أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد جاسم الساعدي - كواغد عراقية















المزيد.....


كواغد عراقية


عبد جاسم الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 3656 - 2012 / 3 / 3 - 11:46
المحور: الادب والفن
    


كنا أربعة ، ثم صرنا عشرة ، وما ان انحدرت الشمس نحو مغيبها ، حتى اكتظت الساحة الصغيرة بالمئات . كانوا يجرّون خطاهم جراً ، كان ذوو القامات الطويلة أكثر اندهاشاً من غيرهم ، وهم يستطلعون وجوه القادمين ، أفرادا وجماعات. يؤدي بعضهم التحية بغمزة عين رخوة وبنظرة عتاب مرة . يتأوهون حيناً فتنفرج أساريرهم عن غضب مكتوم لا يلوون على التصريح به ، خصوصاً ، اذا فوجئوا بقدوم ما لم يكن يتوقع قدومه بتلك السرعة.
يعرف بعضهم زوايا المكان لكثرة ارتيادهم إليه.
كان السؤال المشترك في ما بينهم، من أين أتوا بك؟
- كما ترى اوقفوا سيارة المصلحة في شارع الكفاح، وانتزعوا مني الحقيبة بما فيها من دراهم وبطاقات ركاب. صوبوا اسلحتهم نحوي أمام ركاب الباص ، ثم اقتادوني إلى هذا المكان.
على حين غرة، تعالت وسط الساحة أصوات فزع مبحوحة ، تهتف : عاش الرئيس عاش الشيباني! رافقتها تصفيقات متقطعة ، ثم خمدت الأنفاس.
نهض المتعبون من جلستهم، يستطلعون بصمت مبعث الحركة المفاجئة.
سأل احدهم بصوت خافت ، ما المقصود بالشيباني؟
أجابه آخر: انه الرئيس ينادى به للدلالة على كبر سنه!
وقفت في مقدمة الساحة , ثلة من المسلحين برشاشات بور سعيد يلقون نظرات طويلة على الحشد ، كأنهم يبحثون عن أشخاص مطلوبين . تحركوا ثم تبادلوا المكان. صاح احدهم بصوت عال، أن انهضوا على الفور، واصطفوا بانتظام!
سادت الحشد همهمات، تعثرت خطى بعضهم، وهم يحاولون الوقوف في الصفوف التي امتدت على شكل دائري.
نزل المسلحون إلى وسط الدائرة ، كأنهم يستعرضون أسراهم.
تقدم احدهم نحو فلاح حسين الذي بقي ممدداً على الأرض، ركله ببسطاله مرات ، ثم ضربه احدهم بأخمص رشاشته. لم يقو على النهوض ، تدفق الدم من رأسه واختلط بالطين الذي يغطي جسمه.
تململ احد الواقفين بجنبي، وهو يبحث عن قامة طويلة، يخبىء وجهه خلفها. كان يهمس في اذن اخر يقول له : اعرفه ... اعرفه انه جبار كردي
لكزه بمرفقه ان اسكت ، لعله لا يتذكرك.
اني اعرف الأربعة الآخرين: غازي الاعور وناظم كزار وفاضل جلعوط وعلوان الهبش.
كان بعضهم انيق المظهر وبعضهم يرتدي بيجامات وينتعل شباشب نسائية ، ويظهر آخرون بملابس العمل.
كانت أصوات المحركات تدوي خارج الساحة، وتسمع بين الحين والآخر طلقات نارية، تحيط الساحة أسوار عالية.
كان حمدان منهمكاً في تنظيف جانب من سترته ، يدعكه بقوة.
- وين رايح للمدرسة حتى تنظف السترة من الطين ، قال له علي.
- لا ليس طيناً ، امسح آثار الأمس.
تحركت الصفوف في ارتخاء شديد نحو الباب الرئيس. كان المسلحون في الخارج يصوبون اسلحتهم باتجاهات مختلفة . خلت الشوارع المحيطة بالبناية من حركة الناس.
اعتلى بعضهم سطوح البنايات ، وركزوا اسلحتهم على سطح المدرسة الثانوية.
حركة مسعورة. يرمي بعضهم الرصاص في الهواء، كأنهم يتدربون في الشوارع. تمر ناقلات عسكرية وسيارات إسعاف وأخرى صغيرة ، يلوحون برشاشاتهم من نوافذ السيارات.
أسرعوا، اسرعوا في الصعود خونة عملاء!
تنهال اخماص اسلحتهم بصورة عشوائية على الواقفين.
انتزعوا في الحين عدداً ممن يعرفونهم أوقفوهم جانباً.
سألوا احدهم : أين كنت بالأمس؟
- في دارنا.
- من اتى بك إلى هنا؟
- مسلحون لا اعرفهم.
- ستعرفهم بعد حين.
كانوا يقهقهون بأعلى أصواتهم، شوف، شوف المناضل لابس انعال مرته ... سحبوا النعال من رجله ورموه على الموجودين في السيارة .
كان انين فلاح حسين في السيارة يزيد من رعب الصمت الذي خيم على الحشد.
تحركت الناقلات باتجاه مجهول، بعد أن احكم غلق الأبواب سارت خلفنا سيارات صغيرة. يصوب المسلحون فيها أسلحتهم .
بقي الحشد في صمته ... توقفت الناقلات ... نزل المئات يصطفون من جديد في معسكر الرشيد.
صاح المسلحون: ينتظم الصائمون في صف آخر. ويظل المفطرون في أماكنهم ..
كان صف الصائمين يزداد بين الحين والآخر. تعال، ننضم إليهم لعلهم يشفقون علينا... يقول بعضهم بعضاً.
الإذاعة توالي نشر البيانات. وكان نشيد الله اكبر، يسمع بعد إذاعة كل بيان .
ساد القاعة الكبيرة صمت مرعب ، بعد إذاعة بيان 13.
سمعت البيان مرات. لا تندهش قال علي.
إنهم يقومون بتنفيذه الآن في الشوارع والساحات العامة. يطلقون الرصاص على كل من يشتبهون بعدم ولائه لحركتهم.
كان "الجملون" شديد البرودة، يستوعب ما يزيد على ألفين. له باب صغيرة واطئة ونافذة تقترب من سقفه. اختلط الجميع في داخله . إلى جنبه عدد من الجملونات " الفارغة بدأت تفتح أبوابها للقادمين.
قضينا الساعات الأولى في الجملون مندهشين. نركز نظراتنا نحو بعضنا بعضاً، كأننا في سفينة عائمة.
نتعرف بصمت على وجوه قديمة، جمعتنا وإياها مناسبات مختلفة. نحاول ان نتذكر. ارض الجملون إسمنتية باردة. رموا إلينا عدداً من البطانيات في ساعة متأخرة من مساء اليوم الأول.
تمدد فلاح حسين في الجملون.
كيف حالك أبا حسن؟
اشعر بآلام حادة في ساقي وصداع شديد.
توزع الحشد إلى مجموعات صغيرة. اتخذت كل مجموعة مكاناً ، زاوية لها . وانتظمت في الحال ، كحلقة اجتماعية ، تتدبر شؤونها.
دخل احد الضباط ، يضرب على الباب بسوطه ، ليعلن بصوت عال . هدأت القاعة.
اسمعوا : الخروج مرة واحدة في الصباح لقضاء الحاجة.
وكل مجموعة لها خمس دقائق فقط، ومن يتأخر سينال جزاءه . وهزّ السوط بيده...
بعدئذ تقضون حاجتكم في هذه التنكات وأشار إلى صفيحتين اثنتين.
دوت القاعة في ساعة متأخرة من الليل على أصوات ذعر لها المتعبون.
- ما لذي جرى؟ سأل احدهم.
- المحامي ظافر، يزحف عند باب القاعة.
- خيراً، سأله احد الضباط، على كتفيه نجمات ، في صباح اليوم التالي.
- ضباطك!
كان المحامي ظافر، طويل القامة، تنساب على كتفيه عباءة سميكة ذات لون بني.
يجتمع حوله عدد من أصحابه ... محامون ، أطباء ، أساتذة ، مهندسون ، سياسيون...
كان ابو " شامل " حسن النهر واحدا منهم، يتمدد بقامته الرهيفة في عباءة بنية اللون، وكوفية بعقال ، تبدو مهابته وابتسامة لا تفارق محياه. ولا تأخذ منه مأساة اعتقال أفراد عائلته وانتشارهم في المعتقلات وغرف التعذيب.
نادى الضابط على العسكري، حرس الباب، اسمع، يمنع دخول اي ضابط او عسكري إلى القاعة، بعد الساعة الرابعة مساء!
- أمرك سيدي ... أجاب حرس الباب.
كتمت القاعة ضحكتها للطقطقات التي كانت تتردد خلف البطانية. كان احدهم يمسك طرفي بطانية لصاحبه كي يقضي حاجته في الجملون.
جلست المجموعات حول قصع الجيش التي دفعت إليهم، ألتذّ بعضهم بصمون الجيش والبصل.
- احذروا الإفراط بالأكل! قال أبو بشكو.
- ليست لدي شهية الأكل من فضلات الجيش! سأحتفظ بالصمونة إلى الليل . قال فلاح حسين.
- لم اتوقع الذي جرى ابداً ... قال المحامي ظافر.
- كيف لا تتوقع مثل هذا اليوم. وهم يعدون له منذ مدة طويلة. رد عليه ابو بشكو.
- هذا صحيح، كنت منذ أسبوع في حفلة عائلية دعيت إليها. وكالعادة جرت مناقشات سياسية حادة. ختمتها صاحبة الدار بتهديدها، حسبته فورة غضب لاغير بقولها: سترون بعد أيام أنهار الدم الذي سيسبح بها أنصار عبد الكريم قاسم.
- غيرت المجموعات شكل جلساتها، اثر دخول احد الضباط في ساعة متأخرة من الليل، وبيده عصا ،يمس بها ساقه بين الحين والآخر، وإلى جنبه عسكريان.
كان الضابط قصير القامة ذا شاربين كثيفين يميلان إلى الاحمرار. يخطو في سيره خطوات بطيئة، وكأنه يستعرض وحدة عسكرية.
كان الواحد منا يشعر بأنه المعني في تحديق الضابط.
- اسمعوا ، عليكم ان تلتزموا بالنظام في هذه القاعة، وإلا فنحن نعرف كيف نتصرف معكم . الاجتماعات ممنوعة. ولا يجوز السهر بعد الساعة العاشرة.
- أشعر بالبرد يا جماعة ، قال فلاح حسين.
- سننظم النوم هذه الليلة بطريقة أخرى، لان عدد البطانيات غير كاف. والأرض شديدة الرطوبة. أجاب ابو بشكو.
- لا يمكنني ان أشاركك في بطانية واحدة، لان شخيرك يقض مضاجع قبيلة. أجاب فلاح حسين.
- لا أظن ان وجودنا سيطول في هذا الجملون.
- سينقلوننا إلى أماكن أخرى لغرض التحقيق: قال علي. صفعت كلمة التحقيق الجميع. اثارت فيهم اسئلة كثيرة كانوا يحاولون تجاهلها.
لم يعلق احد عليها، ها صحيح والله، سيأتي وقتها.
ماذا لو بدأوا بـ ......... سينهار، لأنه ليست لديه تجربة.
كارثة ان انهار. يعرف العشرات. كان يحب الاشراف على التنظيمات، يعجبه كثيراً.
لا ،لا أظن، لا تضخموا يا جماعة الأمور.
اشترك في تظاهرات صدامية مع الشرطة، وكان في المقاومة الشعبية له ثقة كبيرة بنفسه، كما انه مثقف ويعرف أهمية الالتزام.
- أوه، خوفنا من المثقفين، ينهارون قبل غيرهم. تدري انه يعرف اسماءنا الحزبية. مصيبة اذا اعترف. من سيوقفها إذا بدأت.
- لماذا هذا التشاؤم، غيروا الموضوع، اقرأوا أناشيد ثورية ولو همساً، أعيدوا الذكريات الطيبة والنماذج الكبيرة، قال علي لا أظن إن الرفيق "سالم" سيكون سهل الاصطياد. سيتخلص من بغداد. يمكن ان يكون الان في ريف الديوانية أو الكوت او الناصرية، كأي فلاح حافٍ. يلف اليشماغ على رأسه. ويشرب القهوة في "ديوانية" من ديوانيات سوق الشيوخ او على الغربي.
- عجيب امر هذا الرجل، لا يختلط بأحد. ولم اسمع له حديثاً مع أحد. كيف وفر هذه الكمية من السجائر، يشعل الواحدة بطرف الأخرى يذرع الجملون جيئة وذهاباً. يشبك يده احياناً حول ظهره، والسيجارة بين شفتيه. كان طويل القامة، واجم الملامح، لم يغير ملابسه طوال وجوده. لم يناد عليه. ولم يستلم شيئاً من أهله.
- هل تعرف هذا الرجل المهموم. ابا بشكو؟
- كلنا مهمومون، اتركوا الرجل وحاله، فله قصة لا ينبغي الإفصاح عنها في مثل هذه الظروف. أجاب ابو بشكو.
- وحياة بشكو ما هي قصته؟
- يكفينا ما كنا نثرثر خارج الجملون، لا بد ان ننضبط، لان الأمر يتعلق بمصير حركة بكاملها. رد ابو بشكو.
- كان ابو بشكو يبلغ من العمر حوالي ستين عاماً، يحفظ تاريخ الحزب الشيوعي السوفيتي والحزب الشيوعي العراقي. يذكر تاريخ الإعدامات التي لحقت بالشيوعيين ونضالات الطبقة العاملة. يسرد باعتزاز وبأسلوب قصصي شيق إضراب عمال النفط في " كاورباغي" في كركوك وكأنه شاهد على الإضراب. تبدو لهجته الكردية واضحة عندما يخلطها مع العربية خصوصاً الجنوبية العراقية.
تنساب القصص لديه، فنوقفه للتمييز بين تظاهرة او اعتصام او إضراب عمالي.
صدامات، معاهدات، اعتقالات، انشقاقات. قال الرفيق زكي بسيم. مجازر السجون في الكوت، بغداد، نقرة السلمان، قصص الهروب وحفر الأنفاق.
كان يقضي مساءاته في منطقة باب الشيخ والميزرة. يحمل لوائح وعرائض للتوقيع عليها ، للخروج من حلف بغداد، تأييد الشعب الجزائري، دول عدم الانحياز.
يجالس الناس من كل الأعمار، يستمع إليهم يعرف أصحاب محال "الذهب" في منطقة باب الشيخ واحداً واحداً، يهمّ إليهم في حملات التبرع.
...................
انتشرت رائحة الصفائح في الجملون، زكمت الأنوف، لم يدخل المنظف القاعة منذ ثلاثة أيام.
كنا نهرول بين صفين من العسكريين. عثر احدنا فسقط فجأة، ثم انهالت عليه السياط، هيا.. هيا إلى القاعة فورا.
اصر فلاح حسين على قضاء حاجته في الجملون، ثم تبعه آخرون.
البقاء في الجملون اولى من السياط، لا أدري من اين اتوا بهولاء العسكريين، كأنهم كلاب مسعورة يجرون وراءنا.
أفضل الإمساك لأيام على الخروج، بل الإمساك رحمة الآن ... قال فلاح.
شاهدت ثلاثة من أساتذتي في طابور آخر، يخرجون في الصباح، لا أعرف من اي جملون ... يبدو ان هذا الجانب من معسكر الرشيد مخصص للجملونات.
حييتهم بهزة رأس خفيفة، رد احدهم عليّ بمثلها، وتجاهلها الآخران. كانوا يهرولون نحو حنفيات الماء والمراحيض.
تذكرت اللازمة الشهيرة لمدرس التاريخ ( عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء ). بدا حزيناً يمسك المنشفة بيده ويجري في الصف نحو المغاسل.
وكان خلفه مدرس "الرياضة" حققت المدرسة بوجوده كأس مدارس بغداد في كرة القدم.
سنذهب في بداية تموز في رحلة جوالة إلى مدينة "شقلاوة" هل يمكنك الانضمام إلى فريق المدرسة؟
- فكرة جميلة، أستاذ، لكنني لم انضم إلى الفريق منذ تشكيله ولم يبق على موعد السفر سوى ايام قليلة. كيف ارتب مستلزماته، حالتي المادية لا تساعدني.
- سأزودك بقائمة الحاجات الضرورية، لا تكلف شيئاً كبيراً، المهم رغبتك.
- اشتريت على قدر الحال، وأهملت بقية القائمة. كنت اترك المخيم في الأوقات الحرة، وأتجول وحدي في شوارع المدينة ومقاهيها، تظللها أشجار العنب والزيتون وتشعر بالألفة والمحبة مع أهليها، نسمع هدير الشلالات.
- دورة هذا العام مختلفة عن سابقتها، قال لي احد الأكراد في المقهى.
- لا اعلم شيئاً عن دورات الكشافة السابقة.
- ولكن ما هو الاختلاف؟ سألته.
- كانت دورة العام الماضي ذات طابع اجتماعي. وكنا نشعر بالمودة مع طلابها.
وكنا نترقب وصولهم كل عام. فيما هذه الدورة منطوية على نفسها، ولا تختلط بالأهالي. لا يمكن ان ينسى أهل شقلاوة حفلة العام الماضي الختامية.
- آمل ان تتكرر هذا العام، أجبته على استحياء.
اشتريت جريدة "اتحاد الشعب" ذات يوم، لمحها احدهم بيدي.
- آه، تقرأ جريدة الملحدين؟
- اريد ان اعرف نتائج الامتحان الوزاري، أجبته.
تكوم ، بعد حين عدد منهم حولي، سنرميك من على الجبل، ان اشتريتها مرة أخرى. قال الثاني: سأشوه وجهك بهذه السكين، ان نزلت وحدك إلى المدينة، وقد أشار إلى السكين المعلقة بحزامه.
قال الثالث: اتركوه لي، فهو نصيبي من هذه الرحلة.
تسلقنا في اليوم التالي جبل "سفين" المطل على مدينة شقلاوة، رافقني احد طلبة البصرة، الذي أحس بخطر التهديدات عليّ. أحاطتني "الثلة" مرة أخرى، وكأنهم يتلذذون في محاصرتي.
- ما رأيك بالوحدة العربية؟
- أجبتهم، أتمناها.
- لا ، لا نعني الوحدة الفورية مع مصر، سكت برهة.
- سنرميك من على هذا الجبل، وقد هزني من كتفي إذا لم تؤمن بها.
قال احدهم، وهولا يحسن العربية، تركماني من حركة "الطورانيين" سمعت بها لأول مرة .. لن نجعلك تعود سالماً إلى بغداد مادمت ملحداً. لقد انسحبنا من الحزب الشيوعي بعد ان أدركنا خطورته على الأمة العربية وقضية تحرير فلسطين .. أسرع الطالب البصري إلى المراقب يعلمه بما شاهده. لم يحرك المراقب شيئاً. طلب منهم ترك هذا الطالب وحاله.
لا ادري كيف تم اختيار هذا العدد الكبير من الطلاب وقد تجاوزت أعمارهم بكثير مرحلة الدراسة المتوسطة.
بعد ان تناولنا الغداء في سفح الجبل، عدنا إلى المدينة في مشية طويلة من خلال شارعها العام. انضممت بصورة تلقائية مع طلاب البصرة. شعرت بالألفة والحماية معهم.
كان الجو متوتراً إلى ابعد الحدود، من دون ان يحتك بهم احد من الأكراد، شعور داخلي في الكراهية، كأنهم يتشاجرون مع أنفسهم.
كانوا يهتفون، وحدة وحدة عربية، فلتسقط الشيوعية. تمدد بعضهم في وسط الشارع، وهم يؤشرون بعلامات النصر بأيديهم. توقفت السيارات في الشارع، نزل بعض الأكراد منها من دون ان يردوا عليهم. لزموا الصمت، لعلهم يشعرون ان هؤلاء الطلاب الذين اختيروا هذه المرة بعناية، هم ضيوف في كل الأحوال على المدينة، ولا ينبغي إزعاجهم.
اجتمع بنا في المساء، قائم مقام المدينة وعدد من المسؤولين فيها، قال قائم المقام بغضب : ( منذ الآن، نحن لسنا مسؤولين عن تصرفاتكم، هل تعلمون إنكم في مدينة كردية، اصطحبتم معكم كل عبارات الحقد والضغينة. انبطحتم في شوارعها، تهزؤون بالأكراد إنها ليست عربية أخاطبكم بوصفي امثل الحكومة في المدينة).
لم ينم المخيم ليلتئذ. شرع المراقب والمشرفون الآخرون بجمع الطلاب، وتحذيرهم من مغبة العواقب القادمة، سواء في داخل المخيم ام في المدينة، فالهجوم الكردي قادم وعليه قرروا "الإنذار" في أعلى مراحله. انتاب الطلاب والمدرسين هلع، أبسكاكين المطبخ سنواجههم؟
- سينقض علينا الأكراد، قال احد مدرسي الرياضة، لن يغفروا الإساءات التي اقترفها البعض.
كان مدرس الرياضة قصير القامة ذا كرش بارز، لم يستطع تسلق جبل سفين، بل وصل إلى سفحه بسيارة المخيم.
اجتمع فريق الإشراف والمراقبة، ليتداول بشأن التهديدات المبطنة التي صرح بها القائم مقام، لم يحاولوا تدارك الأمر معه او تقديم اعتذار عما حصل.
قرروا ان يكون الإنذار دائماً، وان تبقى الإضاءة في المخيم، ويمنع النزول إلى المدينة.
انتاب المخيم الخوف، ماذا يفعل تلاميذ المرحلة المتوسطة، شكلوا فرق حراسة، لمراقبة الوضع، واستعمال المصابيح اليدوية في دوريات حول المخيم لا تذهب بعيداً.
بقي المدرس الاكرش في سريره، اخذ غفوة. صاح احدهم أفيقوا أفيقوا بصوت عال، ها بدأ الهجوم، أعلنوا صفارات الإنذار. ايقظوا النائمين فوراً. نهض المدرس من سريره ماذا حصل؟
- الهجوم الكردي بدأ علينا وجهوا الإضاءة صوب الغابة.
- في الغابة خرخشة واضحة إنهم يزحفون نحونا، تجنبوا المواجهة المباشرة معهم ... تراجعوا قليلاً، صاح الاكرش.
- سيطلقون النار علينا يا أستاذ ماذا يمكن ان نفعل؟
- ايقضوا الجميع ، وجهوا مصابيحكم اليدوية نحو مصدر الهجوم إنهم يقتربون منا، صاح مدرس الرياضة بأعلى صوته ... بقي عدد من التلاميذ نائمين في أسرتهم فلم يعبأوا بالإنذار والهجوم الكردي المحتمل.
- أستاذ، أستاذ هذه ثلاث مطايا خرجت من الغابة وفي رقابها أجراس!!
- قال الأستاذ لا تتفرقوا كونوا على يقظة لا تعودوا إلى المخيم إنها إشارة لمقدمة الهجوم، الإنذار يبقى على حاله.
في صباح اليوم التالي عدنا إلى بغداد، فلم نستمتع بالرحلة ولم نكتشف فيها غير الحمير، عند وصولنا إلى مدينة اربيل انشغل كل منا بشراء سكاكين معروضة في محال المدينة بصورة مغرية لم نألفها في بغداد. تباهى بعضنا في تعليقها في أماكن بارزة كأن معركة ستحدث بين فريقين من الطلبة كان علوان الهبش يجري تمارين على سكينة في الهواء وسط حلقة من أصحابه.
اقترب منهم شاب كردي بزيه القومي، وقف يراقب حركاتهم، تجمع بعد قليل عدد من الأكراد حولهم، خفتت أصوات الفوضى...
صاح الشاب الكردي بلهجة عربية ركيكة: قطعتم الطريق على الناس، يمكنكم ان تلعبوا بالسكاكين في شوارعكم . وضع " علوان الهبش " سكينته في غمدها، تبعه آخرون. نادى المدرس: هيا، حان وقت العودة إلى بغداد.
لمحت فلاح حسين مستلقياً في فراشه، يركز نظراته في سقف الجملون. والآخرون يغطون في نومهم.
- صباح الخير:ابا الحسن.
- صباح الأنوار
- اراك يقظاً، هل زارتك ام حسن؟
- بل، حطت على نفسي كوابيس لا حصر لها، جعلتني أتقلب في فراشي الليلة كلها. حرصت على عدم إيقاظ أحدكم، حينما ضغطت علي معدتي ، حتى جلست على الصفيحة مرات دون ستارة، لازمني إسهال شديد طوال الليل اضطررت ان ألملم ما ساح منها، لأنها سقطت فلم تحمل وزني الثقيل ، خشيت ان تدخل الأوساخ إلى أغطية النائمين...
- تأملت الجملون بروية، اثناء الليل، كنت اسمع وقع اقدام العسكر في الخارج ، وأنين المحامي ظافر وابي شامل في الداخل وشخير آخرين وتنازع بعض النائمين على البطانيات من شدة البرد ، قال فلاح ...
- عرفنا ما وقع للمحامي ظافر ، وماذا عن ابي شامل؟
- نادوا عليه في ساعة متأخرة، ثم رموه بعد ساعتين في القاعة ...
فقد الرجل الوعي ولفوه بعباءته، نهض اليه ابو بشكو وآخرون، ماذا يمكن ان يفعلوا له، كانت آثار التعذيب واضحة في جسمه، سياط وكدمات.
هل يعقل هذا مع رجل، نذر نفسه للعراق، ثقافة وأدبا وسيرة جميلة ؟ قال فلاح
- ما علاقة هؤلاء بالعراق ، غير البطش والحقد؟
سمعت مذهولاً أول مرة ، ان ينادي على أفراد عائلة بكاملها، هذا حسن النهر وأبناؤه: شامل ، نصير ، معين ، ظافر والبنات في سجن النساء.
الاصطفاف : تصطف العائلة فردا فردا تبعاً لأعمار أفرادها، في القلعة الرابعة ، يضطر الأب ان يكون في المقدمة ، يتبعه شامل ونصير وظافر ومعين و ... وينتظم الأطفال في آخر الصف.
يا الله ، كوفيته ، تشبه كوفية أبي ، يتحلق وراءه الأبناء ،يمر عليهم " ناظم كزار وفاضل جلعوط وجبار كردي...."
يحدق بهم ، يطلب كزار من مرافقه تسجيل أسمائهم.
- أين البقية ؟ يسأل كزار.
- أتينا بهم كلهم ، ووضعنا النساء في سجنهنّ...
- أعزلوا الأب عن أبنائه إلى مركز شرطة الفضل.
- هؤلاء حصتك ، وسنضيف إليهم آخرين ، التفت ناظم كزار إلى جبار كردي.
- نهض ابو بشكو من فراشه ، يدعك عينيه ، بعد ان خلع نظارتيه وقف بدشداشته السميكة ذات اللون البني ، لا تفضح الأوساخ المتراكمة فيها، وتحميه من شدة البرد في الليل . ألقى تحية الصباح ، كالعادة حمل معه بطانية إلى الصفيحة برفقة حمدان.
- كيف ستحملك الصفيحة يا أبا بشكو ، اطمئن سأركز ثقلي على ركبتي لا على الصفيحة ، كي لا تتكرر الفضيحة السابقة.
- ماذا ينتظر هذا الحشد الهائل من البشر في الجملون وفي خارجه. لا ادري كيف ستتدبر ام حسن معيشة خمسة أولاد اذا طال بنا المقام . قال فلاح حسين.
- بدأ بعض الوجوه يختفي من الجملون ، ينادون عليهم ولم يعودوا . سيأتي دورنا لا محالة ، إنهم نصبوا هيئات تحقيقية ، إنها هيئات تعذيب وإعدام . ان الرجل الذي سألتم عنه قبل ايام . نادوا عليه فجر اليوم ، ولا أظن سيعود الينا ... قال ابو بشكو .
ثلاثة ضباط وأربعة مدنيين ... يدخلون الجملون فجأة ، استيقظ النائمون . طلب حرس الباب من الجميع الجلوس في اماكنهم . هدأت القاعة . توجهت الأنظار بقلق مخيف نحوهم . يحمل المدنيون أضابير وأوراقا ، يحدقون في الجالسين واحداً واحداً.
صاح احد الضباط بصوت عالٍ : اسمعوا من كان موصلياً او أقام فيها يرفع يده. رفع ثلاثة أيديهم.
- وأنت؟ سال فلاح حسين
- من خلف السدة ، أجاب
- الم يسبق لك الإقامة في الموصل ، لا ابداً
- ماذا تعمل؟
- اعمل في مصافي نفط الدورة.
- ألم تشترك في قطار السلام مع الشيوعيين في الموصل؟
- قلت لك لم أزر المدينة طوال حياتي . أجاب فلاح
- سيأتي دورك لاحقاً ، وتعرف نفسك . رد الضابط ...
- عزلوا الأشخاص الثلاثة ووضعوا قيداً في أيديهم، ارتبكت القاعة، أصابها خوف، ظهر الاحتجاج في النظرات والحركات الداخلية. لم يأخذ الثلاثة شيئاً معهم، ولم يودعوا أحدا ، اكتفوا بتبادل النظرات.
- تقدم احد المدنيين، يضع مسدساً في حزامه، يمسد لحيته بين الحين والآخر، ابتدأ كلامه بالبسملة والموعظة مع آية قرآنية...
- من يسكن مدينة الكاظمية ، يرفع يده ، ويقف في هذا الجانب وأشار بيده اليمنى.
- رفع خمسة ايديهم ، وتحركوا إلى الجهة التي أشار إليها.
- وأنت لماذا لا ترفع يدك ... سأله
- أنا من خلف السدة.
- السدة طويلة بامتداد بغداد , في اي جهة منها؟
- من صرائف العاصمة.
- أتضحك علينا، إنني أعرفك جيداً، لا تحاول الاحتيال علينا. فاسمك موجود معنا. وكنت ساعتئذ في الكاظمية مع أعداء الثورة.
سجلوا أسماءهم جميعا في قائمة مستقلة. بعد ساعة واحدة، نادى حرس الباب بأسمائهم، لمغادرة الجملون.
سادت الجملون حركة غير عادية، نهض بعض الموجودين "شد حيلك" ابو حسن، هذا يوم المحنة.
عانقه حمدان وابو بشكو ومن كان معه في المجموعة.
- عندي طلب واحد فقط، أرجو أن لا تنسوا بان هذا المدني من جماعة "الخالصي الدينية" في الكاظمية، يرافقه علوان من خلف السدة، كانت هوايته المفضلة، السطو على البيوت وسرقة الدجاج، فحينها ذاع خبره، اضطرت عائلته ان تهدىء عاصفة المطالبة بالتعويضات والانتقام من سارق الدجاج عليوان الهبش، شاهدناه مع آخرين في صباح الانقلاب، يحملون رشاشات "بور سعيد".
أرجو ان تخبروا أهلي عنه، انه يتحمل مسؤولية مصيري. حسبني من مدينة الكاظمية، حتى يسهل قتلي لأن المدينة شهدت مقاومة مسلحة ضارية لبضعة أيام.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,225,856,180
- الطريق إلى الباوية!
- الانتماء للشوارع والبيوت الواطئة !
- حرائق
- ملتقى الخميس يحتفي بالمبدع الدكتور عبد جاسم الساعدي
- ملتقى الخميس الابداعي يحتفي بالمبدع الدكتور عبد جاسم الساعدي
- التعليم في العراق : التحديات والآفاق*
- قاعة فؤاد التكرلي الثقافية في عامها الخامس
- منظمات المجتمع المدني : الواقع والآفاق
- البلدان العربية بحاجة الى آليات عمل جديدة خارج اطر الجمود وا ...
- اضراب عمال الزيوت النباتية في ذكراه الثالثة والاربعين
- رسالة مفتوحة الى رئيس الوزراء نوري المالكي
- -جمعية الثقافة للجميع- النشأة والتطور
- طاولة مستديرة في حق النساء والفتيات في التعليم
- مناقشة مشروع قانون محو الامية
- -دعم مطالب المتظاهرين ضرورة ثقافية وتنظيمية-
- مهرجان المربد الشعري الثامن في البصرة
- قراءة في مشروع قانون التربية
- لا للفساد وانتهاكات حقوق الانسان
- منظمات المجتمع المدني وثقافة حقوق الانسان
- التعليم في العراق وآفاق اصلاحه واسئلة التربية النقدية


المزيد.....




- وفاة الفنان الكويتي مشاري البلام عن عمر يناهز 48 عامًا بعد م ...
- الموت يغيب فنانا كويتيا مشهورا
- الساحة الغنائية تودع رائدة الاغنية الشعبية أيمان عبدالعليم ا ...
- وفاة الفنان الكويتي مشاري البلام متأثرا بكورونا
- نصير شمة يكشف عن الرقم الحقيقي لضحايا ملجأ العامرية!
- جمهورية بوروندي تجدد دعمها للوحدة الترابية للمملكة ولوحدتها ...
- كيف ابتكر فنانون خدعا بصرية لتضليل الألمان في الحرب العالمية ...
- لجنة استطلاعية برلمانية تجتمع بمدير صندوق الايداع والتدبير
- لجنة الداخلية بمجلس النواب تواصل دراسة القوانين التنظيمية ال ...
- ضجة في مصر حول فنانة شهيرة بسبب مراسل شاب... وبيان اعتذار عا ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد جاسم الساعدي - كواغد عراقية