أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نائل الطوخي - اللحم و الأفكار















المزيد.....



اللحم و الأفكار


نائل الطوخي

الحوار المتمدن-العدد: 1081 - 2005 / 1 / 17 - 11:11
المحور: الادب والفن
    


عندما اقتربت السيارة البيجو من الكمين الذي أقامته الشرطة العسكرية بالتعاون مع الشرطة المدنية على مشارف مدينة السويس نظر رضا حوله في قلق و تسائل كيف يمكن له أن يتصرف في قطعة الحشيش التي بجيبه و في الملابس المدنية التي يحملها في حقيبته.. نعس قليلاً
أخفى قطعة الحشيش في حلمه.. استدعاها في حلمه (أي: حلم بها), أخذ الحشيش يتسرب إلى الحلم.. بنعومة.. أخذ وجود الحشيش في العالم الواقعي يبهت.. تركز ثقله على حلم العسكري العائد لوحدته..
تابع سائق البيجو ألاعيب العسكري.. في طرف المرآة.. رأي كيف نام العسكري و غط عند مرور البيجو بالكمين.. رأى كيف يغور البروز في جيب بنطلونه الزيتي.. و رأى كيف ترتسم على وجه العسكري آيات الرضا.. تلك الآيات التي لا يعرفها إلا واحد يحلم بقطعة حشيش و يوقن أنها قد انتقلت من جيب بنطلونه إلى حلمه..
و انطلقت البيجو..
على مشارف السويس تدافعت الأيدي لتمد للسائق أجرة السفر.. غير أنه كان واضحاً أن ثم من ركب ولم يدفع.. التفت السائق إلى العسكري.. و كان ما خمنه صائباً.. لم يكن العسكري موجوداً..
ابتسم السائق بتواطؤ.. فهمها بدون تفكير كثير.
حلم العسكري بقطعة الحشيش. هكذا استطاع إخفاء الحشيش عن عيون الشرطة.. غير أنه أخذ ينسرب هو أيضاً في حلمه رغماً عنه.. كغاز يتسرب من أنبوبة بوتاجاز..
و بدأ السائق يستمتع بملمس الأجرة الناقصة سبعة جنيهات. فهي الدليل الوحيد على أن أحلامنا تتسع لنا.. و هي الجملة التي رتبها في ذهنه السائق المثقف قبل أن يركب..
في يوم ما لم يعد عسكري إلى وحدته.. كتبت فيه شهادة غياب.. صنف الأمر على أنه هروب من الخدمة العسكرية و بدأ الإعداد لمحاكمته..
و لم يكن الأمر دقيقاً.. فالعسكري لم يهرب.. هو تسرب فقط في حلم نفسه..
تجلى العسكري في الحلم.. كان قد وعى أنه لم يعد هناك من يحلم به.. و أن العسكري الذي كان يحلم به إنما هو نفسه.. و هو قد انتقل إلى الحلم.. و هكذا وقع العسكري في أزمة وجودية.. قال أنا صرت محلوماً بي بدون حالم.. وصلت إلى هنا و لن أعود ثانية.. بلا أب و لا رب و لا ما يشدني للخارج.. ليس في هذا الحلم إلا قطعة حشيش يتيمة.. لأنني نسيت أن أحلم بشيء غيرنا, غيري و غير الحشيش, و لن أستطيع تدخينها فليس معي سجائر و لا معي أي شيء.. و سأموت من الجوع و من العطش و من العزلة.
على الضفة المقابلة كان السائق يحرر محضراً في الشرطة عن حقيبة بلاستيكية وجدت في البيجو خاصته بدون أن يعرف صاحبها.. حقيبة بلاستيكية وجدت فيها ملابس مدنية و محفظة فيها كارنيه الخدمة العسكرية عليها صورة لعسكري شاحب اسمه رضا تادرس عبد السيد.. لم يقل لهم أن العسكري كان معه ثم لم يجده..قال لهم لا أعرف ما هذا و وجدت الأجرة ناقصة سبعة جنيهات.. فقط.. و ذهب إلى شقة العسكري المحلوم به.. طرق الباب و أخبر أخا العسكري باختصار و طلب منه إبلاغ المخابرات الحربية لأن ما حدث جرم لا يغتفر.. ثم مضى في شقته الصغيرة بالسويس يتابع و تتلون عيناه بشر لا مثيل له.. لسبب ما وقر في ذهنه إنه إن نام فلسوف يجد العسكري أمامه.. في الحلم الذي صار بالتأكيد مملكة العسكري الخاصة.. و لذا لم ينم.. ظل صاحياً أربعة أشهر متصلة.. و مع كل ليلة لا ينامها ينحفر في عينيه شر جديد..
- من موقعي هذا, بشقتي في المثلث, أتابعك, أنت يا من ظننت أنك سوف تضحك علي, أنت يا من ظننت أنك ستفلت بتسفيري إياك لوحدتك بلا مقابل, خذ إذن..
كان يعلم أن العسكري في حلمه صار يموت ساعة بعد ساعة بلا طعام و لا شراب و لا شيء غير ملابسه الميري و قطعة حشيش, وبدون حتى كارنيهه العسكري, و لم يمد يده إلى الثلاجة لكي يخرج منها و لو بيضة مسلوقة و شربة ماء.. قال قواد أنا؟ تستعرصني؟ تسافر في عربة مدنية و تخفي في حقيبتك ملابس مدنية و قطعة حشيش و تريد أن تختبئ في حلم بائس لك.. و كأنني سأسكت عن الفوضى الضاربة في البلد و عن انتهاك القوانين العسكرية..
و عندما داهمه النعاس بشدة عرف أن العسكري قد مات أخيراً من الجوع و العطش.. نام.. و كان ما توقعه. لم يجد العسكري في حلمه.. أي أنه قد مات..
هنا بالذات بدأ ذهن السائق يتوهج.. هو يستحق شيئاً ما غير سيارة بيجو و طريقاً مترباً بين القاهرة والسويس.. هو يستحق حلماً كالذي ماتت فيه ضحيته المسكينة..
هو كان يحقد على العسكري.. و هذا ما دفعه لكي يكون في منتهى القسوة معه.. كان يحقد عليه و كان يكرهه.. لأنه اختار شيئاً تمناه هو دوماً ولم يحزه..
بدأ السائق الذي كان فنانا و مثقفاً في بناء حلم له. بدأ في تأثيثه بموسيقى و مشاهد سينمائية و ضباب كثيف و ألوان و ظلال.. حسب حساباً مع ذلك ليوم يسير في حلمه و يسمع أنيناً منبعثاً من تحت الباركيه لعسكري يتألم لأنه عاجز عن تدخين قطعة حشيش تلوح أمامه بكل غوايتها.. و لكنه لم يتراجع.. تألف الحلم الذي بناه من موسيقي لحمادة هلال و مشاهد من فيلمي الكيف و اللمبي.. و أضواء نيون في كل مكان.. و رخام و باركيه و رائحة لفواكه كثيرة.. و بدأ هو كذلك ينسرب شيئاً فشيئاً في حلمه.. تمت المسألة بسهولة.. فقط ظلت جثة العسكري تلوح للسائق في كل شيء.. العسكري ينزف دماً.. العسكري يتلوى من الجوع.. العسكري لا يستطيع تدخين قطعة الحشيش التي له.. العسكري سوف يقتلك.. سوف يقتلني.. و هو يطل برأسه تدريجياً من شقوق الباركيه.. و يسألني لماذا أبلغت عنه المخابرات الحربية..
و في أحلام السائق, و التي حلم بها بعد وصوله إلى الحلم الذي أقامه بعرقه, صار يحلم بالعسكري دوماً.. و صار يحلم بقطعة حشيش غير ملفوفة في سيجارة..
و هكذا لم يمت حلم العسكري الأول الذي اختبأ فيه من الشرطة العسكرية.. ظل الحلم حياً بنفس تفصيلتيه البدائيتين.. جسد العسكري و قطعة حشيشه.. و لكن هذه المرة كشبح يزعق مطالباً بالانتقام.. و عندما كان السائق يجلس في بهو حلمه مدخناً سيجارة.. كان يسمع أنيناً خافتاً لا يصدره إلا واحد غير قادر على تدخين الحشيش.. و صار وجه العسكري يبرز للسائق في تلافيف الهواء.. و كان السائق يتوقف عن مضغ طعامه عندما يلمح في طبق الفول الذي يأكله قطرات دم تهيب به أن يومه قريب و أنه سيموت بالظمأ إلى قطعة حشيش.. كان هذا عندما التمعت في ذهن السائق معلومة تأخر عن إدراكها فترة طويلة.. عرف أن العسكري لم يمت و انه يتحين الفرصة للانتقام منه.. انهار السائق و صار يمزق حلمه بكل الأشكال.. قال أنا هنا ملك لمن يطالب بدمي.. في الصحو سأرجع إلى حياتي.. و صار يمزق الستائر و يخمش الأرضية و يلتهم الخشب سعياً إلى الاستيقاظ.. و صار يحاول تذكر أي شيء من حياته السابقة عله ينتبه فيصحو.. و كان هذا عبثاً.. فقط جسد العسكري و قطعة الحشيش هما كل ما يتذكره..
كان السائق منهاراً عندما سمع وقع خطوات.. لم تكن وهماً.. كانت حقيقة.. خطوات تقترب.. يصير وقع الخطوات دوياً لا مزيد عليه.. ثم العسكري أمامه ينظر إليه بعينين جائعتين إلى الانتقام.. سقط السائق على الأرض.. أوقفه العسكري و نظر إليه.. تردد قليلاً ثم سأله معاك سيجارة؟
أخرج السائق سيجارة من علبة السجائر على الطاولة.. أخذها العسكري و انصرف..
و لن يراه السائق, الفرح بنجاته من الموت, بعد ذلك.. فقط سيقول في نفسه كأي وغد من النوعية المتوسطة هذا عسكري قذر, بدلاً من أن يعطيني السبعة جنيهات التي هو مدين لي بها يأخذ مني سيجارة..
و أخذ ثانية يحاول العودة إلى صحوه, قال من صحوي أستطيع استرداد منه كل شيء, السبعة جنيهات و السيجارة و كرامتي التي سلبها مني
فهو كان عاجزاً و ذليلاً و خائفاً
قال لنفسه هناك ذاكرتان ترتبطان بي, واحدة ترتفع بي إلى شمس الصحو و أخرى تهبط بي إلى قبو الحلم
مثلاً هو لم يستطع تذكر اسم العسكري, و الذي عرفه عندما نظر في كارنيهه العسكري, و عرف أنه إن تذكره فلسوف يظل أبداً خاضعاً لحلمه, سيظل مرتبطاً عضوياً بحلمه و بعسكريه و بسيجارة الحشيش و التي لابد أنها تحولت الآن إلى دخان و انتهى الأمر.. و لذا حاول أن ينسى اسم العسكري و ان يحافظ على نسيانه إياه..
و يحاول في الوقت نفسه تذكر أسماء أحياء في السويس والقاهرة.. هذا ما سيعيده إلى فوق.. حيث يتعرض لحرارة الواقع..
و في تجاذبه بين هاتين الذاكرتين و هذين النسيانين مات السائق.. كان يحتضر منذ وقت طويل.. هذا ما سنعلمه فيما بعد.. و قبل أن يموت أراد استدعاء العسكري من حلمه القصي.. جاءه العسكري و بين شفتيه سيجارة حشيش.. قال له السائق اجلس.. جلس العسكري.. قال له السائق.. بنيت حلماً جميلاً.. انظر.. الخضرة و حمادة هلال في كل مكان.. و أنت جئت حلمك عارياً.. إلا من قطعة حشيش و بدون حتى ما يثبت هويتك.. أوصي لك بكل حلمي.. و أسند رأسه على الوسادة و مات..
لم يفهم العسكري شيئاً بالطبع فهو كان تائهاً في دوائر الدخان الأزرق.. لكنه شعر بأن شيئاً جللاً قد حدث.. و لسبب ما أفلتت دمعة من عينه.. بدون أن يعرف أن السائق قد مات و قال في نفسه كان رجلاً طيباً بدون أن يعرف أن السائق قد مات و أغمض عيني السائق بدون أن يعرف أنه قد مات و صلى عليه مترنحاً بدون ان يعرف أنه قد مات.. كل هذا فعله بدافع من الواجب المحض.. شعر بأن شيئاً ما ينبغي أن يصنع فصنعه.. ثم جلس في حلم السائق و بدأ يضحك بوحشية لأنه عرف بشكل ما غامض أن هذا كله قد صار ملكاً له.. و تأمل كيف تكون الدنيا رحيمة بالناس.. قال انسربت أنا إلى الحلم كغاز يتسرب من أنبوبة بوتاجاز و لم أكن أملك إلا قطعة حشيش و صرت فجأة أملك بيتاً و موسيقى و خضرة و ألواناً كثيرة و, و هو الأهم من كل شيء, سيجارة حشيش, و مضى يدخن باحتراف, و عندما كان يفيق كان يعرف أن السائق قد مات و عندما كان يغيب في الدخان كان ينسى هذا, بدون أن يشغله أي منهما, المعرفة و النسيان, عن الإجراءات الضرورية, عن دفن السائق و الصلاة عليه و عن تسوير حلمه حتى لا يدخل المتطفلون.. و عندما كان يعرف أن السائق مات كان يعرف كل شيء تقريباً, كان يعرف كيف شهر به السائق في عالم الصحو و كيف جعل عودته مستحيلة بعدما أبلغ المخابرات الحربية عنه, و كيف همس لأخيه قائلاً أنه خائن لأنه هرب من واجبه الوطني و لأنه حمل ملابس مدنية في عودته إلى وحدته, و كان العسكري يغفر للسائق كل هذا.. عندما كان يعلم كيف كان احتضاره قاسياً و كابوسياً..
كان السائق, بعد أن أعطى العسكري السيجارة, يجلس حاقداً على العسكري, ذلك الذي خدعه في الصحو عندما سافر معه و وصل إلى مشارف السويس بدون أن يدفع السبعة جنيهات و في النوم, عندما أخذ منه سيجارة كانت أغلى بالنسبة له من بيته الفاخر و حمادة هلال خاصته, كل ذلك بمعونة انتقام لم يكن يفكر فيه العسكري أصلاً و لا هو كان قادراً على تنفيذه, و كان يصرخ شاعراً بأنه كأي مخدوع في الدنيا, غبي و ذي قرون, و كان يجأر بالقول لا ليس في أحلامنا متسع لنا. أنا و العسكري لا يسعنا حلمان متجاوران, و كان يفكر في قتل العسكري, و فورما كان يفكر في هذا كانت الموسيقى التي عمر بها حلمه تحول إلى صيحات تطالب بالثأر و كان الدم يندفع إلى كل الثنيات في البيت الفاخر, مذكراً السائق بأنه كان هناك شيء ما ينبغي أن يصنع, و كان يحاول العودة إلى صحوه عن طريق تذكير نفسه بكل شيء
و شيئاً فشيئاً بدأ يتذكر
بدأ يتذكر تفاصيل عنيدة في البداية تأتي على استحياء
ثم بدأ هجوم الذكريات الأكبر
ذكريات تندفع من كل مكان, من كل اللحظات الماضية و الحالية, كل شيء كان مخلوطاً بكل شيء, أحقر الذكريات و أضألها
و بدأ عقله يفقد تركيزه, غير أن الذكريات لم تفقد تدفقها و لا اندفاعاتها الوحشية أفواجاً أفواجاً, و برغم كل ذلك, فقد شعر السائق أن العودة إلى الصحو هي آخر ما يمكنه, صارت الذكريات من الصحو تنطبخ في عقله, تتحول إلى أجزاء من الحلم ترصعه و تزينه و تضفي عليه مذاقاً أكثر كابوسية و كان السائق يتلوى و هو جالس,
لوى العسكري فمه قال" هذه معاناة واحد لا يستطيع الاستيقاظ من كابوسه"..
و بدأ عقل السائق يتلف تدريجياً, فسدت قطاعات منه, صارت كل الأفكار و الذكريات و التحليلات محملة بتعقيد لا ينتهي من التفاصيل التي تتكاثر و لا ترحم. وحده العسكري ظل في عقل السائق محتفظاً بنقائه الأول, بدون تفاصيل, لأنه لم يكن يحتاج إلى التفاصيل, كان يحتاج إلى الانتقام فقط. العسكري لا يريد سيجارة, العسكري يريد قتلي, و هو صورة واضحة و ذات بعدين ككل الأحلام, بخلاف كل التفاصيل الأخرى, هو الحلم الأصلي و الذي لم يوجد من يحلم به, و كل التفاصيل الأخرى التي تزورني هي هجين من الحلم و الصحو..
هكذا مات السائق.. تالفاً و مهزوماً و ذليلاً.. أوصى للعسكري بكل ما يملك لأنه شعر بالندم, مصاحباً بحقد أيضاً, و تلازم الندم و الحقد في قلبه.. تجاورا.. صار لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.. ذاب واحد منهما في الآخر.. فقط شيء واحد أمكن ملاحظته.. صوتان يصدران عن السائق.. كل صوت كسرسوب ماء ضعيف.. كانا مختلطين ببعضهما و لكن يمكنك تمييز أن ثمة صوتين أو سرسوبي ماء..
كان يقول أوصي لك بكل هذا يا فلذة كبدي و مهجة قلبي ولوعة فؤادي و كان يجأر بالصراخ أنت كلب حقير لا تستحق ما يفعله لك هذا السائق الأهبل.. تنازعته قوتان.. كل قوة كانت تملك منطقها الخاص.. قال السائق الأهبل سأموت الآن و أنا أجرمت في حقك كثيراً.. و قال السائق الحقود عشر سنوات قضيتها في الحلم لم أذق فيهم للنوم طعماً.. كان طيفك يراودني ويمنع عني النوم.. منعت عني النوم و أخذت مني سيجارة و سبعة جنيهات.. أنت حقير ليس لك إلا الموت حقيراً منبوذاً في ممر حقير من ممرات الحلم, و تدريجياً و بينما كل من السائقَين يدلي بمونولوجه اختلط كل مونولوج بالآخر.. و علا صوت كل من السائق الأهبل و السائق الحقود.. تداخل الصوتان..
كان العسكري أمام السائق.. سمع في البداية حفيفاً يأتي من مكان ما بالغرفة يشوش على كلام السائق.. لم يعرف من أين يأتي و حاول تمييز ماذا يقول هذا الحفيف و لكنه لم يستطع التمييز.. ثم اكتشف أنه كذلك غير قادر على تمييز ماذا يقول السائق المسجى أمامه.. اكتشف أنه منذ بداية السائق حديثه و هو لم يميز حرفاً واحداً مما يقول كما أنه لم يميز أي مقطع صوتي في هذا الحفيف المصاحب.. كان واعياً بأن السائق يقول كلاماً مهماً.. و هذا الكلام إما أن يرتفع به إلى أعلى عليين أو يهبط به إلى أسفل سافلين.. شيئاً فشيئاً وعى بأن صوتاً ما من هذين الصوتين سوف يرتفع به إلى عليين أما الصوت الآخر فلسوف يهبط به إلى سافلين.. و أراد أن يعزل نفسه عن الصوت الذي سيهبط و أن يتوحد في الصوت الذي سيصعد.. غير أنه ما كان له أن يعرف أي من الصوتين سيهبط و أيهما سيصعد.. قال لنفسه لأختار عشوائياً.. لأصم أذني عن صوت و لأستسلم للصوت الآخر..
و هذا خطر تماماً.. أراقب أنا العسكري من بعيد.. أحاول تحذيره.. أقول له عندما تصير في سني ستعرف أن التوقف خير من المغامرة و تطويح جسدك في الفضاء بما يقدمك أو يؤخرك.. أصرخ بأعلى صوتي.. لا يبدو أن العسكري يسمعني.. أقول له أنني اخترت له مصيراً جيداً و مضموناً و أهيب به أن يراجع ما كتبته من فقرات.. ينظر باتجاهي و لا يبدو أنه يراني.. يبدو أنه أصيب بعمى ما و صمم ما.. لا يسمعني.. كما لا يسمع صوتاً تخيله صوتاً هابطاً.. و امتزج صوتي بالصوت الهابط.. انعزل صوتانا في ركن الغرفة التي سيموت فيها السائق.. جلسا حزينين.. وعيا بأن العسكري نبذهما إلى الأبد.. و أنه لم يعد لهما دور في هذه الكتابة.. قال الصوت الهابط لصوتي أنا لست الصوت الهابط إنما العسكري هو من لا يعرف.. تململ صوتي و قال كلهم يقولون هذا.. و ابتسم الصوت الهابط بحزن لأنه اقتنع فعلاً أن كلهم يقولون هذا.. و أنه حتى و إن كان صادقاً فلن يتمكن أبداً من إثبات صدقه. ما كان واضحاً في هذه اللحظات هو شيء واحد.. تحول الصوتان إلى مقاعد الكومبارس في هذه الكتابة.. كانت المسألة كالتالي: العسكري و السائق هما بطلا الكتابة التي لها عناوين مؤقتة كثيرة و عنوان واحد سيستقر عليه الكاتب بعد لأي و هو (اللحم و الأفكار).. كان للسائق صوتان, واحد منهما استمع له العسكري و الآخر رفضه.. إذن فلم يعد للصوت الهابط من أهمية تذكر و لا هو سيواصل دوره في هذه الكتابة.. أما الصوت الآخر و هو صوتي أنا فهو لم يكن مرشحاً من الأصل لأخذ دور جدي في هذه الكتابة.. كان إسماعي صوتي مغامرة قد تفلح و قد لا تفلح. و هي لم تفلح.. نظر العسكري باتجاهي و لم يرني و أرهف أذنه فلم يسمع صوتي.. إذن فعلى الصوتان, صوتي و الصوت الهابط, أن ينسحبا على أطراف أصابعهما و يخرجا من هذه الغرفة و من هذه الكتابة..
و انسحبا فعلاً.. من الغرفة التي يموت فيها السائق و من دفتي الكتاب.. لم يسمع لهما صوت.. و طبعاً هذ بديهي لأن أحداً لم يسمعهما من الأصل فما بالك بصوتيهما.. التقيا خارج الغرفة و خارج الكتابة.. قال الصوت الهابط لصوتي هنا لا يشعر بنا أحد.. يمكننا أن نزعق كما نريد و أن نضحك و لا أحد يسمعنا.. لم يكن صوتي قد خرج بعد من حالة السوداوية التي داهمته بعد شعوره بعدم أهميته و كونه منبوذاً من حتة عسكري معفن.. قال صوتي للصوت الهابط تعالى لنمثل نحن مسرحية نكون نحن بطلاها.. قال له و يكون اسمها المهمشين يحدثون فقال له نعم هذا اسم جيد.. و مضيا يعدان خشبة المسرح و يستقطبان الجماهير من كل الأماكن و يحاولان وضع تصور لفكرة المسرحية..
قال صوتي للصوت الهابط سأجلس أنا و إياك في ركن المسرح و سنظل نتحدث.. و قال له الصوت الهابط و ماذا بعد أن نتحدث.. قال صوتي سنتحدث أكثر.. و لن نتوقف عن الحديث.. و هكذا حتى يمل المشاهدون و ينصرفون و يأتي مشاهدون آخرون.. بدت الفكرة جذابة للصوت الهابط.. لم يسأل حتى متى سيتم هذا و لا ما الذي سيميز حديثاً بداخل المسرحية عن حديث بخارجها.. فقط بدت له الفكرة مشوقة و مضى يطبع التذاكر لتوزيعها على المشاهدين..
عند رفع الستار كان المسرح قد امتلأ عن آخره.. جاء ناس من كل بقاع الدنيا ليشاهدوا كيف يتحدث المهمشون.. بيعت التذاكر عن آخرها.. و لحظة رفع الستار دوت القاعة بالتصفيق الذي سمعه الجميع. جلس صوتي على كرسي واضعاً ساق على ساق و أمامه جلس الصوت الهابط و ارتبكا في البداية.. نظرا إلى الجمهور الهائل و اعتقدا أن أي خطأ سوف يكون خطئاً عالمياً.. خطئاً ينقل في التو إلى جميع بقاع الأرض.. لم يعرفا فيما يمكن أن يتحدثا.. مرت برهة قبل أن يقول صوتي بصوت خجول نحن نتحدث فقال الصوت الهابط نعم نحن نتحدث.. و مضيا واحد منهما يقول نحن نتحدث ويرد عليه الآخر قائلاً نعم نحن نتحدث إلى أن شعرا بأن شيئاً ما قد يكون أفضل لو قيل, و هو شيء بالضرورة غير نحن نتحدث نعم نحن نتحدث, و كانت البداية بالصوت الهابط الذي قال حتى و إن لم نكن نتحدث فنحن ننوي أن نتحدث.. و عادا بعدها أوتوماتيكياً إلى نحن نتحدث نعم نحن نتحدث. بعد أشهر فقط قرر كل منهما أن يكسر هذه الرتابة و أن يلقي بمونولوج طويل يشرح فيه حياته و ظروفه و ما الذي أدى به إلى هنا, إلى خارج غرفة السائق الذي يموت و خارج هذه الكتابة, و بدأ كل منهما يتكلم, باستفاضة و في نفس الوقت, و تجاور صوتاهما كسرسوبي ماء لا يمكن تمييز واحد منهما عن الآخر و إن أمكن تمييز أن ثم صوتاً و أن ثم صوتاً آخر و تجاور الصوتان و ظهر خيار جديد أمام المشاهدين, أن يختار كل واحد منهما صوتاً واحداً فقط ليسمعه, و هكذا أدرك كل مشاهد أن ثم صوتاً يهبط إلى أسفل سافلين و أن ثم صوتاً يصعد إلى أعلى عليين و مضى كل واحد منهما يختار, وفقاً لرؤيته و لتركيبته لنفسية, الصوت الذي يعتقده صوتاً هابطاً أو الصوت الذي يعتقده صوتاً صاعداً
و ظلا هكذا, اكتشفا فجأة أنهما قد صار لهما خمس سنوات يتحدثان, و أن واحداً منهما لم يكن يسمع الثاني و إنما كان يتحدث فقط..
و اكتشفا أيضاً أنه عليهما البقاء حتى النهاية هنا, أنه ليس من معنى لأن يغادر واحد منهما المسرح, أن الدائرة الضوئية التي يجلس فيها كل واحد منهما صارت هي دنياه, هي مصيره الذي انتهى إليه, و يتوالي المشاهدون عليهما, يسمع واحد منهم خمس دقائق ثم ينصرف, و هذا كان كافياً جدا لكي يعلم الجميع بكل ما قاله صوتي أو الصوت الهابط على المسرح.. فلم يكن واحد منهم يقول إلا فقرة واحدة تتكرر آلياً فور انتهائها.. كان يتحدث فيها عن معاناته طوال السنوات الماضية حتى وجد نفسه مطروداً من غرفة سائق سيارة بيجو يحتضر, لم يكن يرويها بشكل عاطفي زائد. بالعكس, كان يسرد عدة جمل بحيادية كانت تثير في المشاهدين رغبة عارمة في البكاء, سواء منهم من اختاروا سماع الصوت الهابط أو من اختاروا سماع الصوت الصاعد, و كانت المشاهدون يخرجون مناديلهم و يكفكفون دموعهم و لربما سقط غير واحد منهم مغشياً عليه
هذا ما كان يقوله صوتي:
"ولدت في يوم ما, و تخرجت في يوم ما و عملت في يوم ما, كل شيء في حياتي صار في يوم واحد هو يوم ما, و عندما طردت من غرفة السائق الذي يحتضر بعد أن رفض العسكري الاستماع لي سرت لا ألوي على شيء وقررت تمثيل مسرحية."
و هذا ما كان يقوله الصوت الهابط:
"ولدت في يوم ما, و تخرجت في يوم ما و عملت في يوم ما, كل شيء في حياتي صار في يوم واحد هو يوم ما, و عندما طردت من غرفة السائق الذي يحتضر بعد أن رفض العسكري الاستماع لي سرت لا ألوي على شيء و قررت تمثيل مسرحية."
يجدر بنا الآن أن نشير إلى شيء ما كان يحدث تحت, بين كراسي المتفرجين, و هو كان يوازي ما كان يحدث فوق, على خشبة المسرح. صوتي كان يجلس على يمين المسرح, أما الصوت الهابط فكان يجلس قرب اليسار, و كان هذا يستتبع وجود صوت يساري و آخر يميني, و الاثنان كما قلنا كانا كسرسوبي ماء مختلطان ببعضهما, غير أن أحدث إحصائية أثبتت أن معظم المشاهدين اليساريين كانوا يفضلون الصوت اليميني و أن معظم المشاهدين اليمينيين كانوا يفضلون الصوت اليساري, و أن هذه الفوضى إنما تسببت فيها إدارة المسرح عندما لم تسأل كل مشاهد ماذا يريد أن يسمع و بالتالي لم تفعل شيئاً لتمنع صدفة بشعة و غير مفهومة كتلك من التكون و من أن تكون لها مضاعفات خطيرة.. لم تكن الصدفة مفهومة أبداً, و هي كانت ككل صدفة, لا يمنعها تكرارها المطرد و المبالغ فيه من أن تكون صدفة, و قد تتحول إلى أن تشكل الحياة نفسها بدون أن تصبح قانوناً معترفاً به للحياة. هل يمكن القول أن شيئاً ما كان يجذب الجمهور المستقبلي للصوت الهابط إلى يمين المسرح أو العكس, أو هل يمكن القول أن قوة غامضة دفعت صوتي إلى الجلوس على يمين المسرح؟ لا يمكن بالطبع.. إنها سماجة الصدفة, و تكرارها الذين لم يصعدا بها درجة لتكون شيئاً ما أكبر من شيء ما عرضي, شيء ما جاء هكذا.. و يحل نفسه من أي مسئولية تجاه تفسير قوانين العالم..
حدثت عدة مشاجرات بين المشاهدين نتيجة لهذا, كان جهد فك أحد سرسوبي الماء عن الآخر قد أصبح مضاعفاً, و عندما كان يتداخل أحد الصوتين بالآخر في أذن احدهم, كان يفقد تركيزه حتى النهاية. و هذا كان يعني تضييعه فرصة ذهبية ليطلع على معاناة عظيمة ولدت موهبة مسرحية جبارة كتلك. و هو ما كان مكتوباً في الإعلانات عن المسرحية (موهبة ولدت من رحم المعاناة, بالأمل و الجهد الشاق نحفر طريقنا في الحياة, عمل عظيم هو نتاج لألم عظيم), و هو ما دفع جماهير الناس لتشاهد هذه المسرحية, جماهير الناس التي لم تستطع حبس دموعها و لا انفعالاتها و هي ترى صوتاً طريداً و منفياً يأتي ليؤسس عملاً فنياً هو حياة بديلة, أو بالأحرى أصلية, له. غير أن جماهير ساذجة كتلك لم تكن تعرف ما يدور في كواليس العرض. في نفس كل صوت الأكثر عمقاً, بعد خمس و عشرين عاماً من بدء عرض المسرحية. كان صوتي يفكر و يعذبه الشك و الألم. كان يخاف من أن يبقى هكذا حتى نهاية عمره, أسير دائرة ضوئية على خشبة مسرح يحكي معاناته للناس. و شيئاً فشيئاً بدأ يسرب جمل أخرى إلى الجمل التي يقولها, شيئاً فشيئاً بدأ يلقي نكاتاً و يدخل في حوارات مع المشاهدين, و بدأت تتسرب دموعه إلى الجمل التي كان يلقيها سابقاً بمنتهى البرود و الأوتوماتيكية, و بدأ يحاول الإكثار من التطلع إلى الناحية المقابلة. كان صوتي يتطلع إلى يسار المسرح, حيث جمهوره الحاشد و بدأ الصوت الهابط يتطلع نحو اليمين حيث جمهوره المحتشد. لم تكن بوادر الصراع على مكان كل منهما في الكون قد اتضحت بعد, و لو كانت قد اتضحت لما كانت المآسي التالية قد حدثت لأنها كانت ستنتهي بالتراضي التام, و بالقول بأنه ما كان لليمين فهو لليمين و ما كان لليسار فهو لليسار.أما الآن فقد ظل صوتي يتطلع بحقد و بغيرة نحو اليسار, إلى حيث يجلس الصوت الهابط, و يقول في نفسه هاهو يحرمني من الاتصال بجمهوري, فهو كان واعياً, و معه حق في هذا, بكون الجزء الذي يلقيه في المسرحية هو أروع بما لا يقاس من الجزء الآخر, الذي يلقيه الصوت الهابط, و كان واعياً, و أيضاً معه حق في هذا, بأنه لو أتيح له يوماً ما الاتصال بجمهوره فلربما يكون لهذا تأثير على مستقبل المسرح يسهم في تدشينه واحداً من أقطابه المحدثين..
هو لم يكن متعاطفاً مع الجزء الأيمن من المشاهدين, قال هم لا يهتمون بي و لا يريدون إلا مواصلة التطلع نحو يسار خشبة المسرح, و هذا هو ما يفهمونه, هذا هو ما يفهمه أي شخص متوسط الذكاء, ما يقوله الصوت الآخر تافه و غبي و لذلك يفضله المشاهدون محدودو الثقافة, و كان يرسل إيماءات طول الوقت إلى مشاهديه بالجزء الأيسر من المسرح: أن استولوا على مقاعدكم, تلك التي مكانها في الجزء الأيمن, هذا هو مكانكم الأصلي و كانت الجماهير غير واعية بهذا في البداية و تطلب هذا زمناً طويلاً طويلاً حتى يدرك المشاهد معنى الإيماءات
فكل مشاهد كان لا يجلس في مكانه أكثر من خمس دقائق كما أسلف, و هو وقت لم يكن يسمح بتكوين أي وعي تراكمي, غير أن الإلحاح على نفس التيمات و نفس الطبقة من الصوت و نفس حركات اليدين, كل هذا ما كان له إلا معنى واحد,
كان لصوتي كاريزماه الخاصة جداً
لم يكن ثورياً كالأبطال القدامى, متحمسين و يزعقون بالأحلام و باليوتوبيات..
فقط كان يملك القدرة على تضمين التحريض الأكثر قوة في أرهف الكلمات
و هو ما كان يفعل فعله لدى جمهور متعطش لأن يجلس في النصف الأيمن من المسرح .. جمهور لا يفهم إلا صوتي و لا يسمع إلا إياه, و صار محترفاً في فك سرسوب المياه عن السرسوب الآخر
شيئاً فشيئاً بدأ جمهوري, و هو عينه جمهور صوتي, يتململ, بدأ يقوم الواحد منهم في إثر الآخر ليتطلع إلى النصف الأيمن من المسرح, بدأ يتقدم بخطوات بطيئة نحو المقاعد في ذلك الجزء,
بدأ الأمر بخمسة مشاهدين طوال القامة, تقدموا ببطء نحو القسم الأيمن من المسرح, ساروا في طريقهم غير مبالين بصيحات الاحتجاج التي توالت عليهم من المشاهدين اليمينيين الذين كانوا لا يستطيعون الرؤية جيداً بسببهم.. كانوا يحاكون خطى عسكري قديم يباغت سائقاً قديماً في حلمه.. وقفوا أمام الصف الأول من الجزء الأيمن مرتصين بجوار بعضهم و سألوا بصوت واحد بطيء اللكنة "فيه سجاير؟". و لما لم يرد أحد من اليمينيين بسبب انهماكهم في متابعة كلمات صوت يساري يتحدث بحنكة عن معاناته, انهال المشاهدون الخمس بقبضاتهم على الجميع, كانوا يصرخون عاوزين سجاير يا ولاد القحبة يا كفرة.. و هنا اندلعت المذبحة..
جيش يساري ثائر ينتظر إشارة الهجوم ليهجم على مشاهدين يمينيين لكي يلتحق بقائده اليميني المتطرف في أقصى المسرح, و مشاهدون يمينيون لم يعرفوا بعد متعة أن تترك مواقعك لتلحق بقائدك العسكري الذي يقف على النقيض المتطرف من توجهك الفكري,
لم يتبق أحد من اليمينيين المتعفنين و سيطر اليساريون على المسرح.. جلسوا على يمين المسرح و بدأوا يستمعون بشغف إلى قائدهم اليميني
أما الصوت الهابط, ذلك الصوت اليساري الذي يقف معزولاً عن جماهير هي الآن عند رب كريم, فقد بدأ يتحدث بنبرة أكثر خفوتاً و حزناً, عن معاناته و عذابه و أن كلهم قد تركوه في النهاية, و بدأت قصته تأخذ منحى أكثر عاطفية, غير أن صوته لم يتخل عن موازاته لصوتي, و بدا أنه لن يتنازل عن هذا أبداً, عن كونه جزءاً من منظومة صوتية تضم سرسوبي ماء. كان حزيناً و رقيقاً..
قائداً كان بلا جماهير.. كان يكرر مقاطعه التي ظل عشرين عاماً يرددها بدون توقف, كان يرددها الآن بخشوع أكثر و بتوهج اكثر ربما
رأى أمامه الصعود البهلواني لعدة مئات من الناس إلى المسرح, التحامهم بقائدهم, سيطرتهم على مقاليد الأمور, و رأى أمامه انزوائه هو إلى ركن المسرح يسعى عبثاً لإسماع صوته
سيطر اليساريون, ملتحمين بقائدهم اليميني, على المسرح, و الذي كان قد تحول إلى عالم واسع, و بقى القائد اليساري بدون جماهير من أي نوع منطوياً و مستبعداً, هذا كان يضنيه, و كان أحياناً, عندما يختلي بنفسه, بينما يكرر آليا فقراته, كان يقول عال! عدة مئات من الرجال يسيطرون على عالم واسع هو المسرح بينما يقف الشعب, و هو أنا, طريداً و حزيناً,
و فكر في عمل احتجاجي, فكر في تنظيم تجمعات, فكر في إسقاط الحكومة, او في إشعال الثورة عليها, فكر في ممارسة العنف ضدها,
هنا كان الصوت الهابط يتحول ليكون اكثر فعالية, عرف ان الحياة لا تكمن في ترديد معاناته على مسامع لا- جمهور أصلي, و إنما في الفعل و التحرك لإنقاذ الشعب و البلاد من سيطرة عدة مئات من الجهلة و انصاف المثقفين على الحياة. اختار موقعا نائياً, قال من هناك سأدير حربي, مضى يحدث نفسه, باعتبارها واحداً من الشعب, و يقول لها هل تعرفين ماذا فعلت هذه الحكومة بنا, فتقول لقد أذلتنا و أهانتنا, و مضى يحادث نفسه, باعتبارها واحداً آخر من الشعب, و يقول لها هل توافقين على ما تفعله الحكومة فتقول أعوذ بالله, والله لو خيرت بين الموت و بين الخضوع لاخترت الموت. و هكذا بدأ يكون وعياً ثورياً لدى الشعب, ضد مجموعات قليلة تتحكم فيه.
سار في مظاهرة ضمته هو فقط, مع أنفسه, إذا توخينا الدقة, هاتفاً ضد كل من يتصور أنه يمكن السيطرة على شعب عظيم و أبي مثله.
في نفس الوقت كان الصوت الهابط شخصاً يتسم بالمهنية العالية, لم يسمح لوعيه السياسي المناهض أن يعطله دقيقة عن عمله الروتيني, عن سرد معاناته العظيمة, و التي بدأت بمولده و انتهت بطرده من غرفة السائق المحتضر و من هذه الكتابة, على لا- جمهور يتحرق شوقاً لمعرفة كيف ينتج الإبداع العظيم من رحم ألم عظيم. و كانت مقاطعه, مثلما كانت في الماضي كذلك, تمتزج بمقاطع رأس السلطة, أي صوتي, في تماه مضحك بين الشعب, و هو مفرد, و بين الطغاة, و هم جمع, هؤلاء الطغاة الذين بدأوا مع الشعب ذاته رحلة المعاناة و النفي.
قد يكون مستحسناً هنا ان نستبدل اسم الصوت الهابط باسم الشعب و أن نستبدل اسم صوتي, مضافاً إليه جماهيره, باسم الطغاة عندما نشير إلى علاقة الحاكم بالمحكوم التي تربط بين طرفي المعادلة, و أن نحافظ على تسميتي الصوت الهابط في مقابل صوتي في حال الإشارة إلى علاقة التماهي الصوتي التي تربط بينهما. هكذا يعطى لكل صاحب حق حقه في فقرة وحيدة تالية هي كل ما تبقى من سرد لمعاناتهما.
في كل مكان كان يمكن للمرء أن يسمع الصوت الهابط ممتزجاً بصوتي, كان الصوتان يشكلان معاً صوتاً ثالثاً رخيما, و مؤثراً, و مع مرور الوقت اخذ هذا يؤثر على الصراع الشرس الذي كان يدور بين الشعب و الطغاة, فالجميع, الشعب و الطغاة, كانوا يتوقفون عن ممارسة حربهم الدموية إذ كانا يسمعان هذا الصوت الثالث يسرد معاناته, الصوت الهابط الممتزج بصوتي. أي عندما يستمعان لصوتيهما. و في نفس الوقت كان الصوتان الصوت الهابط, ممتزجاً بصوتي, يتوقفان عن الانضفار سوياً إذ يلمحا نفسيها, أي الشعب و الطغاة, يصارعان بعضهما, و مع مرور الوقت و تفاقم الحالة, توقف كلاهماعن ممارسة أي نشاط من نشاطيهما التقليديين, و لما لم يكن لديهم أي نشاط آخر ليمارسانه, فلقد وقفا عاجزين عن فعل أي شيء, توقفا عن الفعل, أي عن الحياة, و مضيا يضمران.
هنا فقط أيقن العسكري الذي يستمع لوصية السائق المحتضر أنه قد أصاب الاختيار, و أن صوت السائق الذي نبذه كان هو الصوت الهابط, بما أنه من مات من تلقاء ذاته و بدون مساعدة من أحد, كما أصاب الاختيار عندما رفض الاستماع لصوتي و قرر المقامرة و اختيار صوت للسائق كان صائباً في النهاية. مضى السائق يلقي وصيته, و نحن لا نعرف أية وصية فيهما ألقاها, الوصية التي تحمل حقداً مفرطاً أو تلك التي تحمل ندماً مفرطاً. غير أن العسكري كان يهز رأسه بتأثر مع كل حرف فيها, و هذا جائز في الاحتمالين, و عندما أسلم السائق الروح تماماً, و أغمض العسكري عينيه و صلى عليه, تذكر أنه هو نفسه لم يعرف أي وصية أوصى بها السائق, حاول أن يتذكر و لم يتذكر, فقط قال بهدوء: أياً كان ما قاله فبيته بيتي من الآن, طالما لا أحد غيرنا في حلمنا الشاسع هذا. و مضى يدير شرائط حمادة هلال و يرقص عليها بوقار و رصانة بالغين, يتناسبان و جلال الموقف و حرمة الميت.
كان يطوح جسده في الهواء, يرتفع
يعلو و يعلو,
يندلع جسده في السماء, تشتبك ذراعاه سوياً و يهتز ظهره و كتفيه,
عند نقطة معينة كان يتوقف, كان يقول لو ارتفعت اكثر من هذا سنتي واحد للامست حدود الصحو, و هو ما كان بمثابة حكم عليه بقضاء أعوام و أعوام في السجن الحربي و ربما محاكمته محاكمة عسكرية كذلك, هكذا يرتفع به تمايله مع موسيقاه الخلابة إلى قاع السجن, و هكذا يكون انضفار صوت السائق الحاقد بصوته النادم, و هذا ما أحس به العسكري و إن لم يمض في التحليل إلى غايته الأقصى,
فهو قد ارتفع يوماً, ارتفع, علا في السماء,
كان يحس بنفسه على وشك الصحو, تتدافع ذكريات و أفكار إلى عقله بسرعة, ينتبه شيئا فشيئاً, يسخن رأسه, يبدأ في الإفاقة شيئاً فشيئاً,
على طول السنوات الماضية كان العسكري يوغل في الحلم, كان يبتعد كيما يصير الصحو أبعد شيء عنه, غير أنه الآن كان الصحو قد أمسى أمام عينيه, كان حمادة هلال يلتهب في دمه و هو لم يكن يملك التوقف عن الانتشاء بصوته و لا عن الرقص و لا عن الغياب الصوفي في دخان صوته, و مع كل غياب أكثر كان ينتبه أكثر, و يأخذ في الإفاقة. الآن يصحو العسكري تماماً.. ينتبه.. يفرك عينيه
و أبتسم أنا بمكر
أنا قد نصحته منذ البداية ألا يقامر.. نصحته ألا يسمع صوتاً و يهمل آخر, هنا كل شيء يثبت كلامي
العسكري ملقى منذ ثلاث سنوات في السجن الحربي, تبرأ أهله منه. قال أخوه يذهب إلى وحدته حاملاً ملابس مدنية, ياللعار, إتفو! زملاؤه في السجن و المدانون هم كذلك بجرائم تخص أمن البلد يعاملونه بعنف لا يخلو من اشمئزاز, كلهم يرددون يذهب إلى وحدته حاملاً ملابس مدنية, يا للعار, إتفو!
و هكذا أعود أنا, مسيطراً بقوة على النص و مثبتاً قدرتي التنبؤية و تحكمي في شخوصي, أعود بدون صوتي, فصوتي قد ضمر يوماً و مات بموازاة صوت آخر لا أذكر عنه شيئاً, أعود أخرس إلى النص, لا أملك نصح أحد و لا أملك إلا تشكيل حيوات تلو حيوات, بصمت تام و حاذق, كتابتي خرساء بهذا المعنى, أخلق قصصاً و لا أتكلم, أطارد العسكري, أنادي عليه و لا يسمعني
أنا أخرس أو العسكري أصم, أنا غير مرئي أو أنه كفيف,
نطارد بعضنا بعضاً هكذا, في كتابة لا يعرف فيها أحد منا الآخر, أو يتجاهله, في كتابة كتلك أكتشف عجزي المطبق عن الكلام, أكتشف أن كل ما أكتبه أكتبه بينما أنا صامت, لا أتحدث
صوت من إذن الذي يبرز من الكتابة؟
ثم دخيل أتي ليشوش علي الأمر وليتحدث بالنيابة عني.
و بدأت أبحث عنه, عن الدخيل, هو متوار في مكان ما من الكتابة.. استغلني ليكتب و ليقول تحت اسمي ما يشاء, و لنستعرض المتهمين, و هم شخصيات هذه الكتابة:
العسكري, السائق, صوتي, الصوت الهابط, الجماهير اليسارية , الجماهير اليمينية, أخو العسكري, و شخصيات أخرى كثيرة,
هكذا لا يمكن حصر التهمة في شخص أو في اثنين, و إنما يمكن فقط الاشتباه في , أو الاستبعاد المؤقت ل, و بدأت أمارس دور وكيل النيابة, و أنا مازلت اخرس كما أنا.
جلس أمامي السائق, ألقيت عليه السؤال الأول و لم يسمعني لأنني أخرس و لم يجب لأنه لم يسمعني. ألقيت عليه السؤال الثاني, مضى ينظر لي ببلاهة و كأني لم أنطق بعد. بعد قليل احتدم الصمت بيننا, كنت لا – أسال بعنف و كان لا- يجيب بتذلل. كان كل منا يحدق في الآخر و كأنه يريد ضبطه متلبساً بالنطق و لو كلمة. فالسائق عرف أنني إن نطقت فلسوف يكون ذلك دليلاً على بطلان التحقيق معه, و عرفت أنا إن السائق إن نطق فلسوف ينطق حتماً بأنه هو من انتحل صوتي. مضى كل منا ينظر في عيني الآخر صامتا, لم يسمح أي منا لنفسه أن ينطق, الاعتراف الصريح كان جاهزاً على لسان السائق و الاعتراف الضمني كان جاهزاً على لساني, و كان أي فتح للفم سيفجر الاعترافين واحداً في إثر الآخر..
لخمس سنوات ظللنا صامتين, نحدق في بعضنا, فناجين القهوة كانت تتوالى علينا, و الوجبات الساخنة والباردة و علب السجائر, و أمواس الحلاقة و الملابس النظيفة. دخل المساجين الحبس امامنا و قضوا فترات عقوبتهم و خرجوا و نحن صامتان يحدق كل منا في عيني الآخر
الاتهام فقط هو ما كان في عيني, اتهام عنيف لا يبقي و لا يذر, و الاعتراف كان في عيني السائق– متبوعاً باتهام آخر صغير فورما يسمع صوتي يلقي الاتهام. كنا ننام على أريكة صغيرة في الغرفة, أحيانا ملتصقين ببعضنا البعض, و هو ما كان ينتج الفعل الضروري جداً و الذي حتمته كل الظروف الموضوعية آنذاك, و كنا نحلم نفس الحلم تقريباً, أحلم بأنني انفجرت و صرخت بأن السائق قد انتحل شخصيتي و كتب تحت اسمي و هو ما يعد أكبر دليل عليه خرسي المطبق, كنت أصرخ بهذا بهيستريا و جنون, و كان السائق يصرخ أنا عملتها, عملتها, عملتها, ثلاث مرات دائماً هي, و كان يشفع هذا بالاسترحام بأن أتركه ليعود إلى عياله. و هكذا كنا نصل إلى النتيجتين الطبيعيتين في ذات الوقت:
1. أنا لست اخرس, فأنا أصرخ, أي لم تحدث جريمة
2. السائق هو من قام بالجريمة, هو انتحل صوتي, و هي الجريمة التي لم تحدث حسبما جاء في النتيجة الأولى.
هكذا كنا نستقر لخمس دقائق بعد أن نكون قد اكشفنا حلين متناقضين و متجاورين للغز لا يحتمل إلا حل واحد. هذا بينما في صحونا, يغزو كل منا الآخر بقضيبه في نفس الوقت, و لخمس سنوات. كيف كان يحدث هذا, كيف استطعنا التوصل إلى هذا الفعل الجنسي غير المتكافئ, أن أنط عليه و هو ينط علي في آن, لا أذكر بالتحديد, غير أن الراجح أن هذا ذكرني بشكل عكسي بفردتي حذاء يمين أو باثنين يبحثان عن حل للغز فيجدا حلين متناقضين و منطقيين و كلاهما صحيح, غير أن واحداً منهما فقط هو ما يجب أن يكون متواجداً, أما وجود الاثنين فيبطل وجود كل منهما على حدا.
المهم.. لم ينته صمتنا لعشرين عاماً.. شخنا و صار كل منا لا يسير إلا متوكئاً على كتف الآخر, و نحن متهيبان من نطق الصوت المحرم نطقه, في النهاية, اكتشفت أن الصمت صار يأكلنا, صرنا نتآكل من داخلنا و من خارجنا, قصر السائق خمسة سنتيمترات و أنا قصرت خمسة عشر سنتيمتراً, وعينا بهذا أمام المرآة, لم يقل لي: أنا كنت أقصر منك و الآن أنت صرت أقصر مني. و لم أجب عليه قائلاً: هذا صحيح تعالى لنقيس طولنا. و لم يذهب كل منا إلى المازورة و يرتكن إلى الحائط و يقيس طول رفيقه. لم يقل لي بعد ذلك: من أكلنا؟ و لم أرد بتأمل كئيب و شائخ: الصمت يا صاح. و لم يقل لي: لنتوقف عنه إذن فهذا مقرف كشخص يبلع الدود حتى يصير الدود يأكل معدته, و تكون معدته هي أول ما ينهار فيه, و بهذا تكون أول علامة على انهيار الشخص هي عدم قدرته على ابتلاع المزيد من الدود, حيث تخلص من معدته, فتكون أول علامات الانهيار هو الاطمئنان بأن لا انهيار قادماً في الطريق, ثم تتلوها علامات انهيار اخرى سريعة و متلاحقة. لم يقل لي هذا هو, لأنه كان مازال صامتاً, و كذلك أنا لم أرد عليه قائلاً أو ككاتب وضع أوراقه و نظارته و قلمه على المكتب و خلص السيجارة من بين يديه و وضعها بجوار أوراقه و خرج من المكتب لآداء بعض المهام و في الخارج استنشق رائحة التبغ و عندما عاد وجد السيجارة قد نفدت. أخرج سيجارة أخرى و عندما انشغل عنها كذلك لم تنشغل هي عن نفسها فقد كانت تنفد تدريجياً. و هذا كان مدخل الكاتب لكي يقرر أن السجائر تستغل عدم وجوده لتدخن نفسها و لتستمتع بطعم الدخان المنبعث من لحمها الخاص و تنفثه في وجه صاحبها و رمق الكاتب هذه المتعة بحسد. و هكذا قرر الكاتب أن يصحو ذات يوم ليجد نفسه قد دخن نفسه بالكامل حتى تنفد هي الأخرى. فمنذ سنين كان الكاتب يحترق بالأفكار و المشاريع و كان يريد تحويل هذا الحريق إلى دخان. كان يجلس و يغمض عينيه و كان يرقب عرقه و يقول شيئاً فشيئاً سيتحول السائل الملحي إلى دخان و شيئاً فشيئاً كان السائل الملحي يتحول إلى دخان بالفعل. كان يستنشق نفساً عميقاً عميقاً ثم يطرده فيخرج من أنفه و فمه و مسام جلده على هيئة دخان كثيف مزود برائحة اللحم الناضج على النار. صار مشهد الكاتب غير بشري بالمرة: كائن يندفع الدخان من بين ملابسه و من خلف نظارته ليلتحم بالهواء. بعد أخذ نفس عميق كان جسد الكاتب يتحول إلى جهنم. لا يميز الناس في هذه الأدخنة المنبعثة من لحمه ما بين قصص حب أو عرق أو أفكار خطيرة و مرعبة أو ليال قضاها وحيداً و انطبعت في ذاكرته بالداخل. كان الكاتب يحترق و على إيقاع هذا الاحتراق كان دخانه يصعد إلى السماء ملتحقاً بأدخنة قديمة لأناس قديمين. كانت رائحة الدخان تزعج المقربين من الكاتب لأن الدخان المتولد عن تدخين الكاتب لنفسه كان يماثل الدخان المنبعث من اثنين و خمسين سيجارة تدخن في نفس الوقت, و هذا بالطبع لأنه كاتب له مكانته و لأنه ليس مجرد عقب حقير لسيجارة واحدة. كان هو يستمتع بهذا التدخين و كان يرقب ذهنه يتحول إلى البياض شيئاً فشيئاً و وزنه يتناقص و لكنه كان موقناً أن دهنه و أفكاره و كريات دمه في مكان ما في السماء بعد أن تحولوا إلى دخان عميق و مرتب. و عندما أمسك مرة بالقداحة و قربها من مخطوطة رواية له كان يعي أنه إنما يساعد روايته على تدخين نفسها هي الأخرى, و هذا ما كان. كانت العبارات تبغ الرواية و كان التبغ ينضج على النار التي اندلعت فيه ثم ينطلق في صورته الجديدة إلى الفضاء. هذا الكاتب كان قد تمنى في إحدى قصصه السابقة أن يضرم النار في العالم كله ليستمتع برائحته و لكنه أدرك الآن أن ليس من شيء يدرك جمال رائحته بخلافه, بخلاف ذلك الشيء نفسه, و هو ما لا يتحقق في الحريق العادي و إنما في تدخين متواصل, شهيق ممتد ثم زفير اعتيادي لا يني يخرج كل ما كان في الباطن إلى الهواء. و عندما تدخن الأشياء نفسها هكذا و ترقص على جملة ما اجمل لحمي المحترق فمن المؤكد أن ثم أشياء عظيمة جدا سيتم إضافتها إلى عالم الدخان, هذا العالم الذي يبنى في مكان آخر بعيداً و يحاول توطيد أقدامه عن طريق عملية تدخين عكسية هي عبارة عن زفير متواصل ثم شهيق اعتيادي يلتقط دخاناً منسياً هنا أو هناك أهمله أصحابه أو تركوه متعمدين و لم يعد يصلح إلا لتأسيس نفسه من جديد بعد أن مل غلظة اللحم و الأفكار
هذا ما لم أقله للسائق, لأنني كنت أخرس, أو كنت أتوهم ذلك, و لأنني لو كنت قلته لكان السائق نام أثناء حديثي و لم يستمع إليه, و طبعاً أنا لم أكن أذكر له مثالاً عادياً و إنما نصاً كتبته بالأمس و أطلقت عليها مؤقتاً اسم (اللحم و الأفكار) و كان يهمني بالتأكيد رأيه فيها بصفته سائقاً مثقفاً يحب حمادة هلال. و مضى هذا النص يتوسع حتى شارف حدود هذه الكتابة و صار نواة لها, و هو المنفصل تماماً عنها كأب لقيط عثر عليه ابنه بجانب الملجأ أو الجامع, غير انه مع ذلك ظل اسم الأب ممنوحاً للابن بالرغم من العشوائية المتفجرة في اسم فخيم لأب ممنوح لابن غير مهندم و لا يعرف سوى اللعب في الشارع بملابس متسخة. هكذا منح اسم النص إلى هذه الكتابة, مثلما كان هو سبباً في الإتيان بها إلى الوجود.
و هكذا لم يقدر لأي منا, أنا و السائق, أن يعرف أنه يتآكل, يدخن نفسه, بالصمت الأخاذ, لأن أحداً منا لم يقل للآخر ما كتب هنا, و هكذا ظل صمتنا سادراً و عنفوانياً و كاسحاً, و ظل كل منا يتأمل الآخر حتى متنا و قرروا إلحاقنا بالقبر, في طريقنا نحو القبر تكلم السائق أخيراً. قال لي دعني أدلك على الطريق فأنا زرت القبر من قبل عندما مت أمام عسكري و نطقت بوصيتين متناقضتين, قلت له ذاك كان قبر الحلم, و قال لي و هذا الآن قبر الكتابة, أنت كاتب و أنا شخصية كتابية. تعالى لأدلك بلاش كلام فارغ.
كان السائرون في الجنازة قد انفضوا عنا و تركوا تابوتين ملقيين في العراء, كنت بداخل واحد منهما و بداخل الآخر خصمي و زميلي, مضى السائق يحاول تحريك التابوت نحو القبر, و كان هذا مستحيلا, في النهاية خرج من التابوت و قال لي اطلع سنذهب إلى القبر على الأقدام لينبسط الشراميط على الآخر. سرنا متوكئين على بعضنا. عند القبر ملنا على الأرض و مضينا ننبش في التراب و الأحجار حتى أوجدنا الفتحة البديهية و دخلنا فيها, قال لي السائق لا سأبحث عن قبر آخر فأنا لا أحب إلا الموت منفرداً. و مضى يبحث عن قبر آخر ليدفن نفسه فيه. في أثناء اضطجاعي الأخير سمعت همساً ضعيفاً و ناقماً يأتي من قبر مجاور.
قالت الجملة الأولى من الهمس:
إذن لم تكن أخرس يا بن القحبة.
و قالت الجملة الثانية من الهمس:
على كل فأنا من سرقت صوتك, لأنني لست عرصاً تتحكم فيه من أول الكتابة و يقول بخنوع حاضر يا سيدي. تظهره وغداً و أحمق و حاقداً و يردد هو بخشوع الحمد لله لقد كتب على الأقل شيئاً عني و في مرة قادمة سينشر صورتي.
و هكذا ظهر الحلان أخيراً, بعد أن ظهر إمكانهما قبل فقرات عديدة, و هكذا أمكن لي الموت قريراً بعد أن اطمأننت ليس فقط إلى صحة تصوراتي لما ستكون عليه هذه الكتابة, عندما ذكرت الحلين قبل أن يحدثا بعدة فقرات, و إنما أيضاً إلى العقم الأزلي الذي تمنحه فردتا حذاء يمين أو حلين متناقضين للغز واحد يلغي واحدهما الآخر, كما أسلف. في عقم كهذا يمكننا النوم أو الموت مطمئنين بألا شيء سيحدث, يمكننا الركون إلى الطبيعة المحيطة, إلى عدم تدخل الفعل الشرير لكي يدفع شيئاً لأن يحدث. و هو ما لم يكن دقيقاً تماماً, ففي موتي الطويل هذا سمعت أصواتاً, تقلبت ساداً أذني بالتراب لكي أتمكن من مواصلة الموت المطبق, غير أن الأصوات كانت تتعالى, كانت همساً فحيحياً يدور بين السائق و بين شخص آخر لم أميز صوته, شخص آخر هو متواجد في الكتابة و في القبر بالضرورة, حيث لا تخاطب إلا بين الأموات و الأموات, من يكون إذن إلا عسكرينا العزيز الذي مات منذ فترة طويلة في سجنه الحربي. أخذت بالمفاجأة و مضيت أتنصت, كانا يتحدثان عني, و كانا يمتدحانني بشكل مفرط و أخجلني. قال العسكري: كان الكاتب كريماً معنا إلى أقصى حد. قال السائق: أوصلنا إلى نهاية محترمة في قصته, اثنان محترمان يموتان في القبر ككل الناس المحترمين, هل هناك أروع من هذا؟ قال العسكري: و كان عظيماً تماماً. فكر السائق قليلاً و قال: لم يسألنا مرة عما نريده و إنما كان يعرفه تلقائياً و ينفذه لنا. قال العسكري و السائق في نفس واحد: نحن لم نر في حياتنا مثل الكاتب. و بدئا يدندناها, نحن لم نر في حياتنا مثل الكاتب, و بدأ العسكري يطرق على جدران القبر و بدأ السائق ينقر على عظامه,
نحن لم
لم لم
نر في
في في
حياتنا
نا نا
مثل الكاتب
تب تب
(و تستمر تب طويلاً و تتداخل مع نقر السائق على عظامه.. هل كانا يستعيدان بهذا مشهداً قديم لاثنين يقول احدهما للآخر نحن نتحدث و يقول الآخر نعم نحن نتحدث؟)
حينما سيقول العسكري للسائق و قد استبد به الندم: لم يكن الكاتب يستحق منا هذا المصير, قبر و دود و ظلمة و وحشة, و سيقول السائق لابد من إخراجه من القبر, حينها سيخرج اثنان من القبر, كتلتان من العفن هما يسيران, باتجاه القبر الذي أرقد فيه, أنا كتلة ثالثة من العفن, و يبدئان في خلخة الأحجار بعزم و إصرار, يخرجاني من قبري, أتطلع إليهما, لا أفهم شيئاً, النور يبهر بصري, أذناي تؤلماني, و كل فقرات جسدي تتأوه, لا أنطق بكلمة, و هما لا ينطقان بكلمة, ثلاثة كتل من العفن تتأمل بعضها, ليس بسبب صمت ما مضروب عليها و إنما لأن الموقف كان مؤثراً و موجعاً, في النهاية أنشج بصوت خافت, أسأل السائق و العسكري و أنتما ألن تعودا معي, سيقول السائق أنا عائد و سيتردد العسكري و لن يعود, سيظل ميتاً هنا
الآن قد يستحسن إلقاء بعض الضوء, على طريقة الكتاب الكلاسيكيين, على السائق و على العسكري:
(السائق يبلغ من العمر أربعاً و أربعين عاماً, متزوج و له طفلان, باسم و منة الله, باسم في الثانية عشرة و منة الله في الخامسة عشرة, متفوقان و الحمد لله, السائق يعمل سائقاً, و هو إنسان طيب و ذكي و يقل للأعور أنت أعور في عينه, ما في قلبه على لسانه, لا يعيبه سوى أنه نطق مرة وصيتين متناقضتين و أربك عمل الكاتب كله. مات قبل هذا مرة, عندما نطق الوصيتين إياهما, و مات ثانية, عندما أوصل الكاتب إلى قبره و قرر أن يموت هو كذلك, و ربما سيموت ثالثة و رابعة
فالموت مجاني تماماً بالنسبة له,
و هو فنان بشكل ما, يتعامل مع موته كما يجدر بفنان أن يتعامل مع موته, أي: كأنه عمل فني, يمضي السائق فور أن يموت في التجهيز لموته القادم, كيف يجب أن يكون و على أية هيئة سيبدو و ما حجم الدعاية التي يجب أن يحشدها له و هكذا. يجلس في البيت, يحسب على ورقة و قلم تكاليف الإضاءة و الموسيقى و إيجار القاعة التي سيتم فيها موته, و هي في الغالب شقته المعزولة بحي المثلث بالسويس, و لكن هذا لا يمنع من أن يحسب إيجارها, لأنه شخص مهني للغاية و لا يعني أن السائق سوف يموت في شقة السائق أن يعفيه من دفع إيجارها, لأنه يمكنك أن تتخيل لو كان السائق غريباً عن السائق, هل كان سيجامله في أمر كهذا, و عليه عليك ان تتخيل كم من الناس سيتمرمطون لمجرد فقط أنهم غرباء عن ذواتهم ولا يمتون إليها بصلة رحم و لو من الدرجة العاشرة؟
و هكذا عندما يكون السائق متأكداً تماماً أنه لم يترك تفصيلة في موته القادم إلا و حسبها, فإنه يموت مستريحاً, غالباً ما تكون النتيجة مطمئنة, أي أن الموت الحالي حصد من النجاح أكثر بكثير من الموت السابق,
و هكذا يأتي موت في إثر موت و السائق تزداد خبرته تدريجياً بهذه الأمور, تعلو أسهمه و يقترب من حافة النجومية
عندما قرر السائق العودة معي و ترك العسكري وحيداً, لم يكن نذلاً أو قليل الذوق إذ فعل هذا و إنما كان إنساناً يرغب بشدة في الحياة كيما يتمكن من الموت بعدها, كان يشتاق إلى الموت, أي إلى الاحتضار و إسناد الرأس على الوسادة و غلق العينين و إسلام الروح, أما موته الطويل في القبر فهو لم يكن يوفر له هذا, و قد شكا للعسكري أكثر من مرة قائلاً نحن في موت يشبه الحياة, نتحدث و نفكر و نمارس النميمة, و كان غير واع أنه تحول منذ سنوات إلى كومة من العفن, و هكذا كانت فكرة العودة إلى الحياة تعمل في صدر السائق بوصفها ستكون منفذه إلى الموت, أما العسكري فقد كان متردداً بشأن شيء كهذا, هو لم يكن مغرماً بالموت مرة في إثر الأخرى هكذا و إنما كان يقول مرة واحدة تجرب الشيء, ثم لا تجربه ثانية, حتى يمكنك تجربة أكبر عدد من الأشياء معاً, و هكذا جرب الموت مرة واحدة ولم يسع إليه ثانية.)
هكذا خرج السائق معي من القبر, و بينما التفت أنا إلى كتاباتي المتعددة كلجج البحور أو كبقاليل الماء الذي يفور كان السائق يضع اللبنة إثر اللبنة لموته القادم, أغلق ستارة منزله, و ارتكن علىالفوتيه, لم يعرف كيف سيموت و لا في أية ساعة.. كل ما وعى به أنه ما قام من قبره إلا كي يموت, و على هذا فإن أي إهدار للجهد في أي نشاط آخر سوى الموت و الاستعداد للموت هو من قبيل سوء استخدام العطية الممنوحة له, و هو قد استعد لموته جيداً. قال سيكون أعظم موت لي, و ذلك لاكتشافه الجملة التي ستتمكن من إضفاء الجانب الإلغازي على موته. ترك بطاقة على مكتبه من خمس كلمات و حرفا عطف و تشكلها ثلاثة و عشرون حرفاً (أنا مت أو انتحرت أو قتلت نفسي).. غير أنه لم يعمل حساباً للهواء الذي قد يطير بطاقته تلك.. و مضى يتخيل الجرائد تكتب عن موت هو لغز ليس بسبب عدم قدرة الطب الشرعي على تحديد أسباب الوفاة و إنما بسبب عدم القدرة على التحديد الفلسفي لطابعها, هل تعد العودة العامدة من الموت للاستعداد لآخر و انتظاره و مساعدته على آداء مهمته هو موت أم انتحار أم قتل. ليس الإلغاز هو كل شيء إنما التحدي الكامن لدى سائق بيجو رتب موته/ انتحاره/ قتله لنفسه بكل أناقة و حذق واضعاً في رأسه هدفاً واحداً فقط و هو تحديه لأي تقرير يسعى لفهم موته باعتباره موتاً او انتحاراً أو قتلاً لنفس بريئة هي نفسه.
طبعاً من نافلة القول إن السائق لم يمت. و أنه ظل عشر سنوات ملقى على الفوتيه يتوسل إلى الموت بتذلل مقزز, و قد تساقطت أسنانه, و بدا كهلاً مزعجاً (لا ينسين أحد تلك العشرين عاماً التي كانت قضاها قبالة كاتب أخرس أو متخارس, و لا ينسين أحد ذلك الميل السادي لدى الكاتب الأخرس أو المتخارس ذاته في بعثره سني سائقه على تلك الكتابة). لعشر سنوات ظلت البطاقة (أنا مت او انتحرت أو قتلت نفسي) تطيرها الريح في أرجاء مصر كلها.. تنقلها من يد إلى يد.. يقرأها الناس و يضحكون لأنهم لايفهمون.. حتى تقع البطاقة يوماً في يد الكاتب (و قد تحولت الإشارة إليه من الآن فصاعداً إلى ضمير الغائب) فيبتسم بمكر.. يقول هاقد تفوق السائق في موته هذا على موته السابق.. فالكاتب ظن أن السائق مات فعلاً أو انتحر أو قتل نفسه.. و تذكر موته الأخير عندما سارا سوياً, الكاتب و السائق, بتؤدة نحو قبريهما ككهلين محترمين. مضى الكاتب يسطر هذه العبارة في ذهنه (أنا مت او انتحرت او قتلت نفسي) و قال من المؤكد إن السائق نفسه لم يكن يعرف إجابة هذا السؤال, و هكذا يتطاول الفن/ الإلغاز على الفنان/ الملغز, و يلتهمه, يصير يأكله كما أكله الصمت من قبل. و لكن الكاتب لم يفطن إلى اختلاف طفيف بين مايراه و بين الحقيقة. كان الموضوع هو فشل مطلق للفنان في إبصار فنه و في الإيمان بوجوده, فهو ملقى على الفوتيه و يعتقد أن أن الورقة ملقاة على المكتب هامدة حزينة, هذا بينما كان فنه يطير في كل أنحاء العالم يسطر قصة نجاحه و يقرأه الناس و يضحكون (و يفهمون أو لا يفهمون, هذا لا يهم). أي أن الفن قد تحرر من فنانه أولاً ثم سيطر عليه بعد ذلك, و هو ما أدركه الكاتب في تحليله البارع, التهمه و أكله كالصمت. هكذا ينام السائق طول الوقت على الفوتيه بصالون منزله, يحلم أحياناً بملك الموت يزوره و يرتب الكلمات التي سيقولها له, و عندما يصحو يتجه ببصره نحو غرفة نومه, و هي القابعة فيها ورقته, كما يتخيل, و يتنهد بيأس و يعاود النوم.
ظل السائق جالساً على الفوتيه لعشر سنوات, اكتشف خلالها ان التجويف الذي انحفر في الفوتيه ليلائم مقعدته كان يغور يوماً بعد يوم, و أنه, أي السائق, كان يزداد اقتراباًَ من الأرض يوماً بعد يوم, و إذا أضفنا لهذا خمسة سنتيمترات كان الصمت قد أكلها منه قبل موته السابق, فلسوف يصبح سهلاً تخيل أن السائق فكر في أن كل شيء يربطه أكثر بالأرض, يمتزج بالأرض و يذوب فيها, بينما كانت الورقة التي كتبها تحلق في السماء و يحركها هواء لا يني يتوقف لحظة عن الدوران في العالم كله.
لم يعرف أبداً السائق بطيران ورقته إلى ما يشارف السماء, و لذا فقد قبل التجذر في الأرض بروح رياضية. و هكذا كان موته, التحاماً بالأرض و غواراً فيها, حتى لا يصبح ممكناً التمييز بينه و بين باركيه الشقة أو أنه يصبح في مرحلة تالية أكثر غواراً من الباركيه ذاته.
و هذا كان الافتراق الحاسم بين الفنان المرتكن و فنه المحلق. بعد خمسة عشر عاماً من جلوس السائق على الفوتيه بصالون شقته اكتشف أنه مات, لم ير الموت و لم يلاحظ مقدمه لينتزع روحه, فقط اكتشف يوماً أنه ميت, و أنه ربما يكون ميتاً منذ سنوات أو أشهر أو أيام, لا أحد يعلم. و عندما ستقع الورقة الطائرة في يد الكاتب ثانية, سيمسكها و يقرأها و يحفظها جيداً (أنا مت أو انتحرت او قتلت نفسي) و سيقول هذا نص مقطوع الصلة بكاتبه و بقارئه على حد سواء, فهو يحلق بعيداً عن كاتبه و هو يملك قراء بعدد سكان كوكب الأرض و لا أحد منهم يملكه, و هذه كانت فكرة مهمة بالنسبة للكاتب لأنه قرر كتابة نص اسمه اللحم و الأفكار يكون الكاتب مقطوع الصلة به أو يكون النص مقطوع الصلة بذاته, فهو كان يكتب في هذا النص صفحة على الكمبيوتر و صفحة بخط يده
و عندما يكتب بخط يده لا يكون متذكراً لما كتبه على الكمبيوتر و عندما يكتب على الكمبيوتر لا يكون متذكراً لما كتبه بخط يده و من هنا
ينتج نص ضعيف الذاكرة أو يتيم أو مصاب
بعته منغولي بسيط يبدو على ملامحه و داخله النقي
و إنما الساذج
فالكاتب قد جلس ليكتب النص
بعد أن أخرج من أضابيره القديمة نصاً قديماً آخر
اسمه
اللحم و الأفكار
و قد قرر أن يبني على
النص القديم نصاً أكبر
لا يمت إليه بصلة
ولا يعرفه
يظل ينمو و يتشعب كسيجارة تطول تدريجياً
هي النقيض من سيجارة تدخن نفسها
لأن مدخنها قرر أن يدفع فيها بكل الدخان الذي سحبه منها من قبل
و بهذا يسهم في تطهير صدره و في
رؤية جنين له ينمو
تدريجياً
و يكون هذا الجنين هو أب لقيط عثر عليه ابنه
أمام ملجأ للأيتام
يبكي و يصرخ في أقمطته طالباً ابناً و ثدياً يلقمه



#نائل_الطوخي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بوابات لمناقشة تلمودية بين الربي عقيفا و الربي يشماعئيل
- HAHY
- - مجموعة الكل .. تمرد سكندري مهم على السلطة المعنوية للقاهرة
- مونولوج
- أوان الورد, بحب السيما و وفاء قسطنطين.. خلايا الألم القبطي
- في الرواية الأولى لمنصورة عز الدين.. متاهة تعاني من الانفتاح ...
- وصولاً إلى اللا مكان.. عن الدين و الأدب و العاب الكمبيوتر
- حرصاً على الحقيقة
- يوم القيامة
- في ديوان جديد للشاعر الإسرائيلي يتسحاك لائور: الجيش و المجتم ...


المزيد.....




- الجامعة العربية تشهد انطلاق مؤتمر الثقافة الإعلامية والمعلوم ...
- مسلسل طائر الرفراف الحلقة 67 مترجمة على موقع قصة عشق.. تردد ...
- شاهد.. تشكيك في -إسرائيل- بالرواية الرسمية حول الرد الإيراني ...
- افتتاح مهرجان -موسكو - السينمائي الدولي الـ46
- أفاعي إلياس أبو شبكة وأزهار بودلير
- الزبدية
- بينَ ليلٍ وصباحٍ
- خبراء: مقابر غزة الجماعية ترجمة لحرب إبادة وسياسة رسمية إسرا ...
- نقابة المهن التمثيلية المصرية تمنع الإعلام من تغطية عزاء الر ...
- مصر.. فنان روسي يطلب تعويضا ضخما من شركة بيبسي بسبب سرقة لوح ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نائل الطوخي - اللحم و الأفكار