أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هدى توفيق - كيف قرأ عبد المنعم تليمه كتاب {في الشعر الجاهلي }















المزيد.....

كيف قرأ عبد المنعم تليمه كتاب {في الشعر الجاهلي }


هدى توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4849 - 2015 / 6 / 26 - 13:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كيف قرأ عبد المنعم تليمه كتاب (في الشعر الجاهلي):


من الكتب التي ستظل مثار الإهتمام والجدل هو كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي، فرغم مرور أكثر من ثمانين عاما على صدور هذا الكتاب سنة 1926، إلا أنه يعتبر من الكتب الخالدة في تاريخ النقد الحديث. لأنه يفتح السبل أمام النظر وإعمال العقل وأمام البحث كما أشار الدكتور عبد المنعم تليمة في المقدمة والدراسة لهذا الإصدار الذي به النص الأصلي، الذي تم مصادرته عند نشره في المرة الأولى، ملحق بالكتاب أيضا قرار النيابة في قضية كتاب في الشعر الجاهلي محمدنور رئيس نيابة مصر. وقبل الخوض في مقدمة ودراسة د/ تليمة، التي تعتبر من أهم الدراسات التي وضحت وفسرت أفكار الكتاب بشكل نقدي أكاديمي علمي كما يجب التعامل مع قيمة هذا الكتاب الهام للغاية. لذا لابد أن نعرض ولو بشكل موجز الأفكارالأساسية التي من أجلها في حينه ثارت حوله حركة واسعة من النقد حملت د/ طه حسين أن يحذف منه سطور، وبعيد نشره في السنة التالية 1927 تحت عنوان في الأدب الجاهلي يقسم الكتاب على ثلاثة فصول، كل فصل يحوي عدد من الفصول، الفصل الأول مناهج البحث، والفصل الثاني أسباب انتحال الشعر، والفصل الثالث الشعر والشعراء.
الفصل الأول :يوضح ما أجمع عليه القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس، على أن طائفة كبيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام وقالت كثيرا من الشعر. وأن لهم أسماء معروفة، محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس ولا يكادون يختلفون فيها! فمازال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية وإلى عاربة ومستعربة، ومازال أولئك من جدهم وهؤلاء ولد اسماعيل. وأول شئ يطرحه هذا البحث هو التشكك في قيمة الشعر الجاهلي، وأن الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلي ليست من الشعر الجاهلي في شئ، وما نقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم، ليس من هؤلاء الناس في شئ، وإنما هو انتحال الرواة أو إختلاف الأعراب أو إختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين، ولا ينبغي أن نستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وإنما ينبغي أن نستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله، وأن مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن، لا في الشعر الجاهلي. استخدم الكاتب منهج ديكارت الذي يعني البحث عن حقائق الأشياء والقاعدة الأساسية لهذا المنهج هو أن يتحرر الباحث من كل شئ يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما.
لا ينكر الكاتب وجود الحياة الجاهلية، وإنما ينكر أن تمثلها هذا الشعر، الذي يسمونه الشعر الجاهلي وإذا أردنا أن ندرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، فلندرسها في القرآن. وفي شعر الذين عاصروا النبي وجادلوه كما في الشعر الأموي، التي تعتبر من الأمم القديمة التي إستمسكت بمذهب المحافظة في الأدب، ولم تجدد فيه إلا بمقدار، فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق، وجرير وذي الرُّحة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ بشر ابن أبي حازم. لا شك أنها مقولة غريبة حين نسمعها، ولكنها بديهية وحقيقة حين نمعن في مضمونها، فليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدا على العرب. فلو كان كذلك لما فهموه، ولا آمن بعضهم وجادله البعض الآخر، إنما كان القرآن جديدا في أسلوبه، وفيما يدعو إليه، ولكنه كان كتابا عربيا لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره أي في العصر الجاهلي، فالقرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب، ونحل وديانات آلفها العرب، ويقدم الكاتب العديد من الشواهد القرآنية التي توضح حياة العرب كمثال وصف القرآن لعنايتهم بسياسة الفرس والروم، وهو يصف إتصالهم الإقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس. وهذا يؤكد أن الشعر الذي كان لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه يتفق الرواة أن العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية منازلهم الأولى اليمن وهم في الحجاز قد اكتسبوا العربية اكتسابا (وهي العرب المستعربة) التي يتصل نسبها بإسماعيل ابن ابراهيم، وهما لغتان متمايزتان ومختلفتان تماما. وأن قصة عودة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة بها، ما هو إلا حيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى. والشئ الذي لا شك فيه هو أن ظهور الإسلام، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة المتينة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين، ديانة النصارى واليهود. فقريش كانت مستعدة لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح، نتيجة لنهضة تجارية واسعة، والمنافسة الدينية بين مكة وبين الكنيسة التي أنشأتها الحبشة في صنعاء التي دعت إلى حرب الفيل التي ذكرت في القرآن، فقريش كانت تبحث لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية التي تتحدث عنها الأساطير، وتقاوم بها تدخل الروم والفرس والحبشة وديانتهم في البلاد العربية فما الذي يمنع قريشا من أن تقبل الأسطورة، التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل ابن إبراهيم وهي قصة حديثة العهد، ظهرت قبيل الإسلام، واستعملها الإسلام لسبب ديني وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضا، وأن الشعر الذي يسمونه جاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية لأن أغلب هؤلاء الشعراء الذي ينسب إليهم هذا الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن وإلى القحطانية في الجاهلية، لا نجد فرقا بينه وبين شعر العدنانية، بل لا نجد فرقا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن. وهذا معناه أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام، ليس من القحطانية في شئ، لم يقله شعراؤها وإنما حمل عليهم بعد الإسلام لأسباب مختلفة، والملاحظ الغريب في نفس الوقت أننا نلاحظ أن العلماء، قد اتخذوا هذا الشعر الجاهلي مادة للإستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث ونحوهما ومذاهبهما الكلامية، حتى أنك تحس كأن هذا الشعر الجاهلي، إنما قدم على قدر القرآن والحديث دون زيادة أو نقص. رغم الاختلاف البين بين القبائل من عدنان (ربيعة قيس وتميم) وقحطان في اللغة واللهجة والمذهب الكلامي.
لم يكن الانتحال مقصورا على العرب، بل كان موجودا في الأمة اليونانية، والأمة الرومانية وانتحل الشعر في الأثنتين المذكورتين أيضا.
إن الدين والسياسة من أهم المؤثرات التي دعت إلى انتحال الشعر – في بداية الأمر كان الجهاد بين النبي وقريش خالصا، يجادلهم ويقارعهم بهذه الآيات المحكمات، فما أن إنتقل النبي إلى المدينة أصبح الجهاد دينيا وسياسيا وإقتصاديا، أصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا على الإسلام حق أو غير حق، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية على أقل تقدير لمن تذعن، والطرق التجارية لمن تخضع، فقد نشأت بعد الهجرة عداوة بين مكة والمدينة، اصطبغت هذه العداوة بالدم يوم إنتصر الأنصار في بدر، ويوم إنتصرت قريش في أحد، وقد إشترك الشعر في هذه العداوة مع السيف، فقد كان الأنصار يكتبون هجاءهم لقريش ويحرصون على ألا يضيع، بينما قريش كان حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام، وبشكل خاص من هذا الشعر الذي يهجي في الأنصار وزادت العصبية لبني قريش والأنصار خاصة بعد أن أصبحت الخلافة في بني أمية أي قريش، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب، وقد أثر ذلك تأثيرا كبيرا في الشعر والشعراء، حتى تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم ومجدها رفيعا بعيد العهد. وسنورد مثل واحد من أمثلة عديدة ذكرها الكاتب للاستدلال على صدق ما يُقال:- يحدثنا محمد بن سلام في كتابه (طبقات الشعراء) أنه يرى أن طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص من أشعر شعراء الجاهليين وأشدهم تقدما، يرى أن الرواة لم يحفظوا لهذين الشاعرين إلا قصائد عشر، وقد شق على الرواة أو غير الرواة ألا يروي لهذين الشاعرين إلا قصائد عشر، فأضافوا إليهما ما لم يقولا وحمل عليهما كما يقول ابن سلام حمل كثير.
إن هذا الإنتحال في بعض أطواره يقصد به إلى إثبات صحة النبوة، وما كان يروي من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهد لبعثة النبي، وكل ما يتصل به من هذه الأخبار والأساطير التي تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم أحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة بني عربي يخرج من قريش أو من مكة. وكان يوجد لونا آخر من الشعر المنتحل أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن والغرض منه هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شئ، والقصاص المنتحلين قد إعتمدوا على الآيات التي ذكرت فيها الجن ليخترعوا ما اخترعوا من شعر الجن وأخبارهم المتصلة بالدين، وقد إعتمدوا على القرآن أيضا فيما رووا، وإنتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الأحبار والرهبان.
ونوع آخر من تأثير الدين في إنتحال الشعر، وذلك حين ظهرت الحياة العلمية عند العرب بعد أن إتصلت الأسباب بينهم وبين الأمم المغلوبة. فأرادوا أن يدرسوا القرآن درسا لغويا ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه لإثبات أن القرآن كتاب عربي، فحرصوا على أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشئ من شعر العرب، يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلى الشك في عربيتها، أيضا القصاص كان بمثابة أداة سياسية كالشعر، وذلك أن الأحزاب السياسية على اختلافها كانت تصطنع القصاص ينشرون لها الدعوة بين طبقات الشعب على إختلافها وأن هذا القصص كان يستمد قوته من مصادر مختلفة أهمها أربعة: الأولى: مصدر عربي هو القرآن، الثاني: مصدر يهودي نصراني، الثالث: مصدر فارسي، الرابع: مصدر مختلط الذي كان يمثل بقية العامة غير العربية من أهل العراق والجزيرة والشام. وتعدد تلك المصادر التي تمد القصاص، خليق به أن يكون موضوعا، وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك بالإضافة إلى الشعوبية التي كانت فرقة من سبي الفرس، قد إستعرب وأتقن العربية، وإستوطن الأقطار العربية الخالصة، حتى أصبح هذا الشباب الفارسي الناشئ يحاول نظم الشعر العربي على نحو ما كان ينظمه شعراء العرب بل وشاركوا العرب في أغراضهم الشعرية السياسية، ولم يكن هؤلاء الموالين مخلصين للعرب حقا، إنما كانوا يستغلون هذه الخصومة السياسية بين الأحزاب ليعيشوا من جهة أو ليشفوا ما في صدورهم من غل وضغينة للعرب وإعتزاز بمجدهم القديم. حتى تطورت الشعوبية بعد سقوط الأمويين وقيام سلطان الفرس على يد العباسيين إلى البحث والجدل في أنواع العلم، ولعل أصدق مثال لهذه الخصومة العنيفة بين علماء العرب والموالي، هذا الكتاب الذي كتبه الجاحظ في البيان والتبيين وهو كتاب (العصا)، وأصل هذا الكتاب أن الشعوبية كانوا ينكرون على العرب الخطابة وكان الرواة بين اثنتين، إما أن يكونوا من العرب، وإما أن يكونوا من الموالي. وقد كان هذا من أهم المؤثرات التي عبثت بالأدب العربي هو مجون الرواة وإسرافهم في اللهو والعبث، وإنصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق، وأهم مثالين على ذلك حماد الراوي زعيم أهل الكوفة في الرواية والحفظ أيضا، وخلف الأحمر زعيم أهل البصرة في الرواية والحفظ أيضا، وليس منهم إلا من إتهم في دينه ورمي بالزدنقة يتفق على ذلك الناس جميعا وأيضا من العجيب أنه هناك رواة لم يعرفوا بفسق ولا مجون ولا شعوبية قد كذبوا وإنتحلوا، فأبو عمرو بن العلاء يعترف بأنه وضع على الأعشى بيتا. وهذ يوحي بأن كل شئ في حياة المسلمين في القرون الثلاثة الأولى كان يدعو إلى انتحال الشعر في الحقيقة كوسيلة من وسائل الكسب أيضا. ولعل أقدم الشعراء الذين يروى عنهم شعر كثير، ويتحدث الرواة عنهم بأخبار كثيرة فيها تطويل وتفصيل هو امرؤ القيس وكان يعرف بالملك الضليل أو بذي القروح. وامرؤ القيس هو رجل من كندة وهي قبيلة من قحطان وهي قبيلة يمانية، ويؤكد مفكرناالكبير طه حسين إن امرؤ القيس إن يكن قد وجد حقا، ونحن نرجح ذلك ونكاد نؤمن به، فإن الناس لم يعرفوا عنه شيئا إلا إسمه هذا وطائفة من الأساطير والأحاديث التي تتصل بهذا الإسم، وأكبر الظن أن الذي أنشأ هذه القصة ونماها، إنما هو هذا المكان الذي إحتلته قبيلة كندة في الحياة الإسلامية منذ تمت للنبي السيطرة على البلاد العربية إلى أواخر القرن الأول للهجرة، وإن شعر امرئ القيس ما هو إلا شعر إسلامي لا جاهلي قيل وانتحل من أجل تعزيز الأسرة الكندية وتتصل في الأساس بقصة عبد الرحمن ابن الأشعث – فامرؤ القيس هو الملك الضليل حقا. وسنكتفي بامرئ القيس كمثال واضح على تلك الحقيقة وتشير دراسة د/ عبد المنعم تليمة العميقة المأخذ، أن الأساس في هذا العمل الخالد، ليس قضية الانتحال للشعر الجاهلي التي تزلزل قاعدة ثقافية مهمة أي الشعر الجاهلي التي من الممكن أن تنسحب إلى موروثات هامة. وإنما هو التصدي للمحاور الكبرى في التاريخ العربي بعامة، والتاريخ الأدبي واللغوي بخاصة: من العرب؟ وما تاريخهم؟ وما تاريخ لغتهم وأن إجابة طه حسين على هذه الأسئلة توضح مدى وعيه بفلسفات التاريخ التي نمت نموا كبيرا في القرن التاسع عشر، وبالنتائج المبكرة لعلوم اللغة التي نهضت على أسس معرفية جديدة، وتوصلت إلى نتائج لم يعرفها العلم في حقل التاريخ للغة والأدب العربيين في العقود السبعة الأخيرة منذ صدور الكتاب إلى اليوم، وذلك من خلال هذا الكتاب هو أن القرآن الكريم يصور حيوات الجاهليين الدينية والعقلية والسياسية والإقتصادية خاصة في القرن الهجري الثاني، قرن الجمع والتدوين وأن طه حسين يسند حكمه على سند تاريخي، وهو تاريخ اللغة العربية، حيث أن لغة عرب الجنوب الحميرية كانت تختلف عن لغة عرب الشمال الفصحى في ألفاظها وقواعد عروضها ونحوها. وهو لهذا يشك فيما نسب إلى شعراء الجنوب الجاهليين من شعر لغة الشمال. بل يؤكد د/ تليمة أن الشك في بعض الشعر الجاهلي قديم، مثل ابن هشام صاحب السيرة النبوية – القرن الهجري الثاني. ابن سلام الجمحي في القرن الثالث كتاب طبقات فحول الشعراء والمستشرقين في القرن الماضي والحالي، حيث بدأ الأمر في عمل{ آلور} ثم {نولدكه}، وبلغ قمته في مقال مرجوليوث الذي نشره في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية سنة 1925، قبل سنة واحدة من نشر كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي واجتهاد علماء عرب محدثون قبل طه حسين وبعده مثل مصطفى صادق الرافعي في كتاب{ تاريخ آداب العرب }القاهرة سنة 19011 أن أهم ما يريد توضيحه د/ تليمة في تلك الدراسة وتلك الوقفة أن كتاب طه حسين لم يكن مداره مسألة الانتحال وحدها. إنما كانت واحدة من مسائل عديدة في غاية الأهمية ثم طرحها في التاريخ الأدبي والبحث المقارن ونقد النصوص وأيضا في أصول المناهج وأبنية الثقافات والحضارات عامة، فمسألة الانتحال ذاتها قد تطورت في عمل طه حسين نفسه بعد كتابة ذاك وفتحت آفاق جديدة لدرس الشعر الجاهلي وتذوقه.
الوقفة الثانية: يوضح فيها د/ تليمة أن الشك بذاته ليس منهجا، إنما هو إخضاع ما تواتر من معارف ومعلومات وأقوال للتحقيق والتحليل والنقد والتنوير كمطلب أولي في كل المناهج الحديثة. وعندما نص طه حسين على تأثره بديكارت إنما كان يقصد الأصول العامة للفكر الحديث من إعمال للعقل واعتداد بالعلم لأن طه حسين كان يؤمن بأن الأصول الفلسفية للعلم القديم إنما تلتمس في عمل أرسطو. وبأن الأصول الفلسفية للعلم الحديث إنما تلتمس في عمل ديكارت بعد هاتين الوقفتين نجد أنفسنا في قلب القضايا الكبرى التي درسها طه حسين في كتابه، وهي على ثلاثة محاور: العرب في التاريخ، واللغة العربية بين اللغات، والأدب العربي وبواكيره الأولى.
وأخيرا لابد أن نذكر قضية محورية بالغة الأهمية تحدث عنها د/ عبد المنعم تليمة بالتفصيل في دراسته الثرية، وهي الإضطراب الشديد للقدماء والمحدثين جميعا في تحديد لغة العرب، ولفظ اللغة العربية، فأهل اليمن عرب والأنباط عرب عند أولئك وهؤلاء وأنه برغم التقدم العلمي الذي نما في العقود السبعة الأخيرة، لم يحسم هذا التقدم العلمي حتى الآن مسألة أصل العرب السلالي وتاريخهم العتيق، أما طه حسين فقد نص على غموض أهل العرب، ومع ذلك نراه يقطع في كتابه بأمور تتصل بلغتهم العربية، وأدبهم العربي، بما لا يتفق مع ذلك الغموض. وهناك وجهتين في الأصول التاريخية والسلالية واللغوية لذلك العالم القديم، تقول أن العرب سلالة حديثة بين سلالات العالم القديم، بينما يذهب أصحاب الوجهة الثانية إلى أن الجزيرة العربية كانت البيئة التي خرجت منها الأقوام الأولى التي نزحت إلى بلاد بين النهرين والشام واختلطت بمن كان بها من مجموعات مكونة شعوبا وأمما جديدة، لكن ظل أصلها العتيق عربيا ويمكن أن نسمي هذه الشعوب (عربية – سامية) كما أكد بعض الدارسين منهم{ كيون كيتاني} و{ساباتينو موسكاتي} و{جواد علي }وغيرهم. وهذا ينفي مقولة عزلة العرب قبل الإسلام، ويجعل من شبه الجزيرة العربية بيئة أساسية في العالم القديم منذ عرف له تاريخ سواء خرجت الأقوام الأولى منها أو وفدت إليها وهذه النتيجة عظيمة الأهمية في التأريخ للغة العربية، وللأدب العربى .

عرض : هدى توفيق

المصدر :فى الشعرالجاهلي
للمفكر الكبير :طه حسين
المقدمة والدراسة :
د /عبد المنعم تليمة



#هدى_توفيق (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكاية اليهود
- الأراجوز يتحدث لنا
- أحلام شهرزاد
- كوميديا الحكم الشمولي
- عبق الأمل في مجموعة روح الفراشة
- تأثير الدين على الابداع
- يوتوبيا سيد قطب الدرامية
- الماضي والراهن :حول كتابات محفوظ التاريخية
- محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا
- ازدواجية المتعة في عالم نجيب محفوظ الروائي بين القراءة والفر ...
- عداء بنى اسرائيل لمصر وفلسطين
- كارثة النشر الخاص
- جدل الواقع فى مجموعة مدينة طفولتى للكاتب طلعت رضوان
- عيسى الدباغ والثورة المضادة
- مجموعة أرنى الله لتوفيق الحكيم
- خلوة الكاتب النبيل
- حاذث النصف متر تجاوزكل الأمتار
- العداء العبرى لمصر وفلسطين
- مقال عن أكابيلا ايدا وماهى
- إلى زكي مراد


المزيد.....




- زيلينسكي يعلن حظر نشاط المنظمات الدينية المرتبطة بروسيا
- إعلامي مصري مشهور يعلق على منع الأجانب من شرب الخمر في قطر و ...
- الاعلام العبري: أنباء أولية عن انفجار قنبلة بالقرب من مطعم ف ...
- مشككا في مكان دفن والده.. نجل بن لادن يكشف تفاصيل جديدة بشأن ...
- المخابرات التركية تتحرك ضد الإخوان بعد لقاء السيسي وأردوغان ...
- شاهد- لغز دوران الأغنام يتكرر في الأردن ومجلس الإفتاء يجتمع ...
- محادثة عنصرية تدفع -الأم الروحية- لولي العهد البريطاني إلى ا ...
- مشككا في مكان دفن والده.. نجل بن لادن يكشف تفاصيل جديدة بشأن ...
- الحرب الروسية في أوكرانيا تصيب الفاتيكان
- قائد حرس الثورة الاسلامية اللواء سلامي: لن نسمح لاحد ان يسته ...


المزيد.....

- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هدى توفيق - كيف قرأ عبد المنعم تليمه كتاب {في الشعر الجاهلي }