أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميساء البشيتي - رماديٌّ ناصع البياض














المزيد.....

رماديٌّ ناصع البياض


ميساء البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 5271 - 2016 / 8 / 31 - 23:08
المحور: الادب والفن
    


رماديٌّ ناصع البياض
أغلقت المذياع بركلة وحشية وخرجت بلا وعيٍ مني ولا إدراك إلى ما كانت تعرف بالشوارع قبل أن تصبح خنادق! أخذت أجوبها طولًا وعرضًا، أفتش في كل ممرات المشاة عن خطى تشبه خطاي فأتبعها كي لا أضل طريق الأباء والأجداد وأتبع دينًا لم يعرفه أو يتعرف عليه قومي من قبل.
كيف أًسكِتُ هذا الصوت القادم من أعماقي؟ كيف أشرح له أنني بتُ وحيدًا على أرصفة الشقاء؟ الجدران تنكرت لي ومغالق الأبواب، السماء من فوق رأسي تبكي لكن في غير موسم البكاء، كل الرفاق مضوا، كل الرفاق قضوا، بعضهم استشهد، والآخر استشرس، وبقيت وحدي بلا رفاق.
يكرهون اللون الرمادي، في آخر حديث لهم قبل الاستشراس طلبوا مني بالحرف الواحد أن أختار بين الأبيض والأسود.
لا أنتمي إلى اللون الأسود، لا أحبه بالمطلق، ولا أكرهه حدَّ قذفه بيمين الطلاق، أحب فيه شموخ الهيبة والوقار، وأكره فيه طعم الحزن، أكره امتصاصه الفجِّ لرحيق الشمس ودفنه لجدائلها في حدائقه فلا يستطيع إنسيُّ أن يعانق جديلتها أو يقبلَّ في لحظة يتيمة ثغرها عند باب الدار، لكنَّه إن هبَّ شتاء عاصف فقد يمنحك ظلالًا كاذبة من الدفء والأمان.
لا أنتمي إلى اللون الأبيض، لا أحبه حدَّ الانتحار في سبيله، ولا أكرهه فأتحالف عليه مع بومة الجوار، هو لون اللاشيء في عيني، لون الثلج حينما يحاصر مدن الفقراء، تميل إليه عيون الشمس في محاولة لاسترضائه لكنه يبعثر كل ضيائها في طريق العودة فتفقد ظلال الدفء وظلال الحياة.
للأسود سور عالٍ وجدر متينة لا تستطيع جحافل الفقراء اختراقها فيجلسون إلى جوارها فقط يمارسون عاداتهم القديمة الجديدة في الدعاء والبكاء.
الأبيض لوحة مستساغة لكل المتطفلين والمارقين، يخربشون على أفقه كما يشاؤون، وعليك وحدك أن تتحمل حرب الألوان الباردة دون أن تنطق بحرف واحد؛ فأنت في حضرة قداسة الأبيض.
رفاقي الذي استشرسوا يريدون مني أن أحدد ولائي إما للأسود أو للأبيض، يرفضون رماديتي، يكرهون رماديتي، يقولون أنها تخيفهم لأنها تعيق حروبهم ضدي.
(رماديتك تخيفنا) يرددونها على مسامعي باستمرار؛ فهم يرونني أحيانًا أنتمي إلى الأسود حين يصبح الأبيض مداسًا لأقدام الربيع فتكثر من حوله الألوان الفجة التي تحاول أن تضفي عليه بعض البهجة حتى لا يعود لون الموت.
ويرونني أحيانًا أخرى أنتمي إلى الأبيض حين يستأسد الأسود ويأكل الشمس، ويبتلع مطر الفقراء فتخرج منه حمم بركانية يلقيها في وجوه السذج فتنفجر بهم دون أن يهتز له جفن.
أنا لا أحب الأسود، لكنَّه في بعض الأحيان يمنحني بعض الدفء. ولا أحب الأبيض، لكنَّه في بعض الأحيان يشعرني بلحظة البدء. أنا أحب الرمادي لأنه يسمح لي بالتنقل عبر مداراته دون جواز سفر أو هوية، لا يوجد نقاط تفتيش في ممرات الرمادي، لا يوجد حواجز عليك في كل لحظة أن تحاول تخطيها.
الرمادي قد يكون هو الأسود حين يمنحك الدفء، أوالأبيض حين يمنحك الفكر، أو الأخضر، الأصفر، ألوان اللهيب، ألوان الاحتراق، ألوان النسيم، ألوان المطر الساقط من السماء قبل أن يتحول إلى حمم بركانية تجعل الأسود دخانيًا والأبيض بلون الدم.
لم يبقَ لي أي رفيق، البعض استشهد والبعض استشرس، وأنا بالرمادي أركض في ممرات من العدم، لا أعرف كيف أنتمي إلى وجهيِّ الموت الأسود والأبيض، والرفاق يلوحون بالقتل الرحيم عن بعد.
أنا أغلقت المذياع، وكل نشرات الأخبار، وأعلنت الكفر بالأسود والأبيض؛ فالرمادي ناصع البياض وهذا صدري لا يخشى طلقات الرصاص.



#ميساء_البشيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيون جاهلية
- عيون جاهلية بقلم ميساء البشيتي
- الكلمة تُوَرَّث
- ماذا ينقص الفلسطيني؟!
- كيف الخلاص؟
- أمطار النور
- سَوْرَةُ الأبجدية الضالة
- فارسة من حيفا
- حبات الخير
- عودة في الانتظار
- عازف الناي
- يسألني الياسمين ؟
- وجعي أنتَ
- موعد مع الفراغ
- تكتبني يدك
- بين شفتيِّ الكلام
- زمن العجاف
- لوحة غير مكتملة
- للياسمين زوابع
- موعد الشموع


المزيد.....




- باحث إسرائيلي يحذر: تهميش التمثيل السياسي للفلسطينيين يمهد ل ...
- -نحن الذين لم نمت بعد-.. قصص توثق مأساة البقاء والفقد في غزة ...
- كيف تحول شات جي بي تي من مساعد ذكي إلى -رسام الكاريكاتير الأ ...
- مرتفعات وذرينغ: ما قصة الرواية التي لا تزال تثير الجدل رغم م ...
- عصر ترامب وحالة الطوارئ اللغوية: كيف تحولت الكلمات إلى سلاح ...
- إبستين وراسبوتين: حين يحكم الظل يسقط العرش
- كيف أعادت أنغولا بناء ثقافة الطعام بعد عقود من الحرب؟
- من المجاري لحرب 2025.. وثائقي يكشف أسرار 20 عاما من الصراع ب ...
- فيلم -المأوى-.. حماية المستقبل هي الشرط الوحيد للنجاة
- نهائي سوبر بول: مغني الراب البورتوريكي باد باني يوجه رسالة و ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميساء البشيتي - رماديٌّ ناصع البياض