الفصل الأول: ولادة في مساء الأربعاء من رواية: برمجة الجسد


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:36
المحور: الادب والفن     

1.

وُلد أحمد في مساءٍ خانق من آب، الخامس من ذلك الشهر الذي يشبه جمرةً موضوعة على صدر الصيف. كان يوم أربعاء، كما كانت أمّه عليا تردد دائمًا، وكأن اليوم نفسه جزء من القدر، علامة صغيرة على أن الطفل الذي سيأتي لن يكون طفلًا عاديًا. وكان المساء يميل إلى الاحمرار، كأن الشمس التي تغيب فوق سهول النيرب أرادت أن تترك أثرًا على كل شيء، على البيوت، على الوجوه، وعلى الولادة التي ستحدث بعد قليل.

لكن أحمد، في تلك اللحظات الأولى التي سبقت خروجه إلى عالم لا يشبهه، لم يكن يعرف شيئًا عن الشمس، ولا عن سهول النيرب، ولا عن ذلك الاحمرار الذي كان يغطي الأفق كأنه جرحٌ قديم يعاود النزيف. كان يعرف فقط الظلام الدامس الذي كان فيه، ذلك الدفء الخانق الذي أحاط به طيلة تسعة أشهر، ذلك النبض المنتظم الذي كان يأتيه من مكان ما، نبض قلب أمه، الإيقاع الوحيد الذي عرفه، اللغة الوحيدة التي فهمها قبل أن يتعلم أي لغة أخرى.

كانت عليا تشعر به يتحرك، يضغط، يحاول أن يجد طريقه إلى الخارج، كأنه يعرف أن هناك شيئًا ينتظره، شيئًا ليس كالدفء الذي عرفه، شيئًا مختلفًا، ربما أكثر برودة، ربما أكثر قسوة. كانت تضع يدها على بطنها، وتهمس له بكلمات لا يفهمها لكنه يشعر بها: "تمهل يا بني، تمهل، العالم ليس جاهزًا لك بعد."

ولم يكن العالم جاهزًا لأحمد. لم يكن جاهزًا لأي طفل يولد هناك، في ذلك المكان الذي لم يكن مكانًا، في ذلك المخيم الذي لم يكن مخيمًا، في تلك الثكنات التي بناها الفرنسيون ثم تركوها، كأنهم تركوا جرحًا مفتوحًا في الأرض، جرحًا نزف سنين طويلة قبل أن يأتي الفلسطينيون ليسكنوه، ليس لأنهم أرادوه، بل لأنه لم يكن لهم مكان آخر يذهبون إليه.

---

2.

لم يكن المخيم في الحقيقة مخيمًا بالمعنى الذي تفهمه الكلمة. كان معسكرًا فرنسيًا استعماريًا مهجورًا، ثكنات إسمنتية متآكلة، جدرانها مشققة كوجه عجوز، نوافذ صغيرة تشبه عيونًا محدقة في الفراغ، ممرات ضيقة لا تكاد تسع اثنين يمشيان جنبًا إلى جنب، وسقوف من ألواح الزينكو التي تصدر صوتًا يشبه الأنين كلما هبت الريح، صوتًا يشبه البكاء، بكاء المكان نفسه لأنه لم يعد ما كان عليه، ولم يصبح ما كان ينبغي أن يكون.

كان الفرنسيون قد بنوه ليكون قاعدة عسكرية، ليكون مكانًا للسيطرة، للرقابة، لتكون جدرانه شاهدة على استعمارٍ كان يظن أنه أبدي. لكن الاستعمار رحل كما يرحل كل شيء، وبقيت الجدران، بقيت الثكنات، بقيت النوافذ الصغيرة التي لا تطل على شيء سوى الصحراء والملح، وبقي الزينكو يصدأ تحت المطر ويئن تحت الريح.

ثم جاء الفلسطينيون. جاءوا من كل مكان، من طيرة الكرمل ويافا وحيفا، من القدس والخليل وغزة، جاءوا بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم، جاءوا بذاكرتهم التي لا تموت، بحنينهم الذي لا يخبو، بجروحهم التي لم تندمل. ونزلوا في ثكنات الفرنسيين، في تلك الغرف الإسمنتية التي لم تكن مصممة لتعيش فيها عائلة، لكنها صارت بيوتًا، صارت مدارس، صارت مساجد وكنائس، صارت كل شيء.

وصارت سهول النيرب، تلك السهول الخضراء الواسعة التي تفوح منها رائحة الورد الجوري في الربيع، جزءًا من حياتهم. سهولٌ كانت تقع قرب المعسكر، تفصل بينه وبين المدينة، كأنها حاجز طبيعي بين عالمين: عالم المخيم، حيث البؤس والفقر والانتظار، وعالم المدينة، حيث الحياة الطبيعية، حيث الناس الذين لهم بيوت وأوطان ومواطنة.

كانت تلك السهول تشبه وعدًا مؤجلًا، جمالًا يقف على مسافة خطوة من البؤس، كأن الطبيعة نفسها كانت تقول لسكان المخيم: "هناك جمالٌ قريب، هناك خضرة وورود، هناك حياة أخرى ممكنة، لكنها ليست لكم، ليس الآن، ربما يومًا ما، ربما." ونظر إليها الفلسطينيون كل يوم، نظر إليها الأطفال الذين ولدوا في المخيم، الكبار الذين جاؤوا إليه نازحين، والشيوخ الذين كانوا يتذكرون أيامًا خضراء في قرى لم تعد موجودة. نظروا إليها وعرفوا أنها ليست لهم، لكنهم عرفوا أيضًا أنها قريبة، وأن الجمال قريب حتى لو لم يكن لهم.

---

3.

لم تكن الولادة في بيت من بيوت الزينكو، حيث يعيش الناس فوق بعضهم البعض، حيث يسمع الجيران أنفاس الجيران، حيث يختلط البكاء بالضحك والصراخ بالهمس. ولا في غرفة من غرف المعسكر القديم، تلك التي كانت ذات يوم للجنود الفرنسيين، والتي ما زالت تحتفظ برائحة التبغ والبارود والخوف.

كانت في غرفة صغيرة أعدتها الأونروا للولادة، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تلك المؤسسة الدولية التي كانت تحاول، منذ سنوات، أن تنظّم حياة شعبٍ اقتُلع من أرضه، أن تعطيه شكلًا من أشكال الحياة، أن تقول له: "نحن هنا، نحن نراكم، نحن نحاول."

غرفة بيضاء باردة، جدرانها مطلية بدهان رخيص أبيض مصفر، أرضيتها من الإسمنت المصقول الذي يلمع تحت ضوء مصباح أصفر يتدلى من السقف كعين متعبة ترقب كل شيء. كانت الغرفة تشبه محاولة دولية لتنظيم الفوضى، محاولة لإعطاء المنفى شكلاً إنسانيًا، محاولة لقول: "حتى لو لم يكن لكم وطن، حتى لو كنتم لاجئين، سنعطيكم مكانًا تولدون فيه، مكانًا نظيفًا، مكانًا يشبه الحياة، ولو قليلاً."

كانت غرفة الولادة تلك، في بنيتها ومعناها، مفتاحًا روائيًا كبيرًا، لأنها لم تكن مجرد غرفة، بل كانت تجسيدًا لكل التناقضات التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني: الرعاية الدولية التي تحاول أن تكون إنسانية، ولكنها تبقى رعايةً لاجئين، رعاية مؤقتة، رعاية من لا وطن لهم. كان فيها من النظافة والتعقيم ما يكفي لولادة آمنة، لكن كان فيها أيضًا من البرودة واللامبالاة ما يجعلها تشبه غرفة انتظار، انتظار شيء لا يأتي، انتظار وطن، انتظار حل، انتظار معجزة.

وكانت جدرانها تعرف أنها ليست جدران بيت، كانت تعرف أنها جدران مستعارة، جدران مؤقتة، جدران وكالة دولية سترحل يومًا ما مثلما رحل الفرنسيون من قبلها. وكان السقف يعرف أنه ليس سقف وطن، أنه سقف من زينكو، سقف يئن تحت المطر ويتشقق تحت الشمس، سقف لا يحمي من البرد ولا من الحر، سقف يشبه حياة اللاجئين كلها: واقٍ في الظاهر، هش في الحقيقة.

---

4.

كانت عليا تجلس على السرير المعدني في غرفة الأونروا، تتنفس ببطء، بانتظام، كما علمتها أم فريد، القابلة المسيحية التي جاءت من حلب لتولد النساء في المخيم. كانت تضع يدها على بطنها وتحاول تهدئة الطفل الذي بداخلها، ذلك الطفل الذي كان يعرف، حتى قبل أن يخرج، أنه سيولد في المكان الخطأ، في الزمان الخطأ، في التاريخ الخطأ.

كانت تشعر أن هذه الولادة ليست مجرد ولادة طفل، بل ولادة ذاكرة، ذاكرة المكان الذي جاءت منه، طيرة الكرمل، تلك القرية الفلسطينية التي كانت تقع على سفح جبل الكرمل، حيث الزيتون والكروم والبحر الأزرق، حيث البيوت الحجرية والطرق الضيقة والجيران الذين يعرفون بعضهم البعض منذ الأزل. كانت تشعر أن الطفل الذي بداخلها يحمل كل تلك الذاكرة، يحمل رائحة الزيتون، ورائحة البحر، ورائحة الأرض التي خرج منها آباؤها وأجدادها.

كانت تقول لصالح، زوجها، في ليالي الوحدة الطويلة، عندما كان المخيم كله ينام وكانت هي وحدها مستيقظة، تفكر في قرية لا تعود، في بيت لا عاد، في وطن لا عودة: "هذا الولد الذي بداخلي، هذا الولد الذي يتحرك كل ليلة كأنه يحاول أن يخرج من هذا العالم الذي نعيش فيه، سيولد وهو يعرف أننا لسنا من هنا، سيعرف أنه من طيرة الكرمل، من فلسطين، من مكان لا يوجد على الخريطة بعد الآن."

وكان صالح يبتسم، ذلك الابتسام الخفيف الذي كان يخفف عنهما وطأة الكلمات، لكنه كان يعرف أنها لا تبالغ، كان يعرف أن المخيم ليس مكانًا يولد فيه الأطفال حقًا، بل مكانًا يُنتظر فيه شيء ما، شيء يشبه العودة، أو يشبه المعجزة، شيء يأتي في آخر الليل، أو في آخر الزمان، ويقول للجميع: "انتهى الانتظار، حان وقت العودة."

لكن الانتظار لم ينتهِ، ولم يأتِ وقت العودة، وبقي المخيم كما هو، بؤسه كما هو، جدرانه الإسمنتية كما هي، وسقفه الزينكي يئن كلما هبت الريح. وبقيت عليا تحمل في رحمها طفلًا من فلسطين، طفلًا من طيرة الكرمل، طفلًا سيولد في غرفة الأمم المتحدة، في معسكر فرنسي مهجور، في مخيم فلسطيني مؤقت، وسيقضي عمره كله، كما سيقضي كل من يولد هناك، في البحث عن المكان الذي ينتمي إليه.

---

5.

حين اشتد المخاض، حين أصبح الألم لا يحتمل، وحين شعرت عليا أن الطفل الذي بداخلها يريد الخروج الآن، هذه اللحظة، لا بعد دقيقة ولا بعد ساعة، أرسل صالح طفلًا من الجيران ليجلب أم فريد، القابلة المسيحية التي كانت تأتي من مدينة حلب كلما احتاجها المخيم، كلما كان هناك طفل على وشك أن يولد، كلما كانت الحياة على وشك أن تظهر في هذا المكان الذي صمم للموت.

كانت أم فريد امرأة في الخمسين من عمرها، بشعر رمادي مربوط إلى الخلف بعناية، ووجه يحمل ملامح المدينة القديمة: الطيبة التي لا تنفصل عن الصلابة، الصلابة التي لا تنفصل عن الحكمة، والقدرة على مواجهة الحياة دون شكوى، دون تذمر، دون أن تفقد الأمل رغم كل ما رأته في سنوات عمرها الطويلة.

كانت تعرف المخيم جيدًا، كانت تأتي إليه منذ سنوات طويلة، منذ أن بدأت الأونروا في تنظيم الولادات، منذ أن صار المخيم مكانًا تولد فيه الأجيال الجديدة من اللاجئين. كانت تعرف طرقاته الضيقة، تعرف بيوته المتلاصقة، تعرف نساءه وأطفاله، تعرف وجوههن التي تحمل علامات البؤس والفقر والأمل في آن واحد.

دخلت غرفة الأونروا بخطوات ثابتة وواثقة، تحمل حقيبة جلدية قديمة، حقيبة كانت معها منذ سنوات، فيها كل ما تحتاجه لتوليد طفل: شاش معقم، مقص صغير، زجاجة كحول، قطن طبي، وخيط لربط السرة، وأشياء أخرى لا يتذكرها أحد، أشياء تحمل رائحة البيوت الحلبية القديمة، رائحة اليانسون والقرفة والدفء الذي لا يوجد في غرف الأونروا الباردة.

قالت لعليا، وقد وضعت يدها على بطنها، تشعر بحركة الطفل، بضرباته الصغيرة، بإيقاع حياته الذي كان يختلف عن إيقاع المخيم كله: "لا تخافي يا بنتي، الأربعاء يوم طيب للولادة، يوم سعيد، يوم مبارك، يوم يليق بالأطفال الذين سيأتون ليكتبوا تاريخًا جديدًا."

ثم وضعت يدها على بطنها، ليس كطبيبة، بل كامرأة عاشت الحياة وعرفت أسرارها، كأم عرفت معنى الحمل والولادة، كإنسانة تؤمن بأن الحياة أقوى من كل شيء، أقوى من الاستعمار، أقوى من النكبة، أقوى من المخيمات والمنافي والحدود. كانت تقرأ شيئًا لا يراه الآخرون، شيئًا لا تقوله الكلمات، شيئًا يتعلق بالطفل الذي بداخلها، بجسده الصغير، بروحه التي ستأتي إلى هذا العالم قريبًا.

كانت أم فريد تعرف المخيم جيدًا، تعرف أنه مكان يجمع كل الطوائف والأديان، تعرف أن النساء المسلمات والمسيحيات واللاتي لا دين لهن يلدن هناك، تعرف أن الألم لا يعرف الطوائف، وأن الفرح لا يعرف الطوائف، وأن الولادة لا تعرف الطوائف، الولادة تعرف الحياة فقط، تعرف أنها أكبر من كل شيء، أكبر من الأديان التي تفرق، أكبر من الحدود التي تفصل، أكبر من الاستعمار الذي يرحل ويترك جروحًا.

كانت تأتي إلى المخيم، هذا المخيم الذي كان جزءًا من سوريا، لكنه ليس سوريًا، وكان جزءًا من فلسطين، لكنه ليس فلسطينيًا، كان مكانًا لا ينتمي لأحد، مكانًا لكل من لا مكان له. وكانت تولد النساء كما كانت تلد نساء حلب، وكما كانت تلد نساء فلسطين، وكما كانت تلد نساء كل مكان، لأن الولادة، في النهاية، هي لغة واحدة يفهمها الجميع، لغة الحياة التي تأتي رغم كل شيء، رغم الحروب، رغم النكبات، رغم المخيمات، رغم كل شيء.

---

6.

كان سقف غرفة الولادة من الزينكو أيضًا، كأن الأونروا، بكل ما تملك من إمكانيات، لم تستطع أن تفصل بين الولادة والمنفى، لم تستطع أن تعطي الطفل الذي سيولد سقفًا مختلفًا، سقفًا لا يشبه سقف المعسكر الفرنسي المهجور، سقفًا لا يئن تحت المطر، سقفًا لا يتشقق تحت الشمس.

كان المطر يطرق السقف بصوت خفيف منتظم، كأنه يقول شيئًا، كأنه يشارك في الولادة، كأنه يريد أن يكون جزءًا من هذا المشهد، مشهد طفل يولد في مكان لا يصلح للولادة. وكانت رائحة الورد الجوري القادمة من سهول النيرب تختلط برائحة الكيروسين، رائحة المصابيح التي تضيء بيوت الزينكو، رائحة المطبخ الفقير، رائحة المعاناة اليومية. فخلقت هذا المزيج الغريب، المزيج الذي لا يشبه شيئًا، المزيج الذي يشبه حياة المخيم كلها: جمال قريب، وبؤس مفروض، جمال لا يصل إليه أحد، وبؤس يعيشه الجميع.

سمعت أم فريد صوت المطر على الزينكو، وابتسمت، وقالت لعليا وهي تعد الأدوات: "المطر اليوم طيب، المطر يبارك الولادة، المطر يجعل الهواء نقيًا، المطر يجعل الأطفال يبكون بصوت أعلى، كأنهم يقولون للعالم: نحن هنا، نحن أحياء."

لكن عليا لم تسمع كلام أم فريد، كانت في عالم آخر، عالم الألم الذي لا يشبه شيئًا، عالم المخاض الذي يأخذ المرأة كلها، روحها وجسدها وذاكرتها، ويضعها في مواجهة الحياة مباشرة، في مواجهة الموت مباشرة، في مواجهة كل شيء. كانت تدفع، تتنفس، تصرخ، تهمس، تصلي، تفعل كل شيء في نفس الوقت، وهي تحاول أن تخرج هذا الطفل الذي بداخلها، هذا الطفل الذي كان يعرف، حتى قبل أن يخرج، أنه سيولد في المكان الخطأ.

كان المطر يزداد، وكان صوت الزينكو يرتفع، وكانت أنفاس عليا تتسارع، وكانت أم فريد تقول لها: "اقتربتِ، اقتربتِ، أدفعي، يا بنتي، أدفعي، الطفل يريد الخروج، الطفل يريد أن يرى النور."

وفي تلك اللحظة، في تلك الثانية التي جمعت كل شيء، المطر، الزينكو، الألم، الدعاء، الورد الجوري، والكيروسين، خرج أحمد إلى العالم. خرج بصرخة طويلة، حادة، كأنها احتجاج مبكر على كل شيء، على الهواء الذي دخل رئتيه لأول مرة، على الضوء الذي أعمى عينيه، على البرد الذي لمس جسده، على المكان الذي ولد فيه، على الزمان الذي اختاره ليكون فيه.

كانت صرخته تملأ الغرفة، تملأ المخيم، تملأ العالم الصغير الذي كان له، كأنه يقول للجميع: "أنا هنا، أنا موجود، أنا لا أوافق على ما يحدث، أنا لا أوافق على هذا المكان، أنا لا أوافق على كل شيء."

---

7.

قالت عليا، وهي تسمع صرخة ابنها، وتشعر بوزنه الصغير على صدرها: "صرخته تشبه صرخة من يعرف أنه ولد في المكان الخطأ، صرخته تشبه صرخة من يريد أن يعيد نفسه إلى حيث كان، إلى حيث الدفء والظلام والنبض المنتظم."

وقالت أم فريد، وهي تنظف الطفل وتجهزه، وهي تقص سره وتلفه بشاش معقم: "هذا الولد صدره ضيق، صدره ضيق جدًا، سيحتاج هواءً أفضل من هذا، هواءً أنقى، هواءً لا يحمل رائحة الكيروسين والزينكو، هواءً يشبهه، هواءً يشبه روحه."

لم تكن تعرف أنها قالت نبوءة، نبوءة سترافق أحمد طوال حياته، نبوءة ستتحقق كل يوم من أيامه، كلما تنفس هواء المخيم، كلما شعر بضيق في صدره، كلما نظر إلى سهول النيرب الخضراء وعرف أنها ليست له، كلما سمع صوت الزينكو يئن تحت المطر وعرف أن هذا ليس بيته، كلما تذكر طيرة الكرمل التي لم يرها ولم يعرفها لكنها كانت في دمه.

كان صدر أحمد ضيقًا، وكان الهواء الذي استنشقه في غرفة الأونروا هو الهواء الأول الذي دخل رئتيه، الهواء الذي علمه كيف يتنفس، الهواء الذي شكل رئتيه، الهواء الذي بقي فيه طوال حياته، كذكرى أولى، كأثر لا يمحى، كعلامة على المكان الذي جاء منه. وكان هذا الهواء، هواء المخيم، هواء الزينكو والكيروسين، هواء المطر والرطوبة، هواء السهول الخضراء والورد الجوري، هواء كل شيء، هو الذي بقي في صدره، يضغط عليه، يجعله يشعر دائمًا أنه في المكان الخطأ.

---

8.

حين حمل صالح ابنه لأول مرة، شعر بشيء يشبه الاعتذار، اعتذار عميق، اعتذار قديم، اعتذار لا يستطيع قوله بالكلمات، لكنه كان يشعر به في كل خلية من جسده. كان ينظر إلى وجه أحمد الصغير، إلى عينيه المغلقتين، إلى يديه الصغيرتين، إلى جسده الناعم، وكان يشعر أنه يعتذر له، يعتذر لأنه ولد هنا، في هذا المكان الذي لا يشبه أحدًا، في هذا المخيم الذي ليس وطنًا، تحت هذا السقف الذي ليس سقف بيت، في هذه الغرفة التي ليست غرفة حياة.

كان يشعر أنه يعتذر له عن كل شيء، عن طيرة الكرمل التي لم تعد، عن فلسطين التي ضاعت، عن فلسطين التي لم يرها أحمد، عن فلسطين التي سيعيش أحمد يتوق إليها دون أن يعرفها، عن فلسطين التي ستكون دائمًا في دمه لكنها لن تكون في يديه.

قال في نفسه، وهو ينظر إلى ابنه الذي ما زال يبكي، ما زال يحتج، ما زال يرفض هذا العالم: "سامحني يا بني، سامحني لأني جئت بك إلى هنا، سامحني لأني لم أستطع أن أحميك من هذا المكان، سامحني لأني لم أستطع أن أعطيك وطنًا، سامحني لأني لم أستطع أن أعطيك هواءً تشبهه."

ثم قبّل جبينه، جبينه الصغير الناعم، قبّل جبينه وشعر برطوبة عرق الولادة، شعر بدفء جسده الصغير، شعر بالحياة التي في داخله، الحياة التي كانت أقوى من كل شيء، الحياة التي كانت تقول له: "أنا هنا، أنا موجود، أنا سأكبر، سأعيش، سأعرف، سأبحث عن هوائي، سأجد طريقي."

ووعده، دون أن يسمع أحد، دون أن يقول كلمة واحدة، وعد صامت، وعد في قلبه، وعد بينه وبين نفسه، وعدًا سيبقى معه طوال حياته، وعدًا سيدفعه للبحث كل يوم، كل ليلة، عن هواء يشبه ابنه، عن مكان يشبه روحه، عن وطن يليق به.

كانت تلك اللحظة لحظة تحول، لحظة تغيير، لحظة بداية كل شيء، لحظة أصبح فيها صالح أبًا، ليس فقط لأحمد، بل لكل الأطفال الذين سيكونون، لكل الأجيال التي ستأتي، لكل الفلسطينيين الذين سيولدون في المخيمات وسيبحثون عن هواء يشبههم.

---

9.

كان المخيم، في تلك الليلة، أكثر من مجرد مكان، كان تاريخًا، كان طبقتين من التاريخ، طبقة استعمارية فرنسية، وطبقة فلسطينية منفى. كانت جدرانه تحمل ذاكرة الفرنسيين الذين بنوه، وذاكرة الفلسطينيين الذين سكنوه، كانت جدرانه شاهدة على كل شيء، على النكبة، على الاقتلاع، على اللجوء، على الانتظار، على الأمل، على اليأس، على الحياة التي تستمر رغم كل شيء.

وكان أحمد يولد في الطبقة الثانية، فوق جرح لم يلتئم، وفوق جرح آخر لم يكن له علاقة به لكنه ورثه. كان يولد في مكان يقول له، بصوت لا يسمعه إلا من يفهم لغة الجدران: "أنا لست لك، أنا لست بيتك، أنا لست وطنك، لكنني سأكون بيتك حتى تجد بيتك الحقيقي، سأكون مكانك حتى تجد مكانك، سأكون كل شيء لديك حتى تجد ما هو أفضل مني."

وكان المكان نفسه يقول له، بصوت آخر، صوت أعمق، صوت يأتي من جدران المعسكر الفرنسي القديم، من الزينكو الذي يئن، من الإسمنت المتشقق، من النوافذ الصغيرة التي لا تطل على شيء: "أنا أعرف أنني لست كافيًا، أعرف أنني لست ما حلمت به، لكنني هنا، أنا موجود، أنا حقيقي، أنا المكان الوحيد الذي لديك الآن، فتقبلني، أو ارفضني، لكنني هنا."

وكان أحمد، الطفل الصغير، الذي لا يفهم شيئًا، يبكي، يبكي كما يبكي كل الأطفال، لكن بكاءه كان مختلفًا، بكاءه كان يقول شيئًا، بكاءه كان يجيب المكان، بكاءه كان يقول: "أنا لا أقبلك، ولا أرفضك، أنا لا أعرفك، أنا لا أعرف شيئًا، أنا فقط أبكي لأنني ولدت، لأنني هنا، لأنني لا أعرف لماذا أنا هنا."

---

10.

في آخر الليل، حين غادرت أم فريد، حين نام صالح قرب زوجته وطفله، حين هدأ المطر وصار يهمس بدلاً من أن يطرق، حين سكت المخيم كله، صامتًا كأنه يستمع إلى أنفاس طفل جديد، طفل ولد في معسكر مهجور، قرب سهول تفوح برائحة الورد، تحت سقف من الزينكو، وفي غرفة أعدتها الأمم المتحدة للولادة، وفي هواء لا يشبهه، كان هناك شيء ما يحدث، شيء خفي، شيء لا يراه أحد، شيء يتعلق بالجسد الصغير الذي كان يتنفس لأول مرة.

كان جسد أحمد، ذلك الجسد الصغير الناعم، يستنشق الهواء للمرة الأولى، يدخل الهواء إلى رئتيه الضيقتين، يملأهما، يوسعهما، يجعلهما تتكيفان مع هذا العالم الجديد، عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي كان فيه، عالم بارد، عالم صاخب، عالم مليء بالروائح الغريبة، عالم لا يشبه الدفء الذي عرفه.

وكان جسده يبدأ في برمجته الأولى، البرمجة التي ستستمر طوال حياته، برمجة الهواء، برمجة المكان، برمجة الزمان، برمجة كل شيء. كان جسده يتعلم كيف يتنفس في هذا الهواء، كيف يعيش في هذا المكان، كيف يكون في هذا الزمان، يتعلم كل شيء، يتكيف مع كل شيء، يكبر، يتغير، يصبح أكثر من مجرد جسد، يصبح ذاكرة، يصبح حلمًا، يصبح أملًا.

وكانت عليا تقول في سرها، بصوت لا تسمعه سوى جدران الغرفة، بصوت يشبه الهمس، بصوت يشبه الصلاة: "يا بني، يا أحمد، يا طفلي الصغير الذي ولد في مساء الأربعاء، في غرفة الأونروا، تحت سقف الزينكو، في معسكر فرنسي مهجور، ستكبر، وستعرف، وستفهم، وستتذكر، وستنسى، وستحب، وستكره، وستعيش، وستموت، وستفعل كل شيء، لكنك ستظل دائمًا تعرف أن المكان الذي ولدت فيه ليس المكان الذي خُلقت له."

ثم صمتت، صمتت طويلاً، تنظر إلى طفلها، تنظر إلى صدره الصغير الذي يرتفع وينخفض، تنظر إلى عينيه المغلقتين، تنظر إلى يديه الصغيرتين، تنظر إلى كل شيء، وتشعر بشيء غريب، شيء لا تستطيع تفسيره، شيء يتعلق بالمستقبل، شيء يتعلق بما سيصبح عليه هذا الطفل، ما سيفعله، ما سيكون.

لم تكن تعرف، في تلك اللحظة، أنها ليست فقط تلد طفلًا، بل تلد شخصًا، تلد حياة، تلد قصة، تلد رواية. لم تكن تعرف أن هذا الطفل الذي بين يديها سيكون بطل روايته الخاصة، سيكون من يكتبها، من يعيشها، من يرويها للآخرين. لم تكن تعرف أن جسد هذا الطفل سيصبح أكثر من مجرد جسد، سيصبح برنامجًا، برمجة، قصة، رحلة، بحثًا عن الهواء الأول، عن المكان الأول، عن الوطن الأول.

وهكذا يبدأ كل شيء، بولادة طفل فلسطيني في الهواء الخطأ، وبرحلة جسد سيقضي عمره كله يبحث عن الهواء الأول، عن المكان الذي خلقه، عن الوطن الذي صنعه، عن كل شيء ضاع في ليلة من ليالي آب، في مساء الأربعاء، في غرفة الأونروا، تحت سقف الزينكو، في معسكر فرنسي مهجور، قرب سهول النيرب الخضراء، في سوريا، في المنفى، في التاريخ.

وهكذا تبدأ رواية الجسد المبرمج، برمجة الجسد، رحلة البحث عن الهواء، عن المكان، عن الوطن، عن كل شيء.

---

11.

في الصباح الباكر، حين بدأ الضوء يدخل من النافذة الصغيرة، حين بدأت أصوات المخيم تعلو، أصوات الديكة، أصوات الأطفال، أصوات الحياة، استيقظ صالح ونظر إلى زوجته وابنه، نظر إليهما طويلاً، نظر وكأنه يريد أن يحفظ هذه اللحظة في قلبه، يريد أن لا ينساها أبدًا، يريد أن يتذكر دائمًا أن هذه هي البداية، بداية حياة جديدة، بداية كل شيء.

وكان أحمد ما زال نائمًا، ما زال صامتًا، ما زال يتنفس بصعوبة، يتنفس هواء المخيم، هواء الزينكو والكيروسين، هواء المطر والرطوبة، هواء السهول الخضراء والورد الجوري. كان يتنفس، ويتنفس، ويتنفس، وكأنه يقول: "أنا هنا، أنا حي، أنا مستمر، أنا لن أستسلم، أنا سأبحث عن الهواء الذي يشبهني، سأجده أو أموت وأنا أبحث عنه."

وكانت عليا تنظر إليه، تنظر إلى صدره الصغير، إلى حركاته الخفيفة، إلى شفتيه الصغيرتين، إلى كل شيء، وتشعر بحب لا حدود له، حب لا يشبه أي حب عرفته، حب الأم لطفلها، ذلك الحب الذي يجعلها تفعل كل شيء من أجله، تعطيه كل شيء، تضحي بكل شيء، تحمي من كل شيء.

كانت تقول في نفسها: "هذا الولد، هذا الولد الصغير، هذا الولد الذي ولد في المكان الخطأ، سيكون مختلفًا، سيكون مميزًا، سيكون عظيمًا، سيكون كبيرًا، سيكون كل شيء، سيكون أكثر من مجرد لاجئ، سيكون أكثر من مجرد فلسطيني، سيكون أكثر من مجرد إنسان، سيكون هو، سيكون أحمد، سيكون ابن طيرة الكرمل، ابن فلسطين، ابن المنفى، ابن الأمل، ابن الحياة."

وفي تلك اللحظة، في تلك الصباح الباكر، بدأت حياة أحمد الحقيقية، حياة البحث عن الهواء، عن المكان، عن الوطن، عن كل شيء. بدأت رحلة الجسد المبرمج، برمجة الجسد، رحلة ستمتد سنوات، سنوات طويلة، سنوات مليئة بالأحداث، بالتجارب، بالآلام، بالأفراح، بالحب، بالكراهية، بالحياة، بالموت، بكل شيء.

وهكذا ينتهي الفصل الأول من رواية برمجة الجسد، رواية أحمد، رواية جسده، رواية حياته، رواية كل شيء.

يُتبع...