأسرى من الأطفال والنساء والبنات ليختار منهم الحسناوات ويوزع هدايا على الصحابة ويبيعون الباقي في أسواق النخاسة التي كانت مصدر الدخل القومي الوحيد للعرب.. الفرق بين العقلية هو الفيصل، فمن يا ترى أتبع لبناء دولة وحضارة جديدة، هل أتبع عمر الخطاب أم اتبع أجدادي وعلى رأسهم جلالة الملك تحتمس الثالث !

بعد ذلك تصارع خليفة العرب الأول أبي بكر الصديق مع المعارضين له وتخلص من معارضتهم بالقوة الوحشية، ثم تصارع عثمان عفّان مع معارضيه وطلب لهم ‏الجيش فعجلوا بقتله قبل أن يصل الجيش، ثم تصارع علي أبي طالب وطلحة والزبير والسيدة عائشة، ثم معاوية أبي سفيان وأعوانه من الصحابة أيضاً، ‏وانقسم المجتمع قسمين على أساس قبلي طائفي حزبي واشتعلت بينهم فتنة تبعها معارك تقابل فيها الصحابة وجهاً لوجه بالسيوف والخناجر، وانتصر ‏علي أبي طالب. وبعد وقتٍ وجيز قُتل عليّ وصعد معاوية إلى الحكم وبدأ مشروع توريث السلطة باعتباره أحد الطقوس الدينية. استخدم معاوية سليل ‏الفلول الدين كعلامة تجارية للتسويق لحكمه مستعيناً بصديقه الودود أبي هريرة الدوسي (الذي أصبح فيما بعد رجل الدين الأول) !.. ‏ثم تصارع بني أمية مع بني العباس على السلطة وذبحوا بعضهم بعضا، ثم تصارع بني العباس مع أنفسهم وخصومهم حتى سقطوا سريعاً تحت أقدام المغول يبكون كما النساء.

وفي هذا السياق لا بد أن نوضح أنه ليست هناك أي صلة بين الثقافة الدينية وبين الحضارة البشرية والعمران، إلا بقدر اقتران القلب بالرئة ‏واتصالهما معاً بالجهاز الدوري والعصبي رغم انفصالهما عضوياً، فالدين يحث كافة الناس على الفضيلة أياً كانت حياتهم في مدينة حضارية أم في صحراء ‏قاحلة، والمجتمع أياً كانت ديانته وأياً كانت ثقافته الأدبية، هذه الثقافات الأدبية لا تبني حضارات، والدين ليس كتالوج حضارات، لأن الحضارة في حد ‏ذاتها هي جهد بشري، فالصينيون قديماً شيدوا حضارة وابتكروا صناعة الورق والنسيج من تدجين دود القز وابتكروا صناعة الورق والكتابة وتقدموا في ‏الطب وهم يعبدون الأوهام. والفراعنة شيدوا حضارة عظيمة وهم يعبدون الشمس، والرومان شيدوا حضارة وهم يعبدون الكواكب، والفرس شيدوا ‏حضارة وهم يعبدون النار. أما العرب فقد استخدموا دينهم في الترويج لدولتهم فأساءوا إليه، بل إنه عندما جاءهم الرسول لم تكن مهمته أن يعلمهم ‏قواعد البناء والعمارة والهندسة أو الزراعة، فقط إصلاح نفوسهم وفسادهم الخلقي والعقائدي، قضى النبي بينهم ثلاثة وعشرين عاماً لم يقم فيها أي ‏مظهر من مظاهر الإنتاج أو الصناعة أو الزراعة، لأن رسالته هي الدين والعقيدة والفضيلة، وهي غذاء روحي للغني والفقير على حد السواء، ولا علاقة ‏بين الفضيلة والغنى أو الفقر، فالفقير قد يكون أكثر فضيلة من الغني، أما الحضارة والعمران فهي رسالة العقول ذاتها وجهدها المستمر، وقد بدأها العرب ‏بعد وفاة الرسول، لكن العرب بطبيعتهم الفطرية ليسو من شعوب الحضارات والعمران بل من شعوب السطو والسيطرة. ولهذا قامت حضارتهم على ‏جهد غيرهم، كانت سواعدهم ماهرة فقط في القتل والذبح والسيطرة، لم يبرعوا في الفقه بقدر ما برعوا في الإغارة والفروسية، ثم قالوا أن ذلك كان جهادٌ ‏من أجل الله، بينما كانت هي حرفتهم يتقاضون عليها رواتب شهرية بالإضافة إلى حصص من عوائد السلب والنهب والسبايا.‏

ولذلك يقول ابن خلدون في مقدمته لعلم الاجتماع: " والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم ‏خلقاً وجِبِلّة، وكان عندهم ملذوذ لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد لسياسة وهذه الطبيعة منافية للعمران. فالحجر مثلاً أنما حاجتهم ‏إليه لنصبه أثافي القدر، فينقلونه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك. والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه ‏لبيوتهم فيخربون السقف عليه لذلك، فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران، هذا في حالهم على العموم. أيضاً من طبيعتهم ‏انتهاب ما في أيدي الناس، وأن رزقهم في ظلال رماحهم وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو ‏متاع أو ماعون انتهبوه. لا يكلفون على أهل ألأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم ولا يرون لها قيمة ولا قسطا من الأجر والثمن. ليست لهم عناية ‏بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض أنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا وغرامة. وأيضا فهم متنافسون في الرئاسة ‏وقلّ أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء ‏وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام.. فيفسد العمران وينقض". (1)‏

ونظراً لأن ابن خلدون تنقل في كثير من أقطار الدولة العربية من تونس إلى الأندلس إلى المغرب وتونس مرة أخرى ثم جاء إلى القاهرة وشارك مع ‏المصريين في حربهم ضد تيمور لينك بالشام ثم عاد واستقر بالقاهرة، وتعرف على العديد من المجتمعات واطلع على الكثير من كتب التاريخ ما وسع ‏مداركه لمبادئ علم الاجتماع وفهم طبيعة الشعوب، وعمل بالعديد من الوظائف السياسية حتى وصل إلى الوزارة وتولى منصب القضاء في مصر وعمل ‏أستاذاً بالفقه المالكي بالأزهر، وكان مؤمناً بالمنهج التجريبي في الفكر بوجهٍ عام، ثم تفرغ كي يعصر ذهنه بعد تجربة الحياة، ووضع ابن خلدون نظرية في ‏علم الاجتماع ما زالت تدرس في الجامعات حتى بعد ألف سنة من وفاته، ووضع نظريته في السياسة ونظرية في الاقتصاد، وكذلك وضع نظريته في ‏العقلية العربية، وكانت نظرته ثاقبة ما رفع مقامه ليصل لخانة أفضل فلاسفة العالم.. ‏

ومن الملاحظ أن هذا الكلام كتبه ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع في القرن الثالث عشر أي في أوج ازدهار الدولة العباسية في العراق، وازدهار ‏الدولة الأموية في الأندلس أو قُبيل سقوطها بشهور، وهذا ما يؤكد أن هذه النهضة لم تكن من بناة أفكار العرب، ولم يكن علماءها عرب بل جميعهم ‏أعاجم، ولم تنشأ بسواعدهم ولكن هجموا هم عليها وسيطروا عليها بالقوة والهمجية. كتب ابن خلدون هذا الكلام في عز ازدهار دولة العرب، ولم يذكر ‏لهم أي قيمة علمية أو إنسانية أو حضارية، لأنهم بالفعل لم يتحلّوا بأي قيم إنسانية.. فقط كل ما لديهم هو الخيل والليل والبيداء.. السيف والرمح ‏والفروسية.. ولذلك إذا أجرينا مقارنة بسيطة جداً بين الهكسوس والصحابة فلن نجد أي فوارق إطلاقاً، فكلاهما مجتمع بدوي بري ذا طبيعة حربية ‏وكاريزما واحدة، وكل الفارق أننا أطلقنا على فتوحات الهكسوس (غزو هكسوسي) وأطلقنا على فتوحات الصحابة (جهاد في سبيل الله) لكن بعدما ‏اعترف الأزهر أن الجهاد في سبيل الله دفاعي فقط، فلنعد إلى المقارنة بين الهكسوس والصحابة من حيث المنظور الحضاري لن نجد أي فارق إطلاقاً. بل ‏إن الهكسوس كانوا في وضع أفضل لأنهم لم يكن معهم دين، بينما الصحابة كان معهم دين وسحقوه قبل أن يسحقوا آدمية الشعوب المجاورة لهم. وهي ‏ذات النتيجة التي سنصل إليها عند مقارنة أجدادنا قدماء المصريين وحضارتهم المدينة بدولة الهكسوس والصحابة، فالحضارة الفرعونية كانت ضاربة في ‏عمق الفكر والعمل والعمارة ما لا يمكن أن تصله سلالات بدوية مثل الهكسوس والصحابة العرب، لأن المجتمعات مختلفة، والبذرة النفسانية مختلفة، ‏مجتمع قبلي ومجتمع مدني أي شعب ولم يخلق الله الشعوب مثل القبائل. أو لنبحث عن مهرب آخر بمقارنة سلالات الهكسوس والصحابة بالشعب ‏الصيني أو الشعب الهندي في طريقته المدنية في بناء الحضارة، حتى لا يقول قارئ بأننا نتعالى أو نتفاخر على خلق الله. وسنصل إلى ذات النتيجة أيضاً ‏فقط لأن الهكسوس والصحابة العرب قبائل بينما الهند والصين والروم شعوب مدنية. وقد اختص الله مجتمعات القبائل دون غيرها كمهبط للرسالات ‏السماوية لأنهم الأكثر فساداً وطيشاً من الشعوب المدنية. فالديانات والرسالات انحصرت جميعها في الجزيرة العربية لأنهم أكثر مجتمعات الأرض فساداً ‏فكان من حكمة الله أن يأتي العلاج بأولوية المرض العقائدي.‏

ما نود توضيحه في هذا المقام أن الرسول لم يأت ليعلم العرب فنون الغزل والنسيج وصناعة الورق أو كيفية بناء الحضارات، هو جاء برسالة سماوية ‏لضبط السلوك البشري والفكر العقائدي على عقيدة التوحيد، جاء ليرسي مبادئ أخلاقية لكافة الشعوب والحضارات، العرب وغيرهم من المصريين ‏والصينيين والهنود والأوروبيين..إلخ. بينما الحضارات تحتاج إلى جهد بشري في البناء والتعمير والهندسة والفلك والطب، هذا الجهد يبذله شعب معين ‏سواء كان العرب أو المصريين أو الصينيين والهنود أو الأوروبيين..إلخ، لأن كل شعب هو نسيج حيوي مختلف عن غيره من الشعوب وله آلية عمل ‏وحياة وملاءمة وظيفية تنسجم مع تكوينه النفسي والفكري وتتلاءم مع معطياته البيئية، ولذلك إن أمكن توحيد الأديان فلا يمكن توحيد كتالوج ‏الحضارات. ولم يكن النبي يمارس سلطة حكم سياسي بالمعنى الدقيق لذلك العصر، بل كان محافظاً على دوره في المجتمع، دوره الدعوي، وهو دور ثقافي ‏اجتماعي أكثر منه سياسي، والنبي عليه السلام لم ينشئ دولة بمؤسسات نظامية، ولكنه أسس مجتمعاً، ووحد القبائل على رابطة ثقافية متينة، ‏ما أهّل هذا المجتمع بعد رحيله ليحيا كغيره من الشعوب ويؤسس دولة كما غيره من الدول. ‏

بدأ تأسيس نواة هذه الدولة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، حينما وجه الجيش لإخضاع المعارضين له بالقوة، ثم لضم مزيد من البلاد وإخضاعها ‏لسلطانه، تولى إدارة المال العام بنفسه، وكان حاكماً بالمعنى السياسي لا الديني، برغم أن الفقهاء استحبوا بعد ذلك تلقيبه بلقب "خليفة" لرسول الله، ‏لكنه وقتها كان مجرد أمير وحاكم بالمفهوم السياسي لا الديني، لأنه تولى إدارة شؤون المجتمع والجيش والمال العام، ولم يكن المتخصص في الفتوى بالحلال ‏والحرام، حتى وإن اهتم بتنفيذ الأحكام والفصل بين الناس فذلك دور الحاكم السياسي، ولم يكن نائباً عن النبي، وما كان لنبي أن يكون له نائب ديني ‏يتولى الحديث باسمه، بل إنه بدأ دولته بتكوين جيش بصفة دائمة ومستمرة، لأن النبي لم يؤسس جيش نظامي، ولكن كان المؤمنون يتجهزون وقت ‏الضرورة فقط للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وعن النبي، جميع أفراد المجتمع كان مكلفاً بالجهاد، لكن في عهد الخليفة بدأ تخصيص أفراد الجيش وقواده ‏بصفة دائمة، واستُخدم الجيش لأول مرة في قمع المعارضين، ثم انتقل لضم مزيد من الرقع الجغرافية لتزداد مساحة الدولة ونفوذها بضم الشعوب المجاورة ‏لسلطانها. ‏

وفي عهد خليفة العرب الثاني عمر الخطاب بدأ تأسيس الدولة بالمفهوم السياسي، منظومة قانونية متواضعة، بدأت بنظام العسس والحسبة وهم ‏مراقبي الأسواق العامة، باعتبارهم موظفين عموميين دائمين ولهم رواتب ثابتة يتقاضونها من المال العام، وفي عهد عمر بدأ إنشاء منظومة عقابية، ولأول ‏مرة عرف العرب نظام السجون العقابية كمؤسسة عامة ورسمية، وكذلك بدأ توزيع الولاة والحكام على البلاد ومساءلتهم عن جمع الضريبة العامة، وهنا ‏بدأت تتشكل ملامح دولة للعرب من خارجها، لأن شعوب العالم التي أسست دولاً وإمبراطوريات قبلهم كانت قد سبقتهم كثيراً جداً في تنظيم الدولة، ‏ولذلك اقتبسوا كل أدوات ووسائل الحكم وحتى مصادر الدخل القومي جاء جاهزاً من الخارج، فلم يقم أي نشاط اقتصادي أو علمي داخل شبه الجزيرة، ‏لأن نشاطهم الرئيس كان إما الرعي وإما التجارة وإما الإغارة.. وهذه الأنشطة لا تصلح لبناء دولة وحضارة، فتحللوا منها جميعاً وأبقوا على النشاط ‏الأخير " الإغارة " في صورة جديدة هي " الجهاد"، وهذا النشاط الاقتصادي الوحيد قامت عليه دولة العرب.‏

وعندما اتسعت أقاليم‎ ‎الدولة نتيجة انتشار العرب في الأقاليم المتاخمة لشبه الجزيرة العربية، اتجه عمر الخطاب إلى تقسيم البلاد المحتلة إلى خمس ‏مناطق كبيرة تنقسم بدورها إلى ولايات، ووضع على كل إقليم واليًا لإدارة شؤون الولاية وتحصيل الضرائب من أهلها.‏‎ ‎و كان له مُفوَّضون رسميُّون ‏يسافِرُون إلى البلاد ويراجعون أعمال الوُلاة، وحدد لهم مرتباتٍ ثابتة.‏

أدرك عمر أهمية التنظيم العسكري، لذلك أوجد فرقًا نظامية تُقدّر كل منها بأربعة آلاف فارس لترابط في كل بلد،‎ ‎وهذا يعني تأسيس جيش نظامي ‏ثابت يُقدّر باثني وثلاثين ألف فارس عدا المشاة والمتطوعين، ونظّم الرتب في الجيش مثل "أمير الجيش" على عشرة آلاف أو تزيد، و"أمير الكردوس" ‏على ألف، و"القائد" على مئة، وعرف الجيش خلال هذا العهد استخدام أسلحة الحصار التي اقتبست عن الروم، ومنها المنجنيق وأبراج الحصار والدبابة ‏وأكباش الدك. وأصدر عمر أيضًا أمرًا بوجوب تدريب الجنود على‎ ‎ركوب الخيل‎ ‎والرماية والمشي حفاة‎ ‎والسباحة، وأنشأ مراكزَ عسكريةٍ ‏في‎ ‎المدينة‎ ‎والكوفة والبصرة‎ ‎والموصل‎ ‎والفسطاط ودمشق والأردن‎ ‎‏ وفلسطين، بُنيت فيها ثكنات مخصصة لإقامة العساكر، وحل مصطلح "العساكر " ‏محل المؤمنين والمجاهدين في عهد النبي، وأصبحت الجندية عمل احترافي مستمر ومصدر دخل لهم، كما شُيدت اصطبلات كبيرة يأوي كل منها قرابة أربعة ‏آلاف حصان مخصصة لدعم الجند عند الحاجة. بالإضافة إلى المراكز العسكرية، وأنشأ معسكرات‎ ‎في المدن الكبيرة والأماكن ذات الأهمية ‏الاستراتيجية.‏‎ ‎كما أنشأ عمر ديوان الجند وكفل للجنود معيشتهم ومعيشة عائلاتهم، مقابل انصرافهم إلى أعمال الجندية. ‏

وهذا التنظيم بالطبع يختلف عن عهد النبي حيث كان عامة الناس يجاهدون في سبيل الله بأموالهم قبل أنفسهم وليس في سبيل أرزاقهم ومرتباتهم، ‏ولم تكن الجندية مصدر دخل لهم. ولم يكن الجهاد في عهد النبي مهنة ووظيفة ثابتة. وهذا ما يؤكد أن التنظيم السياسي والعسكري لدولة العرب مستقل ‏ومختلف شكلاً وموضوعاً عن عهد النبوة والدعوة المحمدية، وهذا التنظيم سياسي عسكري عربي وليس منشأه الدين، بل هو ملامح دولة وقومية عربية ‏تتشكل وفق الطموح والمعطيات السياسية والعسكرية دون أن يكون للدين دورُ في ذلك.. بل إن هذا التنظيم السياسي والعسكري لا يختلف كثيراً عمّا ‏فعله الإسكندر الأكبر قبل أن ينزل الدين الإسلامي، فهذه طبيعة الشعوب في إدارة شؤونها ومصالحها وطموحاتها.‏

ونشأت‎ ‎الدواوين‎ ‎في عهد عمر نتيجة لاتساع الدولة واتصال العرب الفاتحين بالأنظمة الفارسية والبيزنطية في الأقاليم والتعرف على حضارتها، ‏فانتقوا منها ما وجدوه ملائمًا للاقتباس، كما أبقوا على الكثير من الأنظمة الإدارية التي ثبت لهم صلاحيتها.‏‎ ‎ومن هذه الدواوين: ديوان الإنشاء، وهو ‏ديوان المراسلات الإدارية، ثم أنشأ ديوان العطاء وديوان الجند الذي سجَّل فيه أسماء المقاتلين، ووجهتهم، ومقدار مرتباتهم وحصصهم من عوائد الجيش، ‏وديوان الجباية الهادف إلى إحصاء خراج وضرائب البلاد المفتوحة، وتنظيم الإنفاق منها،‎ ‎وذلك بعد أن وردت الأموال الكثيرة إلى المدينة مركز الدولة ‏العربية بعد فتح الشام والعراق وفارس ومصر، فبدأت فكرة إنشاء مثل هذه الدواوين لإحصاء الأموال وطريقة توزيعها. وكان ذلك تمهيدًا لإنشاء "بيت ‏المال" أو "ديوان الأموال" الذي يمكن اعتباره بمثابة أول وزارة للمالية. وقد اهتمَّ عمر بالأموال الواردة للدولة. وأبقى على النقود الذهبية والفضية التي ‏كانت متداولة وعليها نقوش مسيحية أو فارسية، لكنه أضاف إلى هذه النقود البيزنطية والفارسية كلمة "جائز" ليميزها عن النقود الزائفة. ومع ذلك ‏يعتبر عمر أول من سك عملة معتمدًا النقش الفارسي وأضاف إليها عبارة "الحمد لله" وفي بعضها "لا إله إلا الله" وعلى جزء منها اسم "عمر"... ‏

بينما المصريين- بغض النظر عن كونهم أول من سك العملة في التاريخ- كان لديهم نظام في سك العملة الوطنية ولم يعتمدوا على أية تقنيات ‏مستوردة في بناء دولتهم، لأن عملية البناء عند المصريين كانت تتم بسواعدهم لا بسواعد غيرهم، وبعقولهم لا بعقول غيرهم ولهذا استمرت حضارتهم ‏عدة آلاف عام في قمتها، ذلك لأنها قامت على نظام اقتصادي حلال مقارنة بالنظام الاقتصادي الذي اعتمده الصحابة في بناء دولتهم. فقد ورد في ‏بردية بولاق‎ Papyrus Boulaq ‎‏ للمقاييس عام 2100 ق.م خبراً عن العملة المصرية القديمة، وأن واحد ديبن = 27 جرام، ويُقسم الديبن إلى ‏إثنين كيدت‎ kidet ‎والكيدت يساوي = 13.6 غرام ، ويُقسم الكيدت إلى إثنين سينو‎ Senyu ‎والسينو يساوي = 6.8 جرام، ويُقسم السينو إلى ‏إثنين بارة‎ Copper ‎والبارة يساوي = 3.4 جرام، ويقسم البارة إلى 2 شعت والشعت = 1.7 جرام (سحتوت ‏‎ Shaty‏) ثم تغيرت هذه المقاييس ‏إلى النظام العشري عام 1550 ق.م تقريباً.‏

ثم فى عصور لاحقه أصبح واحد ديبن = 91 جرام‎ ‎، والكيدت = 9 جرام‎ ‎، والسينو = 0.9 جرام‎ ‎، والباره = 0.1 جرام . وكانت تسك عملة ‏الديبن في منف (ممفيس) قديماً. وورد ذكر عملة الديبن‎ Deben ‎في رسالة لموظف مصري يسمي "تحوت نخت‎"‎‏ أرسله الملك للتفتيش عن الجسور ‏المقامة علي نهر النيل في النوبة ودفع إيجارها المطلوب في صورة عملات من الديبن وبعض نتاج الزراعة من المحاصيل . وكانوا يسجلون على العمله قيمتها ‏وتاريخ سكها واسم وصورة الملك. وهناك ورقة بردى مشهورة باسم «بردية اللاهون‎» Lahun Papyrus ‎‏ تؤكد تداول الوحدة النقدية «شحات‎ ‎Shaty» ‎وبها تفصيلات استخدامها‎ :‎‏ ورد فيها أن قيمة أجر الخادمة عن استخدامها يومين فقط ثوب قيمته 3.5 سحتوت.. وحددوا قيمة البضائع ‏بالعملات الذهبية والفضية.(‏‎2‎‏)... وهذا هو الفرق بين الثقافة المستوردة والثقافة التي بتت من الأرض ذاتها محلياً، فالحضارات لا يمكن اقتباسها من الغير ‏لأنها إن لم تكن مغروسة في النسيج الوطني لن تدوم ولن تثمر ولن تزهر.‏

والأمر ليس انتقاداً لعمر أو غيره فهم أشخاص وسط مجموع، هذا المجموع تشكل من قومية عربية عرقية أصلها ومنشأها كائنات برية وليس ‏منشأها الدين على الإطلاق لأنهم نبتوا قبل أن يظهر الدين، ولا يمكن للدين الذي جاء كزخات المطر من السماء أن يغير من طبيعة النبات بعدما ‏استوى على سوقه أو يغير في صفاته الوراثية ونوعية لثمار.. هو فقط قد يؤثر على جودة الثمار ولن يغير نوعيتها التي تحتاج إلى تعديل هندسة ‏وراثية... فمثلاً العقلية العربية أدبية بالفطرة فهل حولها الدين إلى عقلية علمية ؟! ولأن الدين يأمر الإنسان بالأكل من عرق يده، لا أن يتفرغ للغزو ‏والكر والفر والسطو على الشعوب الآمنة لنهب خيرات بلادها عوضاً عن الكد والتعب والعمل والبناء والإنتاج.. فلم نر مجتمع العرب هذا بعد رسول ‏الله أنشأ مكتبة عامة مثلاً مثل مكتبة الإسكندرية التي أنشأها بطليموس!! فكيف نصدق هؤلاء حين يقولون أنهم ذهبوا في سبيل الله لنشر دينه ؟! أي ‏دين هذا الذي تنتقل ثقافته من دولة إلى دولة بدون مكتبات ولا ترجمة ؟! فهل ذهبوا لنشر الدين بالعربية في إيران التي تتحدث الفارسية مثلاً ! .. هذا ‏هو الهراء الذي قاله الفقهاء قديماً وعلى مدار عصور طويلة، إنما في عصرنا لم يعد هذا الكلام يجد نفعاً مع العقل المتفتح الذي يدرك ببديهية أنه لكي ‏تنشر ثقافتك في مجتمع أجنبي لا بد أن تتعلم لغته أولاً وتترجم علومك وثقافتك، بينما كان العرب أمة جهل لا علم ولا تدوين حتى أنهم احتاسوا في ‏تدوين النسخ الأولى من القرآن ذاته ! فدونوها تارة على جلد البقر وتارة على ألواح الجارة وتارة أخرى عل عظام الحيوانات! بينما سبقهم أجدادنا قدماء ‏المصريين بصناعة أوراق ولفائف البردي لخمسة آلاف عام ! .. فحقبة الفتوحات العربية هذه ما كانت إلا بديلاً عن المشروعات القومية التي لم ينشئها ‏العرب في الداخل لأنها تستلزم ثلاثية (العمل – البناء – الإنتاج ) وهذه الثلاثية ليست من أبجديات العرب لأنهم أمة سطو وإغارة فقط. ‏

غير أننا كما قلنا سابقاً أن هؤلاء العرب الذين نسميهم الصحابة كانوا مرضى عقائدياً وسلوكياً وأخلاقياً، ولذلك جاء هدي النبي محمد لعلاج ‏أمراضهم العقائدية ووجهه ربه جل وعلا إلى إنذار أم القرى وما حولها، فهل بعد تلقي جرعة العلاج يتحول هؤلاء المرضى إلى أطباء استشاريين ؟! ‏يصرفون للناس العلاج ؟! هم في الأصل لم يكونوا أطباء بل كانوا مرضى وتلقوا العلاج فكيف للمريض بعد تلقي العلاج أن يتحول إلى طبيب ‏استشاري؟! وجميعنا يعرف مدى معاناة النبي صلى الله عليه وسلام في تقويم سلوكياتهم وعقائدهم وإرشادهم، فليس مجرد إعلانهم الإسلام أنهم بذلك ‏صاروا فقهاء بل عانى النبي كثيراً في تقويمهم وتهذيبهم لتلقي جرعات العلاج.. وحتى وإن كان الله قد رضي عنهم، فرضا الله عنهم لا يجعلهم أنبياء أو ‏شركاء في النبوة أو أوصياء على منهجه العلاجي، بل إن رضا الله عن بعض الصحابة في حياة رسوله الكريم لا يعني أكثر من رضا الطبيب عن استجابة ‏مريضه للعلاج والله المثل الأعلى، فالله قد رضي عن أداء بعضهم ومدى استجابته للعلاج، وهذا الرضا ليس من شأنه أن يجعل هذا المريض طبيباً ‏استشارياً فجأة حتى وإن رضي طبيبه عن أدائه واستجابته لجرعات العلاج. غير أن هذا العلاج يقوّم سلوك الإنسان العقائدي ولا يعدل فكره من ‏إنسان بدوي إلى إنسان حضاري مثلاً، لأن الله خلقهم قبائل ولم يخلقهم شعوب، وجميعنا يعرف الفرق بين القبائل والشعوب.‏

إلى هنا يتضح أمام القارئ أن الدولة العربية لها خصوصية فريدة من نوعها، فجميع الحضارات التي قامت قبلها كان لها نشاط أسياسي مركزي ‏تقوم عليه ويتشكل نظام الحكم المركزي، فالحضارة الرومانية نهضت في قرية زراعية في روما ثم توسعت، وبعد ثلاثمائة عام من الزمن بدأت عملية التوسع ‏الجغرافي بضم الأقاليم المجاورة لسيادة الدولة، ثم ارتقت علمياً وفنياً ومعمارياً وأبدعت في فنون الصياغة القانونية، وكذلك الحضارة المصرية قامت في مصر ‏وتأسست عاصمتها بكل أجهزة الدولة ومؤسساتها، كان نشاطها الثقافي والاقتصادي مركزي نابع من داخل مصر وبسواعد أبنائها، ثم بعد مرور ألف ‏عامٍ من الزمن بدأت عملية التوسع الجغرافي بضم الأقاليم المجاورة للسيادة المصرية في عهد تحتمس الثالث. وكذا الحضارة الأوروبية الحديثة نهضت منذ ‏منتصف القرن الثاني عشر الميلادي واستمرت في الارتقاء والتحضر، ثم بعد مرور أربعمائة عام من الزمن بدأت عملية التوسع الجغرافي لضم أقاليم ‏جديدة، لكن كان نشاطها الثقافي والاقتصادي مركزي نابع من داخل بلادها، وفي كل الأحوال كان المحتل أرقى ثقافة وأكثر تحضراً من البلاد التي ذهب ‏لاحتلالها والاستفادة من ثرواتها، وفي كل الأحوال كانت الشعوب الخاضعة للاحتلال تستفيد من المستعمر ثقافياً وتقنياً لأن حضارته نهضت ونضجت ‏في بلاده قبل أن يفكر في احتلال غيره. ‏

بينما دولة العرب كما رأينا قامت وتأسست دواوينها ومؤسساتها على عوائد الجيش من الخارج مبدئياً، أي أن مصدر الدخل القومي بالكامل جاء ‏من خارج شبه الجزيرة العربية، ولم يكن لها نشاط اقتصادي مركزي، بل كان تزايد حجم الواردات من الخارج هو الدافع إلى إنشاء ميزانية للدولة " بيت ‏المال الحرام". بينما لو نظرنا في المقارنة بين عمر الخطاب وبطليموس الثاني فلاديفوس الذي حكم مصر عام 280 تقريباً، بدأ طموحاته الحضارية في مصر بإنشاء منارة الإسكندرية لتكون مركز إشعاع وملتقي تجاري دولي، ثم قام بإنشاء مكتبة الإسكندرية العريقة وبجوارها جامعة وأنشأ نادي للمثقفين والحكماء ، وأمر الكهان المصري مانيتون السمنودي بتدوين أول مدونة تاريخية رسمية ضم فيها كل التاريخ المصري القديم مفصلاً، وأصبحت هذه المدونة ركيزة ثقافية للبلاد، أي ركز نشاطه الثقافي والاقتصادي في مركز عاصمته، بينما عمر ابن الخطاب تركز مصدر دخله لاقومي بالكامل من الخارج على عوائد الغزو والسبي، وكان مركز النشاط الاقتصادي الأقوى في الداخل هو أسواق النخاسة حيث يعرضون الفتايات عرايا للبيع .. ولم يكن له أي نشاط اقتصادي ولا ثقافي في الداخل ولم ينشيء حتى مكتبة .. وبالنظر إلى القومية العربية بشمولية (كمجتمع)، وما قيل عنه من كرم وعن كرم حاتم الطائي وما قيل فيه من شعر، ما كان هذا الكرم ‏العربي إلا نفاقاً بدافع التفضل على الناس وليس فضيلة؛ لأن القومية العربية والدولة العربية لو كانت كريمة لأصبح عنوانها الكرم، ولكانوا أكرموا ‏الشعوب المجاورة لهم ؛ الشاميين والعراقيين والفارسيين والمصريين..إلخ، أما وأنها قامت الدولة العربية ميزانيتها بالكامل على المال المنهوب، فما محله من ‏الكرم ؟ وهذا في حد ذاته يؤكد أن الكرم العربي ما كان إلا نفاقاً .. فالكرم ذاته كان أداة من أدوات الكبرياء والغرور والتعالي العربي.. بل إننا لو عدنا ‏إلى كتابات ابن خلدون عن العرب وحدودهم في نهب أموال الناس لعرفنا منبع الكرم العربي الذي طالما حدثونا عنه في كتب التاريخ العربي .. فلا يوجد ‏دولة في العالم أقامت ميزانيتها على المال المنهوب فقط أو أقامت عاصمتها في مستعمرة من مستعمراتها إلا إذا كانت دولة صعاليق يتقافزون من محطة ‏إلى أخرى للنهب والسلب والفرار والارتكاز في نقاط عشوائية..‏

فيقول جدنا الحكيم المصري«آمون أم أوبي» محذراً ابنه من اغتصاب مال الغير فيقول: ... المال المغتصب ليس فيه متعة لك، وينصحه بالعمل ‏حتى يكون قادرًا على العطاء ولا يطلب شيئًا من أحد؛ فيقول: ازرع الحقول حتى يمكنك أن تجد ما تحتاج إليه، وتجني خبزك من حرثك، وأن المكيال ‏الذي يعطيه الرب خير لك من 5 آلاف تكسبها بالبغي‎".‎‏ إنما العرب قامت دولتهم بالكامل على البغي، وتم اقتباس عملتي الفرس والروم بحالتها ‏وبنقشها المسيحي، مع إضافة عبارة (الحمد لله - عُمر)، وتم اقتباس الأنظمة الإدارية والعسكرية من الحضارات المجاورة، فلم يكن للعرب نشاط مركزي ‏سوى الإغارة وهي نشاطهم الاقتصادي المركزي الرئيس الذي قامت عليه الدولة، أما الدين فقد كان وسيلة، ولا يمكن اعتبار العرب أن مركز نشاطهم ‏الثقافي كان هو الدين الإسلامي وميراث النبوة؛ لأنهم لم يبرعوا فيه ولم يتفقهوا فيه، بل جاء العبيد الذين جلبهم العرب من بلادهم ولملموا ميراث النبوة ‏من بين العرب وصانوه. ولو كانت هذه الفتوحات لنشر الدين لكان أولى أن من يهتم بصيانة الدين وحفظ ميراث النبوة هم العرب أنفسهم لا العبيد ‏الأجانب، كان متوقعاً من العرب وخصوصاً أنهم أصحاب اللغة وأهل الدين أن يعرفوا قيمته أكثر من العبيد الأعاجم وأن ينموه ويصونوه ويتفقهوا فيه ‏ليصدروه لشعوب العالم. لكن ما حدث كان العكس تماماً، فلم تثمر الثقافة الدينية في بلادهم المنشأ ولكن أثمرت في البلاد التي احتلوها وعلى يد أعاجم ‏لا يتحدثون لغتهم.‏

والمراقب لحركة الصعود المفاجئ للدولة العربية ، سيجد أن دولة العرب وحضارتهم قامت على ‏أكتاف الغير، اقتصادياً وثقافياً، ولم يكن لهم أي نشاط مركزي متميزين فيه سوى الحرب والفروسية والجباية، كانت الدولة التي أسسها عمر الخطاب في ‏الواقع نتيجة مباشرة لعمليات الغزو وليست نتيجة نشاط نابع من الداخل، وكانت ذات تنظيم سياسي عسكري دقيق، فعمر أنشأ مؤسسات الدولة ‏بناءً على ظروف عصره ومجتمعه ومنظوره وطموحه السياسي والعسكري دون أن يكون للدين دخل في هذا التنظيم، لأنه اقتبس هذا التنظيم من الخارج، ‏ولأنه واصل حركة الغزو التوسعي الاستعماري ككل القادة وزعماء الحضارات البشرية عبر التاريخ، حتى أنه اقتبس كل أدوات الدولة السياسية والعسكرية ‏والإدارية والاقتصادية من الشعوب المجاورة له، وفرض عليهم ضرائب موسمية، " الخراج " ليكون مصدر الدخل القومي الثابت للعرب، وهذا تنظيم ‏سياسي لا علاقة له بالدين، أي تختص به الدراسات التاريخية والقومية السعودية لا الدين الإسلامي، فالدين تاريخه منحصر في النبوة، ولا صلة له بتاريخ ‏الفراعنة ولا تاريخ العرب ولا تاريخ العثمانيين، فكل الشعوب تبنى دولها وحضاراتها وفقاً لمعطياتها.‏

بالطبع أحدث الإسلام ثورة دينية وأخلاقية في المجتمع العربي، نقلت المجتمع العربي من الهمجية إلى القيم السامية، وحدثت حركة هجرة جماهيرية في ‏المكان والزمان، حتى عمر الخطاب نفسه كان ضمن هذه الحركة، فقد كان أكثر العرب معاداة للإسلام والمسلمين وقد دبر أكثر من محاولة لاغتيال النبي ‏قبل إسلامه دفاعاً عن آلهة العرب اللات والعُزى، ثم أسلم وانضم لحزب النبي، لكن عمر كان رجل دولة في الأساس، فلم يبرز له دور كما أبي هريرة في ‏رواية الحديث وتفسير القرآن كابن عباس وابن مسعود، بقدر ما ظهر دوره في التنظيم السياسي العربي ناجحاً. لكن هذه الثورة الدينية ما لبثت أن ‏صعدت قمتها ثم عادت لتهوي إلى الأرض مرة أخرى وتدفن في الأرض، وقابلتها ثورة مضادة تغلبت عليها وركبتها وتربعت بالكامل عندما وصل بنو ‏أمية إلى سدة الحكم فسادت وطأة الثورة المضادة على المشهد، ثم تصارع معها حزب آخر من الثورة المضادة هم بنو العباس، قاموا بثورجة الشعب ‏الفارسي خراسان وتمريد القبائل العربية ضد أبناء عمومتهم الأمويين ثم انطلقوا زاحفين إلى قصور الحكم في الشام وذبحوا وأعدموا كل من وجدوه من ‏سلالة بني أمية، كان موسم الذبح العباسي للأمويين أكثر غزارة في الدماء من عيد الأضحى.. في كل بيتٍ كانت هناك مذبحة.. وحتى الهياكل أخرجوها ‏من قبورها وأعدموها لتكون العبرة للجميع.. ومن وصل إلى الحكم بهذه الطريقة البشعة لا يمكن أن يحكم دولة في سلام، فكيف له أن يحكمها في " ‏إسلام" !، ولا يمكن أن يمثل الإسلام فيما بعد وصوله للحكم، وما لبث العباسيون أن تربعوا على سدة الحكم وكان أول إنجازات هذه الثورة هو قتل ‏مفجرها وعمودها الأول أبو مسلم الخراساني، واستمرت النزاعات على السلطة داخل الأسرة الحاكمة فترة من الزمان وصلت إلى أربعمائة عامٍ حتى جاء ‏المغول في القرن الثالث عشر الميلادي وأعدموا ما تبقى منهم ، وهدموا الدولة العربية وأرقدوها إلى الأبد.. ‏

ومع ذلك نجد أن الفقهاء يتبركون بتسمية الهوجة العربية بأنها حضارة إسلامية، ربما لكي يُشعروا أنفسهم بالعظمة والفخر، وربما من آثار الصدمة ‏التي أصابتهم بمتلازمة "ستوكهولم العربية"، وهذه في حد ذاتها نزعة نفسية لا دينية، لأن الإسلام لن يتضرر إذا كانت هذه الحضارة متخلفة أو متحضرة ‏لأنه في الأصل منهج عبادة وليس كتالوج حضارات وصناعة وتجارة وزراعة. وكما قلنا أن الأغنياء وأصحاب النفوذ ليسو أفضل تديناً من الفقراء، لكن ‏الفقهاء يعشقون الافتخار بحضارة العباسيين وينسبونها إلى الدين، دون أن يدركوا أن ذلك يفتح الباب الخلفي لمن يقولون بأن الشعوب المتخلفة الآن ‏سبب تخلفها هو الإسلام، فإذا كنا نحن نتباهى ونقول أن سبب تقدم العباسيين هو اتباعهم للإسلام وأن سبب تقدم الأندلسيين هو اتباعهم ‏للإسلام، بينما في الواقع لم يكن العباسيين يعترفون بأي مبادئ ولا قيم إنسانية أصلاً، وكذلك كان الأمويون في الأندلس عبارة عن حلبة صراع على ‏النفوذ والسلطة دون أن يكون لهذا الدين أي وجود.. ودارت الأيام وما زال لدينا الإسلام لكن عجز جهدنا عن بناء حضارة متقدمة، فاتهمت الشعوب ‏إسلامنا بأنه سبب تخلفنا، وما مقولتهم هذه إلا اشتقاقاً من فخرنا السابق بحضارة العرب الجوفاء ونسبها للدين. وبالتالي علينا تنزيه المنهج عن روث ‏الحضارات، خاصة حضارة العرب، حلوها ومرها لأنها في النهاية جهد بشري يصيبه المسلم وغير المسلم طالما أخذ بالأسباب وبذل الجهد.‏

بل إنهم العرب لم يشيّدوا حضارة من الأساس بالمعنى المتعارف عليه تاريخياً بين الشعوب، هم عاشوا جهلهم وهمجيتهم في شبه الجزيرة العربية قبل ‏بعثة الرسول، وعاشت مجموعة منهم فترة الرسول في نقاء وصفاء روحي برعايته وتحت إشرافه، ثم ما لبثوا أن عادوا لعاداتهم القديمة واندمج وتوحد العرب ‏فأصبحوا هجين ما بين المنهج الإسلامي والمنهج العربوي القديم، ولم يشيدوا حضارة بل سيطروا هم على الحضارة ومقدرات وثروات الشعوب المجاورة لهم ‏‏(فارس والشام والعراق ومصر) هدموا إحداها أثناء الغزو (فارس) ونهبوها وسيطروا على الأخرى (العراق والشام) التي قبل أهلها الاستسلام حفاظاً على ‏بلادهم من همجية العرب، بينما أعدموا حضارة الهند القديمة، ما دفع الفلاسفة والعلماء الهنود ليهربوا منهم إلى الجبال ويهجروا صوامعهم في المدن ‏والقرى.. حدث ذلك خلال حقبة الحكم العباسي.. ‏

وما نلاحظه أن العرب لم يبدؤوا رحلتهم الحضارية ككل الشعوب، تبدأ بتأسيس نظام حكمٍ مركزي، ثم تزدهر الأنشطة الاقتصادية والعلمية، ثم تبدأ ‏حركة التوسع الجغرافي، لكن حضارة العرب بدأت بحركة عسكرية عنيفة ومفاجئة، فلم يبدأ الحكم المركزي على يد أبي بكر هادئاً سليماً ولكنه استقر ‏تحت سطوة السيف، ثم تحوّلت السيوف إلى الشعوب المجاورة فأخضعتها، لم تبدأ دولة العرب بإنشاء مركز نشاط اقتصادي أو صناعي أو علمي أو بأي ‏نشاط مدني، وإنما بدأ أولى مصادر الدخل القومي على عوائد أسواق النخاسة والنهب والسلب والسبايا.. بدأت دولة العرب تصعد فجأة بالقوة ‏العسكرية وحدها.. بالمقارنة بين الحضارات (العربية والمصرية والإغريقية) نجد أن فعل المبادرة الحضارية المصرية تبدأ بحركة عقلية علمية مدنية تنهض عليها ‏الدولة، وليست البداية مبادرة عسكرية، بينما المبادرة العربية تبدأ بحركة عسكرية عنيفة خالية من أي نشاط مدني، كما رأينا طريقة تأسيس العرب ‏لدولتهم على يد أبي بكر وعمر مقارنة بطريقة المصريين الفراعنة في بناء دولتهم ومقارنة بطريقة الإغريق في بناء دولتهم.‏

لكن العرب لم يؤسسوا فكراً حضارياً في بلادهم، ولا في البلاد التي دخلوها، هم فقط سيطروا على حضارات ومدن قائمة فأفسدوا سياستها فعجلوا ‏بهدمها، وسيطروا بعد ذلك على حضارة الأندلس، وظلت بلادهم على وضعها (مكة والمدينة والأحياء العربية المجاورة) برغم أنها مقرهم ومنشأهم ‏الأصلي ولم تتعرض لأي نوعٍ من الغزو، إلا غزوهم هم، إذ هجم عليها الأمويون وقتلوا، وهجم عليها العباسيون وقتلوا أحفاد الرسول وهدموها ونهبوها ‏ليحكموا السيطرة في عاصمتهم في بغداد، ولم تتعرض منطقة الحجاز إلى احتلال خارجي أبداً لأنها لم يكن بها أي أطماع للغزو أصلاً، سوى بعض ‏البيوت التي شيدها كبار القوم ممن امتلأت حجورهم من عائدات أسواق النخاسة والسبي والسلب، ولا يمكن لعائدات أسواق النخاسة والجزية والجباية ‏والإتاوة أن تبني حضارة. حتى أن الغزو المغولي عندما اكتسح العراق، لم يفكر المغول في عاصمة العرب (شبه الجزيرة الحجازية) ولم يضعوها في حسبانهم ‏باعتبارها مهداً لحضارة العرب ومقرهم ومنشأهم، بل فكروا فوراً في مصر، برغم أن الجزيرة العربية أقرب، مروا عليها كمرورهم على المقابر وتركوها متجهين ‏إلى مصر، واعترض قائدهم هولاكو عالم الاجتماع المغربي ابن خلدون في طريقه إلى الشام، وطلب منه أن يرسم له خريطة المنطقة، وقرر هولاكو ‏الاستمرار في الزحف على مصر، فخرج له المصريون وهزموه في عين جالوت.. أي أن مقر انطلاق الحضارة العربية (صحراء الحجاز؛ مكة والمدينة موطن ‏العرب الأصلي) لم يكن موجوداً على خارطة هولاكو، بل إنه لم تقم أي حضارة في هذا الموطن المنشأ الأصلي للعرب، فقط حدثت موجات من الهجرة ‏الغجرية من الصحارى إلى المدن المجاورة وسيطرت عليها بالضبط كما فعل الهكسوس في غزوهم لمصر عام 1500 ق.م. ‏

هكذا كانت طريقة إدارة العرب وسياستهم، وهكذا كانت أطماعهم وصراعاتهم على السلطة، وهكذا استغلوا دين النبي محمد عليه السلام في ‏التسويق لنفوذ قريش في مصر والشام والعراق وغيرها من الشعوب، قالوا بأنهم ينشرون الدين، بينما هم يحاربون جميع الشعوب على التوالي، ولم ينشروا ‏الدين في بلدٍ دون احتلالها عسكرياً وسياسياً واستنزافها اقتصادياً ! فخلال حقبة الخلفاء الراشدين لم يدخل الإسلام بلداً بسلام ! فكيف نعتبرهم ‏راشدين! فقد دخلوا جميع البلاد المجاورة لهم بالسيوف وعادوا بالسبايا وقالوا أن دينهم يسمح لهم بخطف الأطفال والنساء والفتايات ووطئهن وبيعهن في ‏أسواق النخاسة ! وما هكذا نتوقع أن ينزل الله للبشرية دين، بل إننا نكفر بهذا الدين الذي يسمح بسبي الأبرياء لأن ظاهرة السبي ذاتها ظاهرة إجرامية ‏بشعة لا يمكن أن يسمح بها أي دين سماوي ولا حتى الديانات الأرضية، وبالتأكيد نحن نعرف أن دين الله الإسلام رفض السبي هذا لكن الصحابة ‏العرب مارسوه ، فجعلناه نحن ديناً لنا احتراماً لهؤلاء الصحابة !‏

على كل حال، كان عمر الدولة العربية قصيراً جداً وتوقف عمرها على خمسمائة عام بالكاد وانقسمت إلى أربع دويلات متفرقة ومتصارعة مع ‏بعضها.. ولم يكن لها مقر في بلادهم إلا واحدة منهم. بدأت بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام 609 ميلادياً، وانتهت بغزو المغول للعاصمة العربية ‏عام 1258 ميلادياً. بدأت الدولة العربية عاصمتها الأولى في المدينة لمدة 24 سنة عهود أبي بكر وعمر وعثمان، وهي الدولة التي أسسها فعلياً عمر ‏الخطاب، ثم عشرة أعوام بالعراق في الكوفة عهد علي أبي طالب، حيث ترك مدينة رسول الله لأن العراق في هذا الوقت كانت مركز نشاط سياسي ‏واقتصادي مقارنة بشبه الجزيرة، ورأى عليّ أن المدينة لم تعد تمتلك المقومات التي تملكها بعض البلاد الأخرى في تلك المرحلة، فقال: (إن الرجال ‏والأموال بالعراق)، وهذا ما يؤكد أن العراق كانت مركز نشاط سياسي وثقافي واقتصادي مقارنة ببلاد العرب، فانتقل إليها لإحكام السيطرة على الدولة ‏التي توسعت أكثر من قدرة العرب على حكمها من داخل بلادهم.. فالعسكرية وسعت نطاق الحكم السياسي أبعد من تصوراتهم البدائية الساذجة، ‏وبرغم اعتزازنا الشديد بشخصية علي ابن أبي طالب، كونه صحابي فدائي منذ بواكير طفولته، وكونه شاعر وأديب وحكيم مثقف، لكن ذلك لا يغني ‏عن إعادة التقييم بمنظور عصره العربي وبمنظور عصر الفراعنة المصري وبمنظور الإسكندر الأكبر ..إلخ. كي نقف على الوضع الحقيقي بمسقطٍ رأسي.. ‏

ففي الواقع فإن الفلسفة التي تحرك بها علي لم تكن تحمل أي نظرة سياسية تتعلق بدولة وحضارة، إنما الأمر كان أشبه بسيطرة عصابية على ‏مساحات من المراعي، مجرد استحواذ سياسي دون غاية بعد هذا الاستحواذ، ودون أي فكر أو نية أو فهم لمعنى بناء دولة أو إمبراطورية ومؤسسات ‏ونظام حكم مدني، ولهذا ترك المدينة ومكة وتحرك إلى المستعمرة الأولى لهم وهي العراق ليحكم من هناك، بينما لو كانت لديه أي خلفية عن معنى ‏الحضارة والدولة لكان استقر في المدينة وجعلها مركز النشاط أي قام بتحويل مركز النشاط الثقافي والاقتصادي والسياسي إلى الداخل مركز الدولة، إنما ‏النية الجمعية لم تكن بناء بقدر ما كانت سيطرة وتحكم، ولهذا تنازعوا كثيراً على الحكم والتحكم... ثم انتزع معاوية الخلافة فنقل عاصمة الدولة إلى مقره ‏في دمشق إذ كانت مركز نشاط سياسي واقتصادي مقارنة بالركود الذي ساد شبه الجزيرة العربية، ثم اختطف بنو العباس الراية ونقلوا مقر العاصمة إلى ‏بغداد، حيث كانت أكثر تحضراً من سواها، فكانت المنطقة مزدهرة من بقايا الحضارة الفارسية، وانسلخ عبد الرحمن الداخل، وهو الوحيد الذي نجا من ‏مذابح بني أمية، انتقل إلى الأندلس فاستقل بحكمها عن العباسيين في العراق، وأصبح بذلك هناك دولتين عربيتين مستقلتين متحاربتين متباعدتين ‏الأولى في الشرق والثانية في الغرب وما بينهما بحرٌ طويل وصحارى شاسعة بطول البحر الأبيض المتوسط وعرضه.. حتى سقطت بغداد وسقط الأندلس ‏بالتزامن ودون رابط بينها سوى نسيج العقلية العربية.. ‏

وهذا ما يبدوا جلياً من المشهد المأخوذ بمسقط رأسي على الحضارات، فلكي نقول أنه قامت حضارة عربية، فلا بد على الأقل أن تتسم بوحدة ‏ومركزية الحكم، كما كانت مصر الفرعونية، وليس المقصود بمركزية الحكم أن يكون ديكتاتورياً، بل أن يكون مركزياً من حيث وحدة الحاكم ومقر ‏العاصمة والسياسة العليا والقانون والجيش، إنما في الواقع ما حدث في دولة العرب أنها لم تشهد وحدة في الحكم ولا في الحاكم ولا في الجيش ولا القانون ‏ولا السياسة العليا، فالعواصم الأربعة للدولة العربية كانت متصارعة ضد بعضها البعض بسياسات متصارعة وقوانين متصارعة وجيوش منقسمة متصارعة ‏وحكام مجانين متعددين، ولا توجد واحدة فيهم لم تقم بها ثورة أو حركة معادية ضد الأخرى أو محاولة للسيطرة على الأخرى والاستئثار بالحكم، وغالباً ‏ما كانت تنتهي هذه الحركات المناهضة ببحورٍ من الدم العربي العربي. فالعاصمة الكوفية لم تقم إلا بعدما عجزت المدينة عن السيطرة على الوضع في ‏الشام والعراق، والعاصمة الأموية في دمشق لم تقم إلا بعد تصفية الكوفة والمدينة معاً ببحور غزيرة من الدماء، والعاصمة العراقية لم تقم إلا بعد تصفية ‏دمشق ببحور من الدماء، ثم لاحقاً تصفية المدينة ببحور أخرى من الدماء، والعاصمة الأندلسية لم تقم إلا بعدما نجح صقر قريش في الهروب والإفلات ‏من مذبحة العباسيين في دمشق.. ولم تستمر العاصمة الأندلسية إلا بعدما امتنع على العباسيين تصفيتها نتيجة وقوعها خلف البحار! ثم قامت ثورة ‏فيها أدت إلى تفتيتها طوائف وولايات مستقلة ! ‏

خمسمائة عام هي عمر الهوجة العربية، لم يكد العرب أن ينعموا بالحضارة أو يعرفوا معنى الرقي الإنساني خارج بلادهم، ثم عادوا سريعاً إلى القاع ‏مرة أخرى، كما الثعلب الذي هبط من الجبل وهجم على غزالة يقتنص عنقها فاستعصت عليه فتركها وعاد من حيث أتى، لكنه ترك أنفاسه الجبلية ‏النفاذة في المكان تنتشر مثل الغبار.. هذا الغبار الثقافي العربي ما زال يشكل ضباباً على عقول أجيالنا حتى اليوم.. ثم يأتي فقهاء الأزهر ليقنعونا أنه ‏كانت هناك دولة إسلامية ! فلماذا لم يقولوا أن حضارة المصريين الفراعنة هي حضارة إسلامية؟ فقد كانت أفضل وأرقى ملايين المرات من حضارة ‏العرب، وكانت دولة سلام مقارنة بالعرب، بل إن حضارة العرب عرفت الرق والعبودية والاسترقاق، إنما الحضارة المصرية لم تعرف ظاهرة الرق والعبودية ‏أصلاً، لأن طبيعة الشعب المصرية متسامحة متواضعة حتى على الأعمال اليدوية، بينما العرب يملأهم الغرور والصلف والاستعلاء والافتخار بالأصل ‏والأنساب، ولهذا عرفوا ظاهرة الرق وظاهرة سبي النساء والأطفال، وما زال الفقهاء يلوثون الدين الإسلامي بهذا الإجرام العربي.. والسبب فقط لأن ‏الفقهاء يستمدون بعض قواعدهم الفقهية من هذا التاريخ العربي، لأن الفقهاء القدامى والأئمة الأربعة اعتمدوا على ثقافة عصرهم وعاداتهم وظروفهم ‏ومازال فقههم سارياً حتى اليوم، ومن هنا أصبح تاريخ العرب ديناً للمصريين !‏

غير أن هذه الحضارة في الواقع لم تكن عربية الطابع، ولكنها وقعت تحت سيطرة العرب، أو دخلت ضمن الهيكل السياسي لدولة العرب، لأن ‏العرب لو كانوا أصحاب حضارة لكانوا أقاموا عاصمتهم في بلادهم (شبه الجزيرة العربية – مكة والمدينة) ولم يكن ممكناً نقل مقر العاصمة إلى ‏المستعمرات الجديدة سواء دمشق أو العراق، فالدول الاستعمارية لا تنقل عواصمها إلى مستعمراتها، بل تظل العاصمة هي مقر النشاط السياسي ‏والاقتصادي والثقافي. ‏

ليس تحيزاً ضد العرب أو مع غيرهم، ففي الواقع لا صلة لنا نحن المصريين بقومية العرب، فلم تنشأ جذورنا في شبه الجزيرة العربية، فحضارة المصريين ‏الفراعنة ازدهرت لأكثر من أربعة آلاف عام متوالية في القمة، وتنقلت عاصمتهم ومقر إدارتهم في عدة مدن متقاربة داخل مصر من عين شمس بالقاهرة ‏إلى منف بالجيزة ثم عين شمس مرة أخرى، ثم طيبة بالأقصر، ثم تل العمارنة بالمنيا ثم طيبة بالأقصر مرة أخرى، ثم انتقلت إلى صان الحجر بمحافظة ‏الشرقية، ثم إلى سمنود بمحافظة الغربية بالدلتا.. واستقرت مدافن الملوك جميعهم في البر الغربي بوادي الملوك والملكات كونه بعيداً عن فيضان النيل.. ولم ‏تكن بينها أي صراعات سياسية لأنها لم تكن متزامنة بل متتابعة، ولم تشهد انقساماً سياسياً أو عسكرياً، بل كانت المنظومة العسكرية والقانونية ‏والسياسية واحدة في كل أطراف الدولة.. هذه المدن كانت هي مراكز الحضارة المصرية على طول عصورها، ولذلك استمرت ولم تنتقل عاصمة الفراعنة ‏إلى السودان أو تشاد أو السعودية برغم وقوعها تحت السيادة المصرية؛ لأن منشأ الحضارة كان بسواعد أبنائها وبأفكارهم وعقولهم، شيدوا أهراماتٍ ‏عظيمة قامت على نظرية بناء هندسية فلكية عجيبة... ووضعوا خريطة للأبراج الفلكية.. واكتشفوا أسرار التحنيط.. وتركوا رسائل علمية في الطب ‏النفسي وهو أرقى أنواع العلوم.. وقدسوا زهرة اللوتس النظيفة..بينما العرب قدسوا السيف حتى أن أحفادهم السعوديين ما زالوا يضعونه شعاراً لدولتهم ‏قرينا بشعار الدين إلى يومنا هذا ! لأن هذه القومية العربية قومية مجرمة بالفطرة، بل هي أشبه بفصيلة الكائنات الشرسة البرية، فهي سلالة تختلف عن ‏كافة السلالات البشرية.‏

وكذلك حضارة العراق "البابلية والآشورية" استمرت الدولة البابلية في قمتها ألف ومائتي عام متواصلة في قمة ازدهارها، وكانت عاصمتها في مقرها ‏بابل طوال حقبة الحضارة البابلية. وكذا قرينتها الآشورية في ذات الحقبة التاريخية، وكانت كتابة الآشوريين‎ ‎الكتابة المسمارية‎ ‎التي كانت تكتب علي ألواح ‏الطين، وأشهر مخطوطاتها‎ ‎ملحمة جلجامش‎ ‎التي ورد بها الطوفان لأول مرة. وكانت علومهم مرتبطة بالزراعة ونظام العد الحسابي السومري الذي عرف ‏بنظام الستينات، وكانوا يعرفون أن الدائرة 60 درجة، كما عرفوا الكسور والمربع والمكعب والجذر التربيعي، وتقدموا في الفلك وحسبوا محيط خمسة ‏كواكب، وكان لهم تقويمهم القمري وقسموا السنة لشهور والشهور لأيام، وكان اليوم عندهم 12 ساعة والساعة 30 دقيقة. وكانت مكتبة الملك آشور ‏بانيبال من أشهر المكتبات في العالم القديم حيث جمع كل الألواح بها من شتى مكتبات بلاده‎.‎

‏ وكذا الحضارة الأوروبية القديمة (الإغريق والرومان) قاربت على ألف وستمائة عام في قمة ازدهارها واستقرت عاصمتيها في أثينا و روما مقراً لها ‏برغم امتداد سلطانهم إلى كثير من أطراف العالم. رحل الرومان والإغريق وتركوا للبشرية إرثاً حضارياً عظيماً لا تخطئه عين قارئ، فالحضارة الأوروبية الحديثة ‏ارتكزت فعلياً على منجزات الحضارة الرومانية الإغريقية القديمة بقدر أكبر من حضارة العرب، غير أن علماء الحضارة العربية لم يكونوا عرب وإنما شتات ‏من بقايا الحضارات التي تطفل عليها العرب. وكذلك بالنسبة للحضارة الأوروبية الحديثة، لم نر عاصمة انتقلت من بلادها إلى إحدى المستعمرات التي ‏سيطرت عليها، فلم تنتقل عاصمة الإمبراطورية البريطانية العظمى إلى السودان مثلاً أو إلى إثيوبيا خلال فترة استعمارها، ظلت طوال عهدها على ‏الأراضي الإنجليزية ذاته لأنها مركز النشاط الحضاري ثقافياً واقتصاديا، كانت العاصمة هي مانشستر حتى اشتعلت الثورة الصناعية الكبرى، ولما اسودت ‏جدران المباني والعمائر من كثافة الدخان مع زيادة حجم النشاط الاقتصادي ودخول عصر الصناعة، انتقلت العاصمة إلى المدينة المجاورة لندن على حافة ‏النهر لتبقى نظيفة من أثر الصناعة على البيئة.. بينما دولة العرب تنقلت عواصمها جميعاً إلى المستعمرات، بدأت بالكوفة لأن فيها المال والرجال، ثم ‏دمشق التي كانت مرتعاً لجيش معاوية، ثم بغداد لأن هواءها طيب، وقرطبة لأنها بعيدة عن بغداد ! حتى التنظيم السياسي والإداري جاء متقلباً متصارعاً ‏كما طبائع العربي البدوي النزعة والمشرب.‏

‏(انتهى مقال اليوم... سيدي القارئ كن هادئاً في تناول أفكارك دون أن تتعصب وتعصر دماغك بالسب واللعن دفاعاً عن الصحابة لأنني أدافع عن الإسلام الذي ظلمه الصحابة بسبب فطرتهم ونشأتهم وبيئتهم وطبيعة حياتهم، ولا أقارن بين الصحابة العرب وأجدادي قدماء المصريين من حيث قدرتهم على بناء حضارة مدنية من أجل الشعور بالأفضلية والفخر على غيرنا أبداً، وإنما لاختيار الطريق الذي يصلح لبناء واستنبات الحضارة مرة أخرى، فدولة الصحابة العرب لا يمكن إعادة استنباتها إلا بنموذج داعش، بينما حضارة المصريين يمكن إعادة استنباتها في تربتها الخصبة بسلام ودون إزعاج العالم بعدد السبايا والرؤوس المذبوحة ومعارض النخاسة.... وأنا أحترم جميع الشعوب والثقافات لكنني أنتقي وأبحث عن الحضارة، والدين ليس كتالوج لبناء الحضارة لأن الحضارة هي عمل - بناء - إنتاج، بينما الدين غذاء روحاني وعنصر من عناصر الحضارة وليس كل أدواتها... نلتقي غداً في المقال الثاني بتصرف من كتابنا؛ غُبار الاحتلال العربي)‏

المصادر:‏
‏1-‏ مقدمة ابن خلدون - الفصل السادس والعشرون-(في باب.. أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب) (ص 149 - 150 ))‏
‏2-‏ موسوعة مصر القديمة - سليم حسن‎- ‎آثار الإسكندرية القديمة - عزت قادوس‎- ‎أخناتون وديانة النور - إريك هورونونج




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,297,234
- الخليفة الذي زحف على بطنه داخل الهرم
- جلالة الملك المظلوم
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (2)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (4)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- النهج الديمقراطي يدين الزيادة في أسعار زيت المائدة ويعبر عن ...
- التنوير في الأدب البحريني ( 2- 2)
- الأزياء حكايات
- البطالة قلق دائم لشباب البحرين
- المجتمع الأمريكي بين الإنقسام والديمقراطية المعتدلة
- فنجان قهوة
- حامل في زمن “كوفيد”
- مطر صيف
- التغيير الوزاري.. لماذا وكيف؟!
- كذب أبيض


المزيد.....

- الحركة الاجتماعية بين التغيير السلمي وراديكالية الثورة / زهير الخويلدي
- النظرية والتطبيق عند عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني / عيبان محمد السامعي
- أسباب ثورة 14 تموز 1958، (الوضع قبل الثورة)* / عبدالخالق حسين
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - الجزء الثاني / احمد حسن
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - مقدمة جوروج نوفاك / احمد حسن
- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏