|
|
أوباما الثاني والأخير!
جواد البشيتي
الحوار المتمدن-العدد: 3904 - 2012 / 11 / 7 - 20:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أوباما فاز؛ فما معنى فوزه برئاسة الولايات المتحدة لولاية ثانية (وأخيرة دستورياً)؟ في أثناء ولايته الأولى، وفي نهايتها على ما أحسب، عَرَّف أوباما "أوباما" قائلاً: "إنَّه كما يراه الناس (أو كل شخص) وليس كما يرى هو نفسه، ولا كما تراه عَيْن الحقيقة الموضوعية"؛ فهو شخصية "نِسْبية"، تختلف، شكلاً وهيئةً ومعنىً ومضموناً، من شخص إلى آخر، باختلاف ما يتحكَّم في رؤيته (البصرية والسمعية) له. ونِسْبَةً إليَّ، أفْتَرِضْ وأتوقَّع (من غير أنْ أَزْعُم أنَّ عقلي حُرٌّ طليق من الأوهام) أنَّ أوباما رَجُلٌ تستبدُّ به الرَّغبة في "القيادة" لا "الحُكْم"، وفي أنْ يتَّخِذ من ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة مَدْخلاً ومَمَرَّاً إلى "التاريخ"، أيْ إلى "جَنَّته" لا إلى "جهنَّمه"، التي ضَمَّت إلى أهلها، أخيراً، وعلى سبيل المثال العربي، زين العابدين والقذافي ومبارك وصالح، وستَتَضُمُّ إليهم، عمَّا قريب، الأسد. أوباما الفائز الآن يَعْلَم، وخيراً من سواه، أنَّ قسماً كبيراً من مُنْتَخبيه لم ينتخبوه إلاَّ بصفة كونه "أهْوَن الشَّرَّيْن"، أو "السيء الأفضل من الأسوأ (والذي هو خصمه ومنافسه الجمهوري رومني)"، أو لدرء مخاطِر فوز رومني؛ وهذا "الحُبُّ الشعبي الانتخابي (الذي ليس بعذري)" ليس بالأمر غير المألوف في عالَم السياسة (الواقعي) والذي طالما أَرانا "الفائز انتخابياً" على أنَّه ثمرة التصويت حسب مبدأ "ليس حُبَّاً في معاوية؛ لكن كُرْهاً في علي"؛ ولقد كان رومني، بما يُمثِّل، ومع مَنْ يُمثِّل، ناخِباً كبيراً لأوباما، الذي عَرَف كيف يجعل "ساندي"، أيضاً، ناخِباً له، لا يقلُّ أهمية وحجماً ووزناً عن "ناخبه" رومني. وأوباما يَعْلَمُ أيضاً، أو عَلَّمته تجربة ولايته الرئاسية الأولى، أنَّ "البيت الأبيض" هو اجتماع "القصر" و"المقبرة"؛ فهو، أيْ هذا "البيت"، خَيْر وأجمل منزلٍ له ولأسرته، ولكلِّ من يَرْنو ويتطلَّع إلى مزيدٍ من "متاع الغرور"؛ لكنَّه "المقبرة (الفسيحة الجائعة دَوْماً)" لـ "الوعود (الانتخابية) الكبيرة والعظيمة والتاريخية"، التي ما أنْ يشرع صاحبها (النبيل الصادق) يُحاوِل تغيير الواقع بما يجعله شاهِداً على أنَّه قد بَرَّ بها، أو بشيءٍ منها، حتى يُوْقِظ ويُثير ويُهيِّج ضدَّه، وضدَّ وعوده، كل مَنْ له مصلحة في إحباط السعي إلى هذا التغيير التاريخي العظيم؛ وإنِّي لمتأكِّد أنَّ تجربة الولاية الرئاسية الأولى قد جَعَلَت أوباما مُقْتَنِعاً أكثر من غيره بأنَّ أوباما الرئيس والحاكم لم يأتِ إلاَّ بما جَعًله أقل شبهاً، وبكثيرٍ، من أوباما المرشَّح للرئاسة، أو الرئيس المنتخَب، أو صاحب الوعد بالتغيير (الكبير) والذي لم يكن، على ما أظن، وعداً عرقوبياً؛ وكأنَّ "الناخبين" ما أنْ أوْصَلوه إلى "البيت الأبيض" حتى أسرعوا في العودة إلى بيوتهم، تاركينه نَهْباً لـ "لصوص السياسة"، أيْ لجماعات الضغط والابتزاز المنظَّمة والقوية والتي توفَّرت على سَلْبِه الغالي والنَّفيس من إرادته ووعوده وأفكاره ورؤاه وأحلامه، وإنْ كنتُ أظن، في الوقت نفسه، أنَّ مَيْله إلى الاستخذاء والخضوع لم يكن، وعلى وجه العموم، بقوَّة مَيْلِه إلى الإباء والمقاوَمة؛ فإنَّ أوباما أذكى من أنْ يَحْمله نُبْله على أنْ يتوهَّم أنَّ "الرَّقَبَة" التي تُحرِّكَ "الرأس (في البيت الأبيض)" هي أيضاً من خَلْق "صندوق الاقتراع"؛ فهذا "الصندوق (الديمقراطي الشَّفاف)" يَخْلِق "الرأس" فحسب، تارِكاً "الرَّقَبَة"، والتي هي من خَلْق جماعات ومؤسَّسات وقوى لها السيادة الفعلية والحقيقية في عوالِم الاقتصاد والمال والسياسة والإعلام..، تُحرِّك هذه "الرأس" كما تشاء؛ وبهذا المعنى فحسب، كان أوباما "واقعياً" و"برغماتياً" و"رَجُل دولة"! سألَ الطَّيْر اليد التي تَقْبض عليه، وتُمْسِك به، "هل تَظُنِّين أنَّني ملْككِ؟"، فأجابته على البديهة قائلةً "إنَّكَ ملكي؛ والدليل على ذلك هو أنَّني أمسك بكَ"، فردَّ عليها قائلاً "اطْلقيني، فإنْ عُدتُّ إليكَ، فأنا، عندئذٍ، ملْككِ". "الطَّيْر" أوباما هو الآن في ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة، وهو، من ثمَّ، حُرٌّ طليق؛ فكلتا اليدين (يد الناخبين ويد الأقوياء في عالَم السياسة والمال) ما عادت ممسكةً به، على ما يُفْتَرَض؛ ولسوف نرى، عمَّا قريب، اليد التي إليها (أيْ إلى قبضتها) سيعود هذا "الطَّيْر"، مقيماً الدليل (العملي والواقعي) على أنَّ مِلْكِيته (الفعلية) تعود إليها. مِنْ شرفة البيت الأبيض، وفي ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة، يُطِلُّ أوباما؛ فماذا يرى الآن؟ إنَّه يرى "التاريخ" وقد فتح له بابه على مصراعيه قائلاً له "تعال، وادْخُل، إذا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً". إنَّه (أيْ التاريخ) يتحدَّاه الآن أنْ يَدْخُل إلى "جَنَّتِه"، أو أنْ يجرؤ على الدخول فيه، وإليها؛ فـ "أوباما الثاني (والأخير)" يرى، في الوقت نفسه، "هوَّة سحيقة" تفصل بين "الشرفة" وبين "التاريخ"، ويرى بعقله الذَّكي أنَّ هذه الهوَّة لا يمكنه اجتيازها خطوةً خطوةً؛ وإنَّما بقفزة تاريخية واحدة لا غير؛ فهل يجرؤ على القفز؟! السَّيْر خطوةً خطوةً كان ضرورة سياسية؛ فالغاية، والتي هي الفوز بولاية رئاسية ثانية وأخيرة، لا يمكن بلوغها إلاَّ بالسَّير خطوةً خطوةً؛ أمَّا دخول التاريخ، بعد، وبفضل، "البر بالوعود"، فهو الغاية التي لن يبلغها الذي ينشدها، وهو "أوباما الثاني والأخير"، إلاَّ بقفزة كبرى واحدة لا غير؛ وهذا هو التحدِّي التاريخي الكبير؛ فهل يُغادِر أوباما "الكهانة" إلى "الفروسية"، قبل، ومن أجل، مواجهته، أم يعتاد السلوك الذي سلكه عن اضطِّرار، على ما يُقال ويُزْعَم، فيتمخَّض "جَبَل أوباما (من وعود التغيير)"، فيَلِد "فأراً"؟! الولاية الرئاسية الثانية والأخيرة هي "رودوس" التي يَقِف أوباما الآن على أعلى قِممها، متحدِّيةً إيَّاه أنْ يَصْدُق في زَعْمه، ويَقْفِز منها؛ فإنَّ قفزه منها لأصْدق إنباءً من الخُطَب، في حَدِّه الحدُّ بين الصِّدق والكذب، بين الحقيقة والوهم!
#جواد_البشيتي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حلُّ مشكلة -حق العودة- بعدم حلها!
-
هكذا أَفْهَم تصريحات عباس!
-
بلفور بأُصوله وفروعه!
-
المكيافلية والصراع في سورية!
-
إسرائيل تَضْرِب في السودان ردَّاً على -طائرة إيران-!
-
الدولار الأردني!
-
وللكويت نصيبها من -الربيع العربي-!
-
إشكالية -الدِّين- و-السياسة- في -الربيع العربي-!
-
الضفة الغربية.. قصة -التِّرْكة والوَرَثَة-!
-
معنى -فيليكس-!
-
الأُسطورة الجريمة!
-
الرَّقم 2.3 مليون!
-
إمبريالية أفلاطونية!
-
متى نتعلَّم ونُجيد -صناعة الأسئلة-؟!
-
حتى يتصالح نظام الصوت الواحد مع الديمقراطية!
-
من يتحدَّث باسم الشعب في الأردن؟!
-
-سؤال الإصلاح- في الأردن الذي ما زال بلا جواب!
-
جهاد -حزب الله- في سورية!
-
المتباكون على -الربيع العربي-!
-
معركة -كامب ديفيد- في سيناء!
المزيد.....
-
حاول إحراق متجر فاشتعلت النيران به.. شاهد ما حدث لمشتبه به أ
...
-
رصد ناقلة نفط صينية عملاقة تبحر في مضيق هرمز.. ففي أي ميناء
...
-
ترامب يبحث عن -اتفاق جيد- مع إيران.. وتصعيد متواصل في جنوب ل
...
-
تقارير أميركية صادمة: الترسانة الإيرانية لم تُدمّر وهذا هو ع
...
-
الصين: شركة يوني تري تكشف روبوتا -ميكا- بشري الشكل قابل للتح
...
-
-علامة سامة للمواطنين-: كيف أطاحت السياسة بمشروع -برج ترامب-
...
-
تهدد سيادة البلد.. مطالب في العراق بمصارحة رسمية حول القاعدة
...
-
ثوانٍ تمحو مدينة وسنوات تسمم الحياة.. ماذا يحدث بعد الانفجار
...
-
بدلة مادورو الرياضية تعود مع روبيو على متن طائرة الرئاسة في
...
-
لماذا كثر موت الشباب فجأة؟.. تحقيق في القاتل الصامت
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|