أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - غبار الاحتلال العربي (3)















المزيد.....



غبار الاحتلال العربي (3)


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6235 - 2019 / 5 / 20 - 03:58
المحور: المجتمع المدني
    


عرفنا في المقالات السابقة أن العقلية العربية عقلية برية أدبية نظرية تنفر من العمل والبناء والإنتاج ، وقد تمثل ذلك بوضوح في محتوى ومضمون الثقافة العربية (التاريخ العربي والأدب العربي) حيث أن القومية العربية لا تملك من العلم إلا التاريخ والأدب، وعرفنا أن التاريخ العربي ما هو إلا تاريخ بري مخضب بالدماء لا يعرف للإنسانية طريقاً، وعرفنا أن النتاج المعرفي للقومية العربية ينحصر في الأدب فقط دون العلم أي أنها عقلية أدبية نظرية بحتة... فعندما احتل العرب مصر لم يستوعبوا طبيعة العقلية المصرية ولا ثقافتها ولا علومها، حتى أن ابن العاص عندما فكر في بناء مسجده ‏بمعسكر الفسطاط الكبير ذبح بقرة وأمر بتشريح جلدها خيطاً واحد، وعلى طول هذا الخيط من جلد البقرة وضع حدود الجامع فكانت ‏مساحته كبيرة جداً بمساحة جلد البقرة بعد نسره خيوطاً، واتبع أساليب البناء المعروفة في قريش، فجاء الجامع عبارة عن سور مربع دون سقف ‏وعلى ركنٍ فيه قبة أشبه بالكوخ لا يقارن أبداً بمنارة الإسكندرية وقت دخول عمرو العاص مصر. لأنهم وكما يقول ابن خلدون: "والسبب ‏في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقاً وجبلة، وكان عندهم ملذوذ لما فيه من الخروج ‏عن ربقة الحكم وعدم الانقياد لسياسة وهذه الطبيعة منافية للعمران. فالحجر مثلا أنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي القدر، فينقلونه من ‏المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك. والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربون ‏السقف عليه لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران هذا في حالهم على العموم "‏‎ ‎‏.. ‏
ونجد هنا أن ابن خلدون قد سبر النفسية العربية وغاص في أعماقها من خلال تحليل سلوكياتها وتصرفاتها الساذجة والتي تعبر عن طبيعة المصدر ‏المعرفي لهم وتحمل الملامح العقلية التي تجسدت في هذا السلوك. فطبيعتهم منافية للعمران، فهم (يهدمون كي يستخدمون)، ولا يبنون كي يستخدمون، ‏وهذه طبيعة العقلية الاستهلاكية وليست الإنتاجية.. وهذا ما كان يحدث عند دخول العرب مصر، ولذلك نجد بعض المساجد العريقة بالقاهرة بها ‏أحجار فرعونية منقوشة تم انتزاعها من المعابد الفرعونية القديمة، فكان العمال ينتزعون أحجار المعابد والقصور الفرعونية لاستخدامها في بناء المساجد، ‏والأمر هنا لا يتعلق بالعبادة إطلاقاً لأن هؤلاء الذين انتزعوا الأحجار الفرعونية من المعابد لم يكن دافعهم هو هدم المعابد لاعتبارها وثنية، وإنما ‏لاستخدام أحجارها في البناء.. والأمر أيضاً لا يتعلق بالمفاضلة بين معبد قديم ومسجد، لأن المسجد أولى بطبيعة الحال فهو بيت من بيوت الله، لكن ‏المصريين على مدار تاريخهم لم يهدموا هذه المعابد لاستخدام أحجارها في بناء بيوتهم أو بناء معابد جديدة، ففكرة الهدم ذاتها – هدم بناء قائم – ‏ليست موجودة في العقلية المصرية، حتى وإن لم تعرف فائدة أو قيمة لهذا البناء، فالبناء طالما كان قائماً لا يُهدم ويُترك على حاله.. ولهذا بقيت ‏الأهرامات إلى يومنا هذا.. حتى محمد علي باشا عندما شرع في بناء القناطر الخيرة، وأعجزته الميزانية عن البناء بسبب ارتفاع تكلفة الأحجار اللازمة، ‏وعرض عليه مهندس فرنسي هدم المعابد الفرعونية والأهرام لاستخدام أحجارها في بناء القناطر، رفض محمد علي ذلك وتوقف المشروع، إلى أن جاء ‏حفيده الوالي سعيد واستأنف مشروع القناطر.‏
وأما الأثافي التي يتحدث عنها ابن خلدون فهي النموذج الذي بناه خالد الوليد ليشوي عليه رأس مالك ابن نويرة بعد ذبحه، حيث قام بوضع ‏حجرين متجاورين ووضع رأس مالك في زاوية ثالثة لهما لتشكل بذلك الثلاثة زوايا موقداً للطهي، فكانت عادة العرب في الطهي تبدأ بتسوية الأثافي، ‏فيضع ثلاثة أحجار متجاورة في مثلث حاد الزوايا ويضع فوقهما قدر الطهي، وإن لم يجد ثلاثة أحجار يضع حجرين إلى جوار بروز في الجبل، هذا البروز ‏يشكل ناصية الحجر الثالث أو الزاوية الثالثة، وبذلك يتشكل الموقد ويكون جاهزاً للطهي.. وكان العرب ينتزعون الأحجار من أي بناء حولهم لوضع ‏الأثافي والطهي عليها، وهذا بطبيعته مخالف للعمران، لأن المصريين في هذا الوقت كانوا يستخدمون بوتاجاز محلي الصنع في المطبخ المصري. والبوتاجاز ‏المصري عمره أكثر من ٣٢٠٠ عاماً، ربما يكون أول موقد في التاريخ يمكن التحكم في حرارته، وبِه ١٢ عين للإشعال بأقطار مختلفة، مصنوع من البرونز ‏ومنقوش علية اسم الملك‎ ‎رمسيس‎ ‎الثاني، ولكنه وجد في مقبرة الملك بسوسينيس الأول في تانيس، توقد النار بداخله تحت قرص المشاعل فتسخن ‏السطح وتخرج مباشرة من الفتحات الأربعة الخلفية، وتوجد ثمانية فتحات ذات سُمك وقطر مختلف للحصول علي درجات حرارة مختلفة... وقد تنوعت ‏أطباق المطبخ المصري الفرعوني بين أطباق الخضر واللحم والحلويات، ‏‎ ‎وكانت الأبقار والضأن هي المصدر الأساسي للحوم الحمراء، ولم يقبل المصري ‏القديم على تناول الخنازير نظرًا لارتباطها في معتقداتهم بالإله "ست" إله الشر‎.‎
لكن عمرو العاص تعالى على علوم المصريين لأنه لم يكن يتحدث اللغة الفرعونية، ولم يندمج في ثقافة المصريين ويتودد إليهم، ولم يستخدم الأدوات ‏والمعارف والمهندسين الذين شيدوا المنارة وأشرفوا عليها وثبتوا عدساتها وأوقدوا مشاعلها.. لم يستخدمهم في بناء مسجده واكتفى بنسر جلد البقرة بدلاً ‏من المساطر والأقلام. بينما المصريون في هذا الوقت كانوا يعرفون الكثير في العلوم الهندسية والمعمار ويصنعون مساطر مدرجة بذات دقة المساطر التي ‏نستخدمها في القرن الحادي والعشرين، استخدموها لقياس منسوب النيل أوقات الفيضان وحددوا زوايا النجوم والأبراج مع زوايا الهرم، واستخدموها في ‏بناء المعابد والقصور والأهرام ودقتها لا تخطئ ملليمتراً واحداً، لكن العرب لم تكن ثقافتهم علمية بأي حال، ولم يتمكنوا من هضم العلوم والمعارف ‏الموجودة في مصر، فقط هضموا ثروتها بنهم. ولذلك نجد الأثر الاقتصادي السلبي على المجتمع المصري خلال عصر الدولة العربية يفوق الأثر الثقافي ‏والديني الإيجابي بمراحل عديدة. ‏
ففي هذا الوقت لم يكن العرب يسمعون عن هذه الفروع والتخصصات العلمية، كانوا قبائل بدوية صحراوية، ولم يكن ممكناً ترجمة هذه العلوم ‏والمعارف إلى اللغة العربية لأن اللغة العربية لا تقوى على حمل هذه العلوم والمعارف، فليس فيها المصطلحات العلمية لأن مورثوها الثقافي شعر ونثر ‏وزجل وهجاء فقط، هذا هو عماد اللغة العربية وكانت في حاجة ضرورية إلى عمليات تعريب أي ابتكار ألفاظ ومصطلحات تحمل العلوم المصرية؛ طب ‏وفيزياء وكيمياء وفلك ورياضة، لكن العرب لم تكن صنعتهم العلم ولا شغلوا أنفسهم به ولا نسيجهم الذهني يؤهلهم للعمل بهذا النوع من المعرفة، فقط ‏اهتموا بما جاؤا من أجله، حيث قاموا بتعريب ديوان الخراج والضرائب والجبايات وتعلموا من الموظفين المصريين العلوم الإدارية والمالية، ورغم أنها كانت ‏صعبة عليهم لكنهم تعلموها ليضمنوا حجم الثروة وتحصيل الإنتاج الاقتصادي المصري ويمنعوا التهرب الضريبي، أما العلوم الطبيعية مثل الطب والفلك ‏والكيمياء فلا هي صنعتهم ولا مصلحة لهم فيها، ولهذا بقيت اللغة العربية عاجزة في هذه الفروع العلمية. فالعرب حتى لم يسمحوا للمصريين أن يتعلموا ‏الدين الإسلامي بلغتهم، فكان على العرب إذا كانوا يزعمون أنهم إنما جاؤا يعلمونا دينهم لا لينهبوا ثرواتنا، فكان عليهم أن يتعلموا لغتنا أولاً ويتقربوا ‏إلينا كي يعلمونا دينهم، فليس منطقياً أن تطلب من نمساوي أو بلجيكي أن يتعلم لغتك كي تعلمه دينك. وفي الواقع برغم أن العرب قالوا أنهم جاؤا ‏لينشروا الدين لكننا لا نرى لهم أي أثر في نشر الدين إطلاقاً، لأن مسألة نشر الدين لا بد أن يسبقها تمهيد وإعداد للأدوات، فإما أن يتم ترجمة هذا ‏الدين إلى اللغة المصرية وتقديمه للمصريين كي يتعرفوا عليه عن قرب، أو أن يتم تعليمهم اللغة العربية كي يتعرفوا فيما بعد ومن خلال التواصل والاندماج ‏الثقافي على الدين الإسلامي، إنما الحقيقة أن العرب لم يبذلوا أي جهد في موضوع الترجمة لأن الترجمة علم دقيق والعرب ليس من شأنهم الانشغال ‏بالعلوم، ولهذا أمروا فقط بترجمة دواوين الجزية والخراج ليتمكنوا من حصر الثروات، ولم يترجموا معاني القرآن ولا مرويات وأحاديث النبي للغة المصرية حتى ‏قضى المصريون 400 سنة بعد دخول عمرو لا يتحدثون اللغة العربية فكيف سيعرفون دينها؟.‏ ولم يقم الصحابة الكرام بترجمة القرآن إلى اللغة الفرعونية فلماذا جاؤا ؟! هل جاؤا فقط من أجل السلب والنهب والسبي !!
وكلما انتشرت اللغة العربية بمحتواها الثقافي العربي الشفوي، كلما قلت أعداد الطلاب المتقدمين لتلك المدارس المصرية القديمة لأنها بعد حظرها ‏بأمر الحاكم وصيرورة اللغة العربية لغة رسمية للدولة، أصبحت اللغة المصرية كاللغات الأجنبية ومحصورة في الكنائس والأديرة والصوامع العلمية ومطلوب ‏ممن يتقدم لها أن يتعلمها في المدرسة لأنه لا يتحدث بها في منزله ولا في الشارع بعد حظرها، ولهذا تكاسلت الناس عن تعلم اللغة المصرية كلغة علم ‏بجوار اللغة العربية واكتفوا باللغة العربية وانتشرت مدارسها التي تدرس فقط معرفة شفوية نظرية من الموروث الثقافي العربي وتغافلت الناس عن الموروث ‏الثقافي المصري العلمي (وهنا البداية الفعلية للاحتلال الثقافي العربي لمصر، بحلول اللغة العربية بخلفيتها الثقافية الأدبية محل اللغة المصرية بخلفيتها العلمية)‏
ومن هنا تحولت تدريجياً ثقافة الشعب المصري وانحصرت في موروث اللغة العربية (الشعر والنثر الجاهلي، وأضيف عليه علوم الدين الإسلامي وتاريخ ‏العرب باعتباره تاريخ إسلامي) وزادت الأمية وانتشر الجهل وتآكلت العلوم فى المجتمع المصري، وتعطل عقله بتجمد علومه ولغته، الأمر الذي وصل إلى ‏حد أنه لم يبق بمصر من يعرف القراءة والكتابة باللغة العربية ذاتها، ليس سوى ما يقرب من الخمسين شخصاً حسب ما جاء فى رسالة القنصل الروسي ‏فى مصر للقيصر عندما تولى محمد على السلطة فى مصر‎ ‎‏ (‏ ‏). رغم مرور 800 سنة على اعتماد اللغة العربية في مصر.‏
غير أن الغبار العربي الذي حل مع اللغة العربية في مصر منذ ألف عامٍ كما الغبار الذري القادم من الصحراء أحدث انفصاماً في الذهنية المصرية، ‏حينما جعلها تتبنى ثقافة ليست من جنسها، وتلبس ثوباً لا يحمل قسماتها وملامحها، وجعلها تتنفس غباراً عربياً بديلاً عن أفكارها، مسخ النسيج ‏الذهني الفرعوني وطمس ملامحه وجعلنا نتنكر لأجدادنا وجعلنا ننسى لغتنا المصرية الأصلية التي نشأ عليها أجدادنا وشيدوا حضارتهم على مفرداتها ‏ومعانيها.. أو لنقل طُمست الذهنية الفرعونية بطمس لغتها، وذبل نسيجها عندما تبخرت لغته.. ‏
فخلال فترة الحكم العربي في مصر لم تشهد مصر أي إنجازات من أي نوع، لا علمية ولا اقتصادية ولا معمارية سوى فقط حفر الترعة الفرعونية ‏القديمة الواصلة بين نهر النيل والبحر الأحمر لتنقل ثروات المصريين والجزية والخراج إلى السعودية بالمراكب، ولم ينشئ العرب أي مشروعات قومية في مصر ‏لأنهم لا يعرفون معنى المشروعات الاقتصادية وليست من ثقافتهم أصلاً فهم شعب بادية وخيام وسيوف وحروب قبلية فقط. وأما على مستوى المعرفة ‏العلمية فقد هبط مستوى المصريين إلى الحضيض وأصابهم الفقر والهم بسبب ارتفاع التكاليف والضرائب لأن العرب كانوا متطفلين على أرزاق المصريين، ‏بمعنى كل مصري يعمل لينفق على أسرته ومعهم عشرة من العرب لأن العرب لا عمل لهم سوى تحصيل الجبايات كما الهكسوس، ولذلك فنحن بحاجة ‏إلى أحمس جديد لطرد العرب من مصر وتطهيرها من غبار الاحتلال العربي، وفي حاجة إلى تحتمس جديد ليبني مصر الجديدة. ‏
ولهذا انحدر مستوى المعرفة بين الشعب المصري خاصة بعدما تبنى الأزهر الثقافة العربية الشفوية لخدمة علوم الدين، وأصبح رجال الدين في مصر ‏هم مركز النشاط الثقافي ووسيلتهم هي اللغة العربية أو أصبحت اللغة العربية هي وسيلة الخطاب اليومي بين الناس، وفي ذات الوقت هي وسيلة العلم، ‏مع أنها لا تحمل إلا ثقافة شفوية تضم علوم الدين وتاريخ العرب والشعر الجاهلي، وابتعدت اللغة المصرية وانحصرت في الصوامع الدينية والأديرة البعيدة ‏عن الحياة والمجتمع، وما زالت إلى يومنا هذا، لكن ربما حان الوقت لاستعادتها لأن الشعوب لا تنهض إلا بلغاتها الأم لأنها جزء من نسيجها الذهني ‏شئنا أم أبينا. وفي الواقع اجتهد رجال الدين في لملمة كل الخلفية الثقافية التي تدعم اللغة العربية لتسهل عليهم دراسة الدين الإسلامي في هذا الوقت، ‏لكنهم لم يستطيعوا التمييز بين ما يخدم هذا الدين وما يضره، فما يضره كان هو الغبار الثقافي الملحق بهذه اللغة من تاريخ العرب وثقافتهم وطابعها ‏الأدبي البحت وخلوها من أي رصيد معرفي علمي. فاللغة العربية هي لغة أدبية وثقافتها شفوية وليست علمية؛ ذلك أن المادة ال العلمية لا تنتقل ‏شفوياً أبداً، ولا يوجد في ركنٍ في العالم أي نوعٍ من الثقافة العلمية المنضبطة قد انتقل شفوياً أبداً، فقط المعرفة الأدبية هي التي تنتقل شفوياً لأنها في ‏الأصل سائلة وغير منضبطة كما روايات الرواة وروى فلانٍ ابن فلان عن فلان ابن علان. فيقول الجاحظ: " اللسانُ أكثر هذراً والقلم أبقى أثراً، ‏والكتاب يُقرأ في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعيه "‏
وبرغم أن القرآن على الجانب الظاهر له يبدو نصاً أدبياً فضفاضاً في المعنى واللفظ، إلا أنه في الواقع مادة علمية بحتة كما الفيزياء، ولذلك نجده ‏يبدأ بكلمة اقرأ ، وهي لهجة علمية باعثة على الفضول وليست أدبية باعثة على النشوى، وهي تحمل دلالة من الفضول والبحث العلمي بالقراءة ‏والاطلاع والتأمل لا مجرد الاستمتاع ببلاغة نصٍ أدبي، وبرغم أن القرآن جاء بنظمٍ بلاغي مجازي إلا أنه مع ذلك نص علمي وليس أدبي لأنه لم يحمل ‏أي لحظة من الخيال، ولم يتحلل من المعايير الفكرية في أي لحظة، ولم يعتمد على المترادفات وإنما جاءت صياغته دقيقة بدرجة تجعله يتساوى مع ‏المعادلات الرياضية، وكل ما في الأمر أنه جاء مادة علمية بأسلوب علمي متأدب، وهذا ما يعني انه يتطلب عقلية علمية لفهمه.‏
ولأن العقل العربي في الأساس عقل أدبي وليس علمي، فلهذا نفر العرب من علوم الفقه والتفسير والطبيعة ولم يخرج منهم علماء يتفقهون في القرآن ‏ويفسرونه ويبذلون فيه جهدهم كما بذل الأعاجم، برغم أن العرب هم أصل اللغة ومهبط القرآن، لكنهم لم يبرعوا فيه كما غيرهم، فقط لأن القرآن مادة ‏علمية وليست أدبية، والعقلية العربية لا تتعامل إلا مع مادة أدبية. وبالنظر إلى هذه المعطيات، وأن رجال الدين في مصر جعلوا علوم اللغة هي قاعدة ‏أساسية للقرآن، وهذا صواب، لكنهم جعلوا الثقافة العربية خلفية ورصيد معرفي يمكنهم بالاعتماد عليه تفسير وفهم القرآن والتفقه في أحكامه، وهنا ‏وقعت الكارثة، لأن الخلفية الفكرية العربية ذات طبيعة مختلفة عن طبيعة القرآن، فهم جعلوا تاريخ العرب "الصحابة"مادة خصبة يدور في فلكها القرآن، ‏بينما تاريخ العرب دار في أفلاك بعيدة جداً.‏
هذه العوامل أدت إلى انحراف الفقه والمعرفة الدينية منذ البداية على ثلاث محاور، الأول هو افتقاد العقل الفقهي للموضوعية العلمية بسبب خلو ‏اللغة من أي رصيد علمي واعتمادها الكامل على المعرفة الأدبية، والمحور الثاني هو تاريخ العرب وأعرافهم التي اندمجت في الثقافة الدينية. والمحور الثالث ‏هو إصابة الشعوب التي احتلها العرب بمتلازمة ستوكهولم ما جعلهم يؤمنون بفكر العرب أكثر من تدبرهم للنص القرآني، وفي المجمل طالما افتقدت ‏الثقافة المصرية جناحها العلمي فحتماً ستنهار لأن العقل المصري نسيجه وغذاءه هو العلوم والمعرفة التطبيقية وليس الأدبية العربية.‏
‏ فهكذا بدأ تحوّل الحركة الفكرية في مصر من علمية إلى أدبية دينية، وكما أوضحنا أنها ثقافة نظرية لا تتلاءم مع النسيج الذهني للشعب المصري، ‏لأن العقلية المصرية عقلية علمية عملية تطبيقية، أي تقوم على غريزة الفضول والتدقيق والتحقيق والبحث وراء الفكرة والمعلومة، أما الثقافة العربية ‏الشفوية (الشعر والنثر وحكايات وأيام العرب) فهي تعتمد على الخيال وليس الفضول، تعتمد على التذوق وليس التحليل الفكري، تعتمد على الإثارة ‏وليس التأمل والتدبر، فالعقلية العربية أصلاً عاجزة في هذا الجانب، وليس لديها غريزة الفضول والبحث وراء الفكرة والمعلومة وحتى الشعب السعودي ما ‏زال على طبيعته حتى اليوم ليس الفضول العلمي من أبجدياته، فمن يقول شعراً ليس بحاجة إلى فضول وتدبر وبحث وتأمل، وكذلك من يقول نثراً يطلق ‏لخياله العنان ليسيح بين الخيال والأسطورة والإثارة والتشويق، بل هذه النوعية من الثقافة تعتمد على الإلهام والوحي وليس الفضول والفكر والتدبر ‏والتأمل، والفضول هو عصب العبقرية والإبداع العلمي التطبيقي حتى أننا نجد أينشتاين يقول " يكاد الفضول يقتلني" في بعض الأوقات، أي أننا نفهم ‏من كلام أينشتاين أن فضوله وبحثه وراء الفكرة والمعلومة هو سبب عبقريته، حتى أنه يؤكد ذلك فيقول: إن الناس العاديين يبحثون عن إبرة في كومة ‏قش، وإن وجدوها يتوقف البحث، بينما نحن إذا وجدنا الإبرة في كومة القش نبحث عن الأخرى.. وهذه الخاصية ليست موجودة في العقل العربي ‏وليست من خصائصه البيولوجية. ‏
إنما ثقافتهم تعتمد على الإلهام والوحي (ليس الوحي القرآني وإنما الشعر والخيال المحض) لأنها نتاج عقل بلا إرادة، وهي محض حالة ارتجالية، حتى ‏أنهم كانوا يعتقدون أن هناك نوع من الجان يتلبس الشاعر ويلهمه الشعر، ولذلك فمفهوم العبقرية عند العرب هي بمعيار الشعر الأفضل ديباجة وخيالاً، ‏وبما أنهم اعتقدوا أن الشعر مصدره وحي وإلهام من الجن، وبما أن الجن في أدبياتهم يسكن وادي صحراوي في شمال السعودية اسمه وادي عبقر، ولذلك ‏قالوا على الشاعر عبقري أي مجنون أو لازمه جان الشعر، إذن العبقرية في مفهوم العقل العربي هي قمة الجنون الشعري، وهي عبقرية أدبية وليست ‏علمية بمفهوم المصريين. والخلاصة أن الخصائص الفكرية لدى العرب مختلفة عن العقل المصري، والعبقرية في نظر العرب تعني من مسه جان جعله يطلق ‏أشعاراً سائلة وخيالية، هذا النوع من الإبداع المعرفي هو نتاج عقلية من فصيلة العرب فقط، ولا يمكن لإنسان من الفصيلة المصرية الخالصة أن يبدع مثل ‏هذا النوع من المعرفة الأدبية إلا إذا كان هجين بين الفصيلتين. ‏
فالمصريون لا يعرفون الوحي والإلهام والزجل ولا التلاعب بالألفاظ والمجاز، وإنما يعرفون المساطر والأقلام والمقادير، ولا يبدعون إلا في التراكيب ‏التطبيقية لا اللغوية، فلا يوجد لدينا شاعر مصري قال قصيدة مثل شعر عنترة والمتنبي وطرفة ابن العبد أو جرير والفرزدق وحسان ابن ثابت والخنساء ‏وامرؤ القيس، ولكن يوجد لدينا باحثين ابتكروا طريقة للتحنيط وطريقة لتركيب الأدوية وطريقة لتقويم وتركيب أسنان ذهبية، ونظرية لبناء الهرم، وطريقة ‏لتصنيع الألوان والورق والأحبار..إلخ. فالعبقرية بمفهوم المصري تعني غريزة الفضول والتأمل والبحث وراء الفكرة واللغز والحل... وهذا ما جعل لكل ‏شعب لغة تميزه وتجسد أفكاره ونتاجه المعرفي ومزاجه العام... لكننا نتساءل عن الموقف إذا ما أراد عالم فيزياء أن يقرأ في كتب الشعر والزجل ؟ أو إذا ‏أراد المتنبي أن يقرأ في كتب الفيزياء؟ فكيف تكون النتيجة؟ بالطبع فثقافة العرب الأدبية ليست غذاءً طبيعياً وملائما لعقل الطفل المصري؛ لأن نسيجه ‏غير مصمم على هضم هذه النوعية من الفكر بقدر ما هو مصمم على هضم العلوم. ‏
بل إن العقل البشري له رحلتين فكريتين أو جولتين عقليتين تتكرران باستمرار على مدار الوقت كما موسمي الشتاء والصيف، فلو نظرنا إلى طبيعة ‏المناخ حولنا سنجده ينقسم إلى موسمين متكررين بالتبادل (الصيف والشتاء ) والشتاء له ظروف مختلفة من حيث درجة الحرارة والطقس الشتوي العاصف ‏والرياح والمطر والرعد والبرق والتقلبات المناخية الحادة كما في شهر أمشير، أما الصيف فيمتاز بالهدوء الطقسي مع ارتفاع درجة الحرارة.. لكن كل هذه ‏الفروقات لا تهمنا في شيء، بل ما يهمنا هو نوعية النباتات والأشجار التي تزهر وتثمر في الشتاء فقط، ونوعية النباتات والأشجار الأخرى التي لا تزهر ‏ولا تثمر إلا في الصيف فقط، برغم أن كل الأنواع النباتية تتكون من ذات النسيج النباتي، لكنها متخصصة من حيث الأداء الفسيولوجي وقابلية ‏التكيف مع المناخ والبيئة.. ‏
هكذا ذات الفروقات نجدها في النسيج العقلي، فكل أجناس البشر مخلوقون من ذات النسيج الحيوي، والناس سواسية كأسنان المشط، لكن ‏المجتمعات هي أنسجة حيوية متخصصة من حيث الأداء الفسيولوجي، فالنسيج العقلي المصري يزهر في الربيع وينتج ثماره في الصيف، أما النسيج ‏العقلي العربي فيزهر في الخريف وينتج ثماره في الشتاء، وهذه حكمة الله في تنوع الخلق، ولذلك وجدنا السيرة الذاتية للشعب العربي تعج بألوان الإبداع ‏الأدبي ما لم نجد له مثيل في شعوب العالم، في حين أننا نجد السيرة الذاتية للشعب المصري تعج بأنواع الإبداع العلمي، فثمرة العقل المصري علمية عملية ‏تطبيقية، وتاريخ الحضارة الفرعونية خير شاهد. وهذا ما يعني أن هناك تناقض وتقابل في نوعية الثمر العقلي، فأحدهما يظهر في موسم والآخر يظهر في ‏موسم آخر، ولا يمكن أن يثمر الاثنين في موسم واحد ولا يمكن أن يتماثلا بأي حال، ولذلك وجدنا الحضارة المصرية عاشت في قمتها آلاف السنين ‏بينما كان العرب يجوبون الصحارى بخيامهم، وفي الوقت الذي أسس في العرب دولتهم وصعدوا على أكتاف الشعوب المدنية المجاورة (العصر العباسي ‏قمة الازدهار العربي) كان الفراعنة في حالة البيات الشتوي، فظروف الشعب المصري خلال حقبة السيادة العربية كانت في أحط مراحل الحضارة، كانوا ‏‏(مسلمين ومسحيين) يعيشون حالة من السكون العقلي الذاتي مع قمع سياسي عربي.. ثم بمرور الزمن ستنعكس الأوضاع ويتحول هذا البيات الشتوي ‏إلى نهارٍ صيفي، لتنعكس أحوال العرب أيضاً عبر الزمن.‏
ولا يقول قائل بأن لدينا أمير الشعراء أحمد شوقي باشا ولا أمير الهوى إبراهيم ناجي وحافظ إبراهيم ؛ لأن هؤلاء الأدباء والشعراء ظهروا بعدما ‏تهجن النسيج الحيوي المصري بالنسيج العربي، لأن عشرات القبائل العربية هاجرت لمصر عند دخول العرب في القرن السابع، وتهجنت الثقافة المصرية ‏بالثقافة العربية، أما لو عدنا للجذر المصري الخام، فلن نجد لدى الفراعنة مثل هذه النوعية من الإبداع، فقط وجدنا رسائل علمية وتاريخية، ووجدنا رسائل ‏عاطفية أيضاً تنضح كلماتها بسيل من المشاعر الجياشة لكنها ليست شعراً ولا تحمل أي تلاعب بالكلمات والألفاظ. لكن الفراعنة عندما سكنت ‏جيناتهم وخمل نسيجهم العقلي وتقمصوا العقلية العربية فكروا على طريقة العرب وأبدعوا بعقلية العرب، وبرغم ذلك يعتبر الشعر المصري منتجاً عاقراً ‏عند مقارنته بالشعر العربي الأصيل، لأن النسيج العقلي المصري الأصيل ليس نسيجاً شعرياً أدبياً وإنما علمياً بامتياز، فهو مثل أشجار الجوافة التي تعطي ‏بعض ثمارها في الشتاء برغم أنها أشجار صيفية. ولهذا وجدنا الشعر الزجل أكثر غزارة وشهرة في مصر من الشعر المقفى الموزون، والغريب أن أغلب ‏الشعر المصري جاء تعبيراً عن الأسى وبنبرة حزن وشجن وتظلُّم كما حال التراث الشعبي من الأغاني المصرية، عكس العرب الذين جاء أغلب شعرهم في ‏الفخر والغرور والهجاء... فالشعر العربي هو فعل ومبادرة عقلية، بينما الشعر المصري رد فعلٍ عقلي.‏
وكذلك نجد أيضاً أن الثقافة العربية عندما دخلت الأندلس لم تنتج شعراً أصيلاً كما الشعر العربي، ولا حتى نسخة أصلية منه، بل كان نوعٌ من ‏الزجل شبيه بالشعر وأطلق عليه اصطلاح " الموشحات " وتقريباً كان هذا النوع هو أول خروج عن قواعد الشعر العربي ونظام البحر الشعري والبيت ‏والوزن والقافية العربية الأصيلة، فكان هذا النوع من الزجل أشبه بالأغاني أو هو شعر نثري حر لا يلتزم بوزن ولا قافية ولا سجع، وإنما فقط يضع المعنى ‏الحر الذي يسبح في عقل الشاعر، فلم تستطع العقلية الأندلسية محاكاة العقلية العربية في الشعر لأنها من طبيعية فسيولوجية مختلفة تماماً، حتى أننا نجد ‏أن جميع الأسماء اللامعة في حقبة الأندلس لا تحمل أسماء عربية وإنما مستعربة ولهذا تنتهي جميعها بمقطع" ون" وهي أسماء لعائلات غير عربية لكنها ‏أسلمت وانتحلت اسماً عربياً مثل ابن زيدون، وابن عبدون، وابن حفصون..إلخ. وهذا ما يؤكد أنهم من أصول غير عربية ولهذا لم يستطيعوا محاكاة العقلة ‏العربية.‏
أما العقلية المصرية مهما حاولت تقمص العقلية العربية والتطبيع معها ومحاكاتها فكرياً وشعرياً، فهذا مستحيل لأن العقلية المصرية من نسيج علمي ‏بحت، لدرجة أننا سنلحظ بوضوح قصور شديد في جانب الفلسفة والأدب مقارنة بالعلوم الطبيعية والفنون التطبيقية لدى الفراعنة إذا ما نظرنا إلى ‏الحضارة الإغريقية والرومانية، فتكاد تكون الحضارة الإغريقية متوازنة من حيث نتاجها وإبداعاتها الأدبية والعلمية، ولذلك أبدع الإغريق في العلوم ‏والفيزياء والرياضة والكيمياء والطب بقدر ما أبدعوا في الخيال والفلسفة والأسطورة الميثولوجية (الأساطير الدينية) والإلياذة والأوديسة وغيرها من الفنون ‏التطبيقية والرسم والنحت.. تكاد تكون جميع فروع المعرفة متوازنة ومتقاربة من حيث معدلات الإنتاج الفكري لدى الإغريق، بينما الحضارة المصرية ‏كانت عملية أكثر وتطبيقية أكثر، حتى في جانب الأسطورة الدينية (إيزيس وأوزوريس على سبيل المثال) برغم أنها خيالية إلا أن مشاهدها تعانق الواقع ‏أكثر من الخيال وتعانق الفكر أكثر من الوهم، وخلاصتها جسدت مشاعر حقيقية.‏
ولعلنا نجد توجهات العقلية المصرية في الناحية الأدبية والفنية تتسق تماماً مع ما ذهب إليه الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، وهو ‏أبرز من أجاب على سؤال "ما الأدب؟". فقد ناقش سارتر -وهو الذي يمتلك باعًا طويلا في الأدب والفلسفة معاً- مفهومه للعمل الأدبي في طرح ‏فكري فلسفي صار فيما بعد واحداً من أهم الأطروحات التي تناولت ماهية العمل الأدبي، وصارت قبلة الشباب الحالم في أوروبا‎.‎‏ وفكرة سارتر تقوم على ‏أن الأديب يجب أن يكون ملتزما تجاه قضية ما يعبر عنها ويجسدها في أعماله الفنية والأدبية.. بينما كان نقاده يرون أن الأديب يجب أن يتحرر من أية ‏التزامات ليحتفظ بالحرية الأدبية والفنية.. وفي الاتجاه الأول الذي تبناه سارتر جاء كل نتاج العقلية المصرية الفني والأدبي، فهم لم يكتبوا الأدب ‏والأسطورة ولم يرسموا اللوحة لمجرد استشعار جمالها وتذوقها، وإنما قاموا بتوظيف الفن لخدمة العلم ولتجسيد أفكارهم فقط، فلا نجد في رسوم الفراعنة على ‏جدران المعابد والمقابر لوحة تخلو من مقاييس هندسية ومعايير علميةٍ دقيقة في الرسم وحركة الفرشاة، فلم تكن الفرشاة المصرية تتمتع بحرية مطلقة كما ‏الرياح، إنما كانت موظفة لخدمة أفكار معينة وتصورات مسبقة يسعى الفنان لتجسيدها بفرشاته وألوانه. ‏
فالفن والأدب عند الفراعنة لم يكن كياناً مستقلاً بذاته من أجل الفن، بل كان عبارة عن لمسات فنية على أفكار علمية وتطبيقية، فلم تخل العمارة ‏الفرعونية من لمساتٍ فنية وأدبية، لكنها تظل في خانة اللمسات، وليس الكيان الأصلي لأن النسيج العقلي كان علمياً وليس أدبياً.. فكان الفنان ‏المصري عندما يشرع في رسم لوحة جدارية يقوم بتقسيم مساحة اللوحة إلى 114 مربع بالخيط والميزان ويبدأ في رسم هيئة الإنسان في هذه المربعات، ولو ‏كان رسم حيواناً مثلاً كلب، فيقوم بتقسيم اللوحة إلى 60 مربع فقط، ولهذا ما زالت هذه الحكاية تتكرر على ألسنتنا إلى اليوم فعندما يكون الشخص ‏سعيداً وأراد أن يعبر عن سعادته فيقول (100 فُل و 14) وبينما لو كان متعصباً أو يلعن فيقول (...ستين كلب).. وهذا يتضح أكثر عند مقارنة ‏الهيئة الآدمية للتماثيل والمنحوتات الفرعونية والتماثيل والمنحوتات الإغريقية، فالعمارة والفنون الإغريقية تحللت من المعايير الهندسية والمقاسات والضوابط ‏وكانت سائلة عند مناظرتها بالتماثيل الفرعونية، بينما الفنان المصري وضع إزميله بحسابات وجره بحسابات، ووضع فرشاته بمقاسات وجرها بمقاساتٍ ‏دقيقة ليضع فكرته في ضبطٍ وإحكام.. فيمكنك في النهاية عند مطالعة اللوحة قراءة معلومة والتقاط فكرة بلمسة فنية، وليس العكس. ‏
وليس الغرض من عرض هذه الفلاشات عن الحضارة الفرعونية هو الفخر بها أو التعالي على خلق الله، بل فقط لضرورة تحليل النسيج العقلي، لأننا ‏لا يمكن أن نرى إبداعاً علمياً صرفاً بهذه الطريقة مع خلوه من الأدب والخيال، ونمر على ذلك مرور الكرام.. بل إننا ينبغي معرفة كيفية استنبات جذور ‏هذه الحضارة من جديد، فأجدادنا لم يكونوا عباقرة، إنما كانوا علميين في تفكيرهم وثقافتهم، وما زالت جيناتهم الوراثية مغروسة في دمائنا حتى وإن خملت ‏حقبة من الزمان لكنها ستنهض يوماً ما، لأن عمر الشعوب لا يقدر بالأيام والشهور، بل بالحقب التاريخية التي تصل إلى ألفي عام وتتنوع مثل فصول ‏السنة ومواسم الصيف والشتاء والربيع والخريف، ومهما طال البيات الشتوي فلا يمكن أن يستمر.. فعلماء البيولوجيا يتصورن أن الإنسان في الأصل ‏كان قرداً ثم تطوّر حتى أصبح إنساناً وارتقى حضارياً.. برغم أن ذلك ليس حقيقة وليس مقنعاً بأي حال، لكن ما هو مقنع جداً أن الجينات الوراثية ‏للفراعنة لم تتغير ولم تمت ولم تذب أو تفنى لأن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، حتى وإن اختلط بالمصريين اليوم عشرة مليون عربي هاجروا قبائل ‏من شبه الجزيرة إلى مصر، مع عشرة مليوناً آخرين هاجروا من أوروبا إلى مصر خلال العصور اليونانية والرومانية، فيبقى 80% من المصريين فراعنة حتى ‏النخاع، أي أن جملة التهجين في الجينات الوراثية الفرعونية لم يتجاوز إلى الحد الذي يطمس البصمة الوراثية الفرعونية.‏
وربما يكون هذا الأمر أكثر تقبلًا إذا ما نظرنا إلى الخريطة التي نشرها موقع ناشيونال ‏جيوغرافيك(‏https://genographic.nationalgeographic.com‏/). فقد نشر الموقع أول خريطة للتاريخ البشري في العالم، وذلك ضمن مشروع كبير لدراسة ‏متعددة السنوات تقوم على فحص أصول البشر، ومدى التداخل في الأصول والأعراق البشرية. وقد أظهرت الدراسة بعض النتائج الصادمة على كافة ‏المستويات، وبينت حجم التداخل الكبير ودرجة التجانس بين الأمم والشعوب في مختلف أنحاء الكرة الأرضية. واعتمدت الدراسة على تحليل عينات ‏ضخمة من الحمض النووي (‏DNA‏) من أجل رسم الخريطة الجينية لسكان كل دولة، أو سكان كل منطقة من العالم، وهو ما استغرق وقتًا طويلًا، فقد ‏بدأ هذا المشروع عام 2005، وانتهى العمل به عام 2017. ولو أخذنا إيران كمثال، وهي التي تروج لنفسها على أنها «الأمة الفارسية»، وتتحدث ‏بلغة مميزة، فالنتيجة كانت مفاجأة لكثيرين كونها في الحقيقة أمة ذات أصول عربية في أغلبها. فتشير التحليلات إلى أن 56% من الإيرانيين من أصول ‏عربية.. وإذا جئنا إلى مصر، فإن الخريطة البشرية والتحليلات العلمية تُثبت أن أغلب المصريين(68%) من الشعب المصري تعود أصولهم إلى جذورهم، ‏وليسوا عرب، فقد أظهر الخريطة الجينية أن 17% فقط من المصريين أصولهم عربية، أما الآخرون فهم من أصول ومنابت مختلفة وغير عربية، منهم 4% ‏أصول يهود، وأصول 3% من آسيا الصغرى، و3% آخرون من جنوب أوروبا.‏
فالله تعالى خلق الأمم البشرية أنسجة حيوية متنوعة، وشعوباً وقبائل لتتعارف؛ شعوب مثل الشعب الشامي والشعب المصري والشعب الصيني..إلخ ‏وهي الشعوب المدنية، وأما القبائل فهي المجتمعات القبلية مثل العرب والهكسوس، لأن القرآن لا يعرف الترادف، وإنما لكل لفظ معنى مقصود بذاته، ‏ولهذا فرق الله بين الشعوب وبين القبائل وعطفهما على بعضهما للدلالة على تنوع خلقه. وبما أنه خلقها للتعارف فهذا يعني حتماً أن هناك اختلافات ‏فيما بينها ونتيجة هذا التعارف الذي أراده الله سيحدث تواصل ثقافي وتزاوج بين ثقافات الشعوب المختلفة، ولذلك نجد على سبيل المثال شعوب إقليم ‏البحر المتوسط شاملة شعوب شمال إفريقيا تكاد تقترب من بعضها في الملامح والسمات الاجتماعية، حتى وإن اختلفت اللهجات، فنجد الشعب ‏الجزائري قريب من الشعب التونسي قريب من الشعب المصري، وبرغم اتصال الجغرافيا إلا أننا نجد الفرق الشاسع بين الشعب المصري والشعوب ‏الخليجية أو العربية بوجه عام، وبرغم اتصال الجغرافيا جنوباً إلا أننا نجد الشعب المصري مختلف عن الشعب السوداني الذي يميل أكثر لأن يكون جزء ‏من نسيج الإقليم الاستوائي. ثم ننتقل مع الجغرافيا لنجد الشعوب المنغولية والشرق أسيوية لها ملامح وسمات اجتماعية مختلفة. ذلك لأن الجغرافيا ‏والمعطيات البيئية تساهم في تكوين النسيج الحيوي، ليس فقط الإنسان، بل إن كل بيئة تأوي ما يتلاءم معها من التنوع الحيوي النباتي والحيواني. ‏وبالنظر إلى أن الجغرافيا الاجتماعية تتدخل فيها عوامل كثيرة منها درجة الحرارة والرطوبة والبيئة وما إذا كانت صحراوية أو جبلية أو سهلية نهرية أو ‏جليدية أو غابات استوائية..إلخ، لأن الإنسان هو كائن حيوي ابن البيئة.‏
وليس فقط الإنسان، بل كل سكان البيئة، حتى أننا نجد الدكتور المهندس المعماري ممدوح حسن عندما تم تكليفه ببناء مساكن للأهالي المهجرين ‏عند إنشاء بحيرة ناصر، تعمد استخدام الخامات المتوافرة في البيئة هناك من مواد البناء مثل الطوب والأحجار وراعى في ذلك الطبيعة الهيكلية للبناء، ‏لأن الأحجار الموجودة في هذه التربة هي الأكثر ملاءمة للبناء هناك وتقاوم عوامل الرطوبة والحرارة وغيرها من العوامل الجوية، ولذلك رفض استخدام ‏الطوب المُصنّع في الوجه البحري والقاهرة. فكيف ينشأ إنسان مصري على وادي النيل بالقاهرة بشكل سليم وينتج ويثمر وهو في ذات الوقت يتغذي ‏على النتاج الثقافي للبيئة الصحراوية في شبه الجزيرة؟ فالتعارف بين الشعوب والقبائل الذي أراده الله لا ينبغي توسيعه والمغالاة فيه إلى درجة طمس ‏الهويات وتقمص عقليات مجتمعات أخرى، بل ينبغي حصر هذا التعارف في حدود التعارف وليس طمس الهوية المصرية وتقمص العقلية العربية.‏
لأنهم في الأصل من مجتمعات القبائل وليسو من شعوب الحضارات التي تنمو رأسياً وتخرج سيقان وأغصان فارعة، فالله تعالى عندما خلق الكائنات ‏الحية وزعها أنسجة مختلفة ، وكما خلق الأنسجة النباتية متنوعة ما بين نباتات زاحفة وأشجار، وتنموا النباتات الزاحفة أفقياً بينما تنموا الأشجار رأسياً ‏أما نوعية النبتات الزاحفة التي تنموا أفقياً فقط وتتمدد أغصانها على الأرض في كل اتجاه دون أي نمو رأسي، مثل نبات الحنظل‎ Colocynth ‎‏ وهو ‏نبات عشبي زاحف معمر يتبع الفصيلة القرعية، والحنظل من النباتات الشديدة المرارة وعادة يضرب به المثل فيقال (أمر من حنظل).. وللحنظل أزهار ‏صفراء وثمار تشبه في حجمها البرتقالة أو التفاحة ذات لون مخضر مخطط ببياض قبل النضج ثم تتحول إلى اللون الأصفر. والثمرة ملساء تحتوي على لب ‏إسفنجي، وله سيقان تنمو أفقياً على سطح الأرض وليست سميكة بل قشرية، وتمسى سيقان عشبية، ولا بد أن تظل العقد في‎ ‎سيقان‎ ‎هذه‎ ‎النباتات‎ ‎‏ ‏ملامسة لسطح الأرض فينمو منها جذوراً إلى أسفل كي تستمد من التربة ما ينقصها من عناصر غذائية، وأنسجتها من نوعية الأنسجة الأسفنجية ‏وينقصها الأنسجة الخشبية الصلبة التي تحفظ قوامها ولهذا لا تنموا رأسياً وإنما تتمدد أفقياً فقط.‏
وهذه النباتات الزاحفة منها أربعة أنواع من السيقان الضعيفة:‏
أ - السيقان المتسلقة : وهي تكون أعضاء خاصة التسلق تسمى محاليق تربطها بالدعامة : أي أن النبات نفسه لا يلتوي أو ينثني. ومن أمثلة هذه ‏السيقان ساق العنب ، كما أن هناك نباتات تتسلق بواسطة أشواك متجهة إلى الأسفل كما في أنواع الورد المتسلق .‏
ب - السيقان الملتفة : وهي تلك السيقان التي تلتف بنفسها كاملة حلزونياً كالحبل حول الدعامة التي قد تكون قوائم صناعية أو نباتات قائمة تنمو ‏بجوارها ، ومن أمثلة هذا النوع من السيقان : ساق العليق .‏
ج - السيقان الزاحفة : تنمو أفقياً فوق سطح الأرض ، فتغطي مساحة كبيرة ، وتعرض جميع أعضاء المجموع الخضري للضوء والهواء ، ومن أمثلة هذا ‏النوع من السيقان : سيقان الشمام والخيار والبطيخ .‏
د - السيقان الجارية : وهي مثل الزاحفة ولكن يخرج من عقدها جذور عرضية تخترق التربة مثل نبات الشليك ( الفراولة) ، واللييبا والنعناع .‏
وفي جميع الحالات نجد أن الساق غير قادرة على النمو رأساً وفي المقابل تتوفر قدرتها على التمدد أفقياً، ونتيجة نقص التكوين الفسيولوجي لها ‏وعدم قدرتها الكافية على صناعة الغذاء فهي تحتاج إلى تعريض كافة أوراقها وسيقانها للشمس والهواء الطلق وتتساند وتعتمد على غيرها من السيقان ‏ولها محاليق (مشابك) تتعلق بها في عملية تطفل حيوي على النباتات الواقفة كي تستمد قوتها، وغالباً ما تكون شرسة ومزودة بأشواك أو ذات طبيعة ‏قاسية كي تتحمل ظروف البيئة القاسية التي اختارت العيش فيها. وهذا النوع من النباتات الزاحفة هو بطبيعة الحال وبطبيعة تكوين النسيج النباتي له لا ‏يقوى على النمو رأسياً وإنما فقط ينموا ويتمدد ويتشعب أفقياً ويحتاج مساحة كبيرة من الأرض مهما كانت صحراء جرداء خالية من المياه والرطوبة ‏والخصوبة، هو فقط يحتاج مساحة للتمدد الأفقي. وهي ذات السمة الفسيولوجية نجدها في المجتمعات القبلية أنها تعيش في مساحات واسعة، وتتمدد ‏يميناً ويساراً في الصحارى، ونجد كل أسرة تتخذ لها فناء واسع جداً في الصحراء وبعيد عن غيره، فهم يتعمدون التباعد بين البيوت وبعضها أو الخيام ‏وبعضها لأن في ذلك راحة نفسية لهم، ويقضون حياتهم كلها عرضة للشمس ويعشقون الهواء الطلق، حتى وإن عاشوا داخل المدن والقرى تجدهم ‏يشعرون بالضيق ويخرجون سريعاً إلى الصحارى المتاخمة للقرى حتى يجدوا راحتهم النفسية فها. وهذا ليس إقلالاً من العرب وإنما تحليل فسيولوجي، فهم ‏من فصيلة النباتات الزاحفة التي تنموا أفقياً، ولذلك نجد إبداعهم جميعه أفقي (شعر ونثر وقصص وحكايات تاريخية ) لا يقدم أي جديد في الحياة، هو ‏مجرد مساحة من المعلومات والتصورات تشغل مساحات من العقل فقط دون أن تنموا رأسياً.‏
فالمجتمعات القبلية من فطرتها العيش أفقياً وليس التطور رأسياً، فهم يعيشون في معيشة نمطية متكررة لا تتغير، بل إن التغيير عندهم منقصة وكسر ‏للثوابت وإهدار لقيمتها، وغالباً ما تكون قيمة الثوابت الاجتماعية عندهم من قدسية الأديان. لدرجة أننا نجد بعض المجتمعات القبلية في عصرنا الحالي ‏تعيش في غابات الأمزون وتحرم كل مظاهر الحياة العصرية، فهم يحرمون على أبناءهم مشاهدة التليفزيون واستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة ‏والإنترنت أو ارتداء ملابس جاهزة كاملة تغطي جميع البدن أو تناول أطعمة مصنعة باستخدام أي وسائل تكنولوجية، ولا يعتنقون دين سماوي وإنما ‏يعتبرون تقاليدهم وأعرافهم هي الدين، ومن ثم يحرمون الخروج عن الدين، ومن يخرج عن التقاليد يعتبرونه كافراً ! وهؤلاء مثلهم مثل العرب، الذين صبغوا ‏الدين بصيغتهم القومية فتجمدت معالم الدين في حدود عادات وتقاليد وأعراف المجتمع العربي بفعل تجمد العقلية العربية وأصبح تاريخ العرب ديناً ‏للشعوب. وشعوب قبائل الأمزون هذه مختلفة نسبياً عن شعوب قبائل الصحراء، لكنها من ذات الفصيلة، هؤلاء يعيشون قبائل متفرقة في الغابات ‏وهؤلاء يعيشون قبائل متفرقة في الصحارى.. هؤلاء يعتبرون عاداتهم وأعرافهم دين مقدس، وكذلك السعوديون ظلوا قرناً كاملاً يعتبرون قيادة المرأة ‏للسيارة حرام شرعاً ثم تنازلوا فقط تحت ضغط ترامب ومنعاً للحرج.. ‏
بينما الشعوب المدنية مثل الشعب الشامي والعراقي البابلي والفارسي والشعب الصيني والإنجليزي والفرنسي والمصري..إلخ. هم من شعوب ‏الحضارات المدنية التي تعيش في القرى والمدن وتنموا رأسياً مثل الأشجار التي تخرج سيقان فارعة وأغصان ولا تحتاج لمساحة كبيرة تتمدد فيها أفقياً، ‏ولكنها بحاجة ضرورية إلى تربة خصبة سبخة ورطبة.‏‎ ‎‏ وهذه النوعية من الأشجار والشجيرات لها سيقان تعتبر سيقاناً خشبية، فهي تحتوي على نسبة كبيرة من ‏العناصر الصلبة والأنسجة الخشبية التي تساعدها في تكوين دعامة رأسية. فشعوب الحضارات المدنية هي من ذات فصيلة الأشجار التي تنموا متزاحمة ‏رأسياً ولا تحتاج إلى التنقل والترحال في الصحراء بل تميل بفطرتها إلى الاستيطان والتمركز. ولا يعني ذلك أن شعوب الحضارات مميزة من الناحية الإنسانية ‏على شعوب القبائل، بل العكس لأن الله تعالى ساوى بين البشر عندما خلقهم، وكل الفرق أنه خلق البشر أنسجة متنوعة ومختلفة عن بعضها. (وفي ‏الواقع فإن كل شعب يستمد مبادئه الدينية من أعرافه، فالشعوب التي تنمو أفقياً فقط مثل النباتات الزاحفة تظل أعرافها الثابتة ديناً لهم.. والشعوب ‏المدنية التي تنمو رأسياً مثل الأشجار بالفطرة تتطور عاداتها وأعرافها وتتطور معها مبادئها الدينية).‏
ولهذا يجدر بنا أن نلفت عناية القارئ النبيل إلى أن علم الاجتماع ليس مسطرة صلبة تنطبق على جميع الشعوب بصورة متماثلة، لأن شعوب ‏الأرض أنسجة متنوعة، ولها خصائصها الذهنية والنفسية المستقلة المتميزة عن بعضها لأداء وظائف متنوعة ومتميزة عن بعضها، فالله خلق الشعوب ‏متكاملة مكمّلة لبعضها من حيث الإبداع والإنتاج الفكري وليست متماثلة متطابقة، وعلى عالم الاجتماع المصري أن يغوص في ثنايا المجتمع المصري ‏الفرعوني ليعرف خصائصه السيكولوجية جيداً خلال مرحلة ازدهاره، يلتقط نصائحه وحكمه ودعاماته الفكرية ومسلماته التي نهض بها، ومن ثم يحدد ‏العوامل التي تساعد المصريين في الحاضر على النهوض مجدداً في رحلة حضارية عصرية يتجدد فيها إبداع الفراعنة، لأن الحضارة المصرية قد تنهض لا بد ‏أن تنبت من أرضها وطميها ونيلها، ولا يمكن أن تزهر نباتات الصحراء على وادي النيل، كما لا يمكن العكس.. علينا التخلص من حمية الانتماء ‏للعرب والاندماج في قوميتهم وثقافتهم والتماهي في نسيجهم.. علينا أن نتخلص من حالة الاغتراب التي نشعر بها تجاه أجدادنا الفراعنة وعقدة كونهم ‏كانوا غير مسلمين؛ لأنهم كانوا أفضل حالاً وثقافة وأخلاقاٌ من العرب المسلمين، وأكثر انسجاماً مع مبادئ الإسلام من العرب المسلمين.. علينا أن ‏نعيد وصل حبل التاريخ الذي انقطع بيننا وبين أجدادنا القدامى حينما قفز العرب عليه ونحتوه بأسنانهم.. علينا أن نكون أكثر انتماءً لأنفسنا وأصلنا ‏وآبائنا من انتمائنا للعرب.. وعلينا أن نتوقف عن نعرة كون الفراعنة عباقرة خارقين في إبداعهم، هم ليسو عباقرة، إنما هم فكروا بذات إمكاناتهم الذهنية ‏التي ورثناها منهم.. فالمادة الوراثية الجينية لم تتغير ولم تفقد خصائصها، إنما هي دخلت مرحلة من البيات الشتوي و ستعود لنشاطها مجدداً عندما يهل ‏ربيعٌ جديد..‏
غير أن الإبداع الأدبي يعتمد فقط على مخزون ورصيد معرفي سابق مع إعادة إخراجه فقط بصورة جديدة في ضفائر كلامية موزونة سجعاً وجناساً، ‏وقمة الإبداع فيه لا تكون إلا حينما ينعدم الفضول تماماً ويصبح الذهن صافياً خالياً من ضوابط ومعايير الفكر الواقعي كي يسبح في الخيال ويتحلل ‏من الواقعية، وتنحصر الفائدة منه في مجرد استشعار النشوى الشعورية في لحظة الحاضر فقط؛ لأن الحالة الإبداعية ذاتها هي المتعة، فهو ليس وجبة دسمة ‏تعيش في المعدة لساعاتٍ قادمة إنما مذاق مؤقت، ولا يصنع قطيعة مع الماضي، ولذلك لم تؤد القصائد المعلقات العربية إلى إشعال حضارة في مكة. ‏
بينما الإبداع العلمي يعتمد على دعامتين؛ الأولى رصيد معرفي سابق، والثانية إضافة فعلية جديدة، أي محاولة إنتاج معرفي جديد، وليس مجرد ‏إخراج رصيد سابق في ثوب جديد، ويستمد قدرته وكفاءته من الفضول والتأمل والبحث في الحاضر مع التزام معايير الفكر الواقعي، ويصل قمته ‏الإبداعية عندما تصل كثافة الفضول أقضي درجاتها، وفائدته ليست فورية مؤقتة، لأن الحالة الإبداعية ذاتها هي ألم، وإنما يؤدي إلى نقل الإنسان نقلة ‏نوعية في المستقبل تصنع قطيعة مع الماضي بقدر الوثبات الفكرية التي اجتازتها الحالة الإبداعية،. بل إنه في عصرنا لم تعُد الاكتشافات العلميّة وتقدّم ‏العِلم مرتبطَين بمنطق تراكُم المعرفة فقط، بل أصبحت الاكتشافات وحركة التقدم العلمي تُقاس بمقدار القطيعة المعرفيّة مع التراكم المعرفي السابق، وهو ما ‏يعرف بظاهرة " الثورات العلميّة، التي تناولها فيلسوف العلوم "توماس كون" في كِتابه (بنية الثورات العلميّة). فالعلم هو تروس عجلة الحضارة، بينما ‏الأدب فهو محض مرآة تتحرك إذا تحرك الترس وتقف إذا وقف الترس. ولهذا ارتقى المصري القديم بالعلم، بينما سكن وثبت العربي القديم رغم عبقريته ‏الأدبية.‏
ولذلك نجد المجتمع الياباني يصب جُل اهتمامه على العلوم البحثية والتقنية وطريقة التفكير ولا يلقي بالاً للشعر والزجل والعَروض، بينما تتخوّف ‏بريطانيا من انصراف شبابها عن ميادين المعرفة الطبيعية إلى المعرفة الإنسانية، حيث أُجريت دراسات استقصائية حول ميول الطلاب إلى الشعبة الأدبية ‏وتناقص أعدادهم في الشعبة العلمية في مراحل الدراسة الثانوية، وهو ما ينبئ عن مستقبلٍ مرعب يتجه نحو جزيرة العرب... ‏
لأن جناحي العقل "العلم والأدب" يعملان كما القلب سواءً بسواء؛ فالقلب يتكون من غرفتين رئيستين " البطين الأيمن والبطين الأيسر" والبطين ‏الأيسر هو الأكبر حجماً والأقوى عضلياً وهو يعمل على ضخ الدم بمعدل 6 لتر/دقيقة في شرايين الجسم كاملة، أي أنه يضخ الحياة في جميع خلايا ‏وأنسجة الجسم، وهو الذي يأخذ الخطوة الاستباقية ويحمل الغذاء لجميع خلايا الجسم، هذا البطين يعمل في جسم الإنسان بمثابة العقل العلمي المفكر في ‏الدماغ، بينما البطين الأيمن فهو أصغر حجماً وأضعف عضلياً ويعمل على استقبال الدم الراجع من كافة أوردة الجسم لإعادة تنقيته وتأهيله، لا يضخ ‏غذاءً للخلايا والأنسجة وإنما فقط يستقبل نفاياتها والبقايا ومخلفات التنفس والهضم، أي دورة إعادة اجترار الدم وإعادة تدويره، وهو يعمل مساعداً ‏للبطين الأيسر وليست خطواته ونبضاته استباقية وإنما تابعة وتالية للبطين الأيسر لأنه لا يضخ دم وإنما يستقبل الدم الذي ضخه البطين الأيسر لعيد ‏تدويره، إذن هو ليس محركاً استباقياً وإنما ترس ضروري لإعادة التدوير فقط، بينما البطين الأيسر هو الذي يتخذ الخطوات الاستباقية وهو الذي يضخ ‏الدم عبر الشريان الأورطي الموزع لكل أنسجة الجسم، ومصدر الطاقة المحركة والقوة الدافعة تخرج من البطين الأيسر، أما البطين الأيمن فهو يستقبل رد ‏الفعل فقط. وهكذا العقل ينقسم إلى نصفين كرويين؛ النصف الكروي الأيسر للفكر والعلوم الطبيعية وأما النصف الكروي الأيمن فهو مخصص للأدب ‏والفنون والمشاعر، وهي ذلك النشاط المساعد فقط للفكر والعلم، لا يضيف جديداً وإنما يبرز محاسن وعيوب ما أنتجه العلم والفكر، فقط يعيد تدويره ‏وتنقيته وتجميله دون أن يقوم بخطوة استباقية أو إنتاجية، فقط هو رد فعل للأول، مساعد كما البطين الأيمن فقط لإعادة تدوير ما أنتجه الأول دون أن ‏تكون له القدرة على اتخاذ أي خطوة استباقية بأي حال.. ‏
وهكذا كانت العقلية العربية أدبية لإعادة تدوير الحياة فقط دون اتخاذ أي خطوة استباقية إنتاجية، حتى أن الحضارة العربية فيما بعد البعثة أخذت ‏طابعاً أدبياً دينياً لا علمياً، ذلك لأنها تجسد العقلية العربية بمكوناتها الفسيولوجية.. بينما نجد أجدادنا الفراعنة في كافة معابدهم وفي التماثيل المنحوتة ‏أمام المعابد وعلى الجدران والتي تصور مشاهد ومراسم تسلم السلطة، نجد جميع التماثيل تقف في وضعية تقدم القدم اليسرى على القدم اليمنى بمسافة ‏نصف خطوة للأمام، بما يعني أن الفراعنة فهموا أن بداية الحركة والخطوة الاستباقية وعنصر المبادرة تبدأ بالعقل الأيسر العلمي المفكر وليس الأيمن الأدبي ‏العاطفي، وفيه يكمن عنصر المبادرة، حتى أننا نجد في تلك التماثيل التي تقف فيها الملكة إلى جوار الملك، تكون في وضعية تقدم القدم اليسرى للملك ‏والملكة، ويظهر ذلك جلياً في وضعية الاستعداد للحركة، ولا يمكن أن نجد تمثالاً مصرياً واقفاً في وضع السكون. وذات الملمح الفني نجده في الحضارة ‏الإغريقية، حيث نجد الفنانون الإغريق قد تعمدوا نحت التماثيل الملكية بذات الوضعية الفرعونية. وذلك يؤكد مدى إدراك هذه الحضارات لمعنى أن ‏يتخذ العقل خطوة استباقية في الحياة، لا أن يظل يكتب الشعر في ذات الموضوعات التي كتبها أسلافه، فقط بألفاظ جديدة وضفائر كلامية مختلفة ‏وإعادة اجترار لذات الأفكار والمعاني.‏‎ ‎
وأما العقلية العربية فهي عقلية أدبية محضة، وبما أن الفكر الأدبي هو فكر ساكن وغير ديناميكي وغير متحرك أي لا يقدم نتاجاً معرفياً جديداً ‏وإنما مجرد " جري في المحل" فهو حتى وإن كان يمثل فكرة وحركة عقلية لكنه في النهاية ثباتٌ عقلي. ولذلك نجد علماء النفس يفرقون بين ظاهرتين ‏نفسيتين تتعلقان بالذاكرة، وهما الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية. ونقرأ في الويكيبيديا: الذاكرة العرضية‎ Episodic memory ‎‏ هي ذاكرة أحداث ‏السيرة الذاتية (الأوقات والأماكن، والعواطف المرتبطة بها، وغيرها كمعرفة من، ماذا، متى، أين،). أي ذاكرة (المَشاهد والصور)، وهي مجموعة من ‏التجارب الشخصية السابقة التي وقعت في وقت معين ومكان معين وفي ظرف معين. فهذه الذاكرة هي ما يسمح للفرد أن يعود مجازيًا بالوقت المناسب ‏لتذكر الأحداث التي وقعت في ذلك الوقت والمكان المحدد بتفاصيلها كاملة وكأنها يعيد معايشة الحدث مرة أخرى. وهي تختلف عن الذاكرة ‏الدلالية‎ Semantic memory ‎التي هي عبارة عن شبكة من المعرفة العامة (الحقائق والأفكار والمعاني والمفاهيم) التي تم اكتسابها واكتشافها على ‏مدار الحياة.‏‎.‎‏ والفرق بين الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية هو ذات الفرق بين العقلية العلمية والعقلية الأدبية ... (انتهى المقال الثالث بتصر من كتابنا : غُبار الاحتلال العربي )




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,292,986
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- العلاقات الأمريكية السعودية: جو بايدن يثير قضية حقوق الإنسان ...
- انتحار مدرب منتخب الجمباز الأميركي السابق بعد اتهامه بالاتجا ...
- محكمة ألمانية تصدر الحكم الابتدائي في محاكمة بشأن التعذيب في ...
- العراق: اعتقال -عصابة موت- مزعومة
- مسئولو حقوق الإنسان بوزارات الداخلية العربية يوصون بزيادة ال ...
- مقتل مواطن على أيدي قوات الأمن غرب رام الله: المركز يطالب با ...
- -ريمالد- تلامس هوية المغاربة وحقوق الإنسان
- وزير الخارجية الأمريكي يبحث أهمية حقوق الإنسان مع نظيره السع ...
- -لانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان-... -فيسبوك- و-إنستغرام- ت ...
- العراق: اعتقال مسئول قناصي داعش في عملية أمنية بأربيل


المزيد.....

- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - غبار الاحتلال العربي (3)