أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)















المزيد.....



كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6237 - 2019 / 5 / 22 - 19:20
المحور: المجتمع المدني
    


حينما فكر العرب في الزحف على مصر، هل طردوا الرومان ونشروا الدين وعادوا إلى بلادهم؟ أم انتقلوا ‏بثقافتهم الاجتماعية والأدبية من الصحراء إلى الحضارة وحكموها ألف عام فتصحّرت الحضارة؟ فهم قالوا أنهم جاؤوا لينشروا الدين ، فهل ترجموا القرآن إلى اللغة الهيروغليفية كي ينشروه ؟! في الوقت الذي كانت لغة أهل مصر الهيروغليفية ! والدين ‏هو من المعرفة السائلة التي تصلح لكل المجتمعات الحضارية والصحراوية، لكنه ليس كتالوجاً لبناء الحضارات، ‏وليس تقنية للعمل والبناء والإنتاج، فهل بنا العرب حضارة في مصر بمعايير الفراعنة أم بمعايير صحراء شبه ‏الجزيرة؟ وهل حكموا مصر بنظام الشورى الإسلامي أم بنظام العصابات القبلية العربية؟

في مطلع العام الجاري 2019 تم القبض على أحد المواطنين السعوديين من أهالي مكة ممن تعود أصولهم إلى المجاهدين القدامى، وكان يبيع ‏الطاسات الخاصة بإطارات سيارة تويوتا للحجاج والمعتمرين الأجانب، ويقول لهم أنها دروع الصحابة أيام الجهاد في سبيل الله... ذكرني هذا التاجر ‏الأمين بحقبة الفتوحات والغزوات، وخاصة الفتح العربي الإسلامي لمصر..‏‎ ‎‏ وسنقف هنا وقفة سريعة حول طريقة العرب في إدارتهم لمصر وتداول السلطة ‏وشؤون الحكم، ففي الأصل كان العرب قبائل بدوية رعوية لا تجيد نشاطاً في الحياة سوى الإغارة والفروسية والشعر وإن أضفنا لهم الدعارة والتجارة برغم ‏أنها لم تكن نشاط اقتصادي تقوم عليه دولة، ولهذا لم يكن لدى العرب أي خبرة سابقة في الإدارة والتنظيم، فهجموا ببدويتهم وهمجيتهم الوحشية على ‏الحضارات المجاورة لهم. ‏

ونعود قليلاً للتعريف بالقومية العربية وأصل العرب واللغة العربية ، حيث كانت شبه الجزيرة العربية في الألف الثاني قبل الميلاد تتعدد فيها ‏العشائر التي جميعها من أصل واحد هو الآرامي وتتحدث اللغة الآرامية ثم انقسموا عشائر، وكل عشيرة تفرعت عنها قبائل، وكل عشيرة اتخذت ركناً من ‏الجزيرة العربية رأته ملائماً للحياة فيه، الحميريين اتخذوا اليمن وجنوب الجزيرة كموطن لهم. والنبطيين اتخذوا شمالها موطناً لهم، واختلفت ظروف هذه ‏العشائر حسب مكان وطبيعة الموطن، وحسب المؤهلات الجينية والتكوين النفسي أو المزاج العام لكل عشيرة، فهناك كائنات برية تهجر المناطق المدنية ‏إلى الصحارى والبراري الخالية، وهناك كائنات مدنية تستوطن التجمعات السكنية المدنية حيث الحضارة والعمران، وكانت كل عشيرة تستقل تدريجياً ‏بلهجة خاصة بها، وكان الأصل هو اللغة الآرامية لكنها تفرعت إلى لهجات محلية متعددة حسب العشائر، وأصبجت كل لهجة لغة مثل الحميرية والنبطية ‏والسبأية والسريانية والعبرية والعربية، وبعض هذه العشائر كان مدنياً إلى حدٍ ما يسكن مدن وممالك وقرى زراعية، خاصة تلك العشائر التي لجأت إلى ‏مناطق جنوب الجزيرة العربية ومنطقة جبال السراة في إقليم عسير جنوب غرب الجزيرة وحتى مضيق باب المندب. بينما انتشرت عشائر البدو في المناطق ‏القاحلة الصحراوية والجبلية، وكانت اللهجة العبرية لغة بدو الجبال بينما أختها العربية لغة بدو الصحراء، فالإسرائيليين كانوا ينقلون خيامهم ويضربونها ‏في قمم الجبال وسفوحها في منطقة عسير وعلى حدود اليمن مع السعودية، ويرعون أغنامهم وأبقارهم في تخوم القرى الجبلية ويسكنون مضارب خيام ‏متنقلة، وهؤلاء هم البدو الجبليين يعتاشون على رعي (البقر والغنم).. ‏
أما العرب فهم البدو الصحراويين الذين اختاروا الصحارى القاحلة في منطقة الحجاز مكة والمدينة والطائف وما حولها وضربوا خيامهم فيها لرعي ‏‏(الغنم والإبل)، ولهذا قالوا بأن الجمل سفينة الصحراء، بينما كان أولاد عمومتهم الإسرائيليين يرعون البقر بدلاً عن الإبل، في الأيام التي بنا فيها جلالة ‏الملك خوفو هرمه الأكبر لينتقل إليه في الحياة الأبدية بعد القصر الملكي في منف أقدم وأعرق عواصم العالم.. وكانت كل العشائر تدين بديانة سماوية، ‏إما مسيحية وإما يهودية وإما حنيفية، عدا البدو الصحراويين العرب انتشرت فيهم الوثنية والزندقة، وكانوا أكثر فسوقاً وجهلاً وجلافة .. حتى جاء النبي ‏محمد ليطهرهم من رجسهم ولذلك يقول رب العزة جل وعلا: ‏‎ ‎هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ‏وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)/الجمعة..‏‎ ‎‏...لكنهم لم يكونوا أمناء في نقل الدين.. فكما استخدم الإسرائيليين بدو الجبال دينهم ‏كأداة سياسية وعسكرية لاحتلال أرض فلسطين ، استخدم أولاد عمومتهم بدو الصحراء الدين الإسلامي لاحتلال الشعوب المجاورة لهم، وقالوا أنها ‏أرض الله .‏

وفي مصر كانت الإسكندرية العاصمة الأولى التي بها دوواوين الدولة والحكم، وكان المقوقس حاكم مصر من أصلٍ روماني وضعه الرومان لضمان ‏ولائه لهم في حكم مصر، ولم يكن هو الحاكم الفعلي لمصر، لأن الحاكم الفعلي وقتها كان رومانياً، وكان المقوقس تابعاً لكنيسة غير الكنيسة الرئيسية في ‏مصر وقتها أي أنه فعلياً لا يمثل الشعب المصري برغم أنه يملك الأمر والنهي إدارياً، واتفق مع عمرو العاص على أن يتوسط بينه وبين الرومان للحفاظ ‏على مكانه هو في الحالتين.. ونظراً لما كان يعانيه الشعب المصري من ويلات تحت الاحتلال الروماني بسبب ما يمارسه من إكراه ديني فعلي، فلا شك ‏أن المصريين تطلعوا إلى احتلال أقل قسوة، ولهذا لم يتعاون الشعب خاصة المسيحيين مع قوات الحاكم الروماني وانتظر نهاية المشهد خلف الأسوار كما ‏يقول الأستاذ هيكل، بينما اليهود المصريون تعاونوا كثيراً مع الجيش العربي بسبب تنكيل الرومان بهم. وارتبطُ فتحُ مصر بِأهميَّتها السياسيَّة والاقتصاديَّة، ‏وذلك بما لديها من خصائص وما تُوفرهُ من إمكاناتٍ على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة، خاصة بعدما هرب الحاكم الروماني من الشام بعد فتح فلسطين إلى ‏مصر، فكر العرب في تأمين جانب دولتهم من ناحية مصر لتطويق الرومان. ويروي‎ ‎ابن عبد الحكم‎ ‎أنَّ‎ ‎عمرو العاص‎ ‎أشار على‎ ‎عُمر الخطَّاب‎ ‎بِفتحها ‏وقال‎: «‎إِنَّكَ إن فَتَحْتَهَا كَانَت قُوَّةً للمُسْلِمِين وَعَوْنًا لَهُم، وَهِيَ أَكْثَرُ الأَرْضِ أَمْوَالًا وَأَعْجَزَهَا عَنِ القِتَالِ وَالحَربِ‎»‎‏... وهذا ما يعني أن العرب كانوا ‏جوعى يبحثون عن الطعام لا نشر الدين. ‏

وعلى هذا الأساس تم فتح مصر وضمها لحكم العرب لإعادة توازن القوى بين العرب والروم، إذ كان الروم قد استردوا بعض مدنهم في الشام، ‏وتراجعت سيطرة العرب في عهد عمر الخطاب، فأرشده عمرو العاص لاحتلال مصر لإعادة التوازن، على أساس وفرة المال فيها وعجزها عن الحرب، ‏وتردد عمر الخطاب كثيراً في هذا القرار، لكن عمرو العاص كان كثير الإلحاح، وبعدما وافق عمر الخطاب مبدئياً، عاد ليرسل رسالة إلى عمرو العاص وهو ‏في الطريق قبل دخول مصر، فأسرع عمرو إلى القفز داخل حدود مصر الشرقية في مدينة العريش ليضع قدمه داخل مصر قبل أن يفتح رسالة الخليفة عمر ‏الخطاب، خشية أن تكون الرسالة بمنعه من الزحف على مصر، فيؤكد له عمرو العاص أنه بالفعل دخل مصر ولم يعد الأمر محتملاً. وبالنسبة لعمر ‏الخطاب فهو لم يكن منافقاً ولم يخدع نفسه والعالم بمقولة أنه إنما وجه الجيش لمصر من أجل نشر الدين، بل كان الأمر محض موازنات في صراع القوى ‏بين العرب والروم. وكان عمر مُصراً على توقيف حركة الفتوحات هذه في حدود موازنات القوى العسكرية والسياسية فقط، ولم يستخدم جيشه لنشر ‏دين.. ‏

هذا هو عمرو العاص الذي دخل مصر فاتحاً لينشر فيها الدين، ويعلم المصريين قيمه وأخلاقه ومبادئه !.. بينما دخل ابن العاص هذا مع علي ‏ابن أبي طالب في مبارزة يوم معركة صفين، بين عرب وعرب.. صحابة وصحابة، وامتطى كلٌ منهم فرسه واستعد لقتال الآخر، وكان علي ابن أبي طالب ‏ذو حكمة وعلمٍ وأدب، وكان أيضاً فارساً شجاعاً، فلما أشرف عمرو العاص على الهزيمة أمام علي، ووقع من على ظهر فرسه جرى في الصحراء وكشف ‏عورته .. كما يقول الشيخ الشعراوي: خلع كل ملابسه حتى يستحي علي ابن أبي طالب النظر إليه، فينصرف عنه .. هكذا كانت أخلاقه وقيمه ‏وشجاعته التي جاء بها لينشر الإسلام في مصر ! لم يستح من كشف عروته ولم يشعر بالخزي والعار خوفاً من الهزيمة ، هو الشريف النظيف الذي جاء ‏لينشر دين الله ! هكذا قالوا أو هكذا خدعونا بأنه وليّ من أولياء الله جاهد في سبيله !‏
ثم بعد عبور التاريخ ومرور أربعمائة عام بدأ المصريون في اعتناق الإسلام وتعلم اللغة العربية، وما زال يثور التساؤل حول ما إذا كان ابن ‏العاص هذا قد أحرق مكتبة الإسكندرية القديمة بما فيها من علومٍ ومعارف!، وتقول المراجع التاريخية أن ابن العاص أرسل إلى الخليفة عمر الخطاب ‏يسأله عن مكتبة الإسكندرية، فقال له "إن وجدت فيها ما يغضب الله فاحرقها وإلا فلا"، والمكتبة كان فيها علوم طبيعية من طب وفيزياء وهندسة ‏وفلك وتاريخ، وطبيعي أن مثل عمرو هذا لا يري أي قيمة لهذه المكتبة، لأنه لم يعتد أن يرى مكتبة في صحراء مكة والمدينة، بل فقط الخيل والسيوف ‏والصحراء والغبار، وهذا ما يظهر في رسالة عمرو إلى الخليفة من شدة انبهاره وصدمته من حجم الحضارة المعمارية في الإسكندرية.. حضارة لا تقارن ‏بالخيام التي اعتاد النوم فيها في صحراء شبه الجزيرة! إذ كان الأعراب يقضون حاجتهم في الصحراء خلف الحشائش البرية، وحينما دخلوا الإسكندرية ‏وجدوا شبكة من المرافق والحمامات وشبكة من مواسير ومجاري الصرف الصحي لم يعرفوا كيف تستخدم هذه المرافق ! وهي ذات الصدمة التي عانى منها ‏العرب عند دخولهم العراق من هول الحضارة هناك وعدم قدرتهم على استيعابها، فهم طالما عاشوا كما ثعالب الصحراء لا صلة لهم بالعمران المدني كما ‏يقول ابن خلدون، ولذلك استحب عمرو العاص أن يبني له مقراً في الإسكندرية وتصبح هي عاصمته ويستقل بمصر وحكمها مدى حياته، لكن الخليفة ‏رفض وأصر أن يكون مركز المعسكر العربي قريباً منه، فكانت الفسطاط، والفسطاط تعني " الخيمة"، وبالطبع الفارق واضح جداً بين حضارة المصريين ‏وخيمة العرب، ولم تكن الفسطاط مدينة سكنية دعوية أو مركزاً علمياً لنشر الدعوة الإسلامية في مصر بل كانت قاعدة عسكرية يقيم فيها قبائل الجيش ‏الأعرابي، واتخذت مقراً للوالي ومقراً لتجميع الضرائب والإتاوات. فكانت الفسطاط هي مقر الخواجات لأن أجدادنا المصريين لم يكونوا يعرفون لغتهم ‏التي هي اللغة العربية لغة البدو الصحراويين ولا حتى لغة البدو الجبليين. ‏

وتقول الروايات التاريخية أن عمرو العاص أحرق مكتبة الإسكندرية وقام بتوزيع الكتب على الحمامات العامة بالمدينة لاستخدمها في تسخين ‏المياه، واستمرت خزائن الكتب مصدراً لوقود الحمامات على مدار ستة أشهر.. لأن العرب لم يعتادوا استخدام الحمامات في بلادهم فشعراو بأن هذه ‏الحمامات أولى من الكتب والمكتبات، فاستخدموها في توفير الماء السخن والبارد في الحمامات كي يتطهروا من غبار الصحراء.. ثم أنكر المؤرخون ‏بالدليل الدامغ أن يكون عمرو العاص قد فعل ذلك أو أن يكون الخليفة عمر الخطاب قد سمح بذلك.. وقالوا أن مكتبة الإسكندرية كانت قد احترقت ‏قبل ذلك أيام الحرب الرومانية على يد جنود قيصر، لكن رسالة عمر الخطاب في الرد على عمرو العاص تؤكد أنه كان هناك مكتبة بالإسكندرية، ربما لم ‏تكن هي مكتبة الإسكندرية العتيقة التي احترقت أيام القيصر، لكن بالطبع كانت هناك مكتبة عامة في الإسكندرية هي المكتبة العلمية التي بناها ‏بطليموس الثاني مع منارة الإسكندرية، لأنها كانت العاصمة وبها مقر الكنيسة وهي ديانة كل المصريين في هذا الوقت، وكانت المكتبة بمثابة جامعة حيث ‏درست فيها العالمة الكبيرة هيباتيا. ‏

لكن السؤال؛ ليس عن حقيقة إقدام القائد البدوي عمرو العاص على حرق المكتبة، بل الأهم هو الإنسانية؛ لأن العلم ليس أهم من الإنسان، ‏فهل يري العرب أن للعلم قيمة تفوق قيمة الإنسان؟ فإذا كان عمرو العاص قد صان آلاف الكتب العلمية بالمكتبة، ففي ذات الوقت أهان مئات ‏الآلاف من المصريين البسطاء والفلاحين اللذين أخذهن سبايا إلى بلاد العرب، وأهان مئات الآلاف من الأطفال والنساء والفتيات التي اغتصبهم ‏العرب أو خطفوهم وقاموا ببيعهم في أسواق النخاسة في السعودية، وأحرق قلوب آبائهم وإخوانهم حزناً عليهم.. فقد شرع العرب لأنفسهم أحقية ‏اغتصاب وخطف النساء والأطفال بالسبي والنهب والسلب في كل البلاد التي فتحوها، ولا يمكن أن تكون قيمة العلم أولى من قيمة الإنسان ذاته وكرامته ‏وحريته. إنما نحن أسرعنا لإنكار أن يكون عمرو قد نقل الكتب إلى الحمامات لحرقها، وقبلنا أن يكون عمرو قد جرجر الفتيات والسيدات المصريات من ‏شعورهن سبايا للاغتصاب في السعودية ! فالإغارة والدعارة حرفتهم وصنعتهم منذ الأزل وقبل الإسلام، ولأننا استسلمنا لهم وتقمصنا عقلياتهم وصرنا ‏هكسوساً مثلهم قبلنا ما قبلوه وأقررناه ديناً مثلهم !‏

فمن القرى المصرية التي قاتلت عمرو العاص قرية يقال لها بلهيب وأخري يقال لها الخيس وقرية يقال لها سلطيس, ولما ظهر عليهم العرب ‏استحلوهم وسبا عمرو أهلها أرسلهم ليباعوا كعبيد فى المدينة المنورة، فردهم عمر بن الخطاب إلى قراهم قائلا: أن تجعل الإسكندرية وهؤلاء الثلاث ‏القريات ذمة للمسلمين. وتضرب عليهم الخراج ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط قوة للمسلمين على عدوهم ولا يجعلون فيئاً ولا عبيداً ففعل ذلك ‏‏( كتاب خطط المقريزى ج8 ص309-310) ومات كثير منهم فى الرحلة إلى المدينة والعودة إلى من المدينة إلى مصر‎.‎‏ لكن المؤرخين يتباهون فخراً ‏بخليفة العرب عمر الخطاب ويتعالون بشرفه لأنه أعاد السبايا المصريين إلى بلادهم، فلماذا تغاضوا عمن خطفهم من البادية !‏

فهل بقي هناك منطق يدعونا لنتساءل هل أحرق عمرو المكتبة أم صانها؟ إذا كان هو قد حصد البشر وخطف النساء والأطفال والبنات وصدرهم ‏لأسواق العبيد في المدينة المنورة، فما القيمة من صيانة مكتبتهم؟ ، وحتى وإن كان عمر الخطاب قد ردهم إلى أهلهم، فهذا دليل يؤكد أن عمرو كان ‏يخطف ويسبي ويرسل لأسواق العبيد في المدينة، وما ردهم عمر إلا لأن المقوقس أخذ عهداً بالأمان (على النفس والمال) من عمرو، لكن عمرو كعادته ‏لا يصون عهود، إنما عمر الخطاب يصون العهود، ومجرد رد عمر لهؤلاء السبايا يؤكد أن عمرو لا يصون عهوده، فكيف يكون قد نشر الإسلام في ‏مصر رجل لا يصون عهد؟.‏

فقد كان العرب يفرضون على المصريين في شروط الصلح حق استضافة الخواجات العرب، وبما أن العرب الموجودين في مصر في هذا الوقت كانوا ‏أجانب اتخذوا لهم ثكنات عسكرية متفرقة في الصحارى القريبة من المدن كما الفسطاط، وكان أهالي الفرسان العرب من القبائل يهاجرون إلى مصر ‏بالتتابع بعدما وصلتهم أخبار الخير والعمار في مصر، فتركوا مكة والمدينة وزحفوا قبائل عديدة استقرت في محافظات مصر، وكانوا خلال وصولهم ‏يحتاجون لأماكن إقامة مؤقتة، ففرض عمرو العاص على المصريين حق الاستضافة للعرب لمدة ثلاثة أيام، على أن يكون للعربي حق الأكل والنوم ‏واختيار ما تحلوا له من سبايا البيت ! ومن يرفض من المصريين تقطع رأسه وتسبى نساءه وتصبح ملكاً للعربي يغتصب كيفما شاء ووقتما شاء. وهذا ما ‏يؤكد أن العرب دخلوا مصر بصفتهم وملامحهم القومية القرشية العربية الوحشية البربرية وليس بصفتهم مسلمين أو ممثلين للإسلام، لأنهم حتى لم يعرفوا ‏المصريين بالدين الإسلامي، ولم يعرفوا لغتهم، ولم يترجموا القرآن إلى اللغة الهيروغليفية التي كان يتحدثها أهل مصر، بل إن العرب عاشوا في مصر أجانب ‏خواجات منعزلين في جزيرة من العنصرية والتعالي على الشعب لدرجة أنهم ظلوا في مصر 100 سنة كاملة ولم ينتشر الإسلام في مصر سوى بنسبة 2% ‏من الشعب وهذه النسبة فيها القبائل العربية والمقاتلين العرب الذين جاؤوا هرباً من جوع الصحراء.‏

ولذلك فلا قيمة للتساؤل عما إذا كان عمروا العاص قد أحرق المكتبة أم لا، لأنه عدم ما هو أهم من المكتبة والكتب والورق.. وهو القيمة ‏الإنسانية، وهذه من طبيعة العرب عموماً، أنهم لا يعرفون قيمة الإنسان، فمن الطبيعي أنهم أيضاً لا يعرفون قيمة العلم، ولم تقم في بلادهم حضارة علمية ‏على مدار التاريخ. ويكفي المصريين شرفاً أنهم كان عندهم مكتبة بهذا الحجم، تمثل حضارة بمفردها، حتى وإن استخدمها العرب وقوداً للحمامات، فهذا ‏شأنهم والإسلام بريء منهم.‏

والغريب أننا نحن المسلمين أخذنا الإسلام ليس من كتاب الله وإنما من العرب وتبنينا هذا الغبار الثقافي باعتباره الدين الإسلامي، وأطلقنا عليهم ‏مصطلح الصحابة، ومنحناهم مصطلح الفاتحين والمجاهدين الذي جاهدوا في سبيل الله حتى أوصلوا الإسلام إلينا..! وهم بالفعل أوصلوا الإسلام إلينا ‏لكن بالطريقة الخطأ التي تتنافر كلياً مع مبادئ الإسلام، والحقيقة أننا تلقينا ثقافتهم (الإسلام مندمجاً في سلوكياتهم) .. لدرجة أنه كان لي صديق صحفي ‏مشهور جداً وله صيت عالمي، هذا الصحفي كان يسافر بصورة دورية إلى لندن في مأموريات عمل تقارير صحفية هناك، وكان أول ما ينزل في المطار ‏يذهب إلى بيوت الدعارة ليقضي فيها استراحة وبعدها يبدأ في مأمورية عمله الصحفي، فقلت له ذات مرة أن الزنا حرام، فقال لي أنه ليس زنا لأن ‏النساء هناك مسيحيات وليسو مسلمين، قلت له يظل زنا ودعارة لأن للإنسان قيم ومبادئ شريفة حتى خارج الأديان، فقال: " لا هم سبايا بالنسبة لنا ‏‏" ! والحقيقة أن هذا ليس الإسلام وإنما عادات العرب، لكن تاريخهم أصبح ديناً لنا.‏

وفي الواقع لم تكن جرائم الاغتصاب التي مارسها العرب تتم تحت هذا المسمى " اغتصاب" لكنهم اتخذوا مساراً آخر في تخريج هذه العملية ‏وتحليلها دينياً، فقالوا وقال الفقهاء خلفهم أنه يحق للفاتحين " وطء السبايا " أي نكاحهم باعتبارهم زوجات أو ملك يمين، وزوروا ودلسوا أحاديث ‏ونسبوها لرسول الله ليقنعوا أنفسهم بأن ما يفعلونه من الإسلام، فكان العربي إذا دخل بلداً يقتل الرجال ويخطف الأطفال لبيعهم في الأسواق، وكذلك ‏النساء والبنات، ويتخذ الجميلات منهن " ملك يمين" : أي خادمات يحق له جماعهن جنسياً دون عقد زواج وبمجرد تملكها، والتملك هنا يكون بعد ‏قتل آبائهن أو أزواجهن أو إخوانهن أو خطفهن بأي طريقة، بذلك تصبح الفتاة ملك يمين ويجامعها جنسياً.. وفي الواقع فهذا الوطء وهو عملية ‏اغتصاب واضحة لأنه لم يتزوجها بعقد زواج صحيح ولم تقبل هي الزنا معه، وبالتالي فإذا كان قد جامعها دون رغبتها فذلك يعني اغتصاب. لأن العلاقة ‏بين رجل وامرأة محصورة بين حالات ثلاث هي :( زواج – زنا – اغتصاب ) والسبايا ليست زوجة بعقد زواج صحيح، وإنما مخطوفة عنوة، ولم تقبل ‏المعاشرة الجنسية برضاها وبإرادتها وبرغبتها، إذن ليس ذلك زنا وإنما هو الحالة الأخيرة أي اغتصاب، أياً كان المسمى الفقهي الجميل الذي استطاع ‏العرب والفقهاء تخريجه، فكل إنسان منّا بإمكانه القياس على أمه أو أخته أو زوجته أو ابنته؛ لأن خير موارد العدل هي القياس على النفس وليس ‏القياس على ما فعله الأعراب. ‏

ولنتعرف الآن على طريقة حكمهم لمصر خلال حقبة "الفتح الإسلامي" من قراءة سريعة لبحث نشره الكاتب عبد الجواد سيد بعنوان " غزو ‏العرب لمصر – أكذوبة الجهاد المقدس"(1).‏
بالنسبة لسياسة العرب الخواجات في حكم مصر خلال مرحلة نشر الدعوة الإسلامية في مصر وتعريف المصريين المسيحيين وقتها بالدين ‏الإسلامي، فقد لبى الصحابة نداء الجهاد في سبيل الله لنشر دينه ودعوة النبي محمد عليه السلام، وجاءوا لمصر حاملين القرآن، قطعوا آلاف الأميال سيراً ‏حتى وصلوا إلى مصر، وبرغم أن المقوقس حاكم مصر في هذه الحقبة تعاون مع العرب ضد الرومان وتوسط بين الرومان وعمرو العاص خلال مرحلة ‏الفتح، ولم يرفض دخول المشايخ المسلمين والدعاة السعوديين الذين كانوا صحابة ليعيشوا ويندمجوا وسط المصريين.. لكن هؤلاء المشايخ والدعاة ‏والوعاظ لم يأتوا أصلاً إلى مصر، ولكن جاء عمرو بجيشٍ مسلح قوامه آلاف المقاتلين مسلحين بكافة أنواع التسليح والمدفعية الثقيلة "المنجنبق" ونصبوها ‏حول المدينة وحاصروها ستة أشهر حتى انكسرت حصونها تحت أقدامهم. ‏

لكنهم لم يتخذوا مقراً لنشر الدعوة وإعداد الوعاظ وتأهيلهم لينتشروا ويندمجوا وسط المصريين، ولم يتعلموا اللغة الفرعونية كي يحدثوا المصريين عن ‏الإسلام، فقد استن الخواجة عمرو العاص أسلوباً سعودياً جديداً من أساليب النهب الاستعماري لمصر وهو نظام الارتباع، الذي أطلق بموجبه جنوده ‏ينهبون القرى ويروعون الأهالي كل مواسم الربيع، وهو نظام ربما قد عُرف فى العصر الروماني على نطاق محدود، ولكن عمرو مضى به إلى حدود أبعد ‏حيث أصبح يستغرق كل فترة الربيع من كل عام، حيث فرض على فلاحي مصر إضافة إلى الجزية والخراج حق قرره العرب لأنفسهم بأن ترعى أغنامهم ‏وإبلهم وخيلهم في حقول المصريين طوال فترة الربيع مجانا ً.. فكل قبيلة منهم تتخير أرضا ً على ضفاف النيل تستبيح مرعاها كل ربيع‎ ‎‏ وقد استمر هذا ‏النظام السيئ طيلة العصر العربي حيث وردت عنه إشارات فى كتابات العصر المملوكي.. ‏

وبعد اغتيال الخليفة عمر الخطاب وتولى عثمان عفان الخلافة بعده ازدادت أحوال مصر سوءً، فقد كانت سياسة عثمان فى مصر وغيرها من البلاد ‏ترمى إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من الجزية والخراج، فقام بعزل عمرو العاص عن ولايتها سنة 24 هـ وولى بدلاً منه أخاه فى الرضاعة عبد الله سعد أبى ‏السرح الهارب من حكم الإعدام، فزاد قدر الجزية والخراج على المصريين حتى يرضى عثمان عفّان، مما جعل الأخير يعلق على ذلك فى مقولة شهيرة ‏موجهة إلى عمرو العاص ( لقد درّت اللقحة بعدك يا عمرو) بمعنى لقد حلبت الناقة بغزارة بعدك يا عمرو، مشيراً إلى زيادة أموال الجزية والخراج بعد عزل ‏عمرو العاص عن مصر، والذي كان الخليفة عمر الخطاب يتهمه صراحة بسرقتها، وقيل أن ثروته قُدرت بسبعين جراباً من الأموال السائلة (سبعين جلد ‏بقرة مجفف). وكان المصريين وقتها مستغربين من بدائية العرب هذه، لأن المصريين كان لديهم صناعة متطورة وورش وحرف ومتاجر ومصانع ومجمعات ‏صناعية للورق البردي في منطقة الدلتا الواقعة بين دمياط ورشيد، حيث تخصصت قرية البشموريين في صناعة أوراق البردي، وغيرهم تخصصوا في صناعة ‏سفن الصيد النيلية والبحرية، ومكتبات عليمة وكانوا يحفظون أموالهم في خزن مذهبة وتوابيت مجوهرة وليس في جلد البقر المجفف. ‏

كانت ولاية عبد الله سعد على مصر أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى نشوب الفتنة الكبرى التي أدت فى النهاية إلى مصرع الخليفة عثمان ‏عفّان، فقد استبد ابن سعد بأهل مصر من العرب والمصريين على السواء، وأساء وظلم الجميع دون استثناء، وقد ذكر بعض المؤرخين أن قسوته فى ‏معاملة المصريين كانت هي السبب وراء ثورتهم واستنجادهم بالروم سنة 645م/25هـ ( وهى الثورة التي اضطرت الخليفة عثمان لاستدعاء عمرو العاص ‏لإخمادها) وعلى كل حال فقد تأزم الموقف فى مصر نتيجة لسياسات عبد الله سعد، وكما ثار المصريين فقد ثار العرب بعد ذلك سنة 35 هـ، وقتلوا ‏عثمان عفان.‏

حيث أرسلت القبائل العربية المهاجرة حديثاً لمصر وفداً إلى المدينة بقيادة محمد أبى بكر الصديق شقيق السيدة عائشة، وذلك لعرض شكواهم من ‏سلوك عبدالله سعد على الخليفة عثمان عفّان ومطالبته بعزله، وبالفعل قابلهم عثمان عفان ووعدهم خيراً حتى انصرفوا عائدين إلى مصر، لكنه وفى نفس ‏الوقت أرسل فى أثرهم رسولاً من قبله يحمل خطاباً إلى أخيه عبد الله سعد فى مصر يأمره فيه بقتل أعضاء الوفد إذا رجعوا إلى مصر، وكان من سوء حظ ‏عثمان أن قبض أعضاء الوفد - فى طريق عودتهم - على ذلك الرسول وعثروا على الخطاب الذي يحمله وأطلعوا على محتواه فعادوا إلى المدينة غاضبين، ‏حيث التقوا بوفود أخرى جاءت من الكوفة والبصرة تعرض شكاواها من ولاة عثمان الأمويين وأقاربه لسوء سلوكهم وظلمهم. وحاصر الجميع منزل ‏عثمان وطالبوه بخلع نفسه فرفض وطلب الجيش لهم من دمشق، ولما عرفوا بقدوم الجيش هاجموا منزله وقتلوه. وهذه هي الأحداث التي تُعرف فى التاريخ ‏الإسلامي باسم الفتنة الكبرى أو فتنة الأمصار، والتي لم تكن فى الواقع سوى بداية للصراع الدموي الرهيب الذي بدأ بين الأمويين والهاشميين على زعامة ‏العرب وميراث النبوة.‏

وبعد مقتل عثمان آلت الخلافة إلى على أبى طالب، فعزل عبد الله أبي السرح وولّى مكانه سعد قيس على مصر ثم عزله ووضع الأشتر النخعى ثم ‏عزله ووضع محمد أبى بكر الصديق قائد المجموعة التي قتلت عثمان عفان (الأموي)، وهنا ثار معاوية أبى سفيان (الأموي) والى الشام ورفض الاعتراف ‏بخلافة علي واتهمه علانية فى دم عثمان بمجرد أن عين علي أبي طالب قاتل عثمان حاكماً على مصر، وهو ما اعتبره معاوية تواطؤاً من عليّ مسبقاً ‏على قتل عثمان وليس مجرد تفريط في دمه، واتخذ من ثأره حجة لإعادة نقل الخلافة من البيت الهاشمي إلى البيت الأموي، وهو ما كان يسعى إليه ‏الأمويون بالفعل منذ وصول عثمان إلى السلطة، وهو ذات المخطط الذي سعى فيه عثمان عفان طيلة حياته، وكان للأمويين عصبية قوية فى بلاد الشام ‏منذ ما قبل الإسلام. وإزاء هذا الموقف من معاوية عزم عليّ على غزو الشام للقضاء على تمرد معاوية، وذلك بعد أن نجح فى القضاء على تمرد طلحة ‏والزبير والسيدة عائشة بالتزامن فى موقعة الجمل سنة 37هـ ، والذين كانوا قد خرجوا على عليّ بدورهم واتهموه فى دم عثمان لأسباب تخص كل منهم ‏على حدة - فقد كان كل من طلحة والزبير يطمح فى منصب الخلافة لنفسه، أما عائشة فقد كانت تكره عليّ منذ حادثة الإفك التي أشار فيها علي أبي ‏طالب على النبي بطلاقها.‏

وأثناء تلك الأحداث أشار بعض الأمويين على معاوية بالاستعانة بعمرو العاص، والذي كان بعد عزله عن ولاية مصر معتزلا السياسة بضيعة له ‏فى فلسطين(فلم يكن عمرو العاص فاتح مصر لينشر فيها الدين ولكن ليمارس سلطة الحكم والجباية، وبمجرد عزله ترك السياسة وترك مصر وترك مكة ‏والمدينة والبيت الحرام ومسجد الرسول، وذهب إلى فلسطين التي احتلها قبل مصر، وانعزل في مزرعة خاصة به بعيداً عن السياسة والدين). ولما دعاه ‏معاوية للتخلص من الخليفة علي أبي طالب، لبى عمرو النداء وحضر مع ابنيه سريعاً وأبدى استعداده لمساعدة معاوية بشرط أن يجعل له مصر طعمة ‏مدى الحياة، فى حال انتصاره على جيش الخليفة، أي حق حكمها لنفسه مدى الحياة على أن يختص نفسه بعائداتها (الجزية والخراج والضرائب والجمارك ‏والسبايا والإتاوات). وافق معاوية على شروط عمرو ووضعه على رأس قواته التي واجهت قوات عليّ فى صفين سنة 37هـ.. فقد ترك عمرو العاص ‏الجهاد في سبيل الله، ثم عاد لقيادة جيش معاوية للتخلص من الخليفة ! وهو جهاد أيضاً لكن بعقل العرب.. فلم يبادر عمرو العاص في التوسط بين ‏علي ومعاوية لحل الخلاف ودياً ولكن أسرع بتقديم الشرط وهو الاستقلال بحكم مصر، ولما وافق معاوية دبر عمرو خططه للخلاص من الخليفة (خطط ‏حربية وسياسية بالطبع وليست دينية)‏

وبالطبع موقف عمرو هنا لا ينبئ عن أي مروءة ولا شرف ولا علية أخلاق، فنذكر نصيحة جدنا الملك المصري «خيتي» أحد ملوك أهناسيا يُحث ‏ابنه «مري كا رع» على حسن الإدارة مع رعيته وكبار موظفيه؛ فيقول: الرجل الغني في بيته لا يميل مع الهوى ولا يتحيز، إذ يكون عنده من المال ما ‏يغنيه، ولكن الرجل الفقير قد لا يتكلم حسب العدالة، لأن الرجل الذي يقول «ليت لي» لا يكون محايدًا بل ينحاز إلى الرجل الذي يعطيه الرشوة، وأن ‏وراء كل عظيم مستشارون عظماء ".. وفي الواقع لم يكن هذا المعاوية عظيماً بأي حال، ولا كان مستشاره.‏‎.‎

وفى بداية المعركة رجحت كفة قوات علي على قوات معاوية فلجأ عمرو إلى حيلة كان قد ادخرها لتلك اللحظة، فأمر الجنود برفع المصاحف على ‏أسنة الرماح والمناداة بتحكيم القرآن- وكأن أكُفّ الأيادي لم تكن قادرة على حمل المصحف توقيراً له! -، وكان يهدف من وراء ذلك إلى إحداث الفرقة ‏فى معسكر عليّ، وبالفعل أصر كثير من جنود عليّ على إيقاف القتال وتحكيم القرآن وذهبت تحذيرات علي لهم بأن (عمرو ومعاوية ليسا بأصحاب ‏دين ولا قرآن ) عبثا، (برغم أن الخليفة علي أبي طالب يؤكد أن عمرو العاص ليس صاحب دين ولا قرآن، ومع ذلك ما زال المصريين مقتنعين بأنه هو ‏من علمهم دينهم وفتح مصر ونشر فيها الدين!) وأصر جنود الخليفة على قبول التحكيم واختاروا أبا موسى الأشعري ممثلاً لهم، بينما اختار أهل الشام ‏أنصار معاوية عمرو ممثلاً لهم. وعلى هذا اجتمع الحكمان فى دومة الجندل سنة 37هـ واتفقا على خلع علي ومعاوية وترك الأمر شورى بين المسلمين، ‏لكن عمرو لم يكن يقصد بهذا الاتفاق سوى خديعة أبى موسى الأشعري لإضعاف موقف علي وتقوية موقف معاوية. وبعدما صعد أبو موسى منبر ‏المسجد الجامع وأعلن خلع على ومعاوية تبعه عمرو وأكد خلع علي وأنكر خلعه لمعاوية... ‏

وعندما حاول أبو موسى تكذيبه رد عليه قائلاً ( بل كذب أبو موسى) قد خلع علياً ولم أخلع معاوية، فانسل أبو موسى من بين الناس وهرب إلى ‏مكة، وانصرف عمرو وأهل الشام وسلموا على معاوية بالخلافة وباركوا له (لاحظ أن عمرو كذب في بيت الله وعلى منبر الدعوة قبل أن يتحرك إلى نشر ‏الدين في مصر... بينما في مصر، ها هو الحكيم «بتاح حتب» ينصح ابنه قائلًا: «… احرص على الصدق…»، كما حثه على التخلق بالصدق ‏داخل البيت عند تعامل أفراد الأسرة مع بعضهم؛ فها هو أحد ملوك أهناسيا ينصح ابنه «مري كا رع» فيقول: «… لا تقل إلا الصدق في بيتك حتى ‏يخشاك الأشراف الذين يديرون على البلاد…»، ولم يتوقف الصدق عندهم على النطق به، بل عبروا عنه أيضًا من خلال ما تخط أقلامهم، فها هو ‏أحدهم يدعو ابنه الكاتب ألا يخط قلمه إلا صدقًا فيقول له محذرًا: «… لينطق قلمك بالحق، ولا يخط إلا بالصدق بما يفيد الناس‎».‎‏ (2) بينما العرب ‏لا صدق عندهم ولا قلم ولا خط حتى أن البخاري أضع عمره كاملاً كي يلملم وينتقي ستة آلاف حديث من وسط 600 ألف حديث زورها العرب ‏على رسول الله !‏

لكن هكذا كان العرب مجتمعاً برياً بربرياً.. وبعد نجاح هذه الحيلة أرسل معاوية عمرو إلى مصر على رأس ستة آلاف مقاتل من أهل الشام ليفتح ‏مصر للمرة الثانية على التوالي، حيث تمكن بالتحالف مع أنصار عثمان بمصر من هزيمة قوات محمد أبى بكر الصديق والي علي على مصر ثم قتله وأحرق ‏جثته بالنار فى "جيفة" حمار، ودخلت مصر فى سلطة معاوية فولاها عمرو ومنحه حق استغلالها مدى الحياة تبعا لاتفاقهما السابق. فظل يحكمها ‏وينشر دين الله فيها بالحق إلى أن توفى بها وأصبح الصحابي الجليل الفاتح سيدنا عمرو ابن العاص رضي الله عنه ودُفن بالفسطاط سنة 43هـ. الذي قاد جيش ‏الجهاد في سبيل الله وقوامه ستة آلاف مقاتل لانتزاع حكم مصر من صحابي جليل ابن أكبر صحابي في الأمة، والذي لم يشفع له مقام والده حتى، ‏فأحرقوه في جيفة حمار، وأرسلوا قميصه إلى المدينة كي يغيظوا به السيدة عائشة !. مع أن النبي نهى عن قتل مؤمن ونهى عن التمثيل بالجثث، ونهى عن ‏طلب الولاية ! ونهى عن الكذب ! ونهى عن الغش والخداع ونهى عن طلب الرشوة ، ونهى عن القتل والعدوان لكن ابن العاص ما كان له أن ينتهي عن ‏شيءٍ أبدا ! فما بالنا بالقتل الشنيع من أجل الولاية؟ والتمثيل بالجثث ! وما بالنا بتحرك جيش بأكمله من أجل الولاية! وهذا ما يؤكد نظريتنا في أن ‏الأثر الروحي للدين تبخر من العقلية العربية عقب وفاة النبي ببرهةٍ قصيرة..واستمرت الكاريزما العربية على طبيعتها ونشأتها البدوية الصحراوية البرية ، ‏لأنها عقلية برية بالفطرة.... (نلتقي غداً في المقال الثاني بتصرف من كتابنا: غبار الاحتلال العربي)‏

هوامش؛ ‏
‏ - مع التصرف - مقال للكاتب: عبد الجواد سيد بعنوان " غزو العرب لمصر – أكذوبة الجهاد المقدس" منشور بتاريخ 13/7/2017 على موقع حوار متمدن ‏http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=544580&r=0‎‏ ‏
‏2- د. حسين دقيل – أستاذ الآثار وكاتب وباحث في الأدب – مقال بعنوان " من أخلاق المصريين القدماء (1) الصدق – منشور على موقع ساسة بوست بتاريخ 1 فبراير 2018 على ‏الرابط التالي : ‏https://www.sasapost.com/opinion/pharaohs‏/‏
ملحوظ: لم نرد ذكر المراجع والمصادر الأصلية لهذا المقال لأن كل مصادر التاريخ العربي تذكر بدقة ذات الوقائع ولا تنكرها ، مثل البلاذري والمقريزي والطبري وابن كثير وغيره من المؤرخين، فهذه ‏الوقائع ليست بحاجة إلى إثبات، والمشكلة ليست في إنكار هذه الأحداث التاريخية إنما المشكلة في اعتبارها جهاد وليس جريمة ، فالعرب يقرون بها يعتبرونها جهاد في سبيل الله، ونحن نعتبرها ‏هي هي جريمة في حق الله والشعوب المظلومة ، وجريمة ارتكبت باسم الدين ذاته وهي عدوان وتحريف لشريعة الله. وأبسط مثال هو جريمة السبي والخطف والاغتصاب التي جعلها الصحابة حق شرعي لهم ومكافأة على الجهاد في سبيل الله .‏




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,280,029
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- العلاقات الأمريكية السعودية: جو بايدن يثير قضية حقوق الإنسان ...
- انتحار مدرب منتخب الجمباز الأميركي السابق بعد اتهامه بالاتجا ...
- محكمة ألمانية تصدر الحكم الابتدائي في محاكمة بشأن التعذيب في ...
- العراق: اعتقال -عصابة موت- مزعومة
- مسئولو حقوق الإنسان بوزارات الداخلية العربية يوصون بزيادة ال ...
- مقتل مواطن على أيدي قوات الأمن غرب رام الله: المركز يطالب با ...
- -ريمالد- تلامس هوية المغاربة وحقوق الإنسان
- وزير الخارجية الأمريكي يبحث أهمية حقوق الإنسان مع نظيره السع ...
- -لانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان-... -فيسبوك- و-إنستغرام- ت ...
- العراق: اعتقال مسئول قناصي داعش في عملية أمنية بأربيل


المزيد.....

- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)