أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان الدراجي - سيرة الحصاة البيضاء














المزيد.....

سيرة الحصاة البيضاء


عدنان الدراجي

الحوار المتمدن-العدد: 2616 - 2009 / 4 / 14 - 06:09
المحور: الادب والفن
    


افتقاد حصاة بيضاء صغيرة لموقع في قبضة مترهلة لا يعني شيئا, فالحصى أكثر مما يحصى, إن تنوع أحجام الحصى وأشكاله وألوانه يعسر تصنيفه, فمن ينتبه لصفاء هذه الحصاة البيضاء وكم هي صقيلة وخالية من الشوائب ومغايرة لصويحباتها اللاتي مكثنَ في تلك الكف.
لونها الأبيض يتدرج في استطالتها الرشيقة حتى ليغدو في طرفها العلوي رقيقا ساميا مستفزا لبياضها الكثيف المشرق في أجزائها الأخرى, كان انحناء احد سطحيها برقة فوق استقامة سطحها المستوي يمنحها كياسة وبهاء وحنانا.
كانت شغوفة بالضوء, تلهو معه, وتسمح له بملامستها بتلذذ عجيب كأنها تستمد منه حيويتها, فعشقها وهام بها رغم علمه باستحالة اختراقها, فما أن يلجها حتى يذوب فيها و لا تدعه حتى تخلق منه انعكاسات منتشية بألوان الطيف.
مكوثها القسري في أكوام الحصى الموحلة لم يطفئ تفردها بل منحها اشراقة تغري من يقع بصره عليها بالتقاطها كحجر كريم لكن سرعان ما يطاح بها إلى وحل قمامة ما, أو تهمل منزوية على قارعة طريق مترب.
ربضت في زمن ماض على ضفة دجلة مستلقية على مهد رملي نظيف تغتسل بمويجات النهر الناعسة, وتلهو ببراءة مع شعاع الشمس المتراقص فوق حبات رمل الشاطئ, لكن ترف العيش لم ينسها أيام صباها في موطنها الأول.
كيف تنسى خرير الغدير الذي سكنت في كنفه ومداعبات غصن الشجرة اللعوب التي تمازحها بحجب أشعة الشمس عنها للحظة ثم تنزاح لتظلل جزءا أخر من الغدير.
في يوم نحس أسرت مع كثيب رمل, ونقل الجميع بشاحنة قبيحة إلى موقع مكتظ بأكوام الرمل والحصى وقضبان الحديد وأكياس الاسمنت.
لم يستقر الحال بها هناك طويلا إذ تقاذفتها المعاول نحو جوف آلة مزج الخرسانة المرعبة, فدارت بها مزمجرة بفضاضة طائشة محدثة دوامة هائجة, جعلتها تتدحرج على الجدران المعدنية القاسية بلا هوادة, محاطة بمزيج لزج من مسحوق الاسمنت الأسود المختلط مع حبيبات الرمل الحمراء الدبقة مع الماء, وحين تهيأت الآلة لتفرغ أحشاءها فغر إناء معدني عميق فاه وأسرع ينزلق تحتها كي يستقبل برازها الطري لكنه اخطأ الموقع المناسب بقليل مما أتاح للحصاة البيضاء السقوط بجوار الإناء المخيف.
استقرت بقرب الآلة الصاخبة غير مكترثة بالوحل المحيط بها, مشرقة نقية لامعة لم تمس بخدش ولم تكسر كغيرها ممن التهمتهم الدوامة.
لم تمكث طويلا حيث التقطت من موقعها ودست في كيس قماش يرقد باسترخاء تحت ظلال جدار ليس بعيد من موقعها الأول, سمح لها امتلاء الكيس بقطع الملابس النظيفة بالاختباء وكتم حضورها المشرق, وحين خيم الصمت عصر ذلك اليوم, افرغ الكيس من محتوياته, انزلقت منه لتستقر بمحاذاة الجدار.
اعتادت التنقل فلم توحشها الغربة لكنها تفتقد أجواء الاطمئنان والاستقرار حتى أنها تغبط غيرها من الحصى الرديء الذي تجذر في أسس وسقوف البنايات أو اللاتي تسللنَ بمكر تحت طلاء الأبنية الأسمنتي.
كان هدير محركات المركبة المتراجعة نحو فناء البناء التي لاذت به الحصاة نذير فصل جديد من حياتها, توقفت المركبة ثم شهقت مقدمة حوضها نحو الأعلى لينساب من تحت بوابتها سيل من التراب الناعم الذي شكل هرما مخروطيا لا تبعد حافة قاعدته كثيرا عن مكمن الحصاة البيضاء.
تكرر مجيء المركبة القميئة وتزاحمت الأهرامات الترابية حولها مع قدر غير معقول من الغبار الكثيف, لم تهنأ بانقشاع السحب الترابية إذ انشق فجر اليوم التالي عن ضوضاء معاول صاخبة أخذت تنهش أجساد أهرامات التراب وتذره في أنحاء المكان, وقبل زوال الشمس طمرت الحصاة البيضاء تحت طبقة رقيقة من التراب.
سكنت الحصاة البيضاء صابرة على مضض, كيف تتملص من ورطتها وهي تفتقد للأرجل والأيدي وصلابتها تحرمها من الحركة الموجية الدودية, لكنها أخرجت أخيرا حين مهد بجوارها موقع سكن لنبتة ما, التقطها كف متسخ لبرهة ورافقته نحو الخارج, لكنه أسقطها من غير قصد بعد أن طوح بذراعه على حافة الطريق الإسفلتي.
سكون الطريق أغرى سرب العصافير على الهبوط بجوارها, تأملتها عصفورة يانعة ثم التقطتها بمنقارها الرقيق, ولسبب غير مفهوم زهدت بها العصفورة وغادرت المكان مع رفيقائها منزعجة من زمجرة مركبة هائلة قادمة باتجاه الحصاة البيضاء.
لم تحد بأنملة عن الشاحنة فدعسها الإطار الأمامي وأودعها في ثنايا حافته الجانبية, كان الإطار يدور بسرعة مجنونة لا تقاس بسرعة آلة مزج الاسمنت بأي شكل من الأشكال.
ومن فرط التسرع الهائل للإطار المهوس بالدوران حول محوره خُلعت الحصاة البيضاء من مكمنها وقُذفت بقسوة نحو العشب النامي على أكتاف طريق الشاحنة المجنونة.
اصطدمت بشدة بالأرض الصلبة عدة مرات ثم تدحرجت لمسافة قبل أن تفقد زخم سرعتها العاتية وتستقر بهدوء بين الأعشاب الطرية على سطحها المستوي, كان مستقرها الجديد مثاليا, فليس هناك طموح تتمناه أكثر من أجواء مسالمة تنعم بها قبل أن يداهمها العطب.
بهاء صفائها ورقة جوهرها لم تطمعانها يوما بالاسترخاء في إطار ذهبي معلق على جيد فاتنة ما أو أن تحتوى بحلقة فضية تزين أصبعا مترفا, لكن تهون عليها ضربة مطرقة من أن يطأها حذاء متسخ بأقذار الأنجاس.
حنو الأعشاب الندية عليها أشعرها باطمئنان مفتقد, فهي بعد كل تجاربها لم تفقد صفاء لونها ولم تخدش, لكن ينغصها دائما ذكرياتها مع (مقاليع) المشاغبين الذين اجتهدوا في جعلها أداة جارحة أو وسيلة لهو.
تأقلمت الحصاة البيضاء الصغيرة على بيئتها الجديدة من غير جهد كبير, لكن لم يدعها خوفها تنعم بالاستقرار المنشود, فهناك دائما احتمال مرعب يعود بها إلى حيث كانت في جحيم دوامة العجلات والآلات.

د.عدنان الدراجي
[email protected]



#عدنان_الدراجي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضباب
- البصيرة
- عندليب المتفائلين
- المذياع
- انتفاخ
- منطق الأمراض
- مواسم الأقنعة
- أسورتك لا بأس بها
- الأستاذ
- عيون
- بشارة سبتمبر
- انزوى صامتا
- احذروا التجهم
- الملجأ
- قيلولة النصر
- هوية
- جسد مجنون
- قصة صولة العواء
- قصة اغتصاب ظل
- صعلكة


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي: ما هي التحديات التي تواجه صناعة السينم ...
- معرض الدوحة الدولي للكتاب يستقبل زواره بحضور أكثر من 520 دار ...
- بيان قائد الثورة الإسلامية بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بال ...
- ياسمين صبري تسرق الأضواء بـ3 إطلالات متميزة في مهرجان كان ال ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: تدمير المواقع التراثية يكشف نزعة ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: نتابع الإجراءات القانونية من أجل ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: ليعلم العدو أن هذا العدوان لم يكن ...
- -الشمس تدور كعجلة من نار-: -الرؤية- التي تنبأت بسقوط الاتحاد ...
- حوار خاص مع وزير الثقافة الإيراني
- ست صور تروي قصة الثورة الثقافية في الصين قبل 60 عاماً


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان الدراجي - سيرة الحصاة البيضاء