أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (2)‏















المزيد.....



بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (2)‏


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6245 - 2019 / 5 / 30 - 16:53
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


عرفنا في المقال السابق الآلية الغريبة العجيبة التي قامت بها دولة العرب بخلاف كافة الدول التي شيدت حضارات عظيمة، فالطريقة الصحيحة في ‏بناء دولة تؤدي إلى بناء حضارة بالطريقة الصحيحة أيضاً. لكن العرب كونوا دولة أقل ما يقال عنها أنها كانت هوجة لموجات من البدو قفزوا من ‏الصحارى جائعين إلى المدن فقضموا خيراتها... إذ أن مجتمع الصحابة هذا في الأصل ما كان إلا عشيرة من البدو الرعاة ، فهم من المنظور الحضاري ‏مستواهم صفر على اليسار، وكانت حياتهم ونشاطهم الاقتصادي قائم على الرعي والتجارة والإغارة والدعارة، بل إنهم كانوا أكثر المخاطر التي تواجه ‏المسافرين بين البلاد وبعضها إذا اضطروا لعبور الصحارى، فالمسافر إذا ركب البحر قد يكون في عرضة لمخاطر البحر، لكن لا توجد حيوانات شرسة ‏ولا ضباع ولا ذئاب في البحر، فقط خطر الموج إذا علا ، أما عند السفر في الصحراء فهناك مخاطر عديدة أخصها التيه والعطش والجفاف والضواري ‏والحيوانات المفترسة والذئاب والضباع والعقارب والأفاعي والرياح والغبار وحرارة الشمس القاتلة، فلطالما حظيت دروب الصحراء بشتى المخاطر وحفلت ‏بالمهالك المتربصة في كل خطوة بمسالكها، على أن أشد تلك المخاطر هم بدو الصحراء الرحل الذين عاشوا على السلب والنهب للقوافل العابرة، وحتى ‏بعثات ملوك مصر القديمة لم تكن تأمن من أيدي تلك القبائل البرية الشرسة.

فقد حدث في أيام " بيبي الثاني " ملك مصر أنه أرسل القبطان " عنخ نخت " وكان ‏من أقرب القواد إلى قلبه في بعثة إلى بلاد بونت عبر البحر الأحمر لجلب الأخشاب والمعادن. لكن " عنخ نخت " لم يسلم لا هو ولا رفقاء سفره من ‏أيدي هؤلاء البدو الذين قاموا بقتلهم جميعاً‎ ‎‏.. فلما علم جلالة الملك "بيبي الثاني" بالأمر حزن أشد الحزن وقام بإرسال حملة تأديبية بقيادة " بيبي ‏ناخت" لتأديب هؤلاء البدو الصعاليق والتنكيل بهم نتيجة ما فعلوه من قتل قائد البعثة ورفاقه في الطريق، وبالفعل نجح في تأديب هؤلاء البدو الرعاة ‏ووصف بدقة ما حدث فيقول‎ : " ‎لقد أرسلني جلالة الملك ضد بلاد العامو لأعيد جسد الرفيق الوحيد رئيس البحارة وقائد البعثة " عنخ نخت " الذي ‏كان يشرع في بناء سفينة للتوجه إلى بلاد بونت عندما قام العامو القاطنون في الرمال بقتله هو ومن معه من قوة مسلحة، فقمت بذبحهم بمعاونة قوة ‏الجيش التي برفقتي‎ .‎‏" ... وهؤلاء البدو الرعاة الذين وصفهم القبطان المصري بيبي ناخت بــ " العامو " هم أجداد العرب، فهذه ‏طبيعتهم وهذه حياتهم وهذا نشاطهم وهذه هي أصولهم الاجتماعية وهذه هي جذورهم الحضارية.‏

ولا بد من التفرقة هنا بين حدثين مقترنين، هما حدث البعثة، أي الصحوة الدينية التي حدثت في المجتمع بظهور الرسول، وانطفاء شعلتها بوفاته، ‏وحدث نهضة العرب بتأسيس دولة وتكوين جيش ونظام حكم ومؤسسات ودواوين، فهذان حدثان مقترنان لكنهما في الواقع مختلفين ومنفصلين تماماً ‏من حيث الرؤية والغاية والهدف والرسالة، لأن نظام الدولة والحضارة هو جهد بشري، بينما الرقي والسمو الأخلاقي الروحاني هو من أثر الرسالة والنبوية، ‏فالنبي جاء ليعلمهم الصلاة والإيمان، بينما الحضارة تعلمهم الصناعة والزراعة وفنون العمارة والهندسة والفيزياء، هي في مجملها تقوم على العلوم العقلية لا ‏العقائدية، وهذه ليست من اختصاصات النبي، كما غيره من الأنبياء أتوا إلى الدنيا ودعوا مجتمعاتهم إلى توحيد عبادة الله، دون أن يكون لذلك أي أثر ‏على أنظمة الحكم أو مستوى الحضارة التي يعشها كل مجتمع سواء من جانب سلطة الحكم أو من جانب الأنشطة الحضارية، فإبراهيم عليه السلام دعا ‏قومه إلى عبادة الله ولم يعلمهم الصناعة والزراعة والهندسة، ونوحٌ عليه السلام دعا شعبه لعبادة الله ولم تكن رسالته تعليمهم صناعة السفن برغم أنه كان ‏نجاراً ناجحاً، وكذلك موسى عليه السلام ومن تبعه من أنبياء، وعيسى عليه السلام دعا إلى توحيد عبادة الله، ولم تكن له صلة بنظام الحكم السياسي، ‏وجاء خاتم الرسل والأنبياء ليوحد كافة الرسالات والديانات، لا ليوحد أنظمة الحكم السياسية والعسكرية أو يشرعن فلسفة الإغارة والعدوان باسم ‏الجهاد، وحّد عبادة الله في الأرض، ولم تمتد رسالته أيضاً إلى تعليم الصناعة والهندسة والطب والفلك أو فنون العمارة، ولم تتطرق إلى جانب العلوم العقلية ‏والصناعة والحرف، لم تمتد رسالته إلى أي تنظيم سياسي، لأن ذلك يأتي تدريجياً بمجهود البشر أنفسهم وبالتجربة والخطأ وحسب ظروف المجتمع وإمكاناته ‏وطموحاته وليس النبوة.. لكن العرب استخدموا اسم الدين لتسهيل السيطرة على الشعوب المجاورة؛ ولهذا ضخموا من الشخصيات السياسية والتاريخية ‏بقداسة دينية.‏

‏ أما محمد فهو نبي ورسول جاء بالسلام من أجل السلام ورحمة للعالمين. وما ميزه عن غيره من الأنبياء والرسل إلا كونه اعتصم بحق الدفاع الشرعي، ‏واستخدام النبي للجيش لم يكن بهدف تأسيس مملكة أو إمبراطورية، ولكن فقط لضرورة الدفاع عن حق الوجود، فجميع الأنبياء الذين لم يكن لديهم قوة ‏كافية لحمايتهم تم قتلهم، سيدنا إبراهيم تم حرقه.. وسيدنا عيسى تم قتله صلباً، وجميع أنبياء اليهود تم قتلهم، ولذلك لم يكتفي النبي محمد بالمقاومة ‏والصبر، بل واجه من حاربوه وانتصر عليهم، وهذا ما يعني احتياجه لجيش يتولى الدفاع عن مجتمعه ودعوته، وليس لتأسيس دولة مؤسسات وحضارة ‏للعرب. وفي ذات الوقت، فإن تأسيس الجيش هو خطوة سياسية ضرورية لبناء حضارة بشرية، فالجيش في حد ذاته ليس طقس ديني ولا شعيرة عبادة، ‏ولا صلة له بالعبادة والتوحيد، لكن الرسالة كانت في أمس الحاجة إلى الدفاع عنها، ما اضطره لتكوين جيش بصورة مؤقتة يتشكل وينحل حسب ‏الضرورة، حتى أنه تعرض لكثير من الحملات الحربية من المجتمعات المعاصرة له للقضاء عليه وعلى مجتمعه، وقد تحمل كثير من الضربات، وانتصر في ‏غالبها. ‏

وبعد وفاته استخدم العرب الأدوات التي تركها لهم النبي في تأسيس دولة يحكمونها وينعمون في ظلها بالسلطة والسيادة على غيرهم.. استخدموا ‏الجيش والدين في بناء دولتهم، ولهذا قامت دولة العرب على الدين والحرب، ودمجوا الاثنين معاً فخرج لنا الجهاد في سبيل الله، وبهذه الطريقة السحرية ‏حوّل العرب هوايتهم الحربية إلى ركن في الدين والعبادة، حيث استمر هذا الجيش وتتابعت حملاته على الخارج وتتابع إنشاء المؤسسات العامة على ذات ‏الشاكلة تستمد تمويلها من عوائد الجيش، ما يعني تأسيس دولة ونظام حكم. وكما هي العادة في كل الشعوب والحضارات، فإن بناء نظام حكم مركزي ‏وجيش هو الخطوة الأولى لبناء دولة، وبرغم أن الرسول لم يبن جيشه بهدف بناء دولة ومؤسسات صناعة وتجارة، بل فقط كانت الضرورة له للدفاع. لكن ‏هكذا بعض الشعوب تنشئ دولاً لها بطرقٍ قصرية عجيبة، مثل دولة الكيان الصهيوني التي نشأت بجهاز الموساد، الذي مثل أكبر آلة قتل واغتيال في ‏التاريخ.. هذا الجهاز اعتمد الإسرائيليون عليه بنسبة 97.5% في بناء الدولة ونسبة 2.5% بجهود العسكرية.‏

لكن العرب بعد وفاة الرسول استخدموا هذا الجيش في فرض السيطرة على الشعوب المجاورة، ما فتح مصادر غزيرة للدخل القومي وتضخمت ‏الخزينة على أثر عائدات الغزو والسلب والنهب وعوائد أسواق النخاسة وحصيلة الجزية والزكاة والجبايات والأراضي التي تمت مصادرتها وبيعها ورصد ‏ثمنها لخزينة الدولة (بيت المال وهو أول مؤسسة تعتبر نواة لمركزية الدولة بعد تكوين الجيش وسلطة الحكم المركزية، ولذلك نجد أبي بكر الصديق أصر ‏بشدة على محاربة مانعي الزكاة حتى وإن كانوا مسلمين!)، وهنا بدأت تظهر ملامح الحضارة العربية. أي أن النبي ورسالته كان موضوعاً مستقلاً عن ‏الحضارة العربية، والحضارة العربية ليست استرسالاً للدعوة المحمدية، فالرسالة هي هدي من الله لتوحيد العقيدة وإتقان العبادة والرقي الأخلاقي والفضيلة، ‏بينما تأسيس دولة وحضارة هو جهد بشري غير متعلق بالرسالات السماوية، وكل ما حدث هو أن النبي محمد جمع القبائل العربية تحت لواء ديني ‏اجتماعي، واضطر لتكوين جيش لصد الحملات التي تعرض لها، فاستغل العرب وحدة القبائل هذه واستخدموا هذا الجيش كنواة لتأسيس دولة ونظام، ‏اعتماداً على عائدات الجيش الذي كان مصدر الدخل الوحيد للعرب من خارج بلادهم، وبعدما انتشرت حركات الغزو في كل اتجاه، هدموا كثير من ‏الحضارات، بداية من الحضارة العراقية والحضارة الفارسية، أعدموها وخربوها تماماً في سبيل توسعاتهم وفرض سلطاتهم وتحصيل العوائد، اعتبروا أن طعام ‏الناس وأموالهم وأولادهم أولى بها العرب طالما لم يتبع هؤلاء الناس دينهم ! هذه الحضارة البشرية العربية لم تبدأ من الدين الإسلامي، ولم تبدأ من حيث ‏بدأ الرسول، ولكنها عادت لمنهج العرب وتقاليدهم وعاداتهم القبلية في الجاهلية لتبدأ من عندها. فاشتعلت حركات الغزو الخارجي قبل أن تتشكل ‏ملامح الدولة، ثم ما لبثوا أن تصارعوا على الحكم فيما بينهم.‏

وكما أوضحنا أن طبيعة الحضارات لا تأتي متزامنة في شعوبٍ متعاصرة، أي لا تعيش الكرة الأرضية كلها في حال تقدم وحضارة في ذات الوقت أو ‏حال تخلف وانهيار في ذات الوقت، وإنما تأتي متبادلة بصورة موجية وليست خطاً مستوياً، بمعنى أن كل شعبٍ من الشعوب يبدأ الصعود في سلم ‏حضارته خلال مدة زمنية معينة ثم يستمر صعوده ويتربع على عرش الحضارة والرقي فترة من الزمن بعدها يبدأ مساره في الانحدار والسقوط تدريجياً، ‏حضارة تشرق في مكانٍ وحضارة تغرب في مكانٍ آخر في ذات الوقت، ولا تتعاصر حضارتين لشعبين من الشعوب في ذات الوقت، وإلا ستتحد القوة، ‏فالقوة المسيطرة لها مركز واحد، وإذا تصارعت قوتان فحتماً ستغلب إحداهما الأخرى وتميل كفة الميزان في أحد اتجاهيها لا محالة، وكل حضارة تأتي لا تبدأ ‏مشوار تقدمها العلمي من الصفر وإنما تبدأ بترجمة ما توصلت إليه الحضارات السابقة عليها، فالحضارات تأتي متتابعة في أجيال متسلسلة ومتصلة ‏ومتساندة على أكتفا بعضها.‏

وبالتالي إذا حاولنا قياس ما قدمته الحضارة العربية للبشرية، فينبغي تقييمها على الحضارات التي سبقتها والتي تلتها لا المعاصرة لها وإلا كان ذلك ‏محض هراء بلا قيمة وخداع للنفس فقط من باب كسب الثقة المؤقتة. فالحضارة الفرعونية القديمة قطعت شوطاً جباراً في طريق التقدم والرقي البشري، ‏قدمت مكتشفات عظيمة للبشرية، بدأت بتأسيس الحكم المركزي لجناحي البلاد شمالاً وجنوباً، ثم ازدهار النشاط الاقتصادي والثقافي في العاصمة ‏ومراكز النشاط الحيوي لمدة ألف عام، ثم غزو الفراعنة للجنوب الأفريقي (السودان وتشاد وبلاد بُنط إثيوبيا حالياً) والتوسع شرقاً وغزو الأشوريين ‏والبابليين والحيثيين (شمالي سوريا وتركيا والعراق حالياً) وامتدت إلى شبه الجزيرة العربية شرقاً، وإلى سواحل ليبيا غرباً، فرضت سيادتها على كل الشعوب ‏المجاورة لآلاف السنين من الزمن، وتركت من العلوم الطبيعية والفلك والطب والحساب والهندسة والعمارة والفن ما لم تدركه الحضارات اللاحقة لها مثل ‏علوم الفلك وهندسة الأهرامات وهي من عجائب الدنيا السبع الباقية على مدار التاريخ، بل إن الهرم ما زال هو لغز الحضارات عبر العصور، فإذا كان ‏سور الصين العظيم من عجائب الدنيا لكن في وقتنا الحالي يمكن بناء سور مثله وأفضل وأقوى، وإذا كان برج يبزا المائل من عجائب الدنيا فهو ممكن ‏بناء أفضل منه في عصرنا، بينما الهرم من عجائب الدنيا وما زال العالم عاجزاً عن فهم نظرية البناء الهندسية التي اتبعها الفراعنة فيه.. وقد تعاصرت ‏الحضارة المصرية فترة من الزمن مع الحضارة البابلية (العراق حالياً) وكانت بينهما مراسلات دبلوماسية لا زالت محفوظة إلى اليوم على جدران القصور ‏الملكية في تل العمارنة بمحافظة المنيا. وبعد دخول الحضارة المصرية عصر الاضمحلال، بدأت الحضارة الإغريقية تنهل من العلوم المصرية القديمة بالترجمة، ‏وكانت قواعد الحساب والهندسة التي وقف عليها إقليدس وفيساغورس من نتائج الترجمة والنقل عن الحضارة المصرية القديمة- فيثاغورث نفسه تعلم في ‏مصر، وسطع نجم الحضارة حيث بدأ غزوها للعالم بقيادة (الإسكندر الأكبر 330 ق.م تقريبا) مروراً ببلاد الشرق الأوسط وإلى الشرق الأدنى وحتى ‏الصين، وأنتجت الكثير من العلوم والعلماء من أمثال ( أرسطو وأفلاطون وسقراط وفيثاغورس وإقليدس وأبوقراط وغيرهم).‏

وكما هو ملاحظ أن كل شعب يستغرق حوالي ألفي عام من الحضارة بينما المصريين اكتسحوا كل المقاييس سواء من حيث المدة الزمنية أو من ‏حيث الارتقاء الرأسي لمستوى العلوم والاكتشافات. ثم بأفول نجم الحضارة اليونانية الرومانية، بدأت السيادة تنتقل للحضارة العربية التي بدأ سطوع نجمها ‏في شبه الجزيرة العربية فجأة بالتزامن مع بعثة النبي محمد عليه السلام الذي جعل للعرب قيمة وسط الشعوب وتوحد مجتمعهم على يده. لم يتحرك العرب ‏على المسار المعتاد للحضارات (تأسيس حكم مركزي– نشاط اقتصادي – ترجمة ونقل علوم من الحضارات الأخرى - غزو وتوسع استعماري - ثراء ‏وازدهار وارتقاء رأسي وإبداع علمي وأدبي) كما عادة الحضارات كلها أن تشرع في غزو الشعوب الفقيرة والسيطرة عليها واستغلال ثرواتها في بناء ‏نهضتها بعد التوسع، فالحضارة عند بداية نهضتها تكون أكثر الشبه بالبذرة التي نبتت في باطن الأرض، وتستمر في إزالة غطاء التربة فوقها وحولها حتى ‏ترتفع أوراقها وتتوسع على سطح الأرض ثم تستمر الساق في الارتفاع رأسياً وتزدهر أوراقها وتتفتح زهورها بزيادة ارتفاعها حتى تنضج ثمارها، وحبذا لو ‏كانت هذه الحضارة من نوعية الأشجار المعمرة التي زهر في المواسم باستمرار.‏

ولكن بدأت حضارة العرب في النهوض فجأة على النحو التالي (غزو – حكم مركزي- ثم توقف)، بما يعني أنها توسعت أفقياً وأزالت الغطاء ثم ‏انبطحت على الأرض وزادت في التوسع الأفقي دون أي ارتقاء رأسي، ثم تجمدت الحياة في عروقها وذبلت أوراقها ولم تنضج ولذلك لم تزهر ولم تثمر.. ‏ثم تبين في نهاية الأمر أنها لم تكن حضارة من نوعية الأشجار المعمرة لكنها كانت من نوعية النباتات الزاحفة الشوكية الحولية أي تتمدد أفقياً على سطح ‏الأرض دون نمو رأسي وتنتهي دورة حياتها خلال موسم واحد فقط ثم تذبل وتموت ولا يتقبى منها إلا أشواكها الصلبة.. فهي من نسيج النباتات ‏الشوكية الزاحفة التي تمددت أفقياً بمساحة كبيرة جداً ولم تستطع أن ترتق رأسياً بذاتها واعتماداً على سيقانها إنما اعتمدت على سيقان نباتات أخرى من ‏جنس العلماء والفقهاء الفارسيين، الذين شكلوا وقود العلم والحضارة العربية، فالعرب وحضارتهم تمددت كثيراً جداً في أطراف العالم من الأندلس غرباً إلى ‏الهند شرقاً ومن تركيا شمالاً إلى النوبة جنوباً، في حين أنها لم ترتفع رأسياً إلا بقدر اعتمادها على سيقان غيرها، وكما نعلم أن النباتات الزاحفة منها ما ‏يزحف أفقياً فقط ومنها ما يزحف أفقياً وله محاليق يمكنها من خلالها التسلق على غيره من النباتات ذات السيقان. فالعرب كما النباتات الزاحفة التي ‏يمكنها التسلق على سيقان غيرها من النباتات المجاورة. وفي المجمل لا يمكن المقارنة بين حجم التطور العلمي والتقني والخدمات التي قدمتها حضارة العرب ‏للبشرية وبين حجم المساحة التي سيطرت عليها دولة العرب عسكرياً، ما يعني أنها كانت نباتات شوكية زاحفة أكثر من كونها متسلقة.. وبانتهاء مرحلة ‏الغزو العربي توقفت حضارة العرب وأصابها الشلل إلى اليوم، دخلت في مرحلة الاضمحلال مبكراً جداً، حيث أن عمر الحضارات لا يقل عن ألفي عام، ‏أو ألف وخمسمائة عام، تكون مرحلة التوسع الاستعماري إحدى مراحلها الوسطى، وتسبقها مرحلة الترجمة ونقل العلوم والمعارف من الحضارات ‏السابقة. ‏

بينما الحضارة العربية قامت على حركة عسكرية عنيفة ومفاجئة، ثم اضمحلت بمجرد توقف عمليات الغزو عند حدود الهند شرقاً والأندلس غرباً. ‏وقد اشتعل الصراع بين الأسر الحاكمة في كل أرجائها وعلى مدار تاريخها حتى انهارت ببزوغ نجم الحضارة الغربية الحديثة المعاصرة في أوائل القرن الثاني ‏عشر، حيث بدأت بغزو ملوك الطوائف في الأندلس والذين استعانوا بأعدائهم ضد إخوانهم مما ساعد في سقوطهم جميعاً (بالتزامن مع تفتت الخلافة ‏العباسية وسقوط العاصمة بغداد دون رابط بينهم إلا نسيج العقلية العربية)، ثم بدأت بعد ذلك عمليات الغزو الأوروبي في التوسع، بداية من تحرك ‏الرحالة البرتغالي أمريكو بسفنه الاستكشافية من البرتغال عام 1495 باتجاه الغرب ما أدى إلى اكتشاف الأمريكتين وغزوهما فيما بعد على يد ‏الأوروبيين مجتمعين واستعمارهما، ثم استمرت عمليات الغزو حتى القرن التاسع عشر فاحتلت الدول الاستعمارية الكبرى بلاد الشرق الأوسط والشمال ‏الإفريقي وسيطرت بريطانيا على شبه القارة الهندية، وعانت شعوب أفريقيا وأسيا من الاحتلال الأوروبي الذي كرس جهوده لنهب الثروات والأموال ‏لاستغلالها في بناء حضارته، وفي توقيتٍ معاصر اشتعلت الثورة الصناعية الكبرى داخل أوروبا عام 1818م واستمرت عجلاتها في الدوران إلى اليوم ‏بذات السرعة. ‏

فجميع الحضارات مارست الغزو والتوسع الاستعماري للشعوب المجاورة لها، وتبقى الحضارة الصينية هي الأكثر تسامحاً لانفرادها ببناء سور الصين ‏العظيم حول حدودها لصد الغزاة والمعتدين لا للسطو على الشعوب المجاورة لها، فهذه الفلسفة الدفاعية المتسامحة هي الأكثر انسجاماً مع مبادئ ‏الإسلام، وهو ذات النموذج الذي تتبناه سويسرا حالياً؛ إذ أن الدولة السويسرية ليس لها جيشاً مُسلحاً ينتشر على أراضيها استعداداً للهجوم وقتما ‏تصدر الأوامر، بل فقط تحتفظ بما يكفل لها حقوق الدفاع الشرعي عن شعبها وأرضها ومستحقاتها، تقيم أنفاقاً مُلغّمة بأسلحة نووية ذاتية الانفجار ‏وقت الخطر، تقيم حصون قوية من منصات الدفاع الجوي تنتشر على كافة حدودها، وتربط منظومة الدفاع هذه بوحدة تحكم مركزية دون الحاجة لجيش. ‏وليس بخافٍ على أحد أن الشعب السويسري هو أرقى شعوب العالم خلقياً وحضارياً وأكثرها تسامحاً مع النفس ومع الغير. ‏

لكن عبر التاريخ كانت عادة الحضارات جميعها أن تستغرق فترة في غزو واحتلال الشعوب المجاورة ونهب ثرواتها، ثم تحقق استقرارها ورخاءها في قمة ‏الحضارة خلال ألف أو ألفي عام، ففي الوقت الذي توسعت فيه حركة الاستعمار الأوروبي تجاه بلاد الشرق لنهب ثروتهم، قامت في أوروبا الثورة ‏الصناعية الكبرى مطلع القرن الثامن عشر، بينما حضارة العرب توسعت استعمارياً وأخضعت الشعوب المجاورة، ولم تستخدم ثرواتهم في بناء نشاط ‏اقتصادي في بلادهم، بل ترك العرب بلادهم فقيرة لأنهم ليس من طبيعتهم البناء والإنتاج وإنما الاستهلاك.. ولهذا انتقلوا بعاصمتهم إلى المستعمرات التي ‏احتلوها.. الكوفة ثم دمشق ثم العراق ثم الأندلس.. ولأنهم ليسوا من شعوب الحضارات والبناء والإنتاج فقد نهبوا ثروات غيرهم ولم يستفيدوا منها في ‏البناء والإنتاج وإنما في الاستهلاك.. فلم تشهد حضارتهم حركة اقتصادية كبرى أو علمية كما شهدت أوروبا القديمة والحديثة أو مصر الفرعونية.. فقط ‏عاشت خمسمائة عام للغزو والنهب والسلب واستهلك العرب عائدات السبايا والعبيد في الاستهلاك والإنفاق على قصورهم وليس في تأسيس أنشطة ‏اقتصادية إنتاجية في بلادهم، وأجزلوا العطاء على المساجد لدورها السياسي في استقرار الدولة، وبمجرد أن عجزت حركة الغزو والنهب انهارت الدولة لأنها ‏كانت مجرد هيكل سياسي وليس حضارة ضاربة في عمق الأرض، لأنهم لم يستخدموا ما نهبوه من ثروات في بناء حضارة وإنما استخدموه في الاستهلاك ‏فقط، وغالباً ما كان أفضل النهب والسبي سبي النساء.‏

كان هناك انفصال حقيقي بين العرب والحضارة التي ساسوها، كانت الأندلس تزداد حضارة ورقياً وعلماً، بينما النظام السياسي العربي يزداد انهياراً ‏وتفتتاً يوماً تلو الآخر، حتى كانت الأندلس في قمة حضارتها بينما الحكام العرب فيها مختلفون طوائف متناحرة لدرجة أن يتحد بعضهم مع الفرنسيين ‏ضد بني عمومتهم من حكام الطوائف، وهو ما ساعد في سقوطهم ورحيلهم عن الأندلس، فالأندلس كانت حضارة أوروبية تحت سيطرة حكام عرب، ‏ورحل العرب عن الأندلس وعاشوا فقرهم وجهلهم في بلادهم كما جاؤوا، بينما أكملت الأندلس طريقها في الرقي والتحضر بالتوازي مع كافة شعوب ‏أوروبا وقامت بنقل العلوم من العربية والرومانية إلى لغتها فازدادت بجهدها علما، فالحضارة هي جهد شعب من الشعوب خلال فترة معينة وليست جهد ‏حاكمٍ فاسد، وخصوصاً أن الحاكم الفاسد ليس من بني جلدتهم، وإنما كل ما يهمه التسلط عليهم واختيار أجمل النساء وإنشاء أفخم القصور، ولذلك ‏تحضر وارتقى شعب الأندلس رغم وقوعهم تحت الحكم العربي بينما بقيت شعوب العرب الأصلية ترزح تحت نير التخلف في شبه الجزيرة العربية، فكيف ‏يزعم العرب بناء نهضة وحضارة في البلاد الأندلس التي احتلوها، بينما هم عجزوا فعلياً عن بناء أي نهضة لهم في بلادهم؟، عجزوا عن بناء نهضة تعادل ‏الأندلس في مكة والمدينة ؟ فلم يرج إقليدس أو فيساغورس من مكة أو المدينة ، فقط خرج أمثالهم في بغداد وفي قرطبة وهم من أصول غير عربية .‏

فما أنجزه المصريون من تقدم علمي وحضاري خلال حقبة الهكسوس في مصر من غير المعقول القول بأنه حضارة هكسوسية، لأن الهكسوس ‏أنفسهم لم يستطيعوا بناء حضارة في بلادهم الأصل، برغم نجاحهم وابتكارهم للوسائل التي مكنتهم من السيطرة على مصر، هم فقط سيطروا على مصر ‏سياسياً وعسكرياً لفترة. فكيف يمكن أن ننسب حضارة الأندلس للعرب بينما بقيت شبه الجزيرة صحراء عارية على حالها ! ولماذا لم ننسب حضارة ‏الهند للعرب والإسلام برغم أن الهند عاشت ما يقارب الستة قرون تحت الحكم الإسلامي بالتوازي مع الأندلس الجناح الغربي؟ ذلك بالطبع لأن حال ‏الهند تحت الحكم الإسلامي كان حرفياً مهزلة بشرية أشبه أسوأ من حال المصريين تحت الحكم العربي. فالعرب عاشوا فقط متطفلين على غيرهم، فلا مبرر ‏لنسب حضارة الأندلس إلى العرب لأن حكامه العرب لم يهتموا ببناء حضارة لكنهم اهتموا فقط بالحكم والجباية، كما كان وضع المماليك في مصر، ‏كانوا منعزلين عن الشعب المصري برغم أنهم الحكام والأمراء، لكن لا همة لهم إلا جمع الجبايات والضرائب وبناء المساجد التي تحمل أسماءهم كي يرضى ‏عنهم المشايخ ويدعون لهم على المنابر ويدعونهم يبنون قصوراً شامخة كما شاءوا ، ويسهل لهم حكم البلاد. وهكذا كان الخلفاء الأمويين والعباسيين، كلٌ ‏منهم يبني مسجداً لا ليصلي فيه ولكن ليدعوا الخطيب باسمه على المنبر، فيكسب طاعة الناس، ولهذا اهتموا كثيراً بالعمارة الإسلامية في المساجد، كي ‏يتمكنوا من دغدغة مشاعر الجماهير والعوام.‏

وكذلك الهند احتلها مسلمون وعرب لمدة ستة قرون كاملة، لم تقم فيها أي حضارة ولا علم كما يزعم العرب أنهم شيدوا حضارة باسم الإسلام في ‏الأندلس والعراق، فلماذا لم ينشئوا حضارة في الهند التي كانت تحت سلطتهم 600 عام كاملة؟ بل وقع فقط أبشع أنواع الإجرام من القتل والذبح ‏والصلب والخطف والاستعباد وخصي الشباب لاستخدامهم كخدم مع النساء في القصور.. في الهند وقعت المجزرة الأبشع في التاريخ علي يد مسلمين ‏من العرب والمغول.. لم تقم أي حضارة، بل هدم المسلمون الحضارة الهندية وطاردوا العلماء ورجال الدين والأدباء الهنود وحاصروهم في الجبال والوديان.. ‏هدموا العلوم والثقافة والحضارة.. بينما كان الأندلسيون يعملون بجد واجتهاد واستمروا بعدما رحل عنهم الحكام العرب.‏

كيف نسمي هذا حضارة إسلامية؟ وما علاقتها بالدين، إنها أبلغ إساءة لهذا الدين الذي أصبح يتيماً بعد وفاة النبي محمد، فالحضارة هي جهد ‏شعبٍ قد يقوم مع الدين أو من غيره، فلا يجوز نسبها للدين وإلا مثلت إساءة له، لأنه في تلك الحال سيكون ازدهار الحضارة ازدهار للدين وانهيار ‏الحضارة انهيار للدين أو بسبب الدين، وهذا غير صحيح لأن الدين منهج ثابت قوامه الفضيلة. فالحضارة هي جهد بشري يخضع للتجربة والعلوم العقلية، ‏جهد يقوم به شعب وليس دين، وبالتالي إذا كان فاتحو الهند مسلمين وارتكبوا أبشع المجازر الدموية هناك، هم مسلمين لكنهم لم يطبقوا الإسلام، ‏فكيف ننسب أفعالهم وجرائمهم هذه للإسلام؟ أم أننا ننكر عن الإسلام الجريمة التي فعلها المسلمون في الهند، ثم ننسب للإسلام الحضارة التي فعلها ‏مسلمون في الأندلس؟، ثم نعود لننكر المجازر التي ارتكبها العثمانيون عن الإسلام، وفي ذات الوقت ننسب توسعاتهم الجغرافية للإسلام؟

فالحضارة هي جهد بشري بحت ولا علاقة لها بالدين، فهناك شعوب كثيرة ومختلفة وكلهم مسلمون، لكننا نجد إندونيسيا أكثر رقياً وتقدماً، بينما ‏نجد الصومال وهي دولة مسلمين أيضا لا يكادون يعرفون معني الحضارة .. وكذلك نجد شعوباً مسيحية، نجد في قارة واحدة (دولة جنوب السودان ‏ودولة جنوب أفريقيا) الأولى ترزح تحت نير التخلف والفساد والجهل، بينما الثانية تناطح الحضارة الغربية، وكلتا الدولتين مسيحيتين، وكذلك نجد ‏الولايات المتحدة ودولة المكسيك وكلاهما دول مسيحية متجاورة في قارة أمريكا الشمالية، الأولى في قمة الحضارة والقوة بكل أنواعها، والثانية في مستوي ‏جهل العرب، مع أنهما جارتان متلاصقتان متحدتان في الديانة، لكن الشعبين من نسيج اجتماعي مختلف، فما علاقة الأديان ؟ ولا يمكن القول بأن ‏أمريكا تفوقت لأنها تعبد الله حق عبادته وأن المكسيك تخلفت لأنها ابتعدت عن نهج المسيح، ولا يمكن القول بأن كل غني اغتنى لأنه راعى مبادئ ‏الدين ولا كل فقير افتقر لأنه لم يعبد الله. هل تقدم الأمريكان لأنهم أكثر التزاماً بدينهم وتأخر المكسيكيون لأنه لا يلتزمون بدينهم؟ فكيف سيطر ‏العباسيون على كل هذه الدولة وهم أيضاً لم يلتزموا بدينهم؟

وتجدر الإشارة إلى أن الحضارة الأوروبية التي بزغ نجمها في الإمبراطورية الرومانية القديمة، وتقدمت فيها كافة مظاهر الحياة والعلوم والفلسفة والطب ‏والفلك والاقتصاد والسياسة والقانون، حيث وضعت منظومة قانونية رائعة، وشكلت نظام حكم جمهوري بالديمقراطية المباشرة، وشكلت مجلساً تشريعياً ‏وتقدمت العمارة بشكلٍ مذهل، وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في عام 410م، انتكست واضمحلت كل مظاهر الحضارة الأوروبية. ثم ازدهرت ‏حضارة تحت السيادة العربية خلال فترة قصيرة، ثم بانهيار الحضارة العربية في بداية القرن الثالث عشر، وفي ذات الوقت صعدت الحضارة الأوروبية مرة ‏أخرى لتقوم هي بالترجمة والنقل من علوم الأندلسيين، ثم لم يكتفوا بذلك فعادوا إلى المكتبات العتيقة للحضارة الرومانية القديمة، فوجدوا فيها أصولاً ‏علمية أفضل من النسخ المترجمة للعربية. وهذا ما يعني أن الحضارة العربية لمع نجمها لفترة قصيرة جداً لم تتجاوز مرحلة الترجمة العلمية الجيدة، فترجمة العلوم ‏هي أول خطوة من خطوات الحضارة العلمية، والحضارة العربية بدأت الترجمة عن اليونان والفرس والهنود في عهد الخليفة العباسي المأمون، ثم انهارت ‏سريعاً وتراجعت خلال خمسمائة عام فقط بالمقارنة بعمر الحضارات، بل إنها مثلت محض فترة انتقالية ما بين الحضارتين الأوروبيتين القديمة والحديثة، ‏وقضت معظم حقبتها فقط في مرحلة الغزو، وهي كذلك لا تقارن بالحضارة الصينية القديمة التي سبقت بعلومها والحضارة الرومانية الأقدم منها على ‏مسار التاريخ.‏

وبإعادة النظر بواقعية في هذا السيناريو المختصر لبعض الحضارات؛ نجد أنها جميعاً تتوسع بالغزو وتنكمش تحت الاحتلال من قبل غيرها بعد مرور ‏ما يربو على الألفي عام تقريباً، عدا الحضارة المصرية تجاوزت الحدود القياسية، أما الحضارة العربية فقد بدأت بمسار الغزو في القرن السابع ميلادي ‏كغيرها من الحضارات، ثم توقفت بتوقف الغزو حتى قبل أن تخضع للاحتلال المغولي، ما يعني أنها عاشت حرة ما يقارب الخمس قرون فقط غزو ‏متواصل دون باقي أنشطة الحضارة الأخرى. وإن وجدنا بعض الاهتمام العلمي – في مجال العلوم العقلية التي هي غذاء ووقود الحضارات– نجده فقط ‏ازدهر في عصر الخليفة العباسي المأمون وفقط في عاصمته بغداد، وفقط في بدء حركة الترجمة العلمية عن الحضارات الأخرى، وفقط لمدة 22 عاماً، ‏وفقط لأنه لم يكن سلفياً وكان معادياً للمشايخ الأصوليين، وهذا النشاط العلمي كان بالطبع غير مرغوباً فيه من جانب الفقهاء وعلماء الدين، بل ‏وغالبية الشعوب العربية، ولذلك لم يستمر كثيراً وتوقف بمجرد رحيل هذا الخليفة المأمون، ولم يكد يتجاوز مرحلة الترجمة. ‏

وإن كان آحاد العلماء قد برز نجمهم في الأندلس قبل سقوطها، فقد عانى أكثرهم من جهل حكامها العرب، فهذا الإقليم تحديداً من الصعب ‏احتسابه للحضارة العربية كما سبق البيان؛ وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن العلوم الدينية التي تمثل أساس الدخول للجنس العربي لم تتطوّر لا في بلادهم ولا ‏في بلاد الأندلس بل جاء فقهاؤها متشددون دينياً ومنغلقون ولم يضيفوا إلى الفكر الديني أي جديد سوى مزيد من التصلّب المعرفي والعصبية وسخّانات ‏الدم أمثال ابن حزم الأندلسي، وغالبية إضافتهم جاءت توسعات أفقية وليست ارتقاء بالفكر الإنساني، عدا ابن رشد الذي تم حرق كتبه واتهامه ‏بالزندقة. وأما الجانب الآخر من الحياة فلم يكن ممثلاً للإسلام كما في الشرق، بل ازدهر الغناء والموشحات والفنون والموسيقى وتسريحات الشعر، وهذا ‏ما يعني البعد عن الإسلام لأن عدد المسلمين في الأندلس لم يتجاوز 1% خلا المائة عام الأولى لاحتلالها من قبل العرب، بل كانت حضارة الأندلس ‏أوروبية الطابع ولم تكن عربية بأي حال كي يتمسح بها المسلمون تعويضاً عن إحساسهم بالضعف.‏

‏ على أي حال، كان نمط حياتهم غربي وليس عربي، كان مختلفاً تماماً عن نمط الحياة في الشرق العربي، غير أن النهضة العلمية (الفلك والطب ‏والهندسة والملاحة وغيرها) كانت هذه النهضة هي بوادر الحضارة الغربية الحديثة ولم تكن نتاج نهضة عقلية للعرب، لأن الجنس العربي الذي احتل ‏الأندلس لم يكن هو رائد هذه النهضة الحضارية بل كان وجود العرب في الأندلس كما وجود الهكسوس في مصر عهد الفراعنة، وكان أهل البلاد ‏الأصليين هم أصحاب هذه النهضة سواء كانوا مسلمين أو ظلوا مسيحيين، ولا يمكن إرجاع نهضة هذا الشعب الأندلسي إلى حزم وهمة الحكام العرب ‏لأن الحكام العرب المسلمين في هذه الفترة كانوا في صراعات واقتتال دائم لم يتوقف أبداً، ولم يكن من طبيعته الاستقرار الذي يؤدي للنهوض الحضاري، ‏بل إن العرب الفاتحين للأندلس لا يتعدى حصرهم بضعة آلافٍ زهيدة ومعظم الجيش الفاتح للأندلس كان من بلاد المغرب الأمازيغ الذين شكلوا ‏الجيش لفتح الأندلس على يد طارق زياد وموسى نصير، وبقيت بلادهم في الشمال الإفريقي على وضعها المتردي وهو ذات المستوى الذي عاشت فيه ‏كافة شعوب ومجتمعات الدولة العربية في شبه الجزيرة؛ إذن النهضة الحضارية التي قامت في بلاد الأندلس ليست من مجهودات العرب، وليست من بنات ‏أفكارهم وإن كانوا هم حكام هذه البلاد في تلك الفترة، بل كانت بادرة النهضة الحضارية الغربية الحديثة والتي استمرت حتى يومنا هذا، إذ أن شعب ‏الأندلس استمر مع كافة الشعوب الأوروبية في طريق التحضر والرقي وعلى ذات الخطوة، بينما تخلف العرب ورجعوا إلى بلادهم عاشوا جهلهم وتخلفهم ‏مع بعضهم، فهم فقط غنموا مغانم الحروب واستمتعوا بالسبايا. ‏

فالنهضة التي قامت في الأندلس تحت حكم العرب لم تكن نابعة من العقلية العربية الأدبية السياسية السادية، لأننا حينما نتساءل عن نوعية ‏العلوم والأفكار والمعارف التي أدخلها العرب للأندلس عقب الفتح فلن نجد شيئاً، لأن العرب لم يكن لديهم أي خلفية عن العلوم الطبيعية، ولا يملكون ‏عقلية علمية بالأساس، فكيف يرعونها؟ غير أن العقلية العربية لم تبدع في باقي المناطق التي عاشت فيها، وإنما النهضة نابعة من العقلية الإسبانية الأصل، ‏حتى وإن كان روادها مسلمون، فهم ليسو عرب، والإسلام لا علاقة له بالنهضة أو التخلف، الإسلام منهج عبادة وليس كتالوج لبناء الحضارات، بل إن ‏العرب في هذه الفترة لم ترتق عقولهم حتى لاستيعاب معنى العلم والمعرفة الحضارية، حتى أنهم أحرقوا كتب ابن رشد وتقدم الغرب بعد أن قرأها، بينما ‏تلقف الغرب الصاعد بقايا علومه وأفكاره فتقدم بها.. وهو العالم والطبيب والفقيه والقاضي والفلكي والفيزيائي الأندلسي (ابن رشد)، عاش ‏الفيلسوف‎ ‎ابن رشد‎ ‎في قرطبة بين 1126-1198م، واحد من أبرز وأكبر وأشهر فلاسفة الأندلس. وأصله ليس عربياً بالطبع.. وكانت أول قاعدة ‏حوّلت الأسبان والأوربيين صوبَ النّور، مقولتهُ التي حسمت العلاقة مع الدين: (الله لا يُمكن أن يُعطينا عقولاً، ثم يُعطينا شرائع مُخالفة لها).. وهذا ما قد ‏يعطينا صورة مبدئية عن نوعية الفقه الديني الإسلامي الذي ساد عصره في الأندلس.. فكيف بابن رشد الذي يتمسح به المسلمون ينتقد المعرفة الفقهية ‏الدينية بهذا الشكل، ثم نقول أن المعرفة الفقهية الدينية في الأندلس كانت سبب الحضارة التي ازدهرت هناك !‏

أمّا القاعدة الثانية، فهي مقولتهُ التي حسمت التّجارة بالأديان: (التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن ‏أردتَ التحكم في جاهل، عليك أن تُغلّف كلّ باطل بغلافٍ ديني" . فأصدرَ رجالُ الدّين فتاواهم بحرق جميع كتبه، خوفاً من تدريسها، لما تحتويه من ‏مفاسد وكُفر وفجور وهرطقة على حدّ قولهم، وتبنى هذه الفتوى الخليفة المنصور فأصدر قراره، وبالفعل زحف الناس إلى بيته، وحرقوا كتبهُ جميعاً حتى ‏أصبحت رماداً .. حينها بكى أحد تلامذتهُ بحرقة شديدة، فقالَ ابن رشد جملته الشهيرة: (يا بُني.. لو كنت تبكي على الكُتب المُحترقة فاعلم أنّ ‏للأفكار أجنحة، وهي تطيرُ بها إلى أصحابها، لكن لو كنت تبكي على حال العرب والمُسلمين فاعلم أنّك لو حوّلت بحار العالم لدموع لن تكفيك)… ‏هكذا كان حال العرب والمسلمين في الأندلس التي يزعمون أنهم شيدوا حضارة بها ! سَقطت الأندلس يوم أُحرقت كتب ابن رشد، في حين بدأت نهضة ‏أوروبا يوم وصلتهم أفكاره ..‏

ففي الأندلس كانت حضارة العلم في أوج ازدهارها بينما الحكام العرب يتنازعون السلطة مع بعضهم، فأقدم أبو عبد الله محمد الصغير "الثاني عشر" ‏آخر ملوك الأندلس على عزل أبيه من ملك الأندلس وطرده من البلاد لرفضه دفع الجزية للملك " فرناندو الثاني" ملك أرغوان، وشاء الله أن يقع في ‏الأسر بعد خوضه معركة ضد " فرناندو" في لوسينا، ولم يُفك أسره إلا بعد موافقته التنازل عن مملكة غرناطة لصالح ملك أرغوان. بعدها انشغل "عبد الله ‏الصغير" في خوض حروب ضد أبيه المعزول، حتى جاء اليوم الذي طالبه الملك " فرناندو " بتسليم غرناطة، ولكن عبد الله رفض الطلب فتم إخضاع ‏المدينة للحصار. وفي 19 رمضان 897هـ، استسلمت غرناطة، وانتهت الولاية العربية على الأندلس، فألقى " عبد الله الصغير" نظرته الأخيرة على ‏غرناطة وبكى، فردت عليه أمه عائشة الغرناطية ( إبك اليوم بكاء النساء على ملك لم تحفظه حفظ الرجال). فهم كانوا عند خروجهم يبكون على الملك ‏لا على الحضارة التي شيدوها بجهودهم.. وعلى اعتبار أنهم شيدوا حضارة في الأندلس، فمع ذلك لم يكن جزاءهم جزاء سنمار، وطُلب منهم الخروج ‏بسلامٍ آمنين، وأعطيت لهم مهلة كافية للخروج أيضاً.‏

وأما في بغداد، فلم يكن الوضع أفضل حالاً؛ والفيلسوف المضـروب بالسوط هو أبسط دليل على ذلك: (الكِندي) أبو يوسف يعقوب إسحاق ‏الكِندي واحد من العرب القلائل الذين نالوا مجداً واسعاً، في فترة كان غالبية العلماء والمشاهير من المسلمين الفرس وبلاد العراق. ألّف مئات الكتب ‏والرسائل التي تطرقت إلى الموضوعات التطبيقية والفلسفية. وآمن أن النقل ليس مُقدّماً على العقل، وأن العقل محور التصوّرات الإنسانية، والمقياس الذي ‏يجب أن يُقاس به كل شيء حتى المقدّس، بما في ذلك النصّ القرآني، الذي كان يتعامل معه الأصوليّون عادة بظـاهر الآيات. كانت طريقته العقلانية في ‏تفسير الكثير من الآيات القرآنية والأحكام، سبباً محورياً في كراهية الأصوليين له، إلى جانب كونه مؤسسّ مدرسة الرواقيّين في الفلسفة الإسلامية، ‏واعتباره أن النصّ الديني يخاطب العقلانيين بمعان باطنيّة عميقة، ويخاطب النقلانيين بمعان ظاهرية تتماشى مع فكرهم السطحي، مثل الوعد بالحور العين ‏والفاكهة في الجنة.. إلا أن الحماية التي فرضها الخليفة المأمون عليه، أحاطته بهالة سياسية أبعدت عنه خصومه من الراديكاليين الأصوليين، وتركت له ‏المجال في التأليف والتفكير والظهور كأحد أعلام المشاهير المسلمين. إلى أن جاء حكم الخليفة الأصولي المتوكّـل، الذي مال إلى آراء الفقهاء الأصوليين، ‏فأمـر بمصادرة مكتبة الكندي الخاصة، وأمر بجلـده على ظهره خمسين جلدة، أمام حشد كبير من الناس، نُقــل عنهم أنهم كانوا يتصايحون بتأييد عقابه ‏بحجة أنه "زنديق".. أصيب الكِندي بعدها باكتئاب شديد، واعتزل الناس حتى مات، واستطاع أحد أصدقائه استعادة مكتبته التي وصلتنا اليوم.‏

فالجانب العلمي في حضارة العرب اقتصر على عدد بسيط جداً من العلماء – علماء الطبيعة – لا يمكن مقارنتهم بأي حال مع حُفّاظ كتب ‏الفقه، وعددهم لا يتجاوز الواحد أو الاثنين في كل مجالٍ فقط، مثل الفيزياء والجبر والهندسة والطب. ولم يحصلوا قط على الاعتراف بهم كعلماء ولم ‏يستحقوا هذا اللقب، بل كان لقب العلماء محصوراً في رجال الدين، ثم اضطر العرب لمنح هؤلاء لقب " علماء" فقط عندما لم يجدوا شيئاً للتباهي به ‏والتفاخر في مواجهة الحضارة الغربية الحديثة، عادوا ليعترفوا بهم ويتفاخروا بكونهم علماء ! وضربوا أمثلة بابن النفيس وابن سينا والرازي والكندي وغيره ‏ممن اتهموهم بالزندقة والإلحاد على مر العصور. غير أننا حينما نقيّم جهود هؤلاء العلماء لا ينبغي أن ننسى أبداً ما نقلوه عن الحضارات الأخرى، فليس ‏كل ما ورد بكتبهم ومخطوطاتهم من جهودهم الذاتية، بل إن أغلبها جاء نتيجة ازدهار حركة الترجمة العلمية والأدبية خلال عصر الخليفة المعتزلي المأمون، ‏وأغلبها كان من بقايا الحضارة الفارسية والهندية، حتى أن معظم مؤلفات الرازي في الطب تكاد تكون قائمة على ما ترجمه هو وتلامذته عن الحضارة ‏اليونانية القديمة، ولا يمكن المقارنة بين ما أضافه هو في مجال الطب وما وضعه أبوقراط اليوناني. ‏

وقد جاء هؤلاء العلماء في مرحلة الترجمة العربية للعلوم والمعارف عن الحضارات الأخرى الفارسية التي هدمها العرب والهندية التي هدمها العرب.. ‏لكننا كي نقول "حضارة علمية " فلا بد على الأقل أن تكون قد انتهت هي من مرحلة الترجمة والنقل عن الحضارات الأخرى وبدأت مرحلة الترجمة ‏العكسية من العربية إلى الشعوب الأقل تحضراً، أو أن تبدأ هذه الشعوب في النقل عنها، إنما كانت العربية لا تزال في مرحلة الاقتباس والترجمة الأولية في ‏عهد الخليفة المأمون، ولم تكن علومها قد نهلت كل ما يمكن الاستفادة منه من الحضارات الأخرى، ولم تكن قد أثمرت فعلياً أي في مرحلة الجنين المبكر ‏ثم أجهضت.. ويتضح الأمر أكثر إذا عقدنا المقارنة مع الحضارة المصرية التي كانت الشعوب الطامحة في الحضارة ترسل أبناءها كي يتعلموا في مصر، ‏فأغلب علماء الإغريق في الطب والهندسة والفلك نهلوا من علوم الحضارة المصرية، وكثير منهم تعلم في مكتبة الإسكندرية مطلع الحضارة الإغريقية في ‏الألف الأول قبل الميلاد، وجاء المؤرخ الإغريقي هيرودوت في زيارة لمصر وأخذ جولة طويلة، انبهر كثيراً بمنجزات الحضارة المصرية، وتجول في كل مكان ‏وتحدث مع البسطاء والفلاحين المصريين وسمع أقوالهم وتعبيراتهم ودونها في مفكرته، كان ذلك قرابة القرن الخامس قبل الميلاد، وللحقيقة فإن هذا الرحالة ‏لم يكن مؤرخاً بقدر ما كان رحّالة، انبهر بحضارة المصريين الفارعنة (في عصر اضمحلالها) ودوّن ما يشبه استطلاعاً أو تقريراً صحفياً يعادل موسوعة ‏وصف مصر التي دونها علماء الحملة الفرنسية في القرن الـ18. ‏

بينما دولة العرب لم يتعلم فيها أحد من الأجانب، ولم تكتمل أصلاً عملية الترجمة الأولية التي بدأها المعتزلة للنقل من علوم الحضارة الرومانية، فقد ‏اتخذوا الخطوة الأولى، لكن بعدما انقلب عليهم الخليفة وتحالف مع الفقهاء الأصوليين تحطمت أقلامهم وصمتت.. أما ما قيل عن استفادة الأوروبيين ‏من علوم ابن رشد والرازي وابن سينا، فلا يعتبر ذلك إشعاعاً خارجياً لحضارة العرب، بل فقط لملمة لبقايا حضارة العرب، لأن علوم العرب لم تنضج ‏لتشع ضوءها في الخارج، إنما بعدما سقطت وصعد نجم الأوروبيين بدؤوا في الحفر والتنقيب عن كل ما يمكنهم الاستفادة به من بقايا الحضارة العربية، ‏فأظهرت قيمة لما لم يدرك العرب قيمته، وعظمت ابن رشد الذي أحرق العرب كتبه.‏

ولا يمكن اتهام المغول بإجهاض الحضارة العربية في مرحلة الجنين لأن الدولة العربية تفتت أصلاً قبل وصول المغول، تفتت وانهارت فعلياً في بغداد ‏وفي الأندلس بالتزامن دون رابط إلا نسيج العقلية العربية الواحد.. ولذلك عندما بدأت مرحلة الترجمة العكسية من العربية بدأ الأوروبيون يبحثون ‏وينقبون في مكتبات العرب ونهلوا ما وجدوه نافعاً مثل ابن رشد وعادوا إلى المكتبات الرومانية العتيقة فوجدوا أصولاً لمراجع علمية أدق من الترجمة ‏العربية، ووجدوا مراجع لمنظومة قانونية مثلت لهم فناراً للحضارة الحديثة، ولو كانوا وجدوا كتب القانون الإسلامي نافعاً لهم لكانوا أخذوا منه كما أخذوا ‏من ابن رشد واعترفوا به وعظموه، لكن العرب أصلاً لم تعرف دولتهم صناعة القانون، فكيف يكون الفقه عندهم مفيداً إذا لم يساهم في صناعة قانون ‏لدولتهم؟ ‏

فطبيعة العقلية العربية من أساسها وجيناتها الوراثية لا تعرف النظام ولا العلم والعمل والبناء والإنتاج، إنما تعرف السطو واختطاف الفرص، حتى في ‏بناء حضارتهم اخطفوا حضارات الشعوب الأخرى وتربعوا عليها حقبة من الزمن، ولكن لأنهم ليس لديهم طموحٌ بعيد المدى في البناء والتعمير، وليس ‏لديهم رؤية مستقبلية تقوم بسواعدهم وجهدهم وعلمهم انهدمت الحضارة بأيديهم قبل أن يمسها الغير، فتكالبوا وتصارعوا وتفتت دولتهم إلى دويلات ‏ضعيفة، لأن سقف طموحاتهم كان هو سقف الخيمة، وإن تجاوزها إلى سقف مُخيّم الفسطاط.. وهي في كل حال لا تقارن بسقف طموحات المصريين ‏التي سجلوها على سقف الصالة الأولى في معبد دندرة، بالأقصر في دورتهم الحضارية الأولى . ‏

غير أننا لو دققنا النظر في الحضارة العربية التي قامت في بغداد أيام كانت هي عاصمة الخلافة العربية، لم تكن هذه حضارة عربية في واقع الأمر، ‏لأن العراق قبل أن يغزوها العرب كانت بها حضارة متقدمة صدمت العرب وأذهلتهم عندما دخلوها، كانت توقعاتهم أن يفتحوا بلداً تملؤها الخيام ‏والخيول والغنم والنساء كما حياتهم في شبه الجزيرة، لكنهم اصطدموا بحضارة راقية جداً في العراق حتى وإن كان خاضعاً لسيادة الفرس، فالشعب العراقي ‏في هذا الوقت عرف معنى الدولة بالمفهوم السياسي المعاصر (نظام حكم- مؤسسات- خزانة عامة – ضرائب وجمارك ودبلوماسية ومؤسسة قضائية – ‏ونشاط اقتصادي منظم: زراعة وصناعة وتجارة،) وهذه الأنشطة لا وجود لها في بلاد العرب، لدرجة أن الفقهاء (فقهاء الدين الإسلامي ورواة الحديث) ‏بعد دخولهم العراق اصطدموا بظروف الحضارة العراقية ولم يعودوا قادرين على وضع منظومة فقهية تساير الحياة الحضارية في العراق، ومن هنا ظهرت ‏مدرسة فقهية جديدة أسموها مدرسة أهل الرأي، لأنهم ابتدعوا – في الغالب- آراء فقهية جديدة لم يكن لها حل في الموروث الفقهي ولا المرويات، وهذا ‏ما يؤكد أن الحضارة العراقية كانت أسبق من العرب بمراحل عديدة، ثم إذا دخل العرب هذا البلد المتحضر استغرقوا فترة من الذهول ليستوعبوا حجم ‏الحضارة، ثم انتقلت عاصمتهم من المدينة المنورة بالحجاز إلى دمشق بالشام، ثم انتقلت إلى بغداد بالعراق، ثم قالوا أنهم بنوا حضارة بالعراق، أي أن العرب ‏هم من احتلوا الحضارة العراقية وتربعوا على الحكم فيها، وهذا لا يعني أن الجنس العربي شيد حضارة يمكن نسبها إلى قوميته أو إلى الدين الإسلامي لأن ‏العرب دخلوها متحضرة جاهزة، كما هو الحال في الأندلس.‏

فالواقعية والموضوعية تقتضى منّا الإنصاف حتى مع أنفسنا لكي نقف على أرضٍ صلبة لا أن نظل نحتفل بمنجزاتٍ وهمية وفي حقيقتها محض ‏خطوة أو خطوتين فقط في طريق العلم، ومن غير المنطقي المقارنة بين مستوى الحضارة العلمية في الدولة العربية والدول المعاصرة لها في ذات الوقت، لأن ‏العرب أخذوا فرصة الرقي الحضاري بعد غزوهم بلاد العالم ثم تخلوا عنها سريعاً وتراجعوا للخلف. فالحضارة العربية لم تبدأ إلا بعد عهد النبي عليه السلام ‏ولم تكن حضارة بشرية كاملة بأي حال، بل اقتصرت بعد الصحوة الدينية التي نشرها النبي عليه السلام في المجتمع العربي ما أدى إلى توحيد شبكة ‏القبائل العربية، ثم بوفاته نحى العرب مساراً مختلفاً تماماً حسب عاداتهم وأعرافهم البيئية، فبدؤوا بتوسيع رقعة الدولة بدعوى نشر الدين في الشعوب ‏المجاورة، واستمرت سيادة العرب فعلياً ما يربوا على خمسة قرون متتالية إلى أن سقطت العاصمة بغداد. وكانت فترتها قصيرة جداً مقارنة بأعمار ‏الحضارات الأخرى، واقتصرت على جانب الغزو فقط.‏

إذ أن العرب تركزت جهودهم في غزو الشعوب المجاورة لهم وتوسيع سلطانهم وتحصيل الجزية والخراج وغيرها من الإتاوات بمسميات دينية، ولم ينتبهوا ‏ولم ينتبه حكامهم وإدارتهم لبناء حضارة فعلية في أرضهم وبلادهم يكون عمادها خطط صناعية تجارية علمية بالمعنى الدقيق للحضارة التي شهدناها في ‏عصر الفراعنة والرومان والفرس والصين القديمة وغيرها من الحضارات السابقة عليها، بل كان الحكام العرب للدولة في غالبية حقبتها قائمة على ظلم ‏الشعب وتوريث السلطة والصراع والاقتتال بين العائلات لاغتصاب الحكم، ولا يمكن بأي حالٍ المقارنة بين ما قدمه المصريون للبشرية أو ما قدمه ‏الرومان للبشرية من كشوفٍ علمية ومكتشفاتٍ صناعية وحضارية وبين ما قدمته الحضارة العربية للبشرية، فهم لم يقدموا للبشرية سوى الدين الإسلامي ‏مع أنه ليس من اجتهادهم بل بعث الله فيهم رسول الإسلام لنقلهم من الظلام والفساد والوحشية إلى الرقي الأخلاقي، ومع ذلك فلم يستمروا على ‏منهجه، بل انحرفوا وغزوا واحتلوا كما كانت عاداتهم في الجاهلية، ونبذوا العلم والمعرفة الإنسانية، إذ انحصر إرثهم الحضاري في عالمٍ أو اثنين على أكثر ‏تقدير بالإضافة إلى ترجمة علوم ومنجزات الحضارات السابقة عليهم. ومن ثم فإذا حاولنا قياس الخطوات التي اتخذتها كل حضارة بالترتيب سنجد أنه في ‏الغالب كل حضارة قد قطعت شوطاً حضارياً يعادل عشر درجات بينما الحضارة العربية قطعت شوطاً قصيراً يعادل درجة واحدة بمعيار الحضارات السابقة ‏عليها، مع استثناء الحضارة المصرية التي قطعت شوطاً يعادل خمسين درجة على الأقل.‏

‏(لم ينتهي لقاؤنا ... سيدي القارئ العزيز؛ كن هادئاً في تناول أفكارك دون أن تتعصب وتعصر دماغك بالسب واللعن دفاعاً عن الصحابة العرب لأنني ‏أدافع عن الإسلام الذي ظلمه العرب بسبب فطرتهم ونشأتهم وبيئتهم وطبيعة حياتهم البدوية، ولا أقارن بين الصحابة العرب وأجدادي قدماء ‏المصريين بغرض الشعور بالأفضلية والفخر على غيرنا من حيث القدرة على بناء حضارة مدنية أبداً، وإنما لاختيار الطريق الأمثل لبناء واستنبات ‏الحضارة من جديد، فدولة الصحابة العرب لا يمكن إعادة استنباتها إلا بنموذج داعش، بينما حضارة المصريين القدماء يمكن إعادة استنباتها في أرضها ‏الخصبة بسلام ودون إزعاج العالم بعدد السبايا والدماء ومعارض النخاسة وقوائم الجزية والإتاوت... فحضارة المصريين القدماء كانت أكثر ‏انسجاماً مع مبادئ الإسلام، بينما حضارة الصحابة العرب كانت دموية للغاية، وعمرها قصيرٌ للغاية... وأنا أحترم جميع الشعوب والثقافات لكنني أنتقي وأبحث عن الحضارة، ‏فأجدها عند الصينيين والعراقيين والشاميين والمصريين ولا أجدها عند العرب في مكة والمدينة، فيكفي أن نأخذ من العرب دينهم لأن النموذج الحضاري ‏لهم غير قابل للاستنساخ، وحتى وإن تم استنساخه فقد كان قزماً قصير العمر استمر 400 سنة فقط صراعات ما بين الخلفاء الذين قيل أنهم راشدين، ثم الأمويين والعباسيين بينما ‏استمرت حضارة المصريين 5000 سنة تداول الحكم فيها 31 أسرة بسلام دون أن تذبح أسرة غيرها للاستيلاء على السلطة كما اعتاد العرب، فيكفي ‏أن نأخذ من العرب الدين فقط، لكن الدين ليس كتالوج لبناء الحضارة لأن الحضارة هي منظومة (فكر - عمل - بناء – إنتاج )، بينما الدين غذاء ‏روحاني وعنصر واحد من عناصر الحضارة وليس كل أدواتها... نلتقي غداً في المقال الثالث بتصرف من كتابنا؛ غُبار الاحتلال العربي)‏.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,288,988
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏
- الخليفة الذي زحف على بطنه داخل الهرم
- جلالة الملك المظلوم
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (2)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (4)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- النهج الديمقراطي يدين الزيادة في أسعار زيت المائدة ويعبر عن ...
- التنوير في الأدب البحريني ( 2- 2)
- الأزياء حكايات
- البطالة قلق دائم لشباب البحرين
- المجتمع الأمريكي بين الإنقسام والديمقراطية المعتدلة
- فنجان قهوة
- حامل في زمن “كوفيد”
- مطر صيف
- التغيير الوزاري.. لماذا وكيف؟!
- كذب أبيض


المزيد.....

- الحركة الاجتماعية بين التغيير السلمي وراديكالية الثورة / زهير الخويلدي
- النظرية والتطبيق عند عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني / عيبان محمد السامعي
- أسباب ثورة 14 تموز 1958، (الوضع قبل الثورة)* / عبدالخالق حسين
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - الجزء الثاني / احمد حسن
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - مقدمة جوروج نوفاك / احمد حسن
- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (2)‏