أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - لقاء














المزيد.....

لقاء


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 4676 - 2014 / 12 / 29 - 10:28
المحور: الادب والفن
    


الوالدة العزيزة زارتني هذا المساء. أقبّل يدها كما هو الحال في كل الأوقات، وتقبّل جبيني كما تفعل كلما التقيتها بعد غياب، نسير في الساحة المضاءة التي يتوسطها تمثال الراهب المهيب، ولا نتعجل الخطى لأن الوالدة تشكو من ألم دائم في الركبتين، تقول وهي تحدق في النساء اللواتي يرتدين أقصر الثياب: يا ويلهن عند الله. ثم تحدثني عن اليهوديات اللواتي تراهن في شوارع القدس وهي ذاهبة للصلاة في المسجد الأقصى، وتقول إنهن فاجرات يتعمدن تقبيل الجنود أمام خلق الله.
نمضي أنا والوالدة نحو الطرف القصي من الساحة وأقول لها: سنذهب إلى المطعم الروسي لتناول العشاء. ترفض بإصرار، وتقول إنها لا تحب أكل المطاعم، ثم تجلس فوق مقعد خشبي على الرصيف، تخرج من صرتها رغيفاً من خبز الطابون، تقول إنها أحضرته لي خصيصاً، نأكل الرغيف أنا والوالدة، ثم تتذكر أنها أحضرت بضع حبات من الزيتون، وتقول: أبوك ما زال يزرع القمح في حقلنا الخصيب، وتقول: هل تذكر الزيتونة التي أكلت أغصانها عنزتنا قبل سنوات؟ تقول: هي الآن شجرة سامقة وبقربها عشر شجرات.
نصمت لحظات، أسترق النظر إلى عيني الوالدة الغائرتين قليلاً تحت حاجبيها، إنها شاردة وفي العينين أسى عميق، ترى هل تتذكر الآن البنت التي ماتت قبل عشرين سنة؟ أم إنها تخشى – كعادتها – أن ينسى الوالد عين الغاز مفتوحة فيحترق البيت بما فيه! أم لعلها تخشى – كعادتها – أن ترعى ماعز الجيران شجراتنا! تبتلع اللقمة في صعوبة ثم تقول وهي تبدي حرصها الشديد عليّ: يا ولدي. اسمع نصيحتي، وخذ حذرك من بنات "الحلال".
أهدىء من قلق الوالدة وأسألها عن الأهل واحداً واحداً. فتقول: لن تصفو لنا الحياة ما دام هؤلاء الجنود بيننا. تقول: جاءوا ذات ليلة وانهالوا بالضرب المبرح على رؤوسنا، تقول: كسروا زجاج بيتنا، ثم ألقوا قطاً ميتاً في بئر الماء، تقول: داسوا بنعالهم فوق شتلات البندورة التي كنت أسقيها الماء كل مساء، وبالوا على حوض النعناع الذي زرعته بيديّ هاتين قرب الدار.
الوالدة تروي حكايات لا تنتهي والحزن يتكاثف في عينيها وتقول: ألن تعود معي إلى البلاد؟ ثم تفطن إلى أنها تسرعت في طرح السؤال. تقول: اللعنة عليهم هؤلاء الذين اقتلعوك من بيننا، ثم نمشي بعض الوقت في الشارع المضاء، تقول الوالدة في إحساس بالذنب: قد نسيت صلاة العشاء. أتلفت حولي وأنا أمشي في شارع باريس، فلا أرى الوالدة، وأدرك أنها غادرتني لأداء الصلاة في البلد البعيد. يا إلهي كم أنا وحيد وحيد!



#محمود_شقير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة جدا: ملل
- قصة قصيرة جداً: بين اليأس والرجاء
- قصة قصيرة جداً: فضاء افتراضي
- قصة قصيرة جداً: ماء الخيال
- قصة قصيرة جداً: اقتراح
- قصة: عرس
- قصة قصيرة جداً: فرس
- سؤال
- قصة: انفصال
- قصة: نقطة الحدود
- قصة: قط
- قصة: صمت النوافذ
- قصة: قطة
- قصة: طعنة
- تحولات القصة القصيرة في تجربة محمود شقير/ د. محمد عبيد الله
- قصة: شكوك
- قصة: غابة
- قصة: كلب
- قصة: البيت
- قصة: الأغنية


المزيد.....




- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- همسات من سجل الذكريات ( أزفُ شوقي أزفُ تحياتي إليك)
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...
- حكم قضائي بإدانتها.. وزيرة الثقافة المصرية تتقدم باستقالتها ...
- يورونيوز تطلق بثا باللغة الكازاخية من أستانا
- لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته ...
- جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - لقاء