أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - تمهيد أول/ قالت لنا القدس














المزيد.....

تمهيد أول/ قالت لنا القدس


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 4836 - 2015 / 6 / 13 - 14:09
المحور: الادب والفن
    


تمهيد أوّل

هي مدينتي الأولى. لم أعرف أيّة مدينة قبلها.
بعدها عرفت مدناً كثيرة، وعشت منفيّاً في مدن أخرى: بيروت، عمّان وبراغ.
أحببت هذه المدن الثلاث، التي احتضنتني ثماني عشرة سنة هي مدّة إقامتي في المنفى القسريّ، غير أنّ القدس ظلّت مدينتي التي جرّبت فيها الدهشة الأولى، دهشة الاحتكاك بالمكان الفسيح حيث تكثر حركة الناس وتتعدّد المشاهدات.
ثم إنّني ذقت فيها مرارة الحرب، شاهدت الحرب بأمّ عيني. ولم تكن الحرب هي نهاية المطاف، عرفت فيها الحبّ وانبهار القلب بفتنة الجمال. عرفت فيها المزيد من أسرار الحياة، ثم عشت فيها ذلّ الهزيمة، وحينما أبعدت منها تجرّعت مرارة الفراق.
القدس بالنسبة لي هي حاضنة الروح ومهد الطفولة والشباب.
لا يمكن أن أتصوّر تجربتي في الحياة دون أن تكون القدس حاضرة فيها تمام الحضور. في سنوات الطفولة شاهدت الناس وهم يتقاطرون من كل أنحاء فلسطين الى القدس، يتجمّعون في ساحات المسجد الأقصى، يردّدون الأغاني الشعبية والدينية، يرقصون ويحتفلون، ثم ينطلقون في موكب مهيب إلى مقام النبي موسى الذي لا يبعد عن القدس سوى كيلومترات عدّة.
شاهدت في سنوات الطفولة، المصلّين المسيحيين من أبناء القدس ومن غير أبنائها، وهم يجتازون درب الآلام نحو المكان الذي صلب فيه السيّد المسيح، يجتازون الدرب بخطى متّئدة فيما تعلو التراتيل الدينية الشجيّة، وتعبق في الجوّ روائح البخّور.
في المسجد الأقصى، كان إحساسي الأوّل بالمكانة الخاصّة للقدس. وفي كنيسة القيامة كان إحساسي الأوّل بأهميّة التعدّدية، وبأهمية التسامح والتعايش بين الأديان. وبالقرب من سورها الذي بني أوّل مرّة قبل آلاف السنين، كان إحساسي الأوّل بعراقة المدينة. وكان لي في القدس كتاب أوّل، وفيلم سينمائي أوّل، وحب أوّل، وتظاهرة سياسيّة أولى، واجتماع حزبي ثانٍ (اجتماعي الحزبي الأوّل كان في رام الله، التي لا يقلّ حبّي لها عن حبي للقدس). كانت المدينة تعلّمني بحكم نشأتها وتكوينها، وبحكم تنوّع ثقافتها وعراقة تاريخها، كيف أصبح إنساناً بعيداً عن التعصّب والانغلاق.
في شوارعها الممتدّة خارج السور وفي أسواقها المسقوفة، كنت أرى خلقاً كثيرين: أعيان المدينة ورجال الدين فيها، مثقّفيها وتجارها وموظفّيها وعمّالها وحَمّاليها، نساءها بالأزياء التقليدية، أو بالأزياء الحديثة التي ترتديها شابّات متماهيات مع إيقاع العصر، يتهادين في الأماسي الرائقة، مضفيات على المدينة رونقاً وبهاء. وكنت أرى أهالي القرى المجاورة للمدينة، نساء ورجالاً، وهم يأتون إلى المدينة لغايات شتّى، ولا يعودون إلى قراهم إلا قبيل المساء .
وثمة نساء ورجال من مختلف البلدان، يجيئون إلى المدينة للسياحة أو للحج.
في القدس، تعرّفت إلى المقهى، السينما، المكتبة، النادي الرياضي، المطعم، الفندق، المسجد، الكنيسة، الحزب السياسي، وبعض عادات الشعوب التي يأتي بها رجال ونساء من أماكن نائية.
هذه المدينة ليست أيّة مدينة وحسب. إنّها مدينة من طراز خاصّ. هي مدينتي التي تعلّمت منها، وهي التي ألهمتني كثيراً ممّا كتبت وما زالت تلهمني. لها المجد والحرية والخلاص.



#محمود_شقير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رقص/ قصة قصيرة جداً
- فراغ/ قصة قصيرة جداً
- لو/ قصة قصيرة جداً
- مفاجأة/ قصة قصيرة جداً
- غبش/ قصة قصيرة جداً
- الخالة/ قصة قصيرة جداً
- نبيذ/ قصة قصيرة جداً
- قطار/ قصة قصيرة جداً
- الطفل/ قصة قصيرة جداً
- عشاء/ قصة
- متجر/ قصة قصيرة جداً
- عري/ قصة قصيرة جداً
- مرور خاطف
- كهوف/ قصة قصيرة جداً
- الطائرة/ قصة قصيرة جداً
- الأم/ قصة قصيرة جداً
- الفتى/ قصة قصيرة جداً
- الغرفة/ قصة قصيرة جداً
- عيون/ قصة قصيرة جداً
- حالة/ قصة قصيرة جداً


المزيد.....




- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- شغف عمره 40 عاما ينتهي بحادث مروع.. تفاصيل الساعات الحرجة لل ...
- الكويت تسحب جنسيتها من أحد أبرز الكتاب والروائيين العرب
- من عاصمة البن العالمية إلى مدينة منسية.. هل ينقذ الفن المخا ...
- كائنات حية وآلات طائرة ومنحوتات غامضة.. من يقف وراء هذه الأع ...
- 4 حكايات في ليلة زفاف واحدة.. هل قال -الكلام على إيه- ما سكت ...
- بريطانيا: جوقة الأوبرا الملكية تحتفل بانطلاق مونديال 2026 بع ...
- الثقافة جسر جديد بين موسكو والرباط
- مكسيم خليل: دولة القانون هي الطريق الوحيد لسوريا القادمة
- قلعة بعلبك بلا موسيقى هذا الصيف.. لماذا تأجل أحد أعرق مهرجان ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - تمهيد أول/ قالت لنا القدس