أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - صبري المقدسي - مفهوم الزمن وقيمته في العلم والحياة اليومية















المزيد.....


مفهوم الزمن وقيمته في العلم والحياة اليومية


صبري المقدسي

الحوار المتمدن-العدد: 4070 - 2013 / 4 / 22 - 17:40
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


مفهوم الزمن
وقيمته في العلم والحياة اليومية

كانت معرفة الإنسان في العصور الحجرية القديمة لحساب الزمن معرفة بسيطة، إذ لم تكن تتجاوز متابعة حركات الشمس والقمر والنجوم. وتطورت تلك المعرفة تدريجيا بعد ممارسة الانسان للأعمال الزراعية والتجارية، ولذلك إستخدمت بعض الشعوب النجوم وحركات الكواكب دليلا في الملاحة والبدء في موسم الزراعة والحصاد.
وقد فكر الانسان منذ بدايات وعيه الانساني في إيجاد طريقة ملائمة ودقيقة لضبط الزمن والتوقيت، لحاجته الى تنظيم الاعمال التجارية والزراعية التي كانت الاعمال الرئيسية في تلك الازمنة، وللسيطرة على مواسم الفيضانات التي كانت تحدث الخسائر الجسيمة للشعوب. وكانت التقاويم والروزنامات التي رتبها الانسان القديم لضبط الايام والشهور والسنين ولتفسير الظواهر الطبيعية أهم إنجاز حققه في تاريخه القديم. وتطورت الأفكار ومعها الثقافات والحضارات الى اليوم الذي إخترع فيه الانسان الساعات لضبط التوقيت بالثواني والدقائق والساعات، وذلك بسبب شعور الانسان بقيمة وأهمية الوقت.
ولذلك فلا يمكن اهمال الزمن، ومن يهمله فإنه يتعرض الى التخلف عن مسيرة الحياة ويقع في مؤخرة الركب. وينصح العلماء بتنظيم وتكوين جدول يومي وأسبوعي وسنوي، لملء الحياة بالعمل المثمر والمبدع. وقد تعوّد البشر في كل مكان على تقدير الزمن من خلال اليوم واجزائه (الساعة والدقيقة والثانية) ومن خلال مضاعفاته (الاسبوع والشهر والسنة والقرن).
ولكن لا يزال مفهوم الزمن فيه الكثير من الالتباس والغموض وذلك لوجود كثير من التعاريف والاستفسارات المختلفة. ومن تلك التعاريف:(الزمن هو الرباط الذي ينظم أحداثها، والسلسلة التي تربط بين حلقاتها، ومن دونه تصبح الأحداث مشوشة مضطربة لا يمكن فهمها). ومن التعاريف الاخرى:(الزمن هو شىء نحس به ونقيسه أو نقوم بتخمينه وهو يختلف بإختلاف وجهة النظر التي ننظر بها حيث يمكننا الحديث عن زمن تخيلي أو علمي فيزيائي أو علمي فلكي أو نفسي). وجاءت القواميس بتعاريف عديدة عن الزمن ومنها قاموس اكسفورد الذي يعرّف الزمن: (بانه التقدم المستمر وغير المُحدّد للوجود وللأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل).
وينظر الكتاب المقدس الى الزمن نظرة خاصة تتعلق كثيرا بإرادة الله الخلاقة وبعلاقته بالانسان. ويقول الكتاب أن الله خلق كل شىء من أجل الانسان، وخلق الشمس لحكم النهار والقمر والنجوم لحكم الليل. فالزمن في الكتاب هو خارج التحكم الانساني، بل هو ضمن التحكم الالهي، ويبدأ من لحظة البدء بالخلق وينتهي في يوم القيامة. فالزمن إذا مخلوق لكي يستطيع الانسان ترتيب حياته بإنتظام، سواء في العمل أو العبادة أو اللهو أو الدراسة والامور الحياتية الاخرى. ويجب الانتباه الى حقيقة مهمة جدا وهي أن اساس الزمن في نظرنا ليس هو كأساس الزمن في نظر الله، لأن يوما واحدا عند الله هو كألف سنة، والف سنة في نظرنا، هو كيوم واحد لدى الله. وتؤمن معظم الاديان بأن الله أزلي لا بداية له ولا نهاية، وهو خالق الكون وخالق الزمكان لكون الزمان مرتبط بالمكان ولا يمكن الفصل بينهما. ويؤكد على هذه الحقيقة اللاهوتي كارل بارث قائلا: (دون السلطة الزمنية الكاملة لله، فإن محتوى الرسالة المسيحية يغدو لا شكل له). ولكن مفهوم الزمن في الأديان الآسيوية كالهندوسية والبوذية، يختلف عن مفهوم الاديان السماوية، لأن الاديان الآسيوية ترى أن الزمن لا يبدأ ولا ينتهي، لأنه شىء دائري ومطلق ومستمر الى الابد.
كان العلماء يعتقدون بفكرة استقلالية الزمن عن المكان، وقد آمن العالم اسحق نيوتن بالزمن المطلق، وبكونه شئ كوني، ثابت لا يتغير في جميع انحاء الكون وعلى هذا الاساس قال: (إن الزمان والمكان مطلقان وانهما حقيقتان منفصلتان). وفي مفهوم العالم البرت إينشتين الزمن هو شىء نسبي إذ قال في ما معناه: (ان الزمان والمكان متداخلين غير منفصلين ويجب التعامل معهما كوحدة واحدة). وشرح نظريته قائلا: "أن سرعة الزمن على الأرض تختلف عن سرعته في الفضاء، ويتغير الزمن بتغيير السرعة والمكان كما في الفضاء". فالزمن والمكان متصل زمكاني لا ينفصل، ولا يمكن ان يوجد أحدهما بمعزل عن الاخر، أو بمعني أخر كلما اقتربنا من سرعة الضوء يتباطأ الزمن ويقل تسارعه. ولو أن شخصا ما قام برحلة حول الأرض بسرعة الضوء أو قريب منها فإنه سوف يعود ويجد أنه مرَّ على الأرض أكثر من الزمن الذي مر عليه في الفضاء. وأثار آينشتاين مسألة مهمة وهي الاحداث التي تقع في الاجرام السماوية التي لا نستطيع أن نراها حين وقوعها، وانما بعد وصول الضوء بسرعته الهائلة الى الراصد الارضي، وحينئذ يرى هذا الراصد الماضي، وهو في الحاضر. فالحوادث التي تحدث في الشمس مثلا، نشعر بها بعد ثمانية دقائق، ولكن الحوادث التي تحدث في النجوم البعيدة جدا، لا نعلم بوقوعها إلا بعد سنوات عديدة قد تصل في بعضها الى مئات السنين.
ولما كانت الظواهر الفلكية هي المعتمدة من قبل البشر لضبط المواقيت منذ عهود ما قبل التاريخ، ولما كانت تلك الظواهر ضعيفة وناقصة كما بيّنا سابقا، كان لابد للعلماء والمختصين، الاهتمام بهذا الموضوع من خلال دراسات قاموا بها عبر التلسكوبات الحديثة، ودراسة التقاويم دراسة دقيقة، لتوضيح مفهوم الزمن ومقايسه المستخدمة من قبل البشر قديما وحديثا. فاليوم الارضي مثلا تضبطه دورة الارض حول نفسها دورة كاملة في زمن نسميه يوما، ونقسمه اصطلاحا الى 24 ساعة ثم الى دقائق وثوان. وبينما اليوم على كوكب الزهرة يعادل 118 يوما أرضيا وعلى كوكب عطارد 176 يوما ارضيا.
فالزمن وتقديراته في الارض ليست كما هي في الكواكب والنجوم الاخرى، ولذلك يحتاج الانسان إلى طريقة جديدة في تقدير المسافات بين المجرات والنجوم والكواكب، لأن استخدام وحدة المتر أو الميل ستقودنا إلى أرقام كبيرة جدا لا يمكن تخيلها. ولهذا فإن العلماء يستخدمون سرعة الضوء لقياس المسافة، حيث أن سرعة الضوء هي 300 ألف كيلومتر في الثانية (الضوء يدور حول الأرض 7 مرات في الثانية أي عندما تقول كلمة واحدة يكون الضوء قد لف حول الارض سبع مرات). واذا حسبنا المسافة التي يقطعها الضوء في السنة الواحدة نجد انها مسافة كبيرة جدا، والمثل البسيط الذي يعطيه العلماء لإثبات هذه النظرية هو اشعة الشمس التي تصلنا خلال ثمانية دقائق، وبهذا يثبتون بعد الشمس عن الارض الذي هو ثماني دقائق ضوئية.
ومن التعاريف الشائعة عن اليوم والشهر والسنة:
اليوم بأنه مقدار الزمن اللازم للأرض لكي تدور حول نفسها دورة كاملة.
الشهر يساوي (29.5 يومًا تقريباً) ويستند إلى دورة القمر حول الأرض.
السنة: مقدار الزمن اللازم للأرض لاكمال دورة كاملة حول الشمس والتي تساوي 25 . 365 يوم وربع اليوم.
هناك ظواهر عديدة تتبع دوران الارض ومنها ظاهرة الليل والنهار بالاضافة الى المواسم الاربعة كالشتاء والصيف والربيع والخريف. وهناك عدد من الطرق التي استخدمها الانسان خلال تاريخه الطويل لقياس الزمن.
ومن الآلات التي اكتشفها الانسان واستخدمها لقياس الزمن:
الساعة الشمسية Sun clock وهي اولى الاجهزة التي استخدمها الانسان في القديم منذ 3500 قبل الميلاد، والتي كان لها شكل نصف كرة مقعرة من حجر منحوت وموضوعة بشكل مطابق لميلان الارض، وكانت تعتمد على طول الظل واتجاه الظل. ويكون اتجاه الظل في الصباح نحو الغرب وفي الظهيرة نحو الشمال وفي المساء نحو الشرق.
الساعات الرملية التي كانت متكونة من وعائين زجاجين ملتصقين مع بعضهما، ووجود ثقب بينهما يسهل مرور الرمل من أحد الوعائين الى الآخر لمدة معينة. وهي عملية سهلة، ومن الممكن تكرارها مرات عديدة أثناء العبادة أو الاجتماع أو العمل، وذلك بقلب الوعائين بعد نزول كامل الرمل من الوعاء الفوقاني الى الوعاء السفلي وهكذا دواليك. وكان يستخدم الانسان القديم ساعات رملية على أساس الساعة أو على أساس ثلاثة أرباع الساعة أو على أساس نصف ساعة.
الساعة النارية، والتي كانت عبارة عن المصباح الزيتي الذي كان يوضع فيه زيت يضىء لمدة عشر ساعات ليعرف العامل مدة ساعات العمل التي عليه أن يعمل فيها وبخاصة أثناء العمل في المناجم والانفاق.
الساعات المائية، التي اخترعها المصريون سنة 1400 قبل الميلاد، والتي كانت تستخدم الماء Water clocks بدلا من الرمل. وقد استخدم الاغريق هذا النوع من الساعات بكثرة شديدة.
الساعات الميكانيكية ذات الدولاب والتي انتشرت في القرن الثالث عشر ومن ثم في القرن الخامس عشر، والتي كانت تمتاز بكبر حجمها بحيث كانت تحتوي على عقرب واحد. ومن ثم اكتشفت الساعات الميكانيكية ذات العقربين أو المؤشرين والتي لعبت دورها في خدمة الانسان لمدة ليست قصيرة.
استخدمت الساعات الشمسية في العراق القديم وفي مصر القديمة والهند واليونان وروما الى القرن السابع عشر. إلا أنها لم تكن دقيقة كل الدقة، بالرغم من معرفة الانسان للساعة الآلية الكبيرة في القرن الثالث عشر، وبعدها الساعات المنزلية في القرن الخامس عشر، فالساعات الخاصة المحمولة في الجيب من قبل الميسورين الذين كانوا يفتخرون بإمتلاكها منذ القرن السابع عشر، ولاسيما بعد تقسيم الزمن الى دقائق وثوان.
ولكن بعد اختراع البندول، اضحت الساعات أكثر دقة، واصبحت تخدم الانسان وتنظم حياته اثناء العمل والعبادة. إذ اخترعت الساعات ذات البندول Pendulum Clock اولا من قبل بيتر هينلين Peter Henlein في سنة 1510 م، ولم تكن تلك الساعات دقيقة جدا، ولكنها كانت تفي بالغرض في تلك الفترة الزمنية. ومن ثمّ إخترع الانسان الساعات الادق، من قبل العالم كريستيان هوغنس Christian Huygens في عام 1556 م، والتي عرفت بأنها الساعة الاكثر دقة وأناقة من كل الساعات القديمة. وبعده العالم جوست بورجي Jost Burgi في سنة 1577 م، الذي اخترع ساعة أدق وأضبط، والتي تميزت بوجود بندول خاص للدقائق، وقد صنعها خصيصا لأعمال الفلكي تيخو براهي Tycho Brahe الذي كان بامس الحاجة الى التوقيت الدقيق في اعماله الفلكية. وتطورت الساعات الى أن استعملت البطاريات الخارجية للساعات في 1840 م.
وانشئت ساعة (بيج بن) وهي من أهم المعالم الشهيرة في لندن سنة 1885 وسميّت بهذا الاسم نسبة الى السير (بنجامين هول)، الوزير المسؤول عن العمل آنذاك. والتي كانت تعمل يدويا عند ضبطها الى ان استعملت الكهرباء في تشغيلها مؤخرا، ويبلغ طول البندول المستخدم فيها 13 قدما، واما زنتها فتقارب 2 /1 ,13 طن. واستخدمت بعد ذلك البطاريات الداخلية في سنة 1906. والتي أدت الى ظهور الساعات الاكثر تطورا من قبل المهندس الكندي وارن ماريسون Warren Marrison في سنة 1927 والذي استخدم ولأول مرة ساعة كوارتز quartz clocks . وأخيرا بدا الانسان في اختراع الساعات الادق جدا، ولاسيما بعد صنع انواع من الساعات الميكانيكية Mechanical وغيرها من الساعات الالكترونية والذرية.
لعبت الساعات دورها الممتاز في ترتيب امور البشر وضبط مواعيدهم وترتيب اعمالهم الادارية. لأن اكتشاف الساعة كان أعظم حافز تطوري للزمن والوقت ولمساعدة الانسان لتعلم النظام وترتيب العمل. ومع كل التطورات السريعة إلا أنه ظلت هناك مشاكل كثيرة لتلك الانواع من الساعات، في كيفية تصحيح عقارب الساعة وبصورة مستمرة، أثناء الانتقال شرقا أو غربا. مع انها بلغت اليوم من الدقة بحيث أصبحت تحل مشاكل الوقت بصورة مذهلة، ولاسيما بعد استخدام التقنية العلمية الدقيقة والتي أدت الى ظهور الساعات الذرية غير المرتبطة بعملية دوران الارض.
ومما يؤسف له هو عدم إكتراث الكثير من الأفراد في المجتمعات البشرية ولاسيما في مجتمعاتنا الشرقية لقيمة الوقت والزمن، إذ تجدهم يقضون معظم أوقاتهم في السهرات الفارغة والكازينوهات والحفلات من دون التركيز على الامور الجدية التي تتطلب اليقضة والجدية في الامور الحياتية، إذ أن الاهمال في الوقت، وعدم الانتباه له، قد يؤدي الى تفويت الفرص الذهبية وهدر الوقت الثمين الذي من المستحيل ارجاعه، لأنه لا يمكن ارجاع عقرب الساعة الى الوراء كما يقول المثل المشهور. ولابد من تغيير المفاهيم الخاطئة والاتجاهات السلبية في مفهوم الزمن والوقت، ولابد من محاولة ايجاد طريقة في معرفة كيفية استثمار الوقت ومعرفة الهدف من الحياة وتحقيق وإنجاز ما يحلم به الانسان لكي يبقى كل عمل مبدع شيئا يفتخر به، ولكي يكون علامة بارزة في الوجود بعد الرحيل من هذه الحياة. إذ هناك الكثير من الافراد الذين لا يعرفون إلى أين يتجهون في حياتهم، بل يتخبطون في معمعة الحياة لانهم يبدأون بداية خاطئة من دون تقدير لقيمة الوقت والزمن.
ومن الممتع والمثير في مسألة الوقت هو المساواة وبدون استثناء، في حصول الجميع على الكمية نفسها من الوقت، فلا يوجد أكثر من 365 يوم في السنة، ولا أكثر من 24 ساعة في اليوم، ولا أكثر من 7 أيام في الاسبوع، للفقير والغني، للغربي والشرقي والأفريقي والاوروبي والآسيوي على السواء. وما علينا إلا بإستغلال الوقت في حكمة وتدبير ونظام، كما يؤكد سفر الجامعة على ذلك في 8 / 5 قائلا: (قلب الحكيم يعرف الوقت والحكم). فالوقت ثمين لا يمكن ادخاره أو تخزينه، وهو يشبه حقا نهرا جاريا باتجاه مُحدّد لا عودة فيه. ويختلف الوقت باختلاف وجهة النظر التي ننظر بها الى الامور الحياتية المختلفة. وعلينا أن نكون حذرين جدا في كيفية استغلاله استغلالا صحيحيا وان نبدع ونحسن استخدامه على أكمل وجه ممكن، فهو:(إن لم تقطعه قطعك لا محالة) كما يقول المثل الشعبي. وعلينا ان نقسم الوقت لدينا بين العمل واللعب والمطالعة والمأكل، لأنه لكل شىء زمان ولكل أمر تحت السموات وقت "سفر الجامعة". وخير طريقة لقياس الزمن بالنسبة الى الفرد هي تقسيمه الى الساعات والايام والشهور، وتقسيم اليوم الى ثلاثة أجزاء وذلك بإستخدام ثلثي اليوم في العمل، وثلثه الباقي للراحة واللهو والتسلية والاسترخاء. وعلى المرء ضبط الامور في مفكرة ما ومراجعتها دائما. ولما كان الوقت هو في تغيير دائم بأجزائه الثلاثة: الماضي والمضارع والمستقبل فإن العالم أيضا هو في تغيير دائم.
لذلك على الانسان تقسيم وقته بصورة صحيحة لأنه لو كان الوقت مرتبا ومنظما، تكون حياته أيضا مرتبة ومنظمة. فالزمن يدور دورته وينقش آثاره فينا، وما المراحل التي يمر بها الإنسان من الطفولة إلى المراهقة فالشباب فالكهولة فالشيخوخة، إلا دليل على تأثير الزمن والى طبع بصماته فينا.
كانت المجتمعات البشرية تسجل الحوادث والامور بحسب حدوثها من دون تسجيلها بحسب ارقام وتواريخ كما نعرفها اليوم. ولم تكن المجتمعات البشرية تعرف التقسيمات التي نعهدها اليوم في تقسيم الوقت الى الساعات والدقائق والايام والسنين. ونادرا ما كان الناس يسجلون اعمارهم بحسب السنين. وما نجده من تواريخ واعمار للآباء البطاركة في التوراة، إلا دليل على البركة والقداسة، إذ هي ارقام رمزية لا تشير الى ارقام حقيقية لأعمارهم، بل هي مجرد رموز مباركة. وكان معظم الناس يقيسون اعمارهم بحسب الحوادث الطبيعية والمناخية بحسب المراحل البيولوجية ومكانتهم الاجتماعية، كأن يقال: وقتما كنت طفلا أو شابا أو عندما تزوجت أو عندما توفيت زوجتي أو توفيت والدتي أو والدي. وكذلك الحساب بحسب الظروف المناخية كأن يقال: ولدت في زمن الفيضان أو مات والدي في يوم هجوم الجيوش المعادية على بلدي أو تزوجت في وقت الجراد الذي أكل الاخضر واليابس.
ومن الوحدات الثابتة التي أوجدها الانسان أيضا لقياس الزمن، القرن، والعقد، والسنة، والشهر، والأسبوع، واليوم، والنهار، والليل، والساعة، والدقيقة، والثانية. ومن الوحدات الغير الثابتة التي أوجدها الانسان: الفترة، والبرهة، واللحظة، واللحيظة. وغيرها من الوحدات والدلائل التي تدل على الزمن كالفجر والغروب والسحر والصباح والمساء.
وما ترتيب الانسان للتقاويم إلا لكي تكون وسيلة لقيمة الزمن والتواقيت وذلك لكي تخدم الاغراض الزراعية والدينية ولمعرفة اوقات الزراعة والحصاد والمواسم المختلفة والاحتفال وللتحكم في ايام ميلاد الشمس والقمر والاعياد التي تواكب التقلبات المناخية والطبيعية. ويعطي الكتاب المقدس مكانة مقدسة للزمن الذي يعتبره سلسلة من المراحل، تبدأ من الخلق الى آدم ومن آدم الى نوح ومن نوح الى ابراهيم ومن ابراهيم الى داود ومن داود الى السبي البابلي ومن السبي البابلي الى عهد المسيح، والى فداء المسيح على الصليب من اجل العالم كله. والزمن الكتابي بعد المسيح هو زمن الراحة والخلاص والسعادة والهناء.
وقد استعمل الناس التقاويم والساعات لقياس الزمن. وتعتمد التقاويم على ظواهر طبيعية متكررة، في دورتي الشمس والقمر اللتين تحسب بهما السنتان الشمسية والقمرية. ويستعمل البشر اليوم وبصورة منتشرة جدا، التقويم الغريغوري الشمسي الذي ينظم الحياة الدينية والسياسية والإدارية في معظم دول العالم وهو التقويم الكنسي الكاثوليكي. وكذلك التقويم الهجري القمري الذي يستخدم في معظم الدول الاسلامية بالاضافة الى استخدامهم للتقويم الغريغوري الغربي، وذلك لتنظيم الحياة الاجتماعية والمواسم والأعياد الدينية.
وتختلف المقاييس والارقام والتواقيت الزمنية بين ما هو في نظر الانسان على الارض وبين الحسابات الكونية. ولولا اكتشاف الوحدات القياسية لما إستطاع الانسان إكمال مشواره العلمي لأن المقاييس دائما كانت المفاتيح العلمية للبحث والدراسة. ويعتبر قياس محيط الارض الذي اكتشفه العالم الفرنسي جان بيكار (1620 – 1682 ) من إحدى الثمار العلمية الثمينة جدا، إذ كان العالم بيكار أول من إستطاع قياس محيط الارض قياسا علميا دقيقا بعد القياسات التقليدية القديمة. ولذلك كان لوحدات القياس أهميتها في قياس أحجام الكواكب والنجوم والفضاء نفسه، ولتقدير المسافات وأعمار المواد ولتقدير سرعة الاشياء مثل سرعة الضوء.
ولابد من الاشارة أن التوقيت الكوني يختلف عن التوقيت الارضي أو اليوم الكوني عن اليوم الشمسي. وكذلك عندما نتكلم عن الكون فإننا نستخدم الزمن ولكن بصورة مختلفة وبأرقام أخرى. إذ عندما نتكلم عن قطر الكون المرئي فنقول أنه يبلغ أكثر من 25 الف مليون سنة ضوئية. وسرعة الضوء في الثانية 300 الف كم، أي أنها تبلغ في الدقيقة الواحدة 18 مليون كيلومتر. وفي الساعة مليار و80 مليون كلم، وفي اليوم 2.592 وامامها 10 أصفار، وفي السنة 94608 وامامها 12 صفرا. وماذا يا ترى سيحصل لو ضربنا هذا الناتج ب 25 مليون ألف سنة؟ والجواب ببساطة هو 2.365.200 كواتريليون وذلك بإضافة 24 صفرا الى هذا الرقم.
صبري المقدسي








اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بدأ الكون من نقطة كان الزمن فيها صفرا
- التفاؤل: مفتاح النجاح في الحياة العملية
- الحضارة المعاصرة: وليدة الحضارات القديمة مجتمعة
- الحداثة: الضامن الرئيسي لتحرير العقل
- اللغة: اهم ركيزة لتحصين الثقافة والهوية
- معرفة الذات: الطريق الامثل لمعرفة الآخرين
- الحضارة المعاصرة بنت الحضارات القديمة مجتمعة
- الثقة بالنفس: الاساس المتين للنجاح في الحياة
- علم الفلك: أم العلوم واصل كل العلوم
- البحث عن السعادة
- الحرية اقدس وأغلى عطية للإنسان
- دور التربية في بناء المجتمع وتنظيمه وقيادته
- في البدء كان السؤال وفي السؤال كان التمدن
- دور العلم في بناء المجتمع وتطوره وازدهاره
- المثقف: هو الرسول وهو الرسالة
- الحداثة: الضامن الرئيسي الوحيد لتحرير العقل
- العولمة: هوية جديدة للبشرية
- الثقافة: الضامن الرئيسي الوحيد لتمدن الامم
- دور الثقافة والدين في بناء المجتمع وتنظيمه وقيادته
- دور الثقافة والسياسة في بناء المجتمع وتنظيمه وقيادته


المزيد.....




- ليبيا.. اقتحام مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس ـ فيديو
- أنغيلا ميركل: مسيرة في صور
- العدل الدولية توجه طلبات لأذربيجان وأرمينيا
- ولي العهد السعودي يصل أبوظبي في ثاني محطات جولته الخليجية
- محاولة لتوتير نجاح زيارة ماكرون للسعودية بإعلان القبض على شخ ...
- واشنطن تفرض عقوبات على أفراد وكيانات في إيران وسوريا
- انقطاع الاتصال بزعيم المافيا التركية سادات بكر
- الاتحاد الأوروبي يبتّ في وجوده بكابل خلال أسابيع
- تونس.. محكمة التعقيب تقر باختصاص القضاء العسكري في قضية مخلو ...
- -الجيش الصحراوي- يشن هجمات جديدة على مواقع للقوات المغربية


المزيد.....

- الذكاء البصري المكاني Visual spatial intelligence / محمد عبد الكريم يوسف
- أوجد الصور المخفية Find The Hidden Pictures / محمد عبد الكريم يوسف
- محاضرات للكادر الطلابي - مكتب التثقيف المركزي / الحزب الشيوعي السوداني
- توفيق الحكيم الذات والموضوع / أبو الحسن سلام
- التوثيق فى البحث العلمى / سامح سعيد عبد العزيز شادى
- نهج البحث العلمي - أصول ومرتكزات الاجتهاد البحثي الرصين في أ ... / مصعب قاسم عزاوي
- ظروف وتجارب التعليم في العالم / زهير الخويلدي
- تطور استخدام تقنية النانو / زهير الخويلدي
- من أجل نموذج إرشادي للتوجيه يستجيب لتحديات الألفية الثالثة / عبدالعزيز سنهجي
- الجودة وضمانها في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية 20 ... / حسين سالم مرجين، عادل محمد الشركسي ، مصباح سالم العماري، سالمة إبراهيم بن عمران


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - صبري المقدسي - مفهوم الزمن وقيمته في العلم والحياة اليومية