أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - فيروز حبيبتي














المزيد.....

فيروز حبيبتي


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 4295 - 2013 / 12 / 4 - 13:07
المحور: الادب والفن
    


أكتب لكم يوم الخميس 21 نوفمبر. وأنا، منذ قدّمت لي فيروز منحةً لا أنساها، عاهدتُ نفسي على أن أهديها كلَّ عام في عيد ميلادها، وردةً في صورة مقال يحمل شيئًا من حبي لها. في يوم خريفيّ جميل، يودّعُ صفحة الصيف الصفراء الجافة، وينتظر قطرات الشتاء الرمادية، أهدت السماءُ الأرضَ الشقيةَ، هديةً مُفرحة. الطفلةَ نهاد حداد، التي ستكبر يومًا بعد يوم لتغيِّر، مع الرحابنة، عاصي ومنصور، ثم الابن الموهوب زياد، وجهَ القصيدة، ووجهَ الموسيقى، ووجهَ الغناء، ووجهَ الطفولة، ووجهَ الجمال. كان ذلك قبل ثمانية وسبعين عاما حين نقطةُ نور سقطت فوق كوكبنا النبيل المُطرق على أحزانه فانتبه، ولاح فوق وجهه ظِلُّ ابتسامة.
هذه فيروز، غيمةُ القَطْر العذب التي مرّت فوق صحارينا العطشى فبللت حلقَها. فيروز ظاهرةٌ عابرة للأزمنة والجغرافيا. ونحن أجيالٌ محظوظة إذ واكبتْها. صوتُها يشعرك بعجز اللغة، كلّ لغة، عن الإفصاح. فطاقةُ صوتها وطبقاتُه وموسيقاه الخبيئة بين موجاته، تقول أكثر مما تقول الكلماتُ التي يحملها هذا الصوت، وإن كانت كلمات كبار مثل جوزيف حرب أو جبران أو الأخطل الصغير أو أحمد شوقي.
يفهم كلامي، كلُّ من تعوّد أن يبدأ صباحه بصوتها كي يراهن على نهارٍ عذب، سيبتسم فيه المارةُ بعضهم لبعض دون سبب سوى المحبة، حتى وإن أثقلتِ الهمومُ القلوبَ. نهارٌ يقدّم فيه الإنسان أخاه لكي يمرَّ قبله في الطرقات، ويحمل فيه كلُّ إنسان وردةً ليلقيها على أول ما يصادفه في الصباح! هل كلامي جنون؟ هل هو "كلام شُعرا" خياليّ حالم؟ هل حقًّا غدتِ المحبةُ والابتسام والرحمة أصعبَ من العنف والتجهم والتطاحن؟ كيف سمحنا لأنفسنا أن نصل إلى ما وصلنا إليه من فقر في الروح وافتقار للحب وقدرة على الإيذاء وقد عاصرنا فيروز؟!
حينما منحتني السماءُ طفليَّ مازن وعمر، كنتُ أتركهما لساعات مع صوت فيروز وأنا واثقة أن تراكُم هذا السلوك كفيلٌ بأن يصنعَ منهما في مقبل الأيام كائنين راقيين سليمي الروح. إذ أؤمن أن بصوتها طاقةً بوسعها أن تنقّي الروحَ من شوائبها وغبارها. طاقةٌ تضع الإنسانَ في صلاة دائمة. وإلا ما سرُّ تغيّر مِزاجنا بعد سماع أغنية لفيروز؟ أزعم أن من تعود الاستماع إليها يظلّ طفلا لا يشيخ. "سيكبر خارج الزمن" مثلما قال صلاح عبد الصبور عن حبيبته. ذاك أنها تقول لي الآن: "تعا تا نتخبى من درب الأعمار، وإذا هِنِ كبروا نحن بقينا صغار، سألونا وين كنتو؟ وليش ما كبرتو انتو؟ وبنقلون نسينا؟ واللي نادى الناس تا يكبروا الناس، راح ونسي ينادينا!!"
ذاك لونٌ من الفن يهذّبُ النفسَ. فلا يجوز لإنسان تربّى عليه أن يحقد أو يكره أو يسفَّ في القول أو الفعل. وهي التي تقول له كلَّ أصيل: "لأجلكِ يا مدينة الصلاة أُصلي، عيوننا إليكِ ترحل كلَّ يوم، تدور في أروقة المعابد، تعانقُ الكنائسَ القديمة وتمسحُ الحزنَ عن المساجد."
ألم تقدم لنا فيروز لمحاتٍ من الجمال والالتزام كثيرةً كما فعل جيفارا وجان دارك وعبد القادر الجزائريّ والأم تريزا وغاندي وعمر المختار ومارتن لوثر كينج؟ مَنْ مثل فيروز بلوّر داخلنا فكرة "العودة" إلى الأرض المستلبة؟ من مثلها أبكانا على القدس وبذر فينا اليقين بعودتها ذات وعد؟ أيُّ شيء مثل صوتها ظلَّ يهتف بالوطن: أنْ عُدْ؟ حتى لكأن الوطنَ يرفض أن يعود كيلا يتوقفَ صدحُها عن الوعد بحُلمٍ طال انتظاره. وردةٌ لعيدك يا "قمر على دارتنا" لكيلا ننسى أن شيئًا حلوًا واكب زماننا وأن الحياةَ جميلةٌ وتستحق أن تُعاش رغم كل ما يحدث. كيف نقبض على هذه اللحظة، نحن الذين اتفق لنا أن نعاصرها؟ كيف نعمل على "تجميد" لحظة "الجمال" هذه قبل أن تمرّ؟ إذ كيف لنا أن نمرّرَ هبةً سماوية من دون أن نحتفي بها ونحمي وجودَها كيلا تدعسَها مراراتُ الإرهاب الأسود مثلما دعست كلَّ جميلٍ ونقيٍّ في حياتنا؟ كيف لا نسرّب لأجيالٍ تلينا رسالةً تقول إننا كنا واعين أن غيمةً عذبةً مرّت من هنا، فرفعنا رؤوسنا عاليًا ولوحّنا لها بأكفّنا؟ دومي جميلةً أيتها الجميلة الـ"سمرا يا أمّ عيون وساع". شكرًا يا فيروز لأنكِ موجودة.



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إنها الإسكندرية يا صديقتي الخائفة
- اقتلْ معارضيك
- الفيلم المسيء للإسلام
- مرسي وكتاب التاريخ
- شريهان، العصفور الذي عاد
- أنهم يسرقون الله!
- أفتح الجاكيت، أقفل الجاكيت
- سيفٌ في يد الشيماء
- بسطاؤها نُخبة
- عمر خيرت.. فارسُ الحرب القادمة
- الله أكبر أيها الأشرار!
- ماسبيرو... الهرم العائد
- بيسكليت في جامعة أسيوط
- هويدا، أخلفتُ وعدي معك!
- بلكونة مصرية، وإبهامٌ مفقود!
- -متكسروش بخاطر مصر-
- بلبل لبنان الذي طار
- مراسلات أدباء مجانين
- لماذا نحب؟ وكيف نكره؟
- الست مبسوطة، أغنى امرأة في مصر


المزيد.....




- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟
- صدور ديوان شعري جديد للكاتبة والشاعرة المبدعة آمال بن الطاهر ...
- هل المصريون أحفاد الفراعنة؟.. دراسة أمريكية تثير الجدل من جد ...
- موسكو تستضيف مهرجان -سابانتوي الصداقة والوحدة- في احتفالية ث ...
- الكعبة كانت في الطائف.. يوسف زيدان يشعل جدلا جديدا حول قصة أ ...
- مشاهد كأفلام الرعب.. ملايين النحل تغزو حيا ريفيا في تكساس
- برشلونة تحتضن أول مكتبة متخصصة في الأدب والتاريخ الفلسطيني ب ...
- في برشلونة.. أول مكتبة مخصصة لفلسطين في أوروبا
- المغرب: آلاف المعجبين يحضرون حفلا للشاب خالد على منصة جديدة ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - فيروز حبيبتي