أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عديد نصار - الاقتصاد الروسي: أزمة بنيوية















المزيد.....

الاقتصاد الروسي: أزمة بنيوية


عديد نصار

الحوار المتمدن-العدد: 4671 - 2014 / 12 / 24 - 23:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يبدو أن الأزمة التي تضرب الاقتصاد الروسي ليست أزمة عابرة تتوقف على ظرف خارجي طارئ مخطط له من قبل مناوئي النظام الذي يقوده فلاديمير بوتين وسياساته في أوكرانيا من خلال العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون، والانخفاض المتسارع والكبير في أسعار النفط، ولكنها أعمق من ذلك كونها تتأسس على الطبيعة الريعية التي يقوم عليها الاقتصاد الروسي والتي تعتمد بدرجة كبيرة على بيع النفط والغاز والصادرات المعدنية، ما يعزز من تبعيته للخارج.
وعليه يمكن القول إن هذه الأزمة تنشأ في الأصل من طبيعة النظام الاقتصادي الذي أسست له الطغمة التي يترأسها بوتين ولم يكن دور العقوبات الغربية وكذلك انهيار أسعار النفط إلا دورا مساعدا على إظهارها والتعجيل فيها.
الجذور المادية:
لا يمكن الفصل بين تطورات الواقع الاقتصادي في روسيا وبين الطبيعة الطبقية للقوى المسيطرة فيها والتي تُحدد، وفقا لمصالحها، السياساتِ الاقتصادية التي تعود عليها بالنفع الأكبر. وإذا راجعنا طريقة نشوء تلك الطبقة التي قُدر لها أن تحكم الاتحاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لَتبيّن لنا أنّها طبقة مافيوية من أصول بيروقراطية تعاونت أولا مع مافيات أجنبية حتى استكملت نموَّها ثم أقصَتْ تلك المافيات بعد أن رسّخت سيطرتها الاقتصادية والسياسية بقيادة فلاديمير بوتين والمجموعة التي تحيط به.
من هنا نجد أن النظام الرأسمالي الذي استعاد سيطرته في الاتحاد الروسي، استعادها عبر أدوات مافيوية تمقتُ الاقتصاد المنتج والإشكاليات المرتبطة به من بنى تحتية ورأسمال ثابت وطبقة عاملة وأشكال نقابية... وتحبّذ الاقتصاد الريعي ذا الربح الفاحش والسريع والمرتكز على التاجرة الخارجية، وبوجه أخص، على تسويق النفط والغاز حيث باتت روسيا على رأس قائمة الدول المنتجة والمصدرة لهذه المادة بعد العربية السعودية. ولكنه اقتصاد تبعي مرتبط بالسوق العالمية التي تسيطر عليها دول كبرى عريقة في امبرياليتها. وهكذا تفشل كل المشاريع الاقتصادية وخاصة الصناعية التي تُقدّم للسلطة دون أن يتعرض المشهد الاقتصادي العام لاهتزازات كبيرة طالما كانت أسعار المواد المصدَّرة في تحسن، ليشهد أزمات بنيوية حادة كلما تقلّب سوق تلك الصادرات.
فقد دلّت المعطيات أن نسبة 69% من الأموال التي حصلت عليها روسيا سنة 2010 جاءت من صادرات النفط والغاز والفحم. ما يؤشر الى مدى ارتباط الاقتصاد الروسي بتقلبات السوق العالمية في الطلب على هذه المواد. في حين شهدت الأعوام الأخيرة تراجعا كبيرا في حجم الاقتصاد الصناعي بحيث أن عددا كبيرا من المصانع قد توقف عن العمل. ففي حين شهد هذا القطاع تراجعا (نموا سلبيا) بنسبة 11% عام 2009 لم يشهد بعدها نموا وازنا حتى اليوم.
ونظرا لتبعية هذا الاقتصاد، وارتهانه للسوق العالمية التي تسيطر عليها دول كبرى عريقة في امبرياليتها، وجدت السلطة الروسية نفسها مندفعة الى مغامرة غير محسوبة العواقب في أوكرانيا ردا على الانتفاضة التي واجهت الرئيس الأوكراني المتحالف مع موسكو فيكتور يانوكوفيتش، والتي أعقبت عدة تحركات احتجاجية في أكثر من منطقة في الاتحاد الروسي نفسه وفي بلدان الاتحاد السوفييتي السابق ووجهت بالقمع الدموي، ولأن هذه الانتفاضة اجبرت الرئيس الأوكراني على التنحي، مارست موسكو كل ما ترى أنه يحفظ مصالحها خاصة في ما يتعلق بخطوط نقل الغاز باتجاه الأسواق الأوروبية. وبردة فعل موتورة ضمت اليها شبه جزيرة القرم بعد مسرحيتي الاستفتاء على الاستقلال والانضمام الى الاتحاد الروسي.
نلاحظ هنا الدور الامبريالي لروسيا الذي يتسم بالتصرف الطفولي والرعونة. حيث يمكننا القول إن روسيا قد بلغت مرحلة الامبريالية "والناس راجعة"! وهذا ما يجعل امبرياليتها المافيوية موتورة لأنها غير ذات جذور وقواعد صلبة اقتصاديا وسياسيا كما الامبرياليات القديمة.
التداعيات الداخلية:
رغم ما يقال عن تحسن الدخول الذي استفاد منه العاملون في القطاع الحكومي الروسي خصوصا على خلفية ارتفاع الريع النفطي خلال السنوات الأخيرة ( 2009-2012) من حوالي 535 دولارا شهريا الى حوالي 900 دولار للفرد، (وهذا طبعا بسعر الصرف السابق على الانهيار النقدي الأخير) فإن طبيعة الاقتصاد الريعي تعود بالفائدة على الطبقة المافيوية المسيطرة وبنسبة أقل بكثير على العاملين معها. وهذا النمط الاقتصادي لا يعتد به كنمط تشغيلي بحيث أن نسبة العاملين في قطاعاته ليست الا نسبة ضئيلة من مجمل القوى العاملة. وفي حين يتم تهميش القطاعات الأخرى الأكثر تشغيلا، الصناعة والزراعة، تتراجع العمالة وتتوسع البطالة والتهميش وتتسع الهوة بين الأكثرية المفقرة والأقلية الأوليغارشية. وهذا كان قائما قبل استفحال الأزمة الأخيرة والتي سوف تلقي بثقلها الكبير على الطبقات المتوسطة والفقيرة ما سيؤدي حكما الى انفجار احتجاجات لا قبل لنا الآن بتحديد حجمها وتوسعها، بوجه السلطة.
وهنا لا بد من الانتباه الى أن انهيار سعر صرف الروبل ثم تأرجحه يسيل له لعاب المافيا المالية التي سوف تجد في هذا الأمر بابا من ابواب مراكمة الأرباح السريعة، في حين يستنزنف ليس فقط مدخرات الطبقة الوسطى، وإنما جل رواتب ومعاشات العمال والموظفين في ظل تقلب الأسعار الذي سينتج حكما عن ذلك، ما سيفاقم الأوضاع ويهدد الاستقرار الاجتماعي الهش.
ولم تكن العقوبات الغربية على موسكو وانهيار أسعار النفط الا هبّة الريح التي كشفت العوار الذي أصاب النمط الاقتصادي الروسي، فشجع الدول الغربية على تصعيد مواقفها حيال السلوك السياسي تجاه أوكرانيا. ولكنها أيضا قدمت شماعة يلقي عليها بوتين الملامة في ما وصلت اليه حالة الاقتصاد الروسي، (المؤتمر الصحفي للرئيس بوتين الخميس 18/12/2014). فليس الحصار ما يجعل اقتصاديات الدول تنهار بهذا الشكل وليست العقوبات، وهي مؤذية ومؤثرة. فها تلك كوبا التي عانت حصارا على مدى أكثر من نصف قرن لم تنهر برغم ضآلة مواردها قياسا بالامكانيات الضخمة التي تزخر بها روسيا.
إن أسلوب تعاطي بوتن وحكومته مع الأزمة في أوكرانيا ينبئ بالطريقة التي قد يلجأ إليها في حال حدوث احتجاجات شبيهة في روسيا نفسها. من هنا فإن توقع الاحتجاجات مرتبط بتوقع ردود فعل عنيفة من قبل قوى القمع الروسية. وقد يكون كلام بوتين بخصوص تفعيل أجهزة المخابرات الروسية مؤشرا على توقع السلطات الروسية لمثل هذا الاحتمال.
التداعيات الخارجية:
للوهلة الأولى يتوقع المراقبون أن تفرح الحكومات الغربية لتفاقم الوضعين الاقتصادي والنقدي في روسيا. وهي إذ تواصل تهديدها لحكومة بوتين بمزيد من العقوبات مطالبة إياه بالتراجع عمّا أقدم عليه من ضم شبه جزيرة القرم والتدخل الى جانب الانفصاليين في أوكرانيا، تعطي انطباعا بأنها مرتاحة الى تداعيات تلك الأزمة.
قد يكون هذا الأمر منطقيا لو ان واقع الاقتصاد الروسي منفصل تماما عن مجريات وتطورات النظام الاقتصادي الرأسمالي العام في العالم. ولو انه كان كذلك لما وقع في هذه الأزمة أساسا. لذلك فإن الحكومات الغربية تحاول إخفاء حذرها من تفاقم هذه الأزمة، على الأقل راهنا، لكنني أعتقد جازما أنها ستطرح على الروس مد يد العون في حال تمادي أزمتهم.
ولكن قبل ذلك، هل سيقدم الرئيس بوتين تنازلات في الأزمة الأوكرانية؟ هل سينسحب من شبه جزيرة القرم؟
مما لا شك فيه أنه لا يمكن بسحر ساحر تغيير نمط الاقتصاد الرأسمالي من ريعي الى صناعي وزراعي، وبلأخص عندما ينخره الفساد المافيوي، وهذا، في حال الاصرار عليه ورضوخ الطبقة الريعية المسيطرة له، سيحتاج الى خطط خمسية وعشرية... في حين أنّ مجرد إعلان يؤشر على تراخي دول الغرب في تنفيذ العقوبات أو عودة أسعار النفط الى التحسن سيكون له تأثير مباشر على سعر صرف الروبل وعلى الروح المعنوية لنظام بوتين. لكن الأمر مرتبط بتنازلات، خاصة في موضوع العقوبات، ولا يبدو أن بوتين متجه الى تقديم مثل هذه التنازلات. فإلى أين تتجه روسيا؟ وما هي الآفاق التي تتحضر لها في حال استمرار تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية، وهي ستتفاقم، وبالتالي تزايد آثارها على القاع الاجتماعي المأزوم اصلا؟
ما سيكون موقف الصين المستفيد الأكبر من تراجع أسعار النفط والذي سيدفع بنموها إلى تسارع أكبر مما كان متوقعا، والتي لازالت تقف موقف المتفرج من أزمة روسيا؟ هل ستحاول إنقاذ بوتين؟*
*- بعد أقل من 24 ساعة على كتابة هذه المادة أعلن وزيران صينيان هما وزير الخارجية ووزير التجارة عن استعداد الصين لمد يد العون لروسيا "إذا اقتضت الظروف". ومما قاله وزير التجارة الصيني شاو هو تشنغ، "إن التوسع في تبادل العملة بين الجانبين، وزيادة استخدام اليوان الصيني في التبادل التجاري المشترك سوف يكون له أكبر الأثر لدعم روسيا.".






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تونس: أربع سنوات على شعلة البوعزيزي
- في التضامن مع سعدي يوسف
- القدس والمقدسيون: يتمٌ في مواجهة جرائم الاحتلال
- التمييز ضد الطلاب السوريين في لبنان
- أبعد من داعش
- باستيل دموي بمقاس غزة!
- حين يصبح النضال المطلبي بلا جدوى!
- ماء الوجه ولا الكرسي!
- الجهاديون فك الكماشة الثاني
- اغتصاب وإعادة اغتصاب السلطة في لبنان!
- فيكتوريوس بيان شمس والجديد في قراءة مهدي عامل للطائفية
- ردا على فيكتوريوس بيان شمس
- الاسلام -المقاوم-، حزب الله نموذجا
- في عيد العمال العالمي
- لبنان والانتخابات الرئاسية: -بوتفليقة- لبناني أم الفراغ؟
- هيئة التنسيق النقابية: الدخول في المأزق
- -الخطة الأمنية- تستمهل المتورطين!
- لبنان: الشيعة والمقاومة ومافيا حزب الله
- الأحزاب الشيوعية العربية والواقع الملموس
- ثورة لكل الشعوب


المزيد.....




- سفير اليمن لدى اليونسكو يتهم الحوثيون بإعادة صياغة التاريخ و ...
- الولايات المتحدة تعرب عن تفاؤلها بوجود فرصة حقيقية لحل الصرا ...
- أزمة سد النهضة.. هل انتهى وقت الدبلوماسية ودقت طبول الحرب؟
- البيت الأبيض يعلق على خطط عقد لقاء بين بوتين وبايدن
- البيت الأبيض -قلق- بشأن خطوة إيران -الاستفزازية- لتخصيب اليو ...
- صفارات الإنذار تدوي في المستوطنات الإسرائيلية القريبة من لبن ...
- بسبب التجلطات الدموية... جنوب أفريقيا تعلق استخدام هذا اللقا ...
- مصر… مذيعة تقتل زوج شقيقتها بسلاح أبيض
- النمسا عن لقاء بوتين وبايدن: مستعدون دائما للمفاوضات رفيعة ا ...
- لجوء نحو ألفي سوداني إلى تشاد هربا من العنف في غرب دارفور


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عديد نصار - الاقتصاد الروسي: أزمة بنيوية