أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نائل الطوخي - الضفة الأخرى.. الرقص على إيقاعات العزلة















المزيد.....

الضفة الأخرى.. الرقص على إيقاعات العزلة


نائل الطوخي

الحوار المتمدن-العدد: 1124 - 2005 / 3 / 1 - 12:02
المحور: الادب والفن
    


في مجموعته القصصية الأولى "الضفة الأخرى", الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة, يتحرك المصري الشاب محمد علاء الدين في عوالم ملتبسة و غامضة تمتاز بوحشتها الشديدة و أيضاً بلغتها الميكانيكية و المحايدة لدرجة الإخافة. في قصة (سينما) يقول الراوي عن نفسه "لم لا يخبرها بأنه قد أصبح غبياً عاطفياً منذ أن دخل هذه الجامعة؟". تدور لغة المجموعة في هذه المنطقة, منطقة الغباء العاطفي, فهي لا تمتاز بأية حساسية و إنما بسرد آلي لما يحدث في العالم من عبث و وحشة كأنما هذا هو الطبيعي و هو ما ينبغي أن يكون. تثير كذلك هذه الكتابة الأسئلة أكثر مما تثير من الأجوبة. على سبيل المثال فالراوي في قصة (اسم آخر للعدم) هو لاعب مقنع في لعبة إلكترونية يتحرك في أماكن كلها فارغة, ممسكاً بمدفعه الرشاش للبحث عن عدو مقنع هو الآخر (لا وجود للملامح هنا) و بينما يطارد هو العدو يجد العدو كذلك يتعقبه في جميع الأماكن, إلى أن يقتل الراوي العدو و ينفجر الدم من جميع أجزاء جسده و عندما ينحني ليخلع عن عدوه قناعه, يصح ما توقعه, يكون هذا العدو هو أباه. من هو الراوي في هذه القصة: أهو اللاعب الجالس على الكمبيوتر أم هو الشخصية الافتراضية على الشاشة؟ من هو المطارِد و من المطارَد (المشهد ليس مطاردة بالضبط و إنما صراع بين اثنين كل منهما يتحين الآخر ليقتنصه و يطارده)؟ تصعب الإجابة كثيراً. كيف تحرك الراوي, بعد انتهاء هذا المستوى من اللعبة بينما المفروض أن تتجمد الحركة على الشاشة, لأجل كشف القناع عن عدوه/أبيه؟ ينتهك اللاعب إذن قوانين اللعبة لأجل التيقن من أن أباه هو القتيل (لا لأجل قتله. هو قد قتله في أثناء اللعبة, بشكل شرعي و قانوني تماماً). يحدث القتل كجزء من قواعد اللعبة و إنما التثبت من هوية القتيل فهو ما يحتاج للفانتازيا لكي يتم التعبير عنه. هذا ملمح هام في المجموعة, تحييد البشاعة (هي التي تتم وفق القوانين) و تصوير الأفعال الأكثر اعتيادية باعتبارها أفعال مفارقة.
و في قصة (الضفة الأخرى) التي تحمل المجموعة اسمها تقيم فتاة علاقة تليفونية مع الراوي الذي يلتقي بها بعد أن يعرف أن اسمها هو ريم مراد, و عندما تنقطع عنه لمدة ثلاثة أيام يتصل بها و يرد عليه أبوها. يطلب الراوي الأنسة ريم مراد و يجيب الأب المكلوم بأن ابنته قد ماتت, انتحرت منذ خمسة أعوام. من كانت إذن البنت التي أقام الراوي معها علاقته التليفونية و كيف تقمصت دور البنت المنتحرة؟ كانت البنت قد صرخت في الراوي مرة "لست أنا... لست أنا..." فما الذي تعنيه هذه العبارة؟ هل اختلق عقل الراوي شخصية البنت و حاورها ثم تأكد له وجودها مع اختلافات بسيطة و أولها أن البنت التي أحبها "تحب المرح و النكتة. تحب الحياة" بينما البنت الحقيقية قد ماتت و شبعت موتاً؟ أم أن روح البنت قد عادت إلى بيتها و مضت تمارس حبها الغابر للحياة تليفونياً مع الشباب في بيوتهم؟ هذا البعد يظهر هنا و هناك في المجموعة, البعد الميتافيزيقي و عدم التيقن من إن كانت "هذه الأشياء تحدث" أم لا, كما يكتب الكاتب في قصته (الليلة السابعة) و التي تستلهم اجواء مشابهة, أجواء تبدو فيها قوانين العالم هشة و يتم اختراقها من قبل الجن (الليلة السابعة) أو الأرواح (الضفة الأخرى).
و يواجه البطل طيات الستائر في قصة (بداية) حيث تقوم طيات الستائر بدور الجمهور الذي يصفق له, غير أن هذا يتكشف لنا تدريجياً. في البدء تركز الكاميرا على البطل الواقف على منصته و على سماع صوت التصفيق ثم تتراجع الكاميرا شيئاً فشيئاً لنكتشف الجمهور الحقيقي للبطل, طيات الستائر. يسمع البطل اسمه يتردد فيعض شفتيه "لأنه قد عاهد نفسه مراراً على المغادرة قبل أن يسمع اسمه يتردد فى جنبات الفضاء العظيم المحيط به". أهو تدلل الفنان, أم هو الرعب من مواجهة انعكاس الذات ممثلة في الاسم؟ على العموم تبدو هذه القصة معتمدة على عوالم مسرح العبث, في صورته الأكثر وحشية و عزلة, و تقنية انسحاب الكاميرا لتواجه البطل بجمهوره الأصلي (الفضاء العظيم) هي ما تزيد من عزلة البطل. العزلة هنا لا تحدث تدريجياً و إنما فقط يتم اكتشافها تدريجياً, و هي عزلة تسعي لتكون معزولة حتى عن سماع اسم صاحبها نفسه. يتم تخفيف هذا الجو الموحش في قصة (هناك عند المنعطف) عن طريق إكساب الأشياء وجودها الإنساني, و هو ما يعمق, بدوره و في مفارقة مرعبة, كذلك من العزلة التي يعيشها الراوي. يتحرك الراوي بين الأشياء التي يلقي عليها التحية تلو التحية "الطرقة طويلة و بجوارها البوفيه. ألقيت عليه التحية, و أنا أمر بجواره متحاشياً النظر إليه. تذكرت أني خرجت دون أن أحييه. مددت نظري للمطبخ القابع في آخر الطرقة بنوع من الحرج. فكرت أنني لابد و أن أرجع لعادتي القديمة بإلقاء السلام بصوت عال على أصدقائي كلهم في الدخول و الخروج". أصدقاؤه هؤلاء هم الفوتيه و التليفزيون و المطبخ و السرير. يتألم الراوي من جروح الفوتيه الكثيرة و التي يقف عليها الذباب و الناموس و يفكر في تضميدها "إلا أن ذعري من تألمه المكبوت منعني من تخييط جرحه بصورة صحيحة", و يتململ من التليفزيون الطيب الذي يختار له قناة مملة غير أنه سرعان ما يؤنب نفسه "هم يفعلون كل شيء لأجلي و أنا أتململ و أشكو. ما بال القناة؟ إنها رائعة! يكفي أنه (التليفزيون) يتعب هكذا لإرضائي". تضحي الأشياء هنا شريكة للراوي في وحده هائلة و تلعب دور طيات الستائر في قصة (بداية) غير أن ما يميزها الآن هو درجة الحميمية التي تربط بين الراوي و بينها. الأشياء خرساء و إنما الراوي هو الذي يتكلم و يلقي السلام و يقوم بالأفعال كلها, و بخلاف نداء السرير له في نهاية القصة فلا صوت يصدر عن الأشياء, مما يزيد من كابوسية عالمه المعزول. هذه القصة من القصص القلائل في المجموعة التي تتسم بلغة أكثر عاطفية, و هي عاطفة إنسانية تماماً تهدف إلى سبغ أكبر قدر من الإنسانية على مفردات العالم الجامدة, و لا يملك القارئ إلا أن يبتسم بتعاطف مع الفوتيه المجروح و يدرك كم نجح الكاتب في جعلنا نتعاطف مع الجمود و الوحشة و العزلة.
يتطور البعد السريالي في المجموعة شيئاً فشيئاً, باستثناء قصص معدودة, ليصل ذروته في قصة (المعراج), و هي آخر قصص المجموعة مما يجعل اسمها هذا ليس اعتباطياً. في قصة المعراج يصعد الأسانسير, غير انه بخلاف أي أسانسير معتاد لا يتوقف عن الصعود, و يظل يصعد و يصعد بلا نهاية, مما يحيل على الفور إلى قصة المعراج في التراث الإسلامي. غير أن الراوي لا يصل إلى سدرة المنتهى, ما يعنيه هنا, و هو بذاته مصدر كابوسية القصة في آن, هو الصعود اللانهائي و ليس الوصول, و ما يصاحب هذا الصعود. في بداية القصة لا يشعر الراوي بضرورة أن يحدد طابقاً معيناً ليصعد إليه, وشيئاً فشيئاً تبدأ احتفالية الصعود: يدخل رجل أنيق و امرأة متأففة ثم طفل ثم نمر ثم شبح ثم يطل شيطان ثم "دخلت أفيال و دراجات و أسماك قرش ساهمة و نجمتان في حالة غزل". تدخل كل عناصر العالم غير المتآلفة كالكائنات الفضائية الملتحية و خراتيت و إخطبوط يبدو عليه الخجل و تدخل عربة ضخمة يحرص سائقها على ركنها بالشكل الأمثل. لا يتوقف هذا الصعود اللانهائي و إنما ينخدش فقط, ينفرج باب الأسانسير ليدلف ماء من كل اتجاه بعنف كالمطارد. من أين أتى الماء؟ هل كان الأسانسير في سدرة المنتهى بالفعل, استلهاماً للآية القرآنية ( و كان عرشه على الماء), أم كان على العكس في أعمق نقطة بالبحر, و كان المعراج معراجاً للأسفل؟ "خرجت الخراتيت و الأفيال سابحين و صدحوا بالغناء" و يخرج الأوكسجين في أثرهم أيضاً و يدخل الماء بلهفة ليلتحف برئتي الراوي. يغرق الراوي بينما يصدح الماء و الكائنات من حوله في الفضاء العظيم. على العكس من قصة "هناك عند المنعطف" يكون الصمت من نصيب الراوي و إنما الكائنات هي التي تقيم مهرجانها و لا يعكر صفوها إلا راو وحيد يصر على تشويش فرحتها و مواجهة بعد الاحتفال الأبدي ببعد الغرق الأبدي.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أغنية جديدة لعبد الوهاب. 2
- هيفاء وهبي.. حالة نموذجية بعيني مستشرق ما قبل هوليوودي
- أغنية جديدة لعبد الوهاب..1
- شوكولاتة
- ميلودراما انتهت بانتصار الضوء: ملك الفضائح و المسخرة
- موسم صيد الشيوعيين في معرض القاهرة للكتاب
- و المزيد من النظرات
- المزيد من العيون
- الفخامة المدوية لأم كلثوم.. عبد الحليم الإله الشهيد
- دمشق
- الرحابنة يصدعون عالمنا
- ليس هناك شخص اسمه احمد زكي
- اللحم و الأفكار
- بوابات لمناقشة تلمودية بين الربي عقيفا و الربي يشماعئيل
- HAHY
- - مجموعة الكل .. تمرد سكندري مهم على السلطة المعنوية للقاهرة
- مونولوج
- أوان الورد, بحب السيما و وفاء قسطنطين.. خلايا الألم القبطي
- في الرواية الأولى لمنصورة عز الدين.. متاهة تعاني من الانفتاح ...
- وصولاً إلى اللا مكان.. عن الدين و الأدب و العاب الكمبيوتر


المزيد.....




- لجنة التراث العالمي تدرج مواقع جديدة في قائمة اليونسكو
- موقع: فنان مصري يخفي ملامح ابنته يوم ميلادها بشكل طريف
- معز مسعود ساهم في إنتاجه وأخرجه محمد دياب.. مشاركة فيلم -أمي ...
- مسلسل -عائلة سيمبسون- يُعد حلقة كاملة لشيء لم يتم القيام به ...
- سعيا للتفوق على منافسيها.. نتفليكس تطور قسما خاصا لألعاب الف ...
- علماء الآثار يكتشفون الأقبية البيزنطية القديمة في إسطنبول
- دينا الشربيني تعيش قصة حب جديدة بفيلم -حامل اللقب-
- مجلس الحكومة يناقش غدا الثلاثاء مرسوم تمديد سريان مفعول حالة ...
- افتتاح معرض العروض العسكرية البحرية في بطرسبورغ
- دراسة: الموسيقى تُساعد في تجاوز أوقات الأزمات


المزيد.....

- معك على هامش رواياتي With You On The sidelines Of My Novels / Colette Koury
- ترانيم وطن / طارق زياد المزين
- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نائل الطوخي - الضفة الأخرى.. الرقص على إيقاعات العزلة