أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - نائل الطوخي - - مجموعة الكل .. تمرد سكندري مهم على السلطة المعنوية للقاهرة















المزيد.....

- مجموعة الكل .. تمرد سكندري مهم على السلطة المعنوية للقاهرة


نائل الطوخي

الحوار المتمدن-العدد: 1078 - 2005 / 1 / 14 - 10:11
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


صدرت مؤخراً في مصر مجموعة (الكل), التي تضم ستة كتب, على نفقة الكاتب السكندري الشاب ماهر شريف, و هي تحوي نصوصاً, تتنوع ما بين القصة و القصيدة و الرواية القصيرة, لثمانية من الأدباء الشباب السكندريين و هم (أحمد عبد الجبار, أميمة عبد الشافي, إيمان عبد الحميد, حمدي زيدان, شهدان الغرباوي, عبد الرحيم يوسف, ماهر شريف, و محمد عبد الرحيم).
تسيطر على نصوص المجموعة كلها نصوص ماهر شريف العذبة و التي تصل عذوبتها إلى درجة الغنائية أحياناً و إلى الشكلانية الراقية جداً في احيان أخرى. فلماهر شريف ثلاث كتب من الست كتب, و تشاركه أحد الكتب الثلاثة إيمان عبد الحميد, و للستة الباقين ثلاثة كتب يطلق عليها (نصوص مصاحبة). يبدو إخلاص الجميع في المجموعة لفن القصة طاغياً و لا مزيد عليه, حتى الشعراء منهم و هم (حمدي زيدان, عبد الرحيم يوسف, شهدان الغرباوي, محمد عبد الرحيم), تبدو الحكاية البسيطة ممتزجة بقصائدهم النثرية و الموزونة, حتى ليصعب على المرء أحياناً التمييز بين السرد و الشعر في هذه المجموعة, و خاصة إذا وضع في باله الكثير جداً من مقاطع ماهر شريف السردية تماماً و إنما المكتوبة بلغة شعرية رائقة, و هو ما يعد ملمحاً هاماً في المجموعة (التمازج بين القص و الشعر), غير أن الملمح الأهم كذلك هو الامتزاج بين العامية والفصحى, إذ سرعان ما ينتقل السرد من أقصى الفصحى التراثية إلى أقصى العامية السكندرية المحببة إلى جميع المصريين. هذا التراوح بين العامية و الفصحى أحياناً ما ينكسر لصالح سيطرة إحدى اللغتين على الثانية , فالكتاب المعنون (يا حواديت إيمان) لماهر شريف عنوانه الجانبي هو (بعشر نصوص حكتبها بالعامية كماهر شريف), و لا يكذب الكاتب خبراً, فهو يلتزم بالعامية من الألف إلى الياء في هذا الكتاب, و هي في الغالب عامية مستوحاة من المفردات الطفولية تدور حول (الولد والبنت و الملايكة و المراكب والمكاتيب) في أجواء كرنفالية و إن كانت تخفي وراء لهجتها النقية و البيضاء عنفاً دموياً مكبوتاً. هذا بالإضافة إلى قصائد حمدي زيدان و عبد الرحيم يوسف المكتوبة كلها بالعامية ما عدا نص واحد لحمدي زيدان مكتوب بالفصحى. و الاثنان (حمدي زيدان وعبد الرحيم يوسف) هما ابنان لقصيدة النثر لمصرية ما بعد التسعينية و التي نادراً ما تكتب بالفصحى و إنما تعبر عن نفسها بعفوية و تلقائية تصل في أحيان كثيرة إلى مقاطع مبتورة تشبه كثيراً أفكارنا غير المكتملة, مثل (مقاطع من قصيدة ماتت بالسكتة القلبية) لعبد لرحيم يوسف, و التي يقول فيها (لو سمحتي/ إنتي قفلتي قلبك على صوبعي!/ افتحيه شوية/ علشان نور ربنا يدخل/ و تشوفي أثر جريمتك!). هذه البساطة و العفوية المتناهيتين في الكتابة, كان أبرز تعبير عنها هي العامية المتلعثمة التي ينتهجها هؤلاء الأدباء الشبان, و كثيرا ما تسأل نفسك: أيهما دفع إلى الآخر: نقاء الأفكار و انسيابها إلى بساطة و عفوية العامية أم العكس.
تعد هذه التجربة الصادرة من الإسكندرية, بمثابة صرخة (نحن موجودون), يطلقها الأدباء السكندريون ضد استعلاء القاهرة على سائر أقاليم مصر, هذا الاستعلاء الذي يقابله أدباء الأقاليم بالاعتداد, فبعضهم يرفض "التطبيع" مع القاهرة, لا ينشر في مجلاتها, و لا يسعى للتعرف على أدبائها, و هو بذلك يثأر لنفسه من قرون طويلة من تسيد القاهرة على سائرها من المدن المصرية. و بعضهم يتهاوى و يتخلى عن اعتداده السابق, يسافر إلى القاهرة و يتأقلم تدريجياً. من هنا تنبع أهمية المجموعة التي يصر كتابها جميعاً على إصدار كل جهدهم الثقافي من الإسكندرية, سواء حازوا البريق المطلوب للكاتب أم ظلوا يعملون في صمت و هدوء بمدينتهم الصغيرة. كذلك يبدو واضحاً في المجموعة مدى الجنون الذي سيطر على ثمانية أدباء شبان وجدوا أنفسهم في موقف أن تصدر لهم كتب يتحكمون فيها من الألف إلى الياء, بدون أي سلطة لأي دار نشر أو هيئة حكومية, فمضوا يمارسون كافة الألعاب التشكيلية و الشكلانية في كتبهم هذه.
يصعب كثيراً الحديث عن القيمة الأدبية لهذه المجموعة, برغم الكثير من نصوصها عالية المستوى للغاية, و ذلك لأنه في حالة تجربة كتلك, فريدة من نوعها على عدة مستويات, يكون الأولى هو الحديث عن التجربة في حد ذاتها و مثالبها و مميزاتها, فالتجربة جاءت رداً على استعلاء القاهرة على غيرها من المدن, هذا الاستعلاء الذي يبدأ من التركز الفعلي لكل الحياة الثقافية المصرية في حدود مدينة القاهرة الكبرى, و يصل إلى الاحتقار الذي يشعر به أديب القاهرة تجاه أديب الأقاليم, حتى و إن لم يعبر عنه صراحة, فأدباء الأقاليم من وجهة نظر أديب القاهرة "غلابة" و غير "مفيدين". و هذا مما يحسب للمجموعة, فهي لم تتخل عن خصائصها السكندرية, الواضحة جداً من غلاف المجموعة إلى أدق تفاصيل النصوص, كما أن التجربة جاءت لتبين أن ثم شيئاً ما يمكن فعله منفصلاً عن الدولة, و عن توحش دور النشر التي صارت تأخذ من الأدباء الشباب نقوداً بدلاً من أن تدفع لهم, فهي جهد مستقل تماماً, يتضح بداية من تمويل المشروع على نفقة الكاتب, إلى الحرية الكاملة في قول ما يريد الكاتب قوله, بلا حسيب أو رقيب. هو فعل كفعل الكتابة على الحائط, غير أنه ليس كل الناس يمكنها إصدار مجموعات كتلك, بينما كل الناس يمكنها الكتابة على الحائط, و هنا تكمن النقيصة الأساسية للتجربة.
فالمجموعة فاخرة جداً, تجليدها فاخر و طباعتها فاخرة, و هي تتكون من ست كتب مغلفة في غلاف من الورق المقوى, و ثم ثلاث علامات للكتب, ثلاثة أوراق من الورق المقوى مذيلة بشرائط ملونة, كي يتمكن القارئ من تذكر أين وقف بالضبط في قراءته, و هذا يبدو مترفاً و زائداً, غير أنه يبدو عبثياً في حالات أخرى, فمن بين الست كتب ثم كتاب واحد للقاص السكندري أحمد عبد الجبار, هو كتاب عبارة عن نص واحد, و النص عبارة عن صفحة واحدة و يتكون من أربعة عشر سطراً على وجه الدقة, هنا تصل التجربة إلى أقصى جنونها (و عبثيتها التي تقارب السيريالية) فكتاب واحد لا يحتوي إلا على أربعة عشر سطراً مصفوفين في صفحة واحدة ( و يحتوي أيضاً على فهرس بالمناسبة) لهو أمر غير مفهوم إن لم يكن مستفزاً للمشاعر. و هو يشي في ناحية مقابلة بولع لدى الأدباء بأن يكون لهم كتاب, حتى و لو لم يحتو هذا الكتاب إلا على صفحة و فهرس لهذه الصفحة, و لأجل الإنصاف, غلاف داخلي أيضاً! تتجلى هذه الحالة في مدى أكثر معقولية لها في كتابين آخرين: يحتوي الأول على سبع و عشرين صفحة والثاني على إثناعشر صفحة, و كل منهما يضم أعمالاً, و أحياناً عملاً واحداً, لكاتبين أو ثلاثة. هذا البذخ التام في الإخراج والطباعة يقلل من بهاء صورة المركز و الهامش التي تم رسمها, فالكتّاب يتحركون من مركز مختلف عن المركز القاهري, هو مركز المال, أن يملك المرء من المال ما يؤهله لطباعة مجموعة كتلك, و هو الأمر بالطبع الذي لا يملكه شعراء و قصاصون آخرون في سائر أقاليم مصر بل و في القاهرة نفسها. هكذا تنضم التجربة في وجه لها من تجارب كثيرة , انطلقت من مواقع أخرى بمصر, و لم تملك من المشروعية إلا بقدر ما يملكه أصحابها من مال. غير أن أخذ هذا القول على أعنته فيه الكثير من التجني على هذه المجموعة التي تمتاز بأساليب أدبية وفنية عالية للغاية في الكثير من نصوصها, و لكن يبقى السؤال: هل لو تم الاكتفاء بما تملكه المجموعة من هذه الخصائص الأدبية والفنية, هل سيكون هذا كفيلاً بإظهارها في هذا المظهر الفاخر, أم أن العامل الأساسي في كل هذا هو المال الذي يقف وراء التجربة.
و للإنصاف, فليس المال هو كل شيء فقط, بل هناك الحس التشكيلي العالي لدى ماهر شريف, والذي أهل المجموعة لتكون على هذا المظهر الفني المتميز, فأغلفة الكتب و الغلاف الخارجي كلها مأخوذة من فنان الخط المصري منير الشعراني, و تتنوع جمله المكتوبة من (كل حال يزول) إلى (جلى محبا نظرة) و (لكل مقال مقال), كما لجأ إلى فنان الخط المصري حسن المسعودي و المثل الأسباني (في صراع الماء والنار تموت النار دوماً) و مقولة رينيه شار (لكي تكبر لابد أن ترتعد). و هو كلها اختيارات غاية في الروعة و الشفافية. لا يقف البعد التشكيلي عند هذه الاختيارات, بل يتعداها إلى الجنون الشكلاني الأكبر, و هو الامتزاج الأهم في هذه المجموعة بين الشعر والتشكيل, و هو يلوح من القصيدة الوحيدة في هذه المجموعة للشاعر محمد عبد الرحيم المكونة من أربعة أسطر فقط (نافذتي التي/ أخرجتِ رأسك منها ذات مرة/ ما تزال مفتوحة/ و تطلق الطيور). و تمتد راء الطيور طويلاً حتى تخترق الإطارالذي يغلف القصيدة, لتدل على الانطلاق من النافذة, و التي تتحول في هذا البعد التشكيلي لتكون هي إطار القصيدة. يعود السؤال هنا ليتردد حول حرية الكاتب في إصدار كتاب يتحكم في كل مفرداته, أدبياً و تشكيلياً, هذه الحرية التي لا يملكها أدباء آخرون لأنهم أصدروا كتبهم إما في المطبوعات البائسة للدولة, أو في دور نشر خاصة تظل محتفظة هي الأخرى بسقف حرية ما يمنع الكاتب من دفع جنون تجربته إلى أقصاها. هذا سؤال قديم للغاية, مثل سؤال آخر حول لجوء الكاتب إلى طباعة الكتاب على نفقته, هل يعود هذا لصلف الدولة و لرقابيتها الصارمة, أم أنه نابع من ذاته التي تأبي الاستيعاب في منظومات الدولة السلطوية, حتى و إن لجأ إلى منظومات سلطوية أخرى, قد تسم عصراً كاملاً مازال في طور التكون.



#نائل_الطوخي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مونولوج
- أوان الورد, بحب السيما و وفاء قسطنطين.. خلايا الألم القبطي
- في الرواية الأولى لمنصورة عز الدين.. متاهة تعاني من الانفتاح ...
- وصولاً إلى اللا مكان.. عن الدين و الأدب و العاب الكمبيوتر
- حرصاً على الحقيقة
- يوم القيامة
- في ديوان جديد للشاعر الإسرائيلي يتسحاك لائور: الجيش و المجتم ...


المزيد.....




- -أدلة على إعدامات ميدانية-.. انتشال 283 جثمانا من مقبرة جماع ...
- -ليس لها مثيل-.. روسيا تطور منظومة جديدة مضادة للدرونات
- -الكهف الأكثر دموية في العالم- الذي قد ينشر الوباء القادم
- خبير مياه مصري: مخزون سد النهضة ثابت عند 35 مليار م3
- شاهد: وحدة طائرات روسية أثناء ضربها قوات أوكرانية
- جدل القمصان.. ماذا تقول القوانين في واقعة بين المغرب والجزائ ...
- السلطات الألمانية تعتقل ثلاثة أشخاص بشبهة التجسس لصالح الصين ...
- الدفاع الروسية: تحرير ثاني بلدة في دونيتسك خلال يومين
- -الأسوأ ربما لم يأت بعد-.. تصريح مدو لرئيس شعبة المخابرات ال ...
- الجيش الإسرائيلي يفقد وزنه في عيون البيت الأبيض


المزيد.....

- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي
- آليات توجيه الرأي العام / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج ... / محمد الأزرقي
- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - نائل الطوخي - - مجموعة الكل .. تمرد سكندري مهم على السلطة المعنوية للقاهرة