أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - النقد القصصي عند الدكتور محمد مندور في كتابه النقدي (نماذج بشرية )















المزيد.....



النقد القصصي عند الدكتور محمد مندور في كتابه النقدي (نماذج بشرية )


هدى توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 5172 - 2016 / 5 / 24 - 08:34
المحور: الادب والفن
    


- 1 -

* النقد القصصى عند الدكتورمحمد مندور فى كتابه النقدي )نماذج بشرية ) ينطلق الدكتور محمد مندورفى كتابه النقدى الهام (نماذج بشرية) من فكرة المنهج الإستقصائى والتحليلي لبعض النصوص الأدبية المعروفة بل والمشهورة للغاية ، فى آفاق الواقع الأدبى العالمى ، وإن كان ذلك النقد والتحليل يحمل قاسم مشترك فى توضيح وتحليل هذه النصوص الأدبية الرفيعة المستوى والقيمة ، حيث يبدأ الكتاب بإهداء إلى زوجته الأديبة التى تجيد النثر والشعر ، ويعبر فى هذه المقدمة عما يحمل لها كاتبنا الكبير من محبة ووفاء ، وثقته الشديدة بذوقها الأدبي ، الذى أدركه وهى لاتزال بعد طالبة بكلية الآداب ، فقد كان هذا الذوق دائما خير عون له ، وقد تناولت هذه الزوجة المثقفة والوفية النماذج بالمراجعة والتمحيص قبل جمعها فى الكتاب الحالي ، بالإضافه أيضا ، أنه قد حرصت (دار المعرفه) على أن تعيد طبع كتاب (نماذح بشرية) بعد أن نفذت الطبعتان الأولى والثانية منه وهذه الطبعة الجديدة ضم إليها المؤلف نماذج جديدة وقد أصبح ناقدنا الكبير (د / محمد مندور ) بفضل كفاحه المستمر وإخلاصه لرسالته من أبرز أعلام الفكر والأدب والنقد فى عالمنا العربى كله .
يبدأ الكتاب بمقدمة آثره للسيدة ملك عبد العزيز زوجة الناقد الكبير محمد مندور وهى مقدمة ثرية ونافذه ، لمدى قيمة وأهمية هذا الكتاب ، حيث تشير أن مؤلف نماذج بشرية قد درس جملة من عيون الأدب الغربى ، ثم رسم لنا وأوضح لنا شخصياتها كما رسبت بنفسه ، وحدثنا عن أسرارها كما أوحت بها اليه ، فنماذج بشرية دراسة شاملة يحيط فيها المؤلف بتاريخ الكتاب ، وبملابسات ما كتبوا ، وبالأراء المختلفة فى فهم شخصياتهم والحكم عليها ، وتسترسل السيدة ملك عبد العزيز قائلة ( والنماذج خلق ، ينفث فيها المؤلف الحياة بها يصطنع من سذاجة ، وبما يحملها على التحدث به عن نفسها ، كما حمل هاملت ، وبما يترجمه من اقوالها الأصـلـية ، ينطقها به بعـد أن يكون قـد مهـد الجـو وأحكم الملابـسات ، هو مخـلص
- 2 -
لنماذجه ، يتابعها جزءا أو جزئين كـفاوست وقصة واثنتين كفيجارو، بل ينتقل معها قرونا كأوليس ، يعاصر هوميروس فى القرن التاسع قبل الميلاد ثم سوفوكل فى القرن الخامس قبل الميلاد ثم ننيسون وجويس فى العصور الحديثة ، فهو عالم بها ملم بأطوارها ، فالمؤلف يتسلل الى نفوس نماذجه من خلال أنفسها ، ومن خلال خالقيها ، ويعرض مختلف الأراء فيها لينفذ إلى مايراه الحق وليصورها فى الصورة التي أوحت بها اليه .
هذا الكتاب نماذج بشرية للدكتورمحمد مندور يتضمن نماذج عديدة من روائع الأدب العالمى ، مثل نموذج حكاية البطل جفروش فى رائعته فيكتورهوجو ( البؤساء ) والنماذج متعددة بعضها قديم ، والبعض حديث ، وقد تناول أيضا فى جملة ما تناول روايتى ( إبراهيم الكاتب ) وأيضا الكاتب الايطالى بيراندللو مسرحية ( ست شخصيات تبحث عن مؤلف ) حيث يبرزها إلى الوجود ، وهذا هو معنى الخلق فى الأدب ولكم من شخصية لاتزال مبعثرة ، غامضة ، حائرة ، حتى يتاح لها مؤلف يجمع أشتاتها ، ويوضح معالمها ، ويدعم حياتها ، فإذا هى أبقى على الزمن من البشر ، وإذا بها تجتاز الأجيال ، مستقلة الوجود فى مأمن من الفناء لأنها أعمق فى الحياة من كل حى ، وأصدق دلالة من كل واقع ، فقد قدم ناقدنا الكبير نماذج ، عديدة فى الأدب : مثل لير، هاملت ، دون كيشوت و أوليس وغيرها من النماذج البديعة الخلق والوجود . فالمعانى ، والقيم والأفكارالتى يستخرجها مندور هى من خلق الأدباء والمفكرين تكاد تصنع دليلا يشرح تطور العقل والفكر الإنسانى من اليونان القديمه حتى الآداب الحديثة .
لذا ستدور محاور بحثنا المتواضع عن ثلاثه محاور رئيسية : -
أولا : عرض وتقديم النماذج البشرية كل نموذج على حده .
ثانيا : الرابط التحليلي والإستقصائي لهذه النماذج كمنهج يتبعه الدكتور محمد مندور فى أغلب هذه النماذج البشرية .
- 3 -

ثالثا : مدى قيمة وأهمية هذا الكتاب لكل مبدع قبل أن يكون لكل باحث .
- لنبدأ بجفروش طفل فى الثالثة عشر من عمره يظهر ويختفى بعد ان تبدأ رواية " البؤساء " لهيجو وقبل أن تنتهى ، فلا هو بطل الرواية ولا هو مدارها ، ولكنى رغم ذلك أحب هذا الطفل وأفضله على الرجال ، حتى لقد أقعدنى المرض أياما فلم أجد جليسا تستريح اليه النفس خيرا منه .
(وكان جفروش يرتدى بنطلونا لم يأخذه من أبيه وقميصا لم يأخذه من أمه ، وإنما كساه تلك الأسمال قوم محسنون ، ومع ذلك فقد كان له أب وأم ، ولكنه لم يكن موضع تفكير أبيه ولا أمه ، لقد كان من أولئك الأطفال الذين لهم أم وأب ومع ذلك فهم أيتام ، لقد كان طفلا صاخبا شاحبا خفيفا يقظا ساخرا حى الملامح مريضا. فكنت تراه رائحا غاديا مغنيا لاعبا يحفر القنوات ، ويسرق أحيانا ولكن فى مرح كما تسرق القطط أوالعصافير، وقد كان يضحك لمن يسميه عفريتا ، ويغضب ممن يسميه لصا .
لقد حرم الماؤى والخبز والدفء والحب ولكنه كان مرحا لأنه حرهذا هو طفل باريس ، وهو منها بمنزلة العصفور من الغابة .
فأشد انفعالات النفس وأعمقها غورا وأصدقها رنينا هو ما يعقد اللسان ، وأكمل الرجال شهامه أقلهم حديثا عن الخير والشر، وتلك ألفاظ ما كان جفروش يعرف لها معنى ولو أنه علم أن للأخلاق قواعد وتواضع عليها الناس لفسدت حياته لأنه نشأ على السخرية من مواضعاتهم والعبث بقوانينهم ، وحتى وخزات الضمير ما كان يعرف لها ألما ً، وماكان إقدام حياته إلا معنى عميقا للشهامة وفطنة إلى مواضع التهلكه أكسبته إياها تجارب عاجلته بها الحياة صغيرا ً.
نعم لقد كانت تجاربه محدودة ، ولكنها كانت غنيه لشدة ماقاسى من آلآم وما كان يدهشه شىء وهو بعد فى العاشره من عمره .

- 4 -

لقد لقى فى الطرقات طفلين مشردين أصغر منه سنا وأضعف قوى ، فيبسط عليهما حمايته ، ويقودهما الى حيث يجد لهما قليل من الخبز، أو يمهد لهما مضجعا تحت ساق تمثال نابليون ، مستعينا بما يسرق من أخشاب سياج حديقه النباتات ، حتى إذا أويا إلى مضجعهما خفي فى ظلام الليل ليساعد مجرما على الهرب من السجن ، والمجرم أبوه والطفلان أخواه ولكنه لم يعلم عن ذلك شيئا ، ولو أنه علم لما تغير موقفه ، لأنه يأتى ما يأتى لجمال ما يفعل فى ذاته ، وما للخير أو الشر عنده أى إعتبار، الا أن كل تلك المغامرات قصيرة الباع ، لا تظهرما بنفس هذا الطفل الجيده من غنى ، وأما اليوم الذى تجلت فيه ثورته الروحيه فكان يوم الثورة سنة 1832، فى ذلك اليوم كان جفروش عائدا من إحدى ضواحى باريس وبيده غصن مكلل بالأزهار واذا بروح الثورة تهب واذا به من رجالها فيلقي الطفل بغصنه من يده ويسرع إلى مخزن أسلحة يختطف منه طبنجه واعدا بردها ، ويعدو إلى قلب باريس ، و لكنه يلاحظ أن الطبنجة بغيرزناد فليكن ، وليعد طفلنا وسط الجموع صاخبا مهللا ، وليتغن بالمرسبيزمع المتغنين ، وليخطف من حوله .
وها هو يغدو ويروح خفيفا مرحا , هاهو يصعد وينزل ويصيح ويرغى ويزبد ، حتى لكأنه خلق لبث الشجاعة فى نفوس الجميع ، وفيما هو كذلك إذا بجموع الطلبة الثائرين يمرون وعلى رأسهم زعيمهم ، أنجوارا ، منضم اليهم لأنهم يعلمون إلى أين يسيرون خف فى مقدمتهم وسلاحه الخرب بيده ، والأغانى لاتفارق شفتيه ، حتى وصلوا إلى حانة فقرروا أن يتخذوا منها مقرهم وأن يقيموا أمامها حواجزهم ويأخذ جفروش على نفسه إنجاز تلك الحواجز، وصوته لا يسكت عن الغناء ، حتى أتته رصاصة خر منها صريعا ، وجهه على الأرض ولا حراك به ولم يتم أغنيته ( لقد سقطت الى الأرض وتلك غلطة فولتير، لقد سقطت بالقناة وتلك غلطة................)
وهكذا دفنت روح ذلك الطفل الكبير، وقد اجتمعت بنفسه قوة الثورة على الظلم إلى جوار المرح والسخرية من آلآم الحياة
- 5 -

نموذح فيجارو

فيجارو من رجال سنه 1780 الذين مهدوا للثورة الفرنسية ، وقد خلقه مؤلفه فى زمن كان الفلاسفة قد أيقظوا فى الشعب ذلك الإحساس بالبؤس الذى حررهم من كل ظلم ، وأخذت الثورة تضطرم فى قلوب الرجال وكان لابد لها من متنفس وكان طريق السخرية هو السبيل لمواجهة البستيل الذين لهم بالمرصاد .
ولد فيجارو ابنا طبيعيا لطبيب وخادمته ، وتخلى عنه آباؤه وسط أمواج الحياة ، فزاول الطفل كل المهن احتيالا على الحياة الغشوم ، وبخاصة مهنة " الحلاقة " وبلغ من نجاحه فى تلك المهنة أن أصبح كل حلاقي الأرض يحملون اليوم ذلك الإسم ، ولقيه المؤلف بومارشيه وقد سئم مهنته ، ومنذ ذلك اليوم أحبه فصاحب خطاه فى الحياة وقص عليه نبأه فى روايات مسرحية ثلاث ( حلاق اشبيليه ) و ( زواج فيجارو) و (الأم الجانية ) ، وقد مثلت الروايات الثلاث تباعا فى سنين 1775و 1784 و1790 ، وهاهو هو حلاق اشبيليه يقفز إلى المسرح وكأنما يعلو منبرا ، وأثناء تجواله فى أحد شوارع اشبيليه ، يوهم نفسه أنه قادر على كتابة أغنية يشيد فيها بالخمروالكسل الذين يقتسمان قلبه ، وهاهو يعبرمصادفه بالكونت المافيفا أحد زبائنه القدماء ، فيقص عليه ماكان له من أحداث كصبى بصيدلية ، وكممثل مسرحي و يتحاور معه حوارا فلسفيا مؤثر للغاية ، حتى يستعين الكونت بمواهب فيجارو ليصل الى ما يريد من الزواج " بروزين " بان يحمل لها فيجارو رسائل الكونت فهو حلاق صحه " اشبيليه " فالسبل أمامه ممهده وفيجارو واسع الحيلة يستطيع أن يسخر من الشيخ ومن الخدم وأن يحضر المأذون ويعقد الزواج بين الكونت و ( بروزين ) ويجازي الكونت فيجارو على ما أسدى اليه من يد ، فأخذه خادما له ، ويعود بطلنا إلى الظهور على المسرح فى " زواج فيجارو " وقد صمم على الزواج من " سوزان " خادمة الكونت ، وكانت الوقاحة فى ذلك الحين قد بلغت بالإشراف مبلغا ما كان فيجاورو ليستطيع معه صبرا .
- 6 -

كانوا يدعون لأنفسهم حق قضاء أول ليلة مع عرائس أتباعهم ومن يريدون من خدمهم ، وكانت سوزان من الجمال بحيث أغرت الكونت بإستعمال ذلك الحق وجن جنون فيجارو وأحس بالطعنه توجه إلى صميم قلبه وقد اكتملت قواه بمرور الايام ، فما له لا يستخدم السخريه التى لم تخنه يوما ما ؟ وتحركت بنفس زوجة الكونت تلك القوة الهائلة ، قوة الغيرة التى تكسب النساء جرأة مالها من دافع ، واتفقت الزوجه مع خادمتها على أن تتنكر ، كل فى زى الأخرى ، وأن تذهب الزوجه فى زى سوزان للقاء الكونت فى المكان والزمن المتفق عليها ، وفيجارو فى أثناء ذلك لاينأى عن السخرية والضحك وتدبير الخطط ، حتى يوقظ شكوك الكونت ، وهكذا يظل فيجارو يحاورالكونت ، ويداوره ، كما يحاور ويداور كل من يلقى حتى يكون يوم زواجه ، ويخيل إليه وقتا ما أن عروسه قد ذهبت للقاء الكونت ، فتختفى الإبتسامه من شفتيه ويتقطب جبينه وقلوب الحاضرين تحوطه جميعا بحرارتها وعطفها ، وحزن الحاضرين لحزن فيجارو، ولكن الموقف لا يلبث أن ينجلى فإذا زوجة الكونت هى التى ذهبت للقاء زوجها ، وأما سوزان عروس فيجارو منحت إلى زوجها ، والكل مغتبط بابتسام ذكاء فيجارو من وقاحة الكونت ، وتصفو النفوس ، ويظل فيجارو فى خدمة الكونت هو وسوزان , ويتقدم بفيجارو السن ، ويخلص لعائلة سيده فى ( الأم الجانية ) وينجى تلك العائله من العار.
فيجارو أنموذج بشرى خالد لأبناء الشعب الذين لايطأ من كبريائهم ظلم ولايعوزهم سلاح ، فإن لم يكن العنف ، فلتكن السخرية ، لقد فعل فيجارو فى الثورة الفرنسية مالم يفعله الحديد والنار، وتلك أسلحة الأيدي أما فيجارو فكان ولا يزال سلاح النفوس .
دون كيشوت

تمخضت حياة ( سيرفنتيس ) الكاتب الأسبانى الذائع الصيت ، خالق دون كيشوت (1546 – 1616) عن قراءة الأساطير وخاصة الأسطورة اليونانيه عن
- 7 -

البطل المشهور هرقل التى ملئت خياله منذ طفولته - كما إمتلأ خيال دون كيشوت بكل ما قرأ من قصص الفروسيه حتى لم تعد أحلامه إلا سحرا ومعارك وتحديا وقتالا وجروحا وصيحات غرام وعذاب ، وما إلى ذلك من خوارق الأمور، وتمكنت تلك الأحلام من نفسه حتى نزلت منها منزلة الحقائق الثابتة ، وحتى لم يعد تاريخ العالم فى نظره سوى سلسلة من تلك المغامرات ، ولكم قعقعت أسلحة " رولان " بمناوز الجبال ولكم نشرت قلاع " بربروس " الرعب على صفحات المياة ! فما له لا يغامر كما غامروا وماله لايلتمس المجد بحد السيف كما التمسه من قبل أبطال . ؟
وشاءت الأقدار أن يفشل سرفنتيس فى كل مراحل حياته ، حارب فى البر والبحر من أجل اسبانيا ومن أجل المسيحية ، حارب ايطاليا وتونس والبرتغال وفى سنه 1571 شهد تلك المعركة الدامية التى شنها المسيحيون ضد الأتراك فى " ليبانت" بمضيق كورنتا بأرض اليونان وخرج من القتال وبصدره طعنتان داميتان ، وذراعه اليسرى مشدودة إلى عنقه ، وأقعدته الحمى سبعة أشهر بصقليه ، حتى اذا فاق من مرضه ، واستقل سفينة ليعود الى وطنه ، سقط بين ايدى قراصنه البحر يقودونه إلى الجزائر حيث يظل أسيرا أربعة أعوام ، وأخيرا ساقت إليه الأقدار من بنى وطنه من افتداه بثمن غالي ، وعاد إلى اسبانيا ، ولكن البؤس لم يفارقه ، فكم من محاكمه ! وكم من أيام قضاها بالسجن لذنب ولغير ذنب! وحتى مجد القلم لم يستطيع أن يناله ، فرواياته التمثيليه لم تصب ما أمل من نجاح ، وشعره الغنائى لم يلقى آذآن مصغيه.
إن دون كيشوت لم يكن فى بادئ حياته ذلك الفارس الجوال الذى خلقه سرفنتيس فى عقولنا.
لقد نشا سرفنتيس بمقاطعة المانش بأسبانيا ، نشأ فلاحا متواضعا الى أن حفزته قراءة قصص الفروسية الى أن يحيي عهد هؤلاء الأبطال حتى إذا اجتمع له طلب إلى أحد الفرسان القدماء أن يقيمه فارسا فى حفل ، وسعى إلى تحقيق هذا الامرأولا بالبحث عن أسلحة قديمة بمخزن غلاله ، فاستلها منه ، وأصلح مابها من عيوب ،
- 8 -

وأزال ما علاها من صدأ ، وجوادا أعطاه إسما جميلا ونبيلا ( دوسنانت ) ثم الفتاة التى يتوافرلها من نبل فى المحتد وسحر فى الجمال فيتخذ دون كيشوت له فتاة ريفية ساذجة لم يرها فى حياته قط ، وليعطيها إسما من أسماء الأميرات ، ويشيد بجمالها ونبلها أينما حل لتكن فتاته " دولسينيه دى توبوزو " هاهو دون كيشوت مسلحا على ظهر دوسنانت جواده الكريم ، وهاهو يستأنف شوطه فى الحياة ولتكن أولى مغامراته حفل تنصيبه فارسا ، ويختاردون كيشوت تابعا له فلاحا من جيرانه لايقل عن البطل شهره ومن يجهل " سانكويانشا " واستانف دون كيشوت السير ومن خلفه سانكو، وبين الرجلين من التناقض مابين الجنون والعقل فى عرفنا ، واستمر دون كيشوت فى مغامراته ، وكل فشل يغريه بمغامرة جديدة ، وعزمه ثابت لاينال منه شئ ، حتى كان يوم انهزم فيه بمعركة دارت بينه وبين فارس آخر، وعزعليه أن يهزم كرجل ضد رجل ، ونالت الأحزان من نفسه فخرمريضا ، ولازمته الحمى عاما كاملا ، خرج منه وقد عاد اليه عقله ، وبوذا لوامتدت به الحياة لقص علينا ما أهداه اليه جنونه من دروس ، ولكن الموت لم يلبث ان واتاه ، وكأنه قد ناء بحمل عقله ، أو كإنه من أولئك الذين يصدق عليهم قول الشاعر الفارس : " نحن أمواج إن تسترح تمت ".
إن دون كيشوت رمز لأحلام الشباب ، وأى سحرا فعل فى النفس من تلك الأحلام ؟ ولا أدل على نبل أحلام الشباب وسحر جمالها من أن يتحطم فى نفس صاحبها فيسخر منها ، وإذا بتلك السخريه الرقيقة الحزينة تأتى بأروع تحقيق لتلك الأحلام ، ولقد كان سرفنتيس يبغي المجد بحد السيف أو بسنان القلم ، فخانته الأقدار وخيل اليه أن تلك الآمال لم تكن إلا نزقا مضحكا ، فاتخذ من دون كيشوت رمزا لشبابه ، وقص له ما كان له من مغامرات جنونية ، فأصاب دون كيشوت الخلود ، وأصبح إسم سرفنتيس على آلسنة الإنسانية أينما ذهبت وتحاكت عن أسطورة دون كيشوت .


- 9 -
فاوست

يحدث جيته صديقه إيكرمان عن فاوست ، الذى به نستطيع أن ننقد بعض الشئ الى أسرار تلك الشخصية العجيبة التى رافقت جيته خمسين عاما من حياته ، على أن جيته لم يخلق فوست أوفاوست من العدم ، فقد ألفت القرون الوسطى تلك الشخصية شخصية الرجل الذي يهب إبليس روحه على أن يكشف له مما يجهل من سر وأن يمكنه مما تصبو اليه نفسه من لذه ، فينال من الحياة ما يعزعلى عامة الناس ولكم أمن رجال ذلك العهد بالسحرة وعصيهم وحيلهم مما تخص به آداؤهم ، بل لقد عاش بالفعل فى القرن السادس عشر، دكتوراسمه" فوست " واجتمعت اليه كل خصائص السحرة التى تحدثنا عنها آداب القرون الوسطى .
وفى ( كتاب الشعب ) يصور فيه فوست رجلا حبته الطبيعة بمواهب فذه ، ولم تستطع المسيحية التى نشأ بين أحضانها أن تمسكه عن الغرور، فهوى فى الخطيئة ، وتطاولت نفسه الى معرفة كل سر والتمتع بكل لذه ، ولم يجد سبيلا الى تحقيق هذا الحلم غيرالاتفاق مع الشيطان على أن يهبه روحه عند الموت وعلى الشيطان أن يرسل اليه أحد رجاله " ابليس " يقوده خلال مايبغى من لذة محرمة أو معرفة منعت عنا - وتناول الكتاب تلك الحياة دون أن يغيرأحد من فكرتها كما صاغها " كتاب الشعب " ومثلت تلك الحياة على مسارح العرائس ، حيث كان الممثلون شخوصا من الخشب على نحو مانرى من " الأراجوز" حتى جاء الكاتب الإنجليزي الممتاز مارلو معاصر شكسبير ونده الفذ ، فجعل من فوست ثائرا على ربه ، ثائرا على قضائه ، ثائرا يكسب عطف من يستمع اليه ، وحب الناس



إن مارلو قد خلع على فوست وجودا لم يفلت منه ابد الضهر، وما علموا أن جيته سيتناول هذا الشبح فينفخ فيه روحا جديدة ، روحا تجعل من الشبح رمزا لكل عبقري يضيق بما فى بطون الكتب من معرفة زائفة فتصبو نفسه إلى الحياة ، وإلى المعرفة المباشرة ، يسقيها من قلوب البشرأومن حفيف الأشجار، وإن يكن من نزعته هذه مايباعد بينه وبين البشر، فتقتله
- 10 -

وحدة النفس ، ويقعد به ضعفنا البشرى عما يريد فيتقاعد مع الشيطان كما تقاعد أسلافه ، وقد إرتفع به جيته إلى سمو الرجل الممتاز الذى يسعى بكل قواه وراء المعرفة والحياة ، وقد اتخذ منه شاعرنا مستقرا يجتمع إليه مسرات البشر وأحزانهم .
وهاهو فوست وإبليس يبدآن رحلتهما الطويلة الشاقة بزيارة لحانه بليبزج ، حاول إبليس أن يغري فوست بإلتماس اللذات وسط جماعة طلبه وهم يلهون فى صخب وضيع ، وكؤوسهم بين أيديهم يجبونها عبا ، وحناجرهم تردد أقبح الغناء وأتفهه وسمع فوست هذا، فقرر وهو يترجى إبليس أن ينصرف عن هذا المكان القبيح لحانة حقيرة ، وحسب ابليس أن فوست لم يسترح إلى تلك اللذات لآنه قد جاوز السن النى كان يستطيع أن يلهو فيها مع الطلبة فقاده إلى ساحرة أعطته شرابا يرده الى بدء الشباب ويوقظ فى نفسه لذات الحواس ، ويدفعه إلى الحب ، وفيما هو فى الطريق مرت بهما فتاة جميلة طاهرة النفس تطلعت إليها رغبة فوست الظمأى إلى الجمال ، واحتال ابليس حتى أوصله اليها ، ولكن ابليس لم يفطن إلى أن جمال تلك الفتاه ونبل نفسها خليفان بأن يسمو بفوست عن كل إسفاف ودخل فوست غرفة مارجريت الجميلة ، ووجدت نفس فوست راحة من حيرتها الأبدية ، وكاد رجلنا يطمئن إلى الحياة مخلفا ورائه عهدا مظلما لم يعرف فيه غير القلق وشقاء النفس أليست مارجريت بطهارة نفسها ، وجمال روحها وفتنة روحها ..... خيرا من فوست بعلمه الذى أنزل بنفسه الخراب وساقه إلى تطلع أبدى لن يلقى من وراءه خيرا ! ولكن ابليس له بالمرصاد .
حملت مارجريت وسقت أمها بالسم على غيرعلم منها ، وهى تحسب أنه منوم بسيط سيمكنها من أن تخلو بحبيبها كما أوهمها ابليس ، وظهر حملها وثارت ثائرة أخيها لهذا العار الأبدي فأغرى ابليس فوست بقتله فى نزال دبدره ذلك اللعين ، ووضعت مارجريت حملها ، وضعفت نفسها عن مجابهه الناس بعارها ، فالقت بولدها فى اليم ، وحزن فوست حزنا عميقا ، وألقى بمارجريت إلى ظلام السجن ،
- 11 -

وثارت ثائرة فوست ، وود لو تسحق قدرة الله ابليس اللعين ، وحاول ابليس أن يغويه وأخذ فوست إلى قمة جبل( برد كن ) حيث تعقد الجن عيدها السنوي وهناك أغرى به فتاه حسناء ، لعله ينسيه ألم الندم الذى أوشك أن يطهر نفسه من كل شر ، لعله يعود به إلى السقوط ، ولكن هاهى مارجريت تظهر لفوست وسط هذا الصخب فيما يشبه أحلام اليقظه ، فيغادر فوست ويرغم ابليس على أن يقوده إلى حيث هى ( مارجريت ) وحاول عبثا أن ينجو بها من السجن ، لكن قد فات الوقت وصاح ابليس متغيظا : لقد كتبت لها الهلاك ، وصاحت أصوات من السماء : بل كتبت لها النجاة وقاد ابليس فوست إلى خارج السجن ومن جوفه صوت يصيح متهافتا :- هنرى ! هنرى ! وخرج هنرى فوست إلى فضاء الارض ، وقد ضاق به الفضاء بما رحب ، وأخذ منه الإعياء كل مأخذ فألقى بنفسه على حشائش الأرض ينتظر قضاء الله فيه ترى ماذا ستفعل به رحمه الله ؟
تركنا فوست وقد جره ابليس إلى مغامرة غرام ، خرج منها ونفسه يحطمها الندم ، ومن عجب أن تكون نجاته على يد ضحيته ، ويقود ابليس فوست إلى بلاط الإمبراطور، فإذا بالإمبراطورية فاسدة وإذا بالإمبراطور فى شبه موت من شدة السكر، فقبل الإمبراطور ابليس ليحل محله وأصبح فوست ساحر القصر الإمبراطوري ، وهنا تقع مهزلة مليئة بالعبر- رأى المضحك الجديد أن موضع الداء بالإمبراطورية ، هو نضوب المال ، فأكد الإمبراطور أن جوف أرضه ملئ بالكنوز الدفينة ، وأنه ليس من الضروري أن ينقب عنها ، بل يكفيه أن يحمل الشعب على الإقتناع بوجودها وتحققت تلك الأضحوكة ، وانتهز ابليس فرصة إنهماك الإمبراطور ذات مساء فى جلب اللذات فحمله على التوقيع على ورقة بنكنوت مضمونها مافى جوف الأرض من كنوز ، وطبع من تلك الورقة عدد لاحصر له وجرت تلك الأوراق فى التداول ، والكل مؤمن بقوة ضمانتها ، فاغنى الإمبراطور واغتنت الإمبراطورية ولكم من أناس يبنون مجدهم فوق أكذوبه والفضل كله لحمق البشر !
- 12 -

وتساقطت عن الإمبراطور همومه وتكاثرت من حوله الخيرات ، فأخذ فوست مقامه السحري عند ما رأى هيلانه حتى هاله جمالها النادر وأحس نحوها بحب قوى ، وبلغ هذا الحب المثالي من نفسه مبلغا أخذ بكل حواسه ، وأقام ابليس لهيلانه وفوست قصرا رائعا بأعلى جبال البليونيزيا ،حيث عاش فوست مع هيلانه أروع أحلام حياته ، إلا أن حبهما لم يكن حبا مبتذلا، بل كان مغامره لابديل لأصالتها ، وكادت تتم لفوست السعاده لولا أن ولدهما (إفريدن)- رمز الشعر- الذى لم يستقر له قرار،قد أخذ يجوب الأفاق حتى سقط فى مخالب الفناء داعيا أمه إلى اللحاق به ، ولحقت هيلانه بولدها فى العالم الأخر، وبقى فوست وحيدا وفى نفسه حسره مالها انقضاء وتستمر رحلة فوست الدامية والوجودية مع ابليس ، حتى أخيرا يهوى فوست بين يدى ابليس إذ أعلن رضاه عما خيل له هذا اللعين من مجد باطل، ولكن كم كانت دهشة ابليس عندما نظر فوجد روح فوست ماتزال مستقرة بالجثة تأبى أن تغادرها أوتتفكك ذرات، وأختطفت الملائكة فوست تسمو به إلى رحاب الله ، وما زالت تقوده فى مقامات الجنة حتى لقى مرجريت فقادته ابتسامتها إلى (السيدة العذراء ) تسألها أن تمكنه من لقاء وجه ربه وبذا انتهت حياة فوست كما ابتدأت بابتسامة من مرجريت فيا عجبا ضحية تشفع لمن كانت فريسته لاشك أنه فى نهاية هذه الرحلة الطويلة التي عانى وسار فيها فوست تخبرنا بكل بساطه عن معنى الحياة الحقيقى، تلك الحياة والأثر الذى خلفته خطى فوست على صفحات الزمن ،هوأنه علينا أن ندأب ونطمح ما استطعنا فى سبيل المثل العليا، وسيان بعد ذلك أأصبنا نجاحا أم اخفاقا فالجهاد نبل فى ذاته .
هاملت
هاملت كصورة لفنان كبير تلاحقك نظراتها أينما اتجهت وكأنها تسائلك : أتستطيع أن تفهم من أنا ؟حدثنى عما تظن ويفسر لنا هذا الفنان الكبير شخصه الهاملتي المأسوي بإستدعاء أقاويل شكسبير"شكسبير قد خلقنى خلقا جديدا وأودع روحي من النفاذ ما أزال أشقى به ،
- 13 -

ألا ترانى أسلط العقل على مايجيش فى نفس ، أتناوله بالتحليل فلا أعود من ذلك إلا بعزم مغلول، فأثورعلى محاولة الفهم والإسراف فى القول وكل تحليل تحطيم ، وكل عزم لابد متراخ ما أرسلناه الفاظا "هذه مأساة هاملت وعظمة شكسبير فى خلقه يعود هاملت من جامعة فينتبرج بعد أن تلقى العلم سنين طويلة إلى السينور، ليعلم أن أباه مات منذ شهرين ، وعمه كلوديوس قد خلفه على العرش ، وتزوج من والدته جرنديد ، ورأى مرح عمه ووالدته ، وتكالبهما على الحياة وعدم ذكرهما لوالده أو الحزن لوفاته ، فنغص هذا عيشه ، وألقى الإضطراب فى نفسه ، فاستشعر وحشة غريبة وكأن أسرار غامضة تحوطه أينما اتجه ، حتى كان يوم ظهر له وسط الظلام شبح والده ، الذى أخبره بما يوافق إحساسه الغامض . إن عمه سكب السم لوالده وهو نائم بالحديقة ، وأن والدته قد قبلت الأمر الواقع واستبدلت راضية رجلا برجل .
وطلب الشبح منه أن يثأر له بقتل كلوديوس وأما والدته فقد حذرمن أن يمد اليها يدا بسوء وما كان هاملت بالرجل الساذج ليركن إلى قول شبح ، وإن أخذه موضع نظروبحث فلم يرى خيرا من أن يأتى بممثلين يمثلون أمام الملك والملكة رواية جريمتهم ليرى أثر ذلك على وجوههم وكان ما توقع فلم يطق الملك صبرا على رؤية جريمته ، وأسرع إلى الإنسحاب والرعب يملأ نفسه ، وتتبعه الملكة التى أرسلت فى طلبه فى غرفتها التى كانت فى أحد جوانبها ستارة ضافية ، وكان حديثا عنيفا اشتد به الغيظ حتى لم يعد هاملت يملك نفسه ، وقد تحقق من الجريمة ولم يعد للشك مجال .
وانسل إلى سمعه حفيف الستارة ، أحس أن من خلفها شخصا يتلفظ الحديث ، فهم عليه بسيفه ظانا منه أنه الملك ، فإذا به يولونيوس كبير أمناء الملك ووالد حبيبته أوليفيا ذلك الملاك الطاهرالتى أحبها قلبه كما أحبته بجنون ، زادت مخاوف الملك وأحس بالموت يرفرف فوق رأسه فاحتال على قتل هاملت وذلك بإرساله إلى ملك انجلترا وقد أوهمه الغادر كلوديوس أنه أرسله حرصا على حياته بعد أن قتل كبير أمنائه يولونيوس بينما أرسل معه رجلين من رجال البلاد ومعهما رسالة إلى ملك
- 14 -

انجلترا يأمره فيها أن يقتل هاملت بمجرد وصوله ، وكان هاملت يتوقع غدره فغافل رفيقا رحلته ومحا إسمه من الرسالة ووضع اسميهما محله ، وشاءت الأقدار أن تقع
السفينة بين أيدى قراصنة ، فنجا هاملت منهم ليعود إلى الدنماركه ، وأما الرجلان فقد وصلا إلى ملك انجلترا حيث لقيا حتفهما ، وعاد هاملت ليرى ويسمع ما ينفطر له فؤاده ، فقد جنت أوليفيا لقتل أبيها على يد حبيبها وفيما هى تجمع الزهور على حافة النهر تردت فيه فماتت غرقا ، وعقد أخيها لايرتس العزم على الإنتقام لأبيه وأخته بقتل هاملت ورآها الملك فرصه سانحه لهلاك هاملت , فدبر نزالا بينه وبين لايرتس على أن تكون حربة خصمه مسممة السنان ، وزيادة فى الحيطة أعد كأسا دس فيه السم ليشرب منها لو أخطأته ضربات الخصم ، وكان النزال وأصاب لايرتس هاملت ضربة قوية ولكنه تمالك نفسه وهوى عليه بكل جسمه فسقطت الحراب ، وتناول هاملت مسرعا حربة كانت قريبة وطعنه بها أشد من طعنته ، وأسرعت الملكة إلى شرب نخب ولدها فسقطت صريعة ، وسقطت وسقط لايرتس ، وعادت لهاملت قوته فنهض وبذراعه المتخاذله موتا ضرب الملك ضربة يأس أتت على حياته لساعته ثم أسلم أنفاسه وقد صفت نفوسنا على قبر أوليفيا أمام الموت والدماء المراقة، وآل ملك الدنماركة إلى ملك السويد الغازى ."
مأساة هاملت : ما مأساة هاملت كما تدعى الأقاويل ؟، فمن قائل أنها مأساة جنون ومن قائل إن هى إلا شهوة انتقام وكم اتهمه البعض بالعجز والتردد ، وفى الحق أنهم مخطئون ليست مأساة هاملت كما يدعي هؤلاء ولكن أعتقد كما يخبرنا ناقدنا المفكرالكبيرهى مأساة رجال الفكر ، أولئك الذين اتسعت عقولهم لكل شىء فنفذت بصائرهم إلى حقائق الحياة ، وتشعبت بهم أوجه الرأى ، فتحطمت بين أيديهم حياتهم التى اتخذوها موضعا للدرس والتحليل ، ألآ ترى أن بسطاء الناس كيف لايرون من الأشياء إلا جانبا واحدا فيسرعون إلى تنفيذ ما اعتزموا ، بينما تلمح العقول الكبيرة فى كل أمرألف جانب وجانب ، فما تزال أحيانا حائرة مترددة حتى تقف فى مكانها إلا أن يكون قضاء محتوم .
- 15 -
ألسست

ألسست بطل كوميديا لمولييرإسمها " عدو البشر" الذى يطرح أمر شاق للغاية أن نعرف أى الطريقين نسلك :
أنحيا حياة آلسست موطدين العزم على ألا نقول إلا ما نؤمن به ، بل وأن نقول كل ما نؤمن به ، ولو كان فى ذلك شقاؤنا ، وأصبحنا به موضع سخرية الناس أجمعين ؟
أم نصانع الناس ونداديهم وننزل على مواضعاتهم الإجتماعية مهما يكن خلفها من ملق ونفاق كما فعل " فيلانت " صديق آلسست فى نفس المسرحية ؟
ألسست فى الخامسة والعشرين من عمره عندما تبدأ مأساة حياته ، دلف إلى الوجود بضمير نقى صلب أو قد وطد النفس على مطاردة الكذب أنى كان ، وعلى الجهر بالحق فى كل مجال ، يولع هذا الساخط ألسست المتزمت " بسليمين " امرأة لعوب تتصيد إعجاب الرجال وكلمات إطرائهم ، على نحو ما يجرى فى الأوساط الراقية ، فسليمين أكذوبة إجنماعية تتحرك !! ومن عجب أن يحبها لعيوبها ، ولكنه ساخط على نفسه إذ حمله هذا الحب على أن يغض عن مبادئه وكان أجدر به أن يغير لحبه امرأة تتمشى مع آرائه ورغم ذلك يسير إلى بيت ( سليمين ) ، فيعثر فى الطريق على " فيلينت " شاب من سنه أتى الحياة بنفس راضية تقبل الناس كما هم ، فيبتسم لكل من يلقاه ، ويجامل كل من يصادف بمهارة تمكنه من الحياة وسط الأكاذيب الإجتماعية فى يسر لايعادله يسر ، ووصل الصديقان إلى بيت سليمين فلم يجداها فهاجت هائجة ألسست ، وأما فيلينت فتلقى الخبر بابتسامة راضية وتفاقم غضب ألسست – وبدأفى مهاجمة ونقد صديقة فيلينت الذى يدهش لهذا الغضب الطارىء ويلح عليه أن يخبره بما كان منه – فقال السست أو ماتموت خجلا مما فعلت إن فى فعلتك مالا يمكن أن يلتمس له عذر، تلقى رجلا تغمره بلطفك المسرف وإيمان ود ك وسخاء نفسك ، وتورطه بثورة قبلاتك ، ثم لايكاد يولي فاسألك من الرجل ؟ فلا تستطيع أن تخبرنى حتى باسمه !! وكأنما حرارة قلبك قد بردت بمجرد افتراقكما !
- 16 -

يا لها من ندالة!إلى هذا تنزل بنفسك ! إنى أفضل أن أشنق نفسى على أتى فعله كفعلتك هذه ، ويضحك من فى المسرح ، ويتلطف فيلينت مع صديقه لأنه يعلم مافى نفسه من طيبه لاشك فيها ، فتلين عبارات ألسست وتزل كلماته :- " أريد أن يكون الإنسان صادقا مخلصا لنفسه فلا يقول إلا ما يؤمن به قلبه " بل يذهب ألسست إلى أبعد من ذلك ، ويطلب أن نقول كل ما نعتقد ، وفى هذا لاريب ما يقوض حياة إجتماعية دعائمها لو تأملنا أكاذيب صارخة ، ويأتي إلى البيت زائرون أخرون فيسارع ألسست إلى إخبارأحدهم بأنه متطفل دخيل وإلى الأخر بأنه قبيح كإمرأه عجوز إن تتزين تمويها لجمال فقدته من زمن بعيد ، وفيما نحن نرى ألسست يسرف فى تطبيق مبادئه ليؤكدها وليضحك ثم يأتى الشاعر " أوردنت " ويدور حوار بينه وبين ألسست ينتهي بأن يخرج أوردنت من جيبه مقطوعة شعرية من ذلك الشعر المتكلف الرخو البارد الذى ينظمه أصحابه ليسمعوه لأولئك النساء المتحذلقات الخاويات النفوس وتضج قاعة المسرح بالضحك الذى لاتهدأ له ثائره حتى تدخل سليمين عائدة من المدينة وتبدأ ثورة ألسست عليها وتزداد مع حضور جمع حافل من المراكيز إلى منزلها معجبين ومتعلقين بجمالها وتنظم الجماعة حلقة تأخذ فى اغتياب الناس ، وألسست يرقبهم من بعيد ونفسه تغلى غيظا . فيحاول أن يلقى تبعته على المراكيز المزيفين ثم سليمين موجها لها نقدا شديدا لسلوكها ، فيفقد صبر سليمين فترغب فى الخروج إلى الشرفة ويحس المراكيز منها هذا الضيق فيهمون بالإنصراف ، ولكنها تمسكهم تأدبا ، ويغضب ألسست من ذلك فيعلن أنه لن يخرج إلا إذا خرجوا جميعا ويتسائل الجميع كيف السبيل إلى الخلاص ؟ حتى يأتي رسول من قبل رجال الإداره لألسست يطلبه لأمر ما ، ويدعوه بحجرة الجلوس وبعد حوار بينه وبين الرسول يخرج ألسست ، وبهذا تنتهى الرواية ويخلو الجو لسليمين والمعجبين بها فيتبادلون عبارات المجاملة المعسولة ويخرج الحاضرون وهم يتسائلون عن ما قصد إليه موليير- إن فى تصرفات ألسست مايحرج
- 17 -

وما يضحك ، ولكنه إسراف فى قضية عادلة ، إسراف قصد منه الى إثارة الضحك وقد غادرألسست المجتمع البشرى لما فيه من كذب ونفاق وجبن ، وماندري أين يستطيع أن يعيش ؟
بيتريس
سنه 1265 - 1190
فى عهد الشباب

ولدت بيتريس مع دانتى سنه 1265 بمدينه فلورانس مهد الفن الجميل .
إنها بنت فلكويورتنارى أحد أغنياء المدينة آن ذاك ، رآها الشاعر لأول مرة فى حياته وهى فى التاسعة من عمرها ، ومنذ ذلك اليوم لم تفارق نفسه ، وعنها تحدث أجمل الحديث فى مجموعة من الشعر والنثرعهد الشباب ، إلا أن التاريخ يحدثنا أن بيتريس فى سنه 1285 كانت متزوجة بالفعل من سيمون دى باردى ، وكان دانتى على الراجح قد خطب زوجته جمادوتاتى ، وبالرغم من ذلك لم يستطع دانتى أن يصرف قلبه عن تلك الفتاة ، إن نفس دانتي كانت نفسا عنيفة صاخبة وفى الحق أنه قد انغمس فى الحياة ، بل لقد بلغ من عنفه يوما أن صاح فى شعره وهو يشكو قوة امرأة ، ولكنه رغم كل مغامراته التى مزقت نفسه لم ينسى يوما " بيتريس " بل ظل وفيا لحبها ، وإن يكن أكبر الظن أن 1285 سنة زواج بيتريس - كانت بدء لمغامرته إذ أن ذلك مما يتمشى مع طبائع البشر ألست ترى أن ألما قويا أوحزنا ملازما خليقان بأن يحطما فى النفس كل قيادة ونحن نعلم أن دانتى لم يتزوج إلا بعد وفاة بيتريس ، حيث ماتت بالفعل بيتريس ، وهى فى ريعان الشباب سنه 1290 فى الخامسة والعشرين من عمرها ، وقد تحدث دانتي بالفعل عن بيتريس فى الكوميديا الآلهيه التى رآها فى أحلامه وقد أخذ يعد لكتابتها عدته وقد امتثلت نفس (فرجيل ) من وسط تلك الغابة المظلمة ، غابة الضلال التى تعثرت بها خطاه ليقوده إلى رحلة طويلة خلال جهنم ، ثم خلال المطهر الذى لاحت على حافته بيتريس نفسها تقود الشاعر فى
- 18 -

الجنة التى لم يكن لنفس وثنية كنفس فرجيل أن تلج رحابها لقد كانت بيتريس حبيبته وهى مادة لأروع ما أنتجت عقول البشر ، مادة الكوميديا الالهية .
جوليان سوريل

جوليان سوريل بطل رواية ( الأحمر والأسود ) للكاتب الفرنسى ستاندال سنة 1783- 1842 نادت الثورة الفرنسيه بالمساواة بين الرجال - كما حطمت الإمتيازات لتجعل الحقوق وفق المواهب ، ولم يكن سوريل يبلغ العشرين من عمره ( سنه 1828) حتى كان مجد نابليون قد زال ، وقد عادت الملكيه ، وعاد رجال الدين إلى نفوذهم القديم ، ولكنه لايزال يذكر مارآه غيرمرة أيام طفولته من فرسان نابليون وهى تمر بقريته إلى جوار جرينوبل وهى عائدة من غزواتها بايطاليا ، ولكم استمع إلى أنباء البطوله التى ترددها كل الألسنه عن معارك " لودى " وأركول " وريفولى " ، فتتوق نفسه إلى مهنة الحرب ، ولكنه نظر فوجد أن زمن البطوله قد ولى ، وأن نابليون قد أصبح فى نظر دونى السلطان غاصبا ، وانقلب الأمر كله لرجال الدين يرفعون من تشاء رغباتهم ، ويحتضون من يستهدف لسخطهم ، فانعقد عزمه على أن يتخلى عن آماله فى الجيش وأن يصبح من رجال الكنيسه واذا فليستبدل بالرداء الأحمر الرداء الأسود .
ولد جوليان لأب نجار من قرية صغيرة وكان أبوه أميا فظا غليظ القلب ، ولقد اتفق يوما أن أتى الأب إلى ورشته ، وقد ناط بجوليان أن يقوم على ملاحظة العمل ، وإذا به يجده ممتطيا كتلة من الخشب ممدودة قرب السقف وبيده كتاب يقرؤه , وبضربة قوية على رأسه أوشك أن يسقطه على الأرض ، ولزم جوليان الصمت والدموع تترقرق فى عينيه ، لا لما اصابه من ألم ، بل حزنا على كتابه التى طاحت به ضربة أبيه إلى نهر مجاور ، وقد كان جوليان موضع إحتقار أهل المنزل جميعا ، فكره إخوته ، كما كره أباه ، ولكم ضرب بالساحة فى أيام الأعياد ، وفى يوم ما طلب عمدة القرية إلى القسيس أن يأتيه بمرب لأولاده ، فلم يجد القسيس خيرا من تلميذه
- 19 -

جوليان وقد توسم فيه كل نجابه ، فقد كرس لتثقيفه الكثير من وقته .
عزم جوليان عندما دخل منزل المسيو دى رينال على أن يرغمهم على إحترامه ، بأن يقنعهم كما يقنع نفسه بأن النزاع إنما يقوم بين غناهم وفقره ، وأما قلبه فأسمى من أن تناله وقاحتهم ، وقد أحست مدام رينال فى جوليان أصالة فى الرأى ، حتى سقطت فى حبه وذاع الأمر حتى لم يكن هناك معدل عن ان يغادر جوليان هذا المنزل الذى دنسه ، ليذهب إلى مدرسة القسيس بإحدى المدن المجاورة يتمم بها دراسته ، وقبل بالمدرسة لتفوقه الظاهر ، وهناك زادت خبرته بالرجال وزاد ظنه بهم سوءا ، ووجد الأب المشرف على المدرسة عقلا راجحا وقلبا كبيرا قدر مواهبه حق تقدير، حتى خشى عليه من شهوات الحقد ودس النفوس الوضيعة فأخذه معه إلى باريس عندما ترك مركزه حيث وجد له عملا كسكرتير للمسيو دى لامول أحد الأشراف من الوزراء ، بل أقوى الوزراء نفوذا فى ذلك العهد ، وعانى جوليان كثيرا من احتقار المركيزة إبنة الوزير- بنوع خاص هى وزائريها ، ولكم ضاقت نفسه بأحاديث المركيز واخوانه بالصالون كل مساء إلا انه صمد لما حوله من ضغط بعزم قوى ، وبادل الكل احتقارا باحتقار وتعاليا بتعال حتى دانت له النفوس ، وبلغ الأمر بنت المركيز نفسها أن سقطت فى حبه وحملت من جوليان ، وعلم الأب بذلك ، وقد خيل للأب بغروره أن جوليان من أصل لأحد الأشراف ولامانع أن يزوجه ابنته فأرسل إلى مدام دى رينال ليستوثق من الأمر لكن كان الرد قاسيا من القسيس الذى تلقى اعترافات تلك السيدة ، فثارغضب المركيز وعدل عن مشروع الزواج ، فثار جوليان وسار الى قريته حيث شرع فى قتل مدام دى رينال وهى تصلي بالكنيسة ، وكان يوم المحاكمة حيث تضافرت جهود بنت المركيز ومدام دى رينال لإنقاذه بعد أن عجز الكل عن حمله على الفرار ، ونهض جوليان موجها الخطاب إلى المحكمين وقد واصل جوليان حديثه هذا عشرين دقيقه ، حتى أبكى جميع السيدات الحاضرات وماكان أكثرهم فى ذلك اليوم ، هذا هو جوليا ن سوريل كما خلقه استاندل .
- 20 -

تحقق فى شخصه ماعجز عن تحقيقه فى حياته ، فهو رمز لأحلامه ، جوليان سوريل هو استاندال نفسه إلى حد بعيد استاندال الذى حرم من عطف والدته صغيرا، وشقى بقسوة أبيه ، وحاول مجد الحرب مع نابليون بإيطاليا وروسيا ، ثم عاد بغير مجد ، فاندرج فى السلك السياسي ، وعاش بإيطاليا زمنا طويلا حيث رأى فى ذلك الشعب من حدة الطبع وترقب الحركة ماكان يعجب به .
إبراهيم الكاتب
إبراهيم الكاتب أو إبراهيم المازنى مزيج من الشعر والسخرية ، وتلكما صفتان يرد اليهما بحق جورج ديهامل سر نبوغ الكتاب ، حيث اجتماع السخرية إلى الشعر سر من أسرار الحياة ، يكاد إبراهيم الكاتب يقص لنا عن علاقة ما ، ونحن بتلك الدراما التى يحكيها فى روايته لا نستطيع أن نتبع تاريخ تلك الظاهرة فى حياة رجلنا ، لأننا لانعرف قصته ، وإنما نعرف منها مرحلة قصيرة تذكرنا بالدراما الكلاسيكية حيث ترتفع الستارة عن شخصيات تكونت من قبل ، اذا بنا أمام أزمه من أزمات الحياة ، واذا بالشخصيات تتحرك فى أزمتها وفقا لطبائعها ونحن لانعرف ماهى تلك الطبائع ولا سر نشأتها ؟، وإنما ندرك خصائصها من إحتكاكها بالناس والأشياء وسط أزمتها العارضه واذن فقد كانت لإبراهيم الكاتب دراما صيغت قصة، ونحن بعد ذلك نعلم أن إبراهيم الكاتب كانت له زوجه ماتت مخلفه له ولدا ، وتبدأ ازمته منذ مرضه بالمستشفى وتعلقه بمارى ممرضته التى يخشى استمرار علاقته بها ، فيسافر إلى الريف عند أقاربه ، حيث يجد بنت خالته شوشو الفتاه الجميله الحية ، وأختها سميحه العاثرة الحظ ، التى يعرفهما كما يعرف الدكتورمحمود نفسه طبيب العائله وأحد أقاربها ، وأخيرا نجيه الأخت الكبيرة زوجة الشيخ على صاحب العزبة التى نزل بها ، وينتهي الأمر فيهتز قلب إبراهيم لإبنةخالته شوشو عاقدا النية على الإرتباط بها بالزواج ، فترفض نجيه الأخت الكبيرة أن تتزوج شوشو قبل سميحه الأكبر منها سنا ، وأصرت على أن تكون سميحه لإبراهيم وإبراهيم رجل عنيد يعرف مايريد ،
- 21 -

وأمام إصرار نجيه على رأيها ينفض إبراهيم يده من الأمر ويسافر إلى الاقصر، حيث كانت له مغامرة مع ليلى إحدى النساء الحديثات ، وإن كانت امرآة لاتخلو من نبل وأصالة ، ومرض إبراهيم بالاقصر وجاؤه الشيخ ( على ) و(الدكتور محمود)
، وشفى وغادرته ليلى وعاد هو إلى القاهرة ، وقد علمنا أن شوشو قد تزوجت من الدكتور محمود بعد أن برحت بها الآلآم كما برحت من إبراهيم الذى لانعلم من أمره بعد ذلك شيئا.
لقد كان لتلك الأحداث طابع خاص وقد غذى ألمه أثناء مرضه بذلك الشعر الجميل المتشائم ، شعرالكتاب المقدس ، وقد أشربت نفس إبراهيم الكاتب حكمة الكتا ب المقدس التى تجنح إلى التشاؤم والإعراض عن الحياة بل إحتقارها ، حتى أصبح يرى الكثير مما تعلق به باطلا ، (وقبض الريح ) .
ألا تراه يسخر من جهد حياته ذاته فيحسبه " حصاد الهشيم " ؟ إبراهيم الكاتب نفس لاتزال تعرف الحماسة وتستشعر الشهوات ، نفس حارة وإن بلبلتها المرارة فسخرت ! وكأن بها نحن إلى أن نتعلق بشى يملأ مابها من فراغ يزيد هوانه ما إنساقت إليه من إعراض عن الحياة، نفس تود لو إستغرقها شعور القوي ، وهذا مانلمحه فى تعلقه بماري وشوشو وليلى ، على تفاوت فى النوع والنسب ، تعلق بماري وقد أضعف المرض من صلابة نفسه ، فسكن إلى رقتها وآخى الحزن بينهما ، ثم إنعقد قلبه بحب شوشو وقد سحره منها تفتح قلبها البكر كما تتفتح الزهرة لندى الصباح ، وكان فى جرأه ليلى وقوة نفسها ونضوج أنوثتها ما جذبه وأوشك أن يعزيه عن شوشو بعض الفراق أو على الاقل أن يلهيه عن بعض ألمه ، وإبراهيم نفسه غنية كثيرة الحنايا .
فيليستيه (أم السعد) سذاجة القلب وطيبته

فيليستيه بطلة لقصة صغيرة للروائي الفرنسي الكبير فلوبيرعنوانها " قلب ساذج " كتبها المؤلف سنه 1877، ونشرها مع قصتين أخريين بعنوان ثلاث أقاصيص .
- 22 -

فيليستيه خادمة من خدم الريف ، عقل محدود ، وقلب رحب ، وعن هذه المفارقة يشع نبل حياتها المتواضعة الحزينة ، فلقد تراها تأتى من أعمال البطولة ما يتحدث به الناس كافة إلا هى وذلك لأنها لاتدري ما البطولة ، بل ولاتفكر فيما تأتى ، فيليستيه مثل حى لملايين البشر الذين لم تفسد الحياة العقلية طبائعهم فتركتها كما هى بما تحمل من عظمة وبؤس ، فيليستيه تحيا الحياة دون أن تفكر فيها حتى تتذكر قول المسيحية كمثال على حياتها " إنسى نفسك كي لاتعوق موسيقاها " .
كان وجهها نحيلا وصوتها حادا فى الخامسة والعشرين كانت تلوح فى الأربعين ، وعندما وصلت إلى الخمسين لم تعد تنم عن أي سن ، كان أبوها بناء قتل فى سقطة مباغتة من " السقالة " ثم ماتت أمها وتشتت أخوتها ، فآواها رجل فى عزبته وإستخدمها صغيرة فى حراسة البقر فى الحقل ، وكانت تضرب لأوهى الأسباب ، وأخيرا طردت لسرقة فرانك ونصف لم تكن هى سارقته ، والتحقت بعزبةأخرى عملت فيها كحارس" لحوشة الدجاج " ولكن زملائها أخذوا يحسدونها لأنها أعجبت أسيادها وفى مساء أحد أيام أغسطس وهى فى الثامنة عشرة قادها زملاؤها إلى عيد كولفيل ، وتلتقى بشاب ثرى المظهر تحس برغبة فيه ، إلا أنه أثناء سيرهما فى الطريق طرحها بوحشية على حافة حقل من الشوفان ، وفى مساء آخر وهى فى طريق " يومون " لمحت تيودور الذى طلب منها أن تغفر له ماحدث لأن الخطأ لم يكن منه وإنما كان من الشراب ويطلب منها الزواج ، إلا أنه خدعها وتزوج بإمرآة عجوز عظيمة الثراء كى يأمن التجنيد والذهاب إلى الجندية المفروضة عليه ثم رحلت إلى بلدة ( يون لفك ) وتقابل مدام أوبان التى تمكث عندها فيليستيه نصف قرن ، وكان نساء أعيان يون لفك يحسدنها من أجل تلك الخادمة التى كانت تطبخ وتنظف المنزل وتخيط وتغسل وتكوي ، وتعرف كيف تلجم الحصان وتضرب الزبد ( وتظغط ) الطيور، كل هذا مقابل مائة فرنك فى العام ، وفوق ذلك كانت وفية لسيدتها مع أنها لم تكن سيدة طيبة .
- 23 -

مدام أوبان تزوجت صغيرة بشاب جميل رزقت منه بولد هو بول وبنت هى فرجينيا ، ثم مات زوجها فعاشت بعده عشرات السنين وذكرى ذلك الزوج تحلق فوق كل شىء ، ثم ماتت الإبنة فرجينيا بداء فى أعصابها ، ثم ابن أخت فيليستيه فكتور فى رحلة بحرية مع السفينة التى كان يعمل بها بحارا، وكان سفرا مشئوما إذ لم يعد منه ، ثم مات الببغاء الذى أهدته لها مدام أوبان ، وقد جمعت بين محبتها لله ومحبتها لذلك الطائر ، أو ما يشبه الحمامة رمز الروح المقدسة ؟ وإنتهى بها الأمر إلى أن أصبحت تعبد الله جاثية أمامه ! وماتت مدام أوبان – وتزوج بول ، وأصاب فيليستيه الصمم وفقدت بصرها فلم تسمع ولم تر شيئا مما قيل أو فعل ، إلا القليل الذى أدركته بالحس إلى أن وافاها أجلها ، وكان ذلك فى يوم عيد ديني ، فلم تحزن فيليستيه لمغادرة الحياة قدر حزنها لعدم استطاعتها المشاركة فى ذلك العيد الذى طالما فرحت بقدومه .
ولأن الخادمة المسكينة صادقة الإيمان بالدين إيمانا ساذجا وقد وجدت فى محبتها لله عزاءا عن كل المحن وما عليها أن ترى الله فى طائر أو فى مظاهر الوجود ، والله روح بكل مكان وكل نفس ولا شك أن هذا التجسيم الساذج كان سببا فى قوة إيمانها.
الأستاذ بتلان

بطل مهزلة Farce ظهرت بفرنسا فى أواخر القرون الوسطى سنة 1460م ، ونشرت فى 1480، وأما مؤلفها فقد تضاربت بشأنه الآراء فمن قائل أنه " فرانسوامفيون " ومن قائل إنه جيوم دى لوريس ، ومن قائل أنه أنتوان دى لاسال ، ومن قائل أنه بيير بلانشيه ولكنها كلها فروض لا تفيد يقينا ومن الأفضل أن نعترف أننا لانعرف ذلك المؤلف ولقد لاقت تلك المهزله نجاحا عظيما عند ظهورها ، فمثلت مرات كثيرة ، وإلى اليوم لاتزال تمثل في الجامعات الفرنسية ، ولا تزال تقرأ رغم صعوبة لغتها القديمة ، التى تختلف إختلافا محسوسا عن اللغة الفرنسية الحديثة والتبلان فى اللغة الفرنسية تعنى الماكر فيقال يتبلن " تبلنه " بمعنى يمكرومكر
- 24 -

الأستاذ (بتلان ) المحامي أنموذج خالد للمكر الذى يعرف من أين تؤكل الكتف ، نراه فى أول المسرحية وكأن الملل واليأس قد أخذ منه وزوجته " جيمت " تصيح فيه وقد ساءت ظروفهم المعيشية للغاية وعم القحط ، حتى أنه تآكلت ملابسهما حتى لم تعد إلا أسمالا ولا يعرفان كيف السبيل إلى تعويضها ؟، وينطلق بتلان إلى السوق يتحسس فرائسه ، وإذ به أمام حانوت السيد جيوم جوكوم بائع الأقمشة المشهور بالحذر والبخل والأستاذ بتلان رجل معتز بملكاته ، ولهذا يروقه أن يستغفل السيد جيوم ، فيرضي فى نفسه كبرياء الفنان الذى يهزه التغلب على الصعوبات الحقيقية ، وسبيل بتلان إلى ما يريد هو ما ذكرنا من فن المكر ، وأخذ يتملقه ويتحدث له عن والده الرجل الطيب التاجر الماهر الخبير بأسرار التجارة ومدى الشبه بين الإبن والأب السيد جيوم وأبيه ، ثم عن عمته لورانس ملاحظا أنه يشبهها أيضا بجسمه ، ويتواصل الحديث بين بتلان الماكر وجيوم المشهور بالحذر والبخل حتى يصل بتلان لمربط الحديث عن القماش وإعجابه به ورغبته فى الشراء ، وبذلك تهيأت الصفقة خالصة بعد دعوة بتلان جيوم للغداء عنده فوافق على الحضور إلى منزله ومعه القماش ، لكن بتلان يقنعه أن يحمل هو القماش ويعود إلى منزله بعد أن تواعدا على المائدة ، وهنا نجح الأستاذ بتلان فى النصب ، فأخذ القماش دون أن يدفع قرشا واحدا ، ولكن جيوم سيلاحق أستاذنا بمنزله ، فكيف السبيل إلى الخلاص منه ؟ فيتفق مع زوجته على أن يتصنع المرض ، وأن يدعى أنه مريض منذ أسبوع ، ولم يغادر خلاله الفراش قط ، وأن يلعبا الدور معا بحيث يوهمان المسكين جيوم أن قصة القماش والجنيهات والأوزة والنبيذ ، وما اليها ليست إلا هذيان محموم- حتى يأس جيوم من الحصول على القماش أو ثمنه – وغادر المنزل ( منزل بتلان ) حتى وجد نفسه أمام راعى غنمه توما الحميل " مصغر حمل " وكان توما هو الآخر راعيا ماكرا ، كم من مرة ذبح خراف جيوم ثم ادعى أنها قد ماتت بالحمى ولكن السيد جيوم قد آخذه هذه المرة الأخيرة متلبسا بجريمته ، وها هو الحميل يأتى إلى الأستاذ بتلان
- 25 -

ليوكله فى الدفاع عنه أمام القضاء إلآ أن بتلان ينجح مرة أخرى فى الإنتصار على جيوم أمام القاضى الذى أمره بالصمت ، وإطلاق سراح الراعي ، والحكم على المدعي بالمصاريف وهذا ما كان .
على هذا النحو يكون المكر قد إنتصر مرة أخرى ، لكن بتلان تلقى عقابه من الحميل ، الذى رفض أن يعطيه أجر الدفاع عنه وأجابه حميلنا ب" يآ " نفس الكلمة التى إستخدمها الحميل فى الجواب على أى سؤال يوجه اليه فى المحكمه أمام القاضى حيث يلعب دور الأبله .
راستنياك

ايوجين دى رااستنياك شخصية روائية ضخمة من شخصيات اونوريه دى بلزاك ( 1799ــ1850) الكاتب الفرنسي الشهير.
وقد تحدث عنه بلزاك فى عدد كبير من رواياته وقد ولد بطلنا سنه 1799 فى راستنياك بمقاطعه شارانت وهو ابن للبارون والبارونه دى راستنياك وقد أتى إلى باريس سنه 1819 ليدرس القانون بالجامعة ، وسكن فى بانسيون مدام فوكير حيث تعرف بجاك كولان المشهور باسم فوتران ، كما تعرف بهوارس بيانشو الطالب الذى سيصبح فيما بعد طبيبا عظيما ، وأنه قد أحب مدام دى نوسنجان وهي بنتا لرجل يسمى "جوريو" يسكن مع راستنياك فى نفس البنسيون ، وكان السيد جوريوالمذكورفيما مضى تاجرمكرونه وقد جمع ثروة طائلة من تجارته ، ولكنه أعطى كل ثروته لبنتيه حتى تتزوجا ، ولما رأت البنتان أن والدهما لم يعد يملك شيئا ، وأنه لا يصيبهما منه غير العار أهملتاه ، بل وتجنبتا لقاءه حتى مات الرجل ميته مخزيه بالبنسيون، وتولى راستنياك وبيانشو الطالبان دفنه ونفقات ذلك الدفن وهذه المعلومات سنجدها فى رواية" الأب جوريو" وهى المصدر الأساسي فى تحليل المرحله التى نريد أن نقف عندها من حياة راستنياك ، أى مرحلة إنزلاقه من الحياة الريفية المتينة الخلق السليمة المبادىء ، إلى حياة المدن التى يسكت فيها صوت الضمير، وتستيقظ شهوات
- 26 -

النفس مندفعه إلى أهدافها دون أن يردها شئ ، ومنذ أن إجتاز راستنياك تلك المرحلة الشاقة ، لم تعد حياته غير حياة رجل مغامر.. حياه مبتذلة الأحداث ، ومن السهل على القارئ أن يعود إلى رواية " بيت نوسنجان " كى يعرف كيف أصبح راستنياك من كبار الأغنياء سنة 1836 وقد تزوج سنة 1838 باوجستا بنت مدام دى نوسنجان عشيقته القديمه التى تركها منذ خمس سنوات ، وفى سنه 1839 أصبح وزيرا للأشغال العمومية ، وأما بقيه مغامراته فمنشوره فى عدة روايات وكلها فى إبتذال ماذكرناه من ثراء ونفوذ ووجاهة إجتماعية دفع ثمنها راستنياك غاليا من مبادئ الخلق وكرامة الإنسان.
لقد ملأ راستنياك " الكوميديا البشرية " بوجوده الصاخب ، حيث من المعلوم ان أونوريه دى بلزاك قد جمع رواياته فى آخر حياته تحت عنوان واحد هو الكوميديا البشريه التى قسمها إلى حوالى ستة مجموعات ثم أضاف إلى هذه المجموعات : -
1- دراسات فلسفيه
2- دراسات تحليليه
حتى لنحسبه ( راستنياك ) قد بلغ من نباهه الذكر مابلغه رجال كبار التاريخ

أوليس
( 1 ) فى الإلياذة
أوليس أحد أبطال هوميروس ، رأيناه فى المرة الأولى فى الإلياذة على رأس جنده الذين جمعهم من مملكته بجزيرة كورفو وذلك لكى يساهم مع بلاد اليونان الأخرى فى حملتها الشهيرةعلى طروادة إحدى مدن أسيا الصغرى ، وسبب تلك الحرب الضروس ، وأصداؤها التى سجلها شاعر اليونان العظيم لاتزال تتردد بجميع الأذان قالوا إن باريس أحد أمراء طروادة أتى يوما فى تجارة إلى شواطئ البليبونيزيا واذا بهيلانة زوجة مينلاس ملك إحدى تلك الجهات تلهو على الشاطئ مع رفقه لها ،
- 27 -

فهاله جمالها وكان الأمير مشرق الطلعه فوقع هو أيضا بقلبها وكان ماشاءت الأقدار، فتواعدا على الهرب سويا ونشر القلاع إلى طروادة ، وعلم زوجها بالخبر فأخذته شهامة الرجال ، ونفرت مدن اليونان كافة إلى جوار الزوج الذى ثلم شرفه ، وتصدى لقيادتهم أجا ممنون أخو منيلاس ، وأعدوا الحمله وأبحرت السفن وأرست حيث ضرب الجند حول طروادة الحصار، وكانت معارك تبيض لهداها النواصي ، اذا صح لأنها كانت كلها فى قسوة ملاحم السنة العاشرة التى اكتفى هوميروس بان صور لنا جزء منها ، وكم من أبطال تميزوا فى تلك الميادين الساحقة ! أخيل أشجع من ولدت الأمهات وأصلب الرجال عزما وإياس ذو الحول والطول ، وهكتور أنبل أهل طروادة وأخلدهم ذكر ثم أوليس .
أوليس أنموذج الشعب اليونانى ذاته بما فيه من قوة وضعف ، هو صورة واقعية للأخلاق اليونانية وللملكات اليونانية وإلى هذا فطن الإغريق كافة، فرأى كل منهم فيه نفسه أوجانبا منها حتى رأينا بطلنا تخيل المكان الاول فى الأوديسا ملحمة هوميروس الثانية ، وماهى إلآ قصص لمغامرات أوليس أو أوديسيس ، كما كانوا يسمونه ، أثناء عودته إلى وطنه عبر البحار، ونظر الشعب الإغريقى فرآى أنموذجه يسايره فى تطور خلقه وإتجاهات نفسه فزاد به تعلقا ، حتى كان القرن الخامس قبل الميلاد ، أي بعد ظهور أوليس إلى الوجود بخمسة قرون ، واذا بسوفكليس المؤلف المسرحي الذائع الصيت يتخذ منه بطلا لروايته الخالده " فيلو كوتيت " وقد أصبح الماكر الذى لايتروع عن شى فى سبيل الوصول إلى ما يريد ، فيسير رجلنا من بطولة الإلياذة إلى بهاء الأوديسا ثم ينتهى بحديث " فيلو كوتيت " وإن نجد فى كل مرحلة بذور المرحلة التالية ، حتى لنحسب أنه كان يمتلك كل تلك الصفات كامنة ، وإنما هو محك الزمن أظهرها فيه ، كما أظهرها عند الشعب اليونانى كله يوم سار من صلابة البداوة إلى مرونة الحياة،في المدينة .

- 28 -
( 2 ) أوليس فى الأوديسا

وقد جند اوليس فى الأوديسا في المكان الذى تخيله أخيل فى الإلياذة فهى قصته وذلك لان لفظة (أودسا ) مشتقه من (أدويسيوس ) كنية (أوليس ) وأدسيوس باليونانيه هو ( جواب الآفاق ) الذى يقص هوميروس عنه أثناء عودته من آسيا الصغرى إلى وطنه إيتاكا بجزيرة كورفو الشهيرة حتى اليوم بروعة موقعها على مقربه من شاطئ دلماسيا المصيف الأوروبى الجميل ، والحق ان فى إختيار هوميروس لاوليس كبطل لملحمته الثانية مايدعو إلى التفكير وبخاصة إذا ذكرنا أنه قد كان هناك أبطال آخرون من بينهم من إنتهى إلى مصير جدير بأن يوحى بأاجمل الشعر كأياس مثلا الذى جن عندما أعطى اليونان أسلحة أخيل البطل الشهير دون أياس فجن من هذه الإهانة وانتهى به الأمر إلى الإنتحار وقد كا ن حقا أعظم من أوليس إقداما واشد بطشا بإعتراف الجميع " سياج اليونان " ولكن الواقع هو أن اليونانيين قد رأوا فى أوليس أنموذجا قوميا تتركز فيه صفاتهم وفى هذا مايفسرإختيارهوميروس له دون كل الأبطال ولهذا عندما فرمن الالياذة إلى الأوديسا تلمح فى شخصية أوليس تطورالأديب وبذاك قد سارمعه تطور العقلية اليونانية كلها ، بحيث نجد فى تصويرهوميروس له حقيقه الروح الإغريقية ونجد مدى فهم حقيقة العقلية اليونانية عند هوميروس فمن بين أبطاله العنيف الإنفعالي القاسي القلب فى نبل وإباء كأخيل ، ومنهم الشجاع فى روية الداهيةعن ذكاء نافذ كأوليس ، وان كان أوليس لم يفقد شيئا من صفاته التى عرفناها عنه فى الإلياذة ولكن تطور الأمر، وقد أصبح البطل كأوليس أقرب إلى البشر منه إلى الآلهه ، أقرب إلى الحياة منه إلى المثل الأعلى ، إن أوليس أقوى من أنصاف الآلهه بل ومن الآلهه لأنه قابض على زمام آمره ، وقد إنعقد عزمه على أن يعود إلى مملكته ، حيث زوجته الوفيه بتلوب التى كانت منتظره فى صبر منذ سنين والتى لم تكن تقل عنه دهاء ، وقد رأت خطابها الكثيرين وخشيت بأسهم ووعدت أن تختار لنفسها من بينهم زوجا بعد الفراغ
- 29 -

من ثوب كانت تطرزه ولكنها أخذت تنقض بالليل ماتعمله بالنهار، وبذلك لم ينتهي حتى عاد زوجها فانقذها .
إن دهاء أوليس لم يصبح بعد خسه ، ومصدره فهم لنفوس البشر، وإستغلال لشهواتهم ،ولئن نصب شراكا فهو لم ينصبها إلا للحمقى ومن الواضح أن هذا الدهاء هو الصفة التى تعلقت الأوديسا باظهارها ، وفى أحد مواضعها تخبرنا هيلانه أصل البلاء أنه قد بلغ لأوليس الدهاء أن دخل طروادة متنكرا فى ثياب شحاذ فرأى كل شئ قبل أن يفطن اليه أحد ، ثم قتل نفرا من رؤساء المدينة وولى ، ونحن نعلم من مصدر آخر أن سقوط طروادة كان بحيلة من حيله اذ أمر بصنع حصان كبير من الخشب كمن يبطنه هو ونفره من الجند ثم تظاهر اليونان بالإنسحاب مخلفين الحصان ورائهم فأتى أهل طروادة أنه غنيمة كبيرة، ولما كانت أسوار المدينة وأبوابها لاتسمح بدخوله فقد هدموا جانبا منها وأدخلوه ، وما أن حس أوليس وأصحابه أنهم قد صاروا فى قلب المدينة حتى وثبوا من الحصان وقتلوا الحراس ، وكر اليونان فاقتحموا على العدو مأواه وبذا سقطت طروادة وأصبح حصانها مضرب الأمثال للخديعة، وهذا الدهاء هو نفسه الذى مكن لاوليس من رقاب الخطاب ، فانه لم يزل يعد العدة ويستوثق من الوسائل ، حتى تهيأت له كل ملابسات النجاح فاغلق باب القصر وفتك بأعدائه أشد فتك وما أن تم له النصر حتى ظهرت قسوته بأعدائه أشد فتكا .
( 3 ) أوليس فى فيلوكونت

تركنا اوليس وقد أصبح فى الاوديسا أقدر على الدهاء مما عهدناه من قبل وها نحن نلقاه اليوم فى فيلوكونت مسرحية سوفوكليس الشاعر العظيم فاذا بنا فى القرن الخامس قبل الميلاد وإذا بنا فى أثينا حيث ظهر الفلاسفة وكثر الخطباء وتعدد السوفسطائيون فأخذت بوادر الإنحلال تدب فى الأخلاق .
فيلو كونت بطل أبي النفس بعيد الهمة لقاه يوما هرقل فأتخذ منه رفيقا صاحبه فى كثير من أعمال بطولته التى خلدت ذكره الى أن تم القضاء فمات هرقل برداء
- 30 -

مسموم أعطته إياه زوجته " ديجانير" خطأ فى قصه مؤثرة ولما كان هرقل يحب " فيلوكونت " فقد أعطاه عند إحتضاره قوسه الشهيرة وأسهمه النافذة وأوصاه أن يقوم بنفسه على إحراق جثته كما جرت عادة القدماء وعندما هم اليونان بالإنتقام" لمينيلاس" ونادوا بإعداد السفن والرجال للإبحار إلى آسيا الصغرى و لم يتخلف فيلو كونت وأبحرهوعلى رأسهم ولكن محن الأيام شاءت إلا أن تلدغه 0حية بإحدى الجزر التى أرسو بها أثناء رحلته الطويلة لدغته فى رجله فنخرالجرح واشتدت رائحته الكريهه فتشاور الرؤساء فى أمره ومن عجب أن نرى" اوليس " يدعوهم إلى تركه بجزيرة ( لمنوس ) تخلصا منه اذ لم يعد صالحا لشئ ترك اليونان إذا " فيلو كونت " نزولا على إرادة اوليس الذى تولى بنفسه تنفيذ الجريمة ووصلت الحملة إلى طروادة وكان ماكان من حصار المدينه عشر سنوات دون التمكن من أخذها حتى مل الجند وطلبوا إلى رؤسائهم أن يستشيروا عرافا لعله يدلهم على سر أو ينبؤهم بوسيلة وقال العراف أن طروادة لن تسقط إلا على يد من يمتلك قوس هرقل واسهمه فتسقط فى يد الجميع وحارت الألباب إذ من يستطيع أن يعود إلى جزيرة لمنوس بعد عشر سنين ليطلب إلى فيلو كنت أن يعطيهم أسلحته أو أن يخف إلى نجدتهم ؟ وساءت الأمور أن تكون وفاته بسهم يطلقه " باريس " فتصيب كعبه .
مات إذن أخيل لكنه خلف ولدا لايقل عن أبيه شجاعة ، ويصل اوليس إلى نيوبتولم ابن أخيل القائد العظيم ويقنعه أوليس بالسير معه إلى لمنوس وهنا تبدأ مسرحية سوفوكليس، حيث يحاول اوليس بكل الطرق إقناع نيوبتولم بخداع فيلوكنت بالكذب عليه والإحتيال عليه حتى انتهى به الأمر إلى أخذ الأسلحة من فيلوكنت ، وقاد الرجل المسكين إلى الشاطىء ليبحروا جميعا ، وعادت الى نيوبتولم بقية من نبل طبعه الأصيل فاعترف بالحقيقة ظانا أن فيلوكنت سيعفو عن ماكان ولكن فيلو كنت رغم مرور السنوات لم يستطع أن ينسى آلامه وجرح لم يلتئم بعد ويصيح طالبا أسلحته ليقضى على نفسه ويقطع أوصاله غيظا ويرى المجد والشفاء فى أن ينتقم لنفسه وهو
- 31 -

يرى هلاك اليونان بعد عجزهم عن الإستيلاء على طروادة التى أفنت أبطالهم وأرتهم من المحن ألوانا عشر سنوات ، وحاراوليس ونيوبتولم فى الأمر، ولم يبقى إلا أن يطلبا عون الآلهه وهذا ماكان فقد ترفق (زيس) فأرسل شبح هرقل إلى فيلو كنت يطلب إليه أن يسير إلى طروادة حيث يجد الشفاء ويصيب المجد بقتل باريس قاتل أخيل أكبر أبطال اليونان ، ثم بالمساهمة فى أخذ طروادة ، وبعد أن وصل فيلوكنت طروادة وتحققت نبوءات العراف وإرادة الآلهه ، ويحقق المجد ويعود إلى وطنه فى رحلة لم تستغرق غير سنة واحدة ، وأما اوليس فقد ظل يتخبط بالبحار عشر سنوات كما رأينا فى الأود يسا .
اوليس سوفكليس يمثل مرحلة فى تاريخ اليونان وهو مهما كانت عيوبه لم يصل بعد إلى ما نراه فى تاريخهم المتأخر عندما ينتهي بهم الأمر إلى السقوط فى يد المقدونيين ثم الرومان ومن تبعهم اذ ظلوا مستبعدين ولم يستطيعوا إستيعاد إستقلالهم إلا اخيرا فى النصف الأول من القرن التاسع عشر.
( 1 ) العبيط مع مارى والأطفال

لقد قص دوستويفسكى الكاتب الروسي الشهير أحداث وقعت لأمير روسي هوموتشكين الذى وصفه الكاتب لأمرسنراه فيما بعد بالعبط وأودع تلك الأحداث رواية تقع فيما يقرب من ألف صفحة بعنوان " العبيط "
الأمير موتشكين فى السابعة والعشرين من عمره الآن ولكنه مع ذلك يستريح إلى معاشرة الأطفال ويضيق بالأشخاص الكبار لأنه إذا وجد معهم لايدرى ماذا يقول لهم وهذا أمرغريب يدعونا للبحث فى نشأته محاولين الكشف عن ذلك الشذوذ فلا نهتدى إلى شئ كبير، فالرجل قد مات أبوه وهو فى سن مبكره فتعهد صديق خير من أصدقاء والده برعايته حتى لاح عليه إمارات غير عاديه يبدو، أنه مرض التشنج العصبى لكن موتشكين لم يكن عبيطا ربما كان فى وصفه بهذه الصفه أكبر سخرية إستطاعها دوستويفسكى من عقلية البشر فلم يكن يظن العبط بأميره بل بنا نحن عندما
- 32 -

إشتد بموتشكين المرض أرسله القائم على تربيته إلى طبيب بسويسرا ليعالجه بمصحته ولقد وجد المريض فى جو سويسرا ساعدا على الشفاء فأقام هناك أربع سنوات دفع مربيه فى السنتين الأولتين أجر علاجه وإقامته ثم مات هذا المحسن الكبير فلم يبقى للأمير معيل ومع ذلك فقد أمسكه الطبيب الكريم سنتين أخرين ولكن العبيط ضاق بالإقامه وقد انقطع عنه كل مدد من روسيا فقرر العودة إلى بترسبورج ليلتمس له عملا يعيش به وتذكر عبيطنا ان أسرته العريقة قد بقيت منها أميرةهى الآن زوجة لجنرال بالجيش فقرر أن ينزل بدارها ليتعرف اليها وإلى زوجها ، ثم ماهو فاعل إلا أن قصة العبيط مع مارى والأطفال قد وقعت له أحداثها بالقرية السويسرية حيث كانت المصحة التى أقام بها ( قد نوهنا الذكر عنها من قبل ) .
( 2 ) العبيط فى الحياة الإجتماعية

رأينا الأمير موتشكبن عبيط دوستويفسكى يصاحب الأطفال ويفضلهم على الكبار ولم نستطع إلا أن نقره على سلوكه فقد تضافر مع أصدقائه على رحمة فتاة بائسة ، نستطيع إذن أن نتردد فى الحكم على موتشكين بالعبط لمصادقته الأطفال ومعه دموع مارى بل قد نجرؤ لنرى إن الهيئة الإجتماعية التى تصف الأمير بهذه الصفة هى على الأقل العبيط و الحمقاء وماالهيئة الإجتماعية إلا نحن ، العاديون من الناس الذى تتحكم فيهم المواصفات فنجعل منهم أحيانا وحوشا لاتعي ماتفعل .
عاد الأمير موتشكين من سويسرا حيث كان يستطب من التشنج العصبى إلى بيترسبورج إلى مابقى له من أسرته العريقة ، زوجة الجنرال وبناتها الثلاث بل وكانت له حادثه غرام مع إحدى بنات الجنرال ، والسؤال الأن هل الأمير موتشكين عبيط فعلا ؟



- 33 –

(3) العبيط والإعدام

من المعلوم أن دوستويفسكى خالق العبيط قد حكم عليه بالإعدام هو وعشرة من رفاقه الذين كانوا يميلون إلى الحرية والعدل الاجتماعي فى عهد القيصر نيتولا الأول حتى فى اللحظةالأخيرة لم تطلق النيران إذ عفا القيصرعن المتهمين وإستبدل بالحكم السجن أربعة أعوام فى سيبريا ثم النفى أعواما أخرى بنفس تلك البلاد السحيقة المهلكة وندرك كيف هذه المحنة الخاطفة قد تركت فى نفسه أعمق الأثار حيث يجرى الكاتب على لسان العبيط أنفذ ما أوحت اليه تلك اللحظات من إحساس فموتشكين ليس بعبيط ولدستويفسكى ان يسخر من العقول كما يشاء يحدثنا العبيط عن رجل مرت به تلك المحنه فإستطاع أن يقص أحاسيسه ولكن دوستويفسكى كان أبعد خيالا وأغنى نفسا من أن يقف عند ما إبتلى به ،لقد عاد فى موضع آخر فحدثنا بلسان العبيط أيضا عن تنفيذ الحكم بالإعدام فعلا وسار به إلى آخر مراحله على نحو لانظن أن أحدا قد داناه فيه .
( 4 ) العبيط والنساء

رأينا العبيط فى عدة مواقف رأيناه مع مارى والأطفال ورأيناه مع خادم وسط الحياة الإجتماعيه وإستمعنا اليه يتحدث عن عقوبة الإعدام ويصف تنفيذ تلك العقوبة الشنيعة ونستطيع أن نستخلص من كل ذلك أنه كان رجلا عاطفيا تقوده مشاعره أكثر مما يقوده عقله وهو رجل ذو فلسفة خاصة فى الحياة فلسفة شعورية أيضا لأنها لاتتلقى شئ من الخارج ومن ثم لاتنصت إلى عرف ولا تفطن إلى لياقة ولهذا نراه لايرى عيبا فى أن يجالس الخادم وأن يعترف إليه بأموره الخاصة ايمانا منه بان الناس سواء وانه لن يضيره فى شئ أن يقص على ذلك الخادم مايريد وأنه ليس هناك مايستحق الكتمان دون مراعاة للنتائج الخارجية التى لا يضع لها وزنا حتى لو كانت نتائج ضارة فهو يدرك النفس البشريه كما صاغتها أوضاع الحياةأن يراها دائما فى
- 34 -

طبيعتها الفطرية دون أي حساب لما قد يصيبه من ضرر عندما يأخذ الناس بهذا النوع من المعاملة وأخيرا هو حار الخيال وواسع للغاية حين يصف لنا خطوات تنفيذ حكم الإعدام بأبرز الهواجس لمن نفذ فيه ذلك الحكم بقدر عال من الدقة والإستقصاء مايشهد بأنه قد بلغ من الحساسية حدا يقرب من المرض .
إستكمالا لفهم العبيط نعرض علاقته بالنساء وموقفه منهن فذلك محك عظيم الخطر فى حياة الرجال
لقد أحب العبيط فتاتين ، أحبهما معا ، وكان حبه عفيفا متقدا ، أشبه ما يكون بحب الفروسية ، ولقد لعبت طبيعة الفتاتين فى هذا الحب الدور الحاسم ، كانت إحداهما نستازيا امرأة عنيفة عنيدة مجروحة الكبرياء ثائرة على أخلاق الرجال ، وكانت الأخرى أجلابيه بنت الجنرال ابنتشين فتاة مترفعة فى غطرسة ، شديدة الثقة بنفسها واحتقار من عداها ، ولقد بلغ من سذاجة هذا العبيط أن ظن أن فى استطاعته أن يوفق بين الفتاتين وأن يحمل كل منهما على محبة الأخرى أو مصافاتها على الأقل لكنه فى النهاية يخسر الإثنتين ، وقد تركته أجلابيه دون تردد عندما وجدت نفسها أمام اختيار بينها وبين نستازيا والعبيط متردد فى الإختيار بينهما بل ويطمح ويتضرع إلى أجلابيه أن تصافى نستازيا لكنها تصيح به صيحة غيظ وتتجة إلى الباب مسرعة وهكذا ضحت بالحب فى سبيل الكبرياء وتفوز نستازيا بالزواج من العبيط إلا أنها في اللحظة الأخيرة تهرب مع ذلك الثرى المترف – العربيد الذى أحرقت ماله من قبل عندما حاول اغواؤها بالمال فتقابل هذا بالرفض كردا حازما على دعوته وتنتهى المآساه بما يفزع فقد قتل ثرينا الفتاة وإستفحل بموتشكين مرضه فأصيب بالعبط المسرف .
ترتران الترسكونى

شخصية ترتران الترسكونى خلقها الكاتب الفرنسى الشهير" الفونس دود يه " فى آواخر القرن التاسع عشر وجعل منها محور القصص ثلاث هى ( ترتران الترسكوني ) و (ترتران فى جبال الألب ) و (ميناء ترسكون ) فخلق منه أنموذج
- 35 -

حيا لذلك النوع من الناس الذين لايعرفون غير الثرثرة والزهو وإدعاء البطولة والبأس والقدرة على عظائم الأمور بينما هم قوم مساكين يسخر منهم الناس ويستخفون بأحلامهم كما يستخفون ويسخرون ممن نسميهم فى لغتنا العربية العامية المعبرة ( الفشارين ) أو ( النتاشين ) وترتران من سكان جنوب فرنسا مقاطعة ( البروفانس ) التى تقع غرب الجزء الجنوبى من نهر" الرون " وقصته ماهى إلا قصة فشار يعتقد أنه من قتلة الأسود فيبحر ذات صباح إلى الجزائر بشمال افريقيا ليصطاد عددا منها ثم يعود فخورا مذهوا مع أنه لا يحمل غير جلد أسد واحد أعمى أصيب بكساح من النقرس ومات فى إحدى الحظائر ثم رحل مره أخرى لينافس السويسريين فى تسلق الجبال الشاهقة المغطاه بالثلوج فكانت له مغامرات تضحك الثكلى فوق ( اليونج فراو) و( الجبل الأبيض ) وقد أودع دوديه هذه المغامره قصته (ترتران فى جبال الالب ) وعاد ترتران من جبال الألب ولكنه لم يمكث طويلا ببلدته حتى وقع فريسة لرجل واسع القدرة فى النصب والإحتيال فأوهمه بوجود جزيرة غنيه بثرواتها فى ( البولينيزيا ) ودعاه إلى أن يصطحب معه جميع سكان تراسكون ليحتلوا تلك الجزيرة ولكن الترسكونيين لم يكادوا يلقون مرساهم على الجزيرة الموعودة ، وعلى رأسهم زعيمهم النابه ، حتى هالهم ما رأوا ... جزيرة جرداء لا يسكنها غير نفر من المتوحشين آكلي لحوم البشر ولم يشأ ترتران أن يترك اليأس يتطرق إلى نفسه الباسلة فإشترى هو الجزيرة ، - التى لم يكن – دوق - مون - قد إشتراها كما زعم - بيرمل من الروم قدمه الى ملكها المتوحش ثم إحتل الجزيرة ونصب نفسه ملكا وتزوج من بنت الملك المتوحش الشديدة الشبه بالقردة حتى فى اتخاذها أغصان الأشجار مأوى لها ولكن ترتران مع ذلك راض مغتبط فهاهو ملك وزوج لبنت ملك إلا أن هذا الحلم لم يستمر فقد ظهرأن الجزيرة ملك للإنجليز .
و صدفة أن مرت بشاطئها طرادة إنجليزية لمحت علم ترتران يرفرف فوق دار ملكه فدهمت الجزيرة ومن فيها وقادت الجميع أسرى إلا أن القضاء القاسي لم يترك
- 36 -

ترتران إلى حلمه الأخير ولقد صور له خياله أنه مثل نابليون الذى وقع أسيرا بيد الإنجليز والذى إتخذ له سكرتير يملي عليه ذكرياته فى منفاه فتخيل ترتران أنه مثله وطابت له الفكره الخيالية لكن حتى هذا الحلم إنتهى بتسلم السلطات الفرنسية بطلنا لتعاقبه بالسجن وقد تنصل الترسكيون من الجريمه وإتهمو ترتران بالنصب والإحتيال وبإنتهاء هذه المغامرة تنتهى حياة ترتران بعد أن خلدت صورته فى خيال البشر ترتران الفشار النتاش وقد أودع دوديه هذه المغامرة تحت عنوان( ميناء تريسكون )
نموذج الملك لير- شكسبير

وليم شكسبير لم يخلق من العدم قصه ذلك الملك البائس الذى جرد نفسه من كل مايملك بعد أن أثقلته الشيخوخة ليعطيه لبنتين متملقتين منافقتين شريرتين ويحرم البنت الثالثة الوفية المخلصة الحيية كما لم يخلق من العدم قصه دوق جلوستر الذي إستطاع إبنه غير الشرعى أن يسلبه مايملك وأن يحرم أخاه الشرعي من ذلك الميراث فقد كانت القصة الأولى من بين الأساطير الشعبية التى تناقلتها الأغانى بل وذكرها المؤرخون عند الحديث عن تاريخ انجلترا القديم كما وردت القصة الثانية فى اركاديا " السيرفيليب سدنى " حيث طالعها بلا ريب شاعرنا العبقري، لم يخلق اذا وليم شكسبير هاتين القصتين ولكنه خلق ماهو أروع منهما ونعنى به تلك الشخصيات الخالدة التى صورها فى مسرحيته وبخاصة شخصية لير بملامحها النفسية وقسماتها الأخلاقية وما تطرحه من حكم عميقة تبدو جنونا لإنفصام الرابطة بينهما ولكنها منفردة كنور من العقل لايخبو لها ضوء وإستكمالا لمصير هذا الرجل ذى الغفلة فإن إبنتيه اللتين ذهبت كلا منهما بنصف ملكه على أن تستضيفه شهرا بالتناوب هو وحاشيته المؤلفة من مائة فارس ولم تلبثا هاتان البنتان أن تنكرتا له وأذقناه مر الهوان حتى إنتهى به الأمر بعد أن أيقن أن كلتيهما فى الشر سواء ، إلى هجرهما معا والإنطلاق وسط الطبيعة التى صارت بها تلك الليله عواصف قلما رؤي لها مثيل ومعه مضحكه الذى يرسل صوت العقل الهادئ وسط صخب الزوابع ، ومعه رجل منقطع النظير فى
- 37 -

التضحية والوفاء هو ( ايرل كنت ) الذى تنكر فى ثوب خادم لكى يستطيع مصاحبة الملك المسكين فى رحلة بلواه وآوى الجميع إلى كوخ يتقى به شر الأعاصير ورأى الرجل الوفي ( ايرل كنت ) أن ينجو بالملك المسكين إلى أرض أمينة فإحتال حتى نقله إلى ميناء دونر ليكون على مقربة من فرنسا التى كانت كورديليا إبنته المخلصة الصادقة قد تزوجت من ملكها ومن دونرسافرايرل كونت إلى فرنسا حيث أخبر كورديليا بما قاساه أبوها من محن وإستطاعت هذه البنت الخيرة أن تقنع زوجها بأن يسير معها جيشا يرد إلى أبيها كرامته وينزل بإبنتيه الحانثتين ما يستحقانه من عقاب ولكن القضاء الذى لايريد - لحكمة نجهلها - أن ينتصر الخير دائما على الشر لم يمكن كورديليا مما أرادت فانهزمت جيوشها ووقعت هى نفسها أسيرة وظلت فى السجن حتى أسلمت روحها الطاهرة ومع ذلك فان نفس القضاء العادل يطلق للبنتين حبل الاثم فانهما لم تلبثا أن تنكرتا لزوجيهما كما تنكرتا من قبل لأبيهما وقد وقعتا معا فريسه لذلك الشيطان المارد ( ادموند ) إبن جلوستر غير الشرعى الذى أغراهما بحبه فسقطتا فى غوايته وما أن مات زوج – ريجان - وأرادت هذه المرأة الشريرةأن تتزوج من ادموند حتى عصفت الغيرة بأختها جونريل فاغتالتها بالسم ظانه أنها ستنفرد بإدموند ، ولكن القضاء لم يقف عن ملاحقتها هى الأخرى ، فقد اكتشف زوجها خيانتها وألقى بها فى السجن حتى لقيت حتفها بل لقد لقي ادموند نفسه مثل هذا المصير بعد أن ظن أنه قد وصل الى عرش انجلترا وشاء القدر أن يكون هذا العرش نصيب دوق البانى زوج جونريل الذى كان أقل الجميع إسرافا فى الإثم وأقربهم إلى سلامة الضمير خلال تلك المحنة الطويلة التى قاساها – لير – والتى لم يخلصه منها سوى الموت الرحيم ، حقا لقد كفر الإثم فى هذه المسرحية الخالدة عن سيئاته ، ولعل فعلا الذى يدهشنا هو كيف استطاع شكسبير العبقري أن يحملنا على أن نأسو لآلآم لير المسكين ومحبته الكاوية بعد أن جابهنا به فى مطلع المسرحية رجلا غافلا أحمق سىء التقدير ضعيف البصر ، وتلك هى المعجزة وإن يكن سرها غير بعيد المنال .
- 38 -

نموذج روبنصون كروز .... الكاتب الانجليزى دانيل فوفد

يقول المؤرخون أن الكاتب الإنجليزى دانيال فوفد استقى موضوع قصته الخالدة التى عرض فيها شخصية روبنصن كروزو من حادثة تاريخية وقعت بالفعل وهى حادثة البحار الايقوس ( سالكرك ) الذى ألقاه الربان (سترلنج ) فى جزيرة جوان فرننديز المقفرة المهجورة فى عام 1705حيث عاش البحار المسكين أربعه أعوام فى عزلة تامة وروبنصن يرمز لغريزة انسانية عميقة فى الطبيعة البشرية ونعنى بها غريزة الرحيل هروبا من الهيئة الإجتماعية ابتدأ روبنصن مغامراته الشهيرة بالهرب من أهله حيث قام بعدة رحلات على ظهر السفن ولاقى فى تلك الرحلات أهوالا كثيرة ولكنه أصر على عناده إلى أن انتهى به الأمر بالنزول فى البرازيل حيث إشتغل بالزراعه وجمع ثروة ليست بالقليلة ورغم ذلك رحل مستقلا سفينه مقلعه إلى غيانا وإذا بالعاصفة تهب فتلقى بالسفينه إلى مصب نهر الاودنو ويتبدد ركابها اللذين لم ينجا منهم غير روبنصن الذى القته الأمواج على شاطئ جزيرة ، وفى هذه الجزيرة عاش روبنصن ثمانية وعشرين عاما اعاد فيها تاريخ الحضارة لمخترعاتها وكفاحها وإنتصاراتها على قوى الطبيعة ووسائل الحياة ورغم نشوى الخلاص من الهلاك إلا أنه وجد نفسه فيها وحيدا وسط جزيرة لايسكنها أحد ونظر روبنصن فوجد أنه لايحمل معه غير سكين وغليون وقليل من التبغ وتلك معدات لا تغنى وانتهى به الأمر إلى تسلق شجرة تمدد فوق أغصانها فى انتظار الموت لكنه تذكر أن السفينة التى تحطمت قد القتها الأمواج على الشاطئ والقت مابها من أدوات وعدد ومعدات وفى الصباح أخذ يتفقد ماعلى الشاطئ المهجور من عدد وأدوات ويتخير من بينها أكثرها نفعا له وعونا على الخلاص وكان فى مقدمه ماحرص عليه الزاد العاجل ثم الآلات الميكانيكية وأخفها صندوق البحار وأشحذ تفكيره للإختراع والعمل والتنظيم فى مصارعة الطبيعة وتسخيرها لحياته المعلقة بكف القضاء فأشاد اقامته ومآواه كأول مرحله لإستقرار الحياة وسلامتها وقام بحفر الصخروإقامه خيمته بداخله
- 39 -

وأحاط الخيمة بسياج هى قطع الخشب الذى صفه فى ثلاث صفوف ولم يجعل لهذا السياج بابا حتى لايقتحمه عليه شئ ولااحد بل اتخذ لتسلقه سلما صغيرا يدليه ويرفعه بحبل وينقله من واجهه إلى أخرى ولم يكد ينتهى عام حتى كان روبنصن قد نظم حياته وأصبح يملك كلبا وقطتين ونسخة من الكتاب المقدس وإتخذ من هذه المجموعةالثلاثيه رفاقه الدائمين واعتاد صيد العنز وإصطنع قلما ومحبرة لتدوين خواطره وتطورت خواطره فأصبحت يوميات لم يدرى هو نفسه لمن كان يكتبها وقد إنقطعت صلته بالبشر ، يوميات روبنصن كنز لايفنى ، وأهميتها إلى أنه بتلك اليوميات نستطيع أن نستنتج مدى الجهد الذى بذلته الإنسانيه الأولى فى إختيار أو صنع مايبدو لنا الآن تافها من الأشياء التى نستخدمها كل يوم وفى أحد الأيام ،ثم تعرض لحادث خطير هو إصابته بالحمى وشعوره بالألم وخوفه من الموت وكانت تلك الحادثه سبب فى إستيقاظ روحه النائمة فمنذ ذلك اليوم أخذ روبنصن يفكر فى الأرض التى تحوطه وفى نفسه وسر وجوده وسرعان ماقاده هذا التفكير إلى وجود الله خالق كل شئ والمسيطرعلى كل شئ وفى الصباح الباكر أخذ روبنصن الكتاب المقدس وإبتدأ فى قرائته قراءة دقيقة منتظمة وكلما أمعن فى القراءة تسللت الطمانينة إلى قلبه وإنتشرت روح الرضا فى جوانحه وإذا به يسمو فوق الحياة ويجد فى الله سندا لايركن اليه الا وجده جواره فأخذ يضع الخطط الواسعة لإستكشاف الجزيرة وإستعمارها حتى أصبح وكانه ملك عليها ومع ذلك فاننا نراه يفزع من مجرد التفكير فى الإنسان وإحتمال لقياه حتى تاتى الصدفة الغريبة وربنبصن يلمح فى أحد الأيام على الشاطئ خمس زوارق فيقترب منها واذا بها قد افرغت حمولتها واذا بهذه الحموله جموع من المتوحشين إجتمعوا حول النار ليشووا لحما بشريا أخذوا فى إعداده لطعامهم وإذا بعبد معد للشئ يفلت منهم ويعدو ملء رجليه فأخذ روبنصن يلاحقه فى العدو حتى استطاع أن يلحق به وأن يستأنسه وإذ به عبد لطيف وديع ليس فيه ما يدعو الى النفرة غير ما اعتاده من أكل لحم البشر ، ودرب روبنصن عبده على كافة الأعمال واتخذ
- 40 -

منه رفيقا سماه جمعة وجعل منه تلميذا يطبق عليه كل ما هدته اليه عبقريته من مناهج التدريس حتى لقد وصل به إلى إدراك وجود الله وإيقاظ الضميرالمستقرفى أعماقه وسرعان ما إرتفع جمعة الى مستوى روبنصن نفسه فأصبح ندا له ورفيقا بل أخا وهنا أحس روبنصن بأنه قد وصل إلى قمة السعادة ، ولكن السعادة بطبيعتها قصة قصيرة العمر حيث تمر سفينة إنجليزية بالشاطىء ويصعدا روبنصن وجمعه عليها لتعود بهما الباخرة إلى انجلترا بعد أن خلفوا فى الجزيرة نفرا من البحاره استعمروها والحقوها منذ ذلك التاريخ بممتلكات التاج البريطانى ، وهكذا غادر روبنصن جزيرته وكأنه قد غادر بهجة الحياة ، وشعر فى حياته الجديدة فى انجلترا أنه غريب وكل ما يحوطه من بشر وما يغمره من مجتمع لم يزده إلا وحشة على نحو ما يزداد إحساسنا بالصمت كلما اشتد من حولنا صخب بحرهائج .
وأخيرا وليس آخرا لمدى عظمة تلك النماذج البشرية التى قدمها لنا شيخ النقاد بحق ( د. محمد مندور ) ، إن أهمية هذا الكتاب لأى مبدع قبل أن يكون لأى باحث وناقد من وجهة نظري هو القدرة الفائقة والغائرة فى التحليل (السيكو بيوجرافي ) والإستقصائي لأدق الملامح والتفاصيل لطبيعة النفس البشرية وهو ما يجعلنا نصمت طويلا لنتأمل جيدا عن مدى وروعة صنع تلك الشخصيات والتفكير بإمعان فى سر شهرتها العالمية أظن وأعتقد أن السر وراء ذلك غوص بعيد المرمى والهدف والعمق لفهم تلك النفس البشرية ، تلك النفس التى مهما تناولتها كل الروايات ، والقصص ، والحكايات على مر السنين ، هى نفس غامضة ، حائرة ، بما تصنع بها الأقدار ، وبما تضيفه هى من رد فعل لمواجهته سواءا كان هذا الرد حاسما أو متراخيا ، فى أى الأحوال وكل المقدرات لكن فى النهاية إن أبطال قصتنا يجعلونا نندهش ، ونثور ، ونبكى ، ونفرح ونتألم ، حتى نشعر فى نهاية الأمر بالمتعة ، والإنحياز لهذا العمق الإنساني الذى إنتصرعلى كل جوانحنا ، وملأنا بالبكاء



- 41 -

والضحك اللذان يمتزجان فى إعجاب مؤثرللغاية ، ودائم التأمل لتلك الروح الإنسانية الحائرة على الدوام .



#هدى_توفيق (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في قصص مختارة لهدى توفيق
- النساء في المناطق المهمشة تطبيقا على واقع بني سويف
- قصة للأطفال للكاتبة هدى توفيق بعنوان هناء وشيرين
- قراءة في مجموعة قصصية للكاتبة هدى توفيق بعنوان (كهف البطء)
- قراءة في مجموعة قصصية للكاتبة هدى توفيق بعنوان (مذاق الدهشة ...
- زغرودة تبطل مفعول قنبلة قصة قصيرة
- قصة قصيرة بعنوان السلام يعم الغابة
- فأر الذاكرة الذي ابهجني وأبكاني في كأنه يعيش
- مفتاح الفردوس في رواية صانع المفاتيح
- شخص كان هنا أم محكيتان عن الجدة هو المسمى الأفضل
- تغريدة الشجن والحب والموت
- الجانب المعرفي في رواية دموع الإبل
- متعة القراءة بالعامية في النص الروائي
- دراما السياسة وفيولا في رواية فيوليت والبكباش
- التباين في الخط السردي في رواية خمس نجوم
- نصف ضوء وعالم النساء المهمش
- مفردة التخييل بين الفن والمصادرة
- أصوات الواحة التي ألهمتني
- نحو عالم محمد ناجي
- كيف قرأ عبد المنعم تليمه كتاب {في الشعر الجاهلي }


المزيد.....




- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق
- الكاتب الأوكراني أندري كوركوف: أعيش زمن الحرب بجوارحي وأكتب ...
- مكتبة البوابة: -الصريم- روايةٌ بنكهةِ الأصالةِ
- -الاستبدال الكبير يقع بأعماق البحر أيضا-.. ضجة مستمرة بعد لع ...
- روسيا وأوكرانيا: إلغاء حفلات روجر ووترز في بولندا وسط رد فعل ...
- استشهاد شيرين أبو عاقلة في سجل توثيقي جديد لمؤسسة الدراسات ا ...
- المخرج الإيراني أصغر فرهادي يدعو للتضامن مع مواطنيه المتظاهر ...
- عاجل| الخارجية الإيرانية: استدعاء سفير بريطانيا في طهران على ...


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - النقد القصصي عند الدكتور محمد مندور في كتابه النقدي (نماذج بشرية )