أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف ليمود - ثورة مصر وحناء الجسد الخفي














المزيد.....

ثورة مصر وحناء الجسد الخفي


يوسف ليمود

الحوار المتمدن-العدد: 3432 - 2011 / 7 / 20 - 13:31
المحور: الادب والفن
    


ببطء منكمش، ناولتني المرأة التركية زوجة صاحب المطعم، سندويتشَي الفلافل. كانت حركتها شبه الدائرية في حيز متر مربع، أشبه بتمثال خشبي لا تتحرك فيه سوى الذراعان، أما الرأس فغائص في الكتفين، عاكساً على الوجه تعبيراً ذليلاً يثير الشفقة. بلا سخرية قالت صديقتي ونحن نستدير: "شكل رقبتها يخبر عن حياة طويلة من العبودية والخوف"، متفقاً معها في الرأي والشعور أجبت: "شكل الجسم هو انعكاس أمين لما بداخله". هذه الفكرة التي نوًع على لحنها شعراء وفلاسفة منذ نوفاليس إلى جبران خليل جبران مروراً بنيتشه، عبّرت عنها الفلسفة البوذية قبل ألفي عام بمفهومها عن ما أطلقوا عليه اسم "الجسد الخفي"، وهو، حسب تفسيرهم، مجموع القنوات اللامرئية التي تمر فيها الطاقة، عبر مراكزها السبعة، في رحلتها، أو بالأحرى في تحولها، من مركزها الأول أسفل البطن، إلى المركز الأخير في قمة الرأس، أي من حالة الجهل وبدائية الغريزة، إلى عالم الوعي والاستنارة الروحية. لا يعنينا من هذا المرور السريع على سطح الفكرة، سوى ربطهم بين درجة الوعي التي يصل إليها الشخص خلال ارتقاء طاقته، وبين شكل وهيئة جسمه، حيث تعكس الحالة الروحية نفسَها، لا في سلوك الشخص فحسب، بل في صميم شكله وهيئته الجسدية.

جملة لنجيب محفوظ، لم أعد أذكر في أي من رواياته كانت، تذكرتها أيام الثورة وتمنيت لو كان الرجل مازال حياً بيننا ليرى هذه اللحظة؛ الجملة كانت: "المصريون زواحف وليسوا طيورا". صورة كبست تاريخاً طويلاً من النوم والاستسلام واللامبالاة والتخمر في عجين الفساد الشامل، في كبسولة الجسد. لا نقصد هنا طبعاً أن نقول إن معجزة الثورة حولت المصريين فجأة، بين عشية وضحاها، من جنس الزواحف إلى جنس الطيور؛ فالوقت مازال مبكراً عن الكلام عن تحول ملموس في الجسد الثقيل لشعب لم ينخسه من سلحفائيته التي دامت عقوداً، إن لم نقل قروناً، سوى نسبة من أبنائه جعلها وعيها أشبه بالطيور. بالإمكان فقط أن نرصد بعض ملامح التحول، وبمعني أدق، الشروع في التحول، في هيئة وجسد أفراد هذه الأسراب الواعية، التي عششت في ميدان التحرير أياما ولياليا، ومن وقفوا وراءهم، بمخالب بغضهم لنظام وسخ، وبأجنحة حبهم لمصر، ومطلبهم في حياة إنسانية لا انحناء فيها ولا خوف.

كنت كلما زرت بلدي مصر، وبمجرد هبوطي على أرضها قبل أن أخرج من المطار، يحدث انكسار ما في عمق جهازي النفسي تنفتح له غدة ما خفية لا أعرف اسمها تفرز هرموناتها الموصولة بقنوات القلق والحذر والخوف من إمكان فقدان الذات في لحظة من عدم احتمال إهانة من شرطي حقير تخرج من فمه باعتيادية خروج الرذاذ من فمِ ثرثار؛ هذا بالرغم من أني أحمل في جيبي جواز سفر سويسري يمكن يحميني، إلى حد ما، أبادر بإظهاره وقت الضرورة، استدعاءً لشيء من الوجل في صدور من لا يعرفون سوى البلطجة. لكنه الخوف، المترسب في الأعماق من زمن ما قبل هجرتي منذ عشرين عاماً، من تلك الكلاب المسلطة على الشعب. هذا الخوف، حتى شهرين ماضيين، كان يغير شيئا في لبسي وشكلي وطريقة مشيتي، حسب شعوري الداخلي بجسدي. وهذا الخوف، مضاعَفا إلى حدود الذل، كنت أراه فيمن يتحركون حولي وليس في جيوبهم جواز سفر أجنبي يمكن أن يحميهم من سفالة ضابط شرطة يمارسها كمهنة؛ كنت أرى الخوف في العيون، في المشية، في لون الجلد، في انكماش الهامة، في طبيعة الألفاظ: "يا باشا، يا بيه، سعادتك يا افندم..."، كنت أرى ظل المرأة التركية الغائصة رقبتها في كتفيها، في كل مفردات الشارع المصري، من ناس وجمادات.

محت الثورة هذا الخوف أول ما محت، فكيف لا نتصور تغير لون جلد من قاموا بها؟ لو كان لي أن أتكلم عن شعوري، كأحد المحظوظين الذين شاركوا فيها، لا بد أن أذكر أولاً أن جواز سفري الأجنبي، منذ انطلاقة الثورة، لم يعد مكانه جيبي بل إني نسيته أصلاً، لكن الأهم هو شعوري العميق بأن هذه البلد عادت بلدي: زال الخوف، توحدّت مع مشيتي، كإحساسي بها في لا محدودية الحرية الشخصية المتاحة لي في الغربة والتي احتملت من أجلها الأخيرة. الغربة، والحرية الشخصية! يا لهما من جسدين نقيضين أغرب ما فيهما أن يتصالحا في جسد واحد! لكن ماذا عن الآخرين، طيور المصريين الذين حملوا طوائف الشعب على أجنحتهم فأسقطوا بصياحهم وغنائهم الصنم؟ لا أريد أن أقع هنا في شبهة الإنشائية في الوصف وأسرد ما لمسته من مظاهر حضور جسدي لم أعهده من قبل، منتشٍ بألوانه وحركاته، في البؤرات المغلقة التي ترتادها قلة محدودة من المتحررين، كالبارات وديسكوهات الرقص، لكنى أعود، بذهن علمي لا أثر لدوجمائية روحية فيه، إلى مفهوم "الجسد الخفي"، بما هو أعصاب وقنوات حلت فيها هرمونات الأمل البيضاء مكان هرمونات الخوف الحمراء، وتسري فيها طاقة الحب والوعي بمعنى مصر، فأرى انعكاساً لهذه المعاني المشرقة على شكل الجسم وهيئته: في اتساع نظرة العين، في انجلاء لون الجلد، في ارتفاع الصدر، في شيء ما في السلوك العام أكثر حساسية... انسدل الكتفان وخرجت منهما الرقبة.

أكتب هذا فجر الجمعة، الأول من أبريل. النهار يطلع، والنور كأنما يصدر من الأشياء، وليس من أصوات سوى العصافير. ساعات ويمتلئ ميدان التحرير بحشود مظاهرة مليونية لإنقاذ الثورة. تعود أسراب الطيور مرة أخرى إلى ميدانها، بعد أن تأكدت أن الزواحف، من ثعابين وديدان النظام البائد، ما تزال تنهش بأنيابها وتبخّ سمومها في الظلام لتصفية الثورة. ساعات وأرى هذه الأسراب، وقد أنبت لها خوفها النبيل على مصير الثورة، ريشاً جديداً، بل جسداً جديداً، جديراً بالحناء، كجسد عروس.

يوسف ليمود
م. الدوحة






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رمسيس يونان، مساحة صمت بين الأنا والمطلق 2-2
- رمسيس يونان، مساحة صمت بين الأنا والمطلق 1-2
- سارا لوكاس في قطن جسدها الرمادي
- لويز بورجوا: ذاكرة الجسد وجسد الذاكرة
- قبل إسقاط الصنم
- بيتي بيدج: نملة الذات وكهرباء الجسد الزائدة
- عن الحب والقتل وجدار جمجمة معتمة
- آنا مندييتا: الأرض حدساً لجسدها، الأرض حقلاً لفنها
- كارولي شنيمان وبهجة اللحم
- مارينا أبراموفيتش: روح العالم في جسد الفنان
- البرفورمانس فناً والجسد هويةً
- فن فاروق حسني مَن يخاطب وأين يقف؟
- إرنست بيالار، العابر المقيم في جمال متحفه
- الفن المصري في الستينيات والسبعينيات ج 3 .. السوريالية هناك ...
- الفن المصري الحديث في الستينيات والسبعينيات (2)
- حدود فان جوخ بين الوعي والخرافة
- رحيل اللباد صاحب -كشكول الرسام-
- عن الثقافة في مصر: شجرة البؤس وأزهار الخشخاش المسروقة
- الفن المصري الحديث في الستينيات والسبعينيات، إلى أين كان، وإ ...
- جان ميشيل باسكيا .. فنه أم موته المبكر صنع أسطورته؟


المزيد.....




- المخرج الإسرائيلي آفي مغربي: الحرب همجية .. والصراعات تنشر ا ...
- فنان تركي يجمع 16 ألف خصلة شعر من نساء من حول العالم.. والسب ...
- نزهة الشعشاع تفسر أهمية -العلاج بالمسرح-
- إصدار جديد يوثق الحياة الثقافية والاجتماعية بالرباط خلال الق ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء
- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف ليمود - ثورة مصر وحناء الجسد الخفي