قراءة في خريطة الانهيار: كيف حوّلت الهزائم الإقليمية -المقاول- التركي إلى أسير أزماته الداخلية؟


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 09:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

المقدمة: لحظة الحقيقة

"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"

— آية تلاها أوزغور أوزال، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، في وجه قاضٍ لم يره، أمام حشد لم يتوقعه، وفي لحظة كان يعتقد فيها خصومه أنه قد انتهى.

لم تكن الليلة التي أعقبت 21 مايو 2026 ليلة عادية في أنقرة. كانت ليلة ارتجفت فيها جدران البرلمان من وقع قرار لم يكتبه قاضٍ مستقل، بل سطرته إرادة رجل لم يعد يثق بأحد سوى نفسه: رجب طيب أردوغان.

ففي تلك الليلة، وبينما كانت تركيا تغط في نوم ثقيل مثقل بثلاثة وعشرين عاماً من حكم الرجل الواحد، انطلقت صفارة الإنذار السياسي. محكمة تركية، توصف بأنها "تابعة" أكثر منها "مستقلة"، أصدرت حكماً تاريخياً بـ "البطلان المطلق" لمؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023، الذي أوصل أوزغور أوزال إلى قمة أكبر حزب معارض في البلاد.

التهمة؟ "مخالفات انتخابية". "رشاوى". "شراء أصوات".

التفسير؟ أردوغان يريد أن يقطع رأس المعارضة قبل أن تتعلم كيف تعض.

اللافت أن هذا القرار، الذي أعاد كمال كليتشدار أوغلو — ذلك الرجل الذي خسر انتخابات 2023 أمام أردوغان خسارة نكراء — إلى الواجهة، لم يأت من فراغ. بل جاء في سياق حملة منظمة وممنهجة لـ"تطهير" الساحة السياسية التركية من أي منافس حقيقي. فقبل أيام فقط، كان أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول وأخطر منافس لأردوغان، قد أُدخل السجن بتهم فساد وهمية. وقبل أسابيع، ألغيت شهادته الجامعية. وقبل أشهر، اعتقل العشرات من رؤساء بلديات حزب الشعب الجمهوري.

تركيا، التي كان يُنظر إليها يوماً كنموذج "للإسلام الديمقراطي"، كانت تشهد في صمت مولد "الاستبداد القضائي".

ولم يكن رد فعل المعارضة بطيئاً هذه المرة. ففي 24 مايو 2026، خرج الآلاف إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، ليس فقط دفاعاً عن أوزال، بل دفاعاً عن فكرة أن الصندوق لا يزال مقدساً. كانت الهتافات تملأ سماء العاصمة: "لا للانقلاب القضائي"، "أردوغان لا يمكنه أن يسرق المستقبل".

لكن خلف هذا المشهد الداخلي العنيف، كان هناك مشهد آخر، أكبر، وأكثر دموية، وأكثر تعقيداً. إنه مشهد سوريا.



سوريا — ورشة "المقاول" التي تحولت إلى مقبرة الأحلام

لم تكن سوريا مجرد ملف للسياسة الخارجية التركية. بل كانت الورقة الرابحة التي راهن عليها أردوغان لإعادة تعريف دولته وإمبراطوريته الصاعدة. لكن هذه الورقة، وبعد أكثر من عقد من الحرب، أصبحت عبئاً ثقيلاً يكاد يسحقه.

في البداية، كان أردوغان يلعب لعبة "المقاول بالباطن" ببراعة ووقاحة متناهيتين. لقد فهم باكراً أن أمريكا وإسرائيل تريدان إسقاط نظام بشار الأسد، لكنهما لا تريدان دفع ثمن الدم أو الفوضى المباشرة. فجاء أردوغان ليعرض خدماته: "أنا من سأدير لكم ورشة التفكيك. أنا من سأستورد لكم المواد البشرية اللازمة. أنا من سأضمن لكم أن المنطقة تحترق دون أن تمس أصابعكم النار."

كانت الصفقة مثالية: تركيا تستقبل جيوشاً من "عتاة الإرهابيين الدوليين من شذاذ الافاق المسلحة" المدعومة من الغرب ومحميات الخليج الصهيو أمريكية . وتركيا تدير ملف "الجولاني" (أبو محمد الجولاني) كأداة تنفيذية. وتركيا تمنع قيام أي كانتون كردي موحد على حدودها الجنوبية. وتركيا تحصل في المقابل على شرعية دولية، وعلى غطاء لحملاتها العسكرية، وعلى حلم قديم: أن تكون تركيا "الزعيمة الجديدة" للعالم السني.

كان أردوغان، في تلك السنوات، يشبه مهندساً استشارياً يضع مخططات التدمير، ومقاولاً يشرف على تنفيذها، وسمساراً يتقاضى عمولته من كل الأطراف.

لكن المشكلة التي لم يتوقعها أردوغان، أو ربما توقعها وتجاهلها، هي أن "المقاول" — في عالم السياسة القذر — هو أول من يُطرد من الموقع عندما تنتهي المرحلة الأولى من المشروع. وعندما يبدأ "المالك" (أمريكا) و"المستثمر" (إسرائيل) في التفاوض مع "المنافس" (إيران) على تقاسم الغنائم.

من "مقاول حصري" إلى "مجرد عامل في الورشة"

بحلول عام 2026، كانت الصورة قد انقلبت رأساً على عقب.

ففي لبنان، كان حزب الله لا يزال صامداً، بل ومتفوقاً. لم تنجح إسرائيل في حربه المفتوحة، رغم تفوقها التكنولوجي. وصواريخ ومسيرات المقاومة ظلت تصل إلى الاحتلال في الجنوب وشمال فلسطين وحتى قلب تل أبيب وحيفا. أما إيران، فبدلاً من أن تنهار كما كان يحلم ترامب ونتنياهو، خرجت من الحرب أقوى وأكثر ثقة، وتحولت من "دولة تحت الحصار" إلى "لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه".

وفي سوريا، لم يعد "الجولاني" بحاجة إلى أردوغان. فقد أدرك الرجل — وهو ليس أحمقاً — أن الإمبراطورية التركية التي كان يعمل لحسابها أصبحت في حالة تراجع. وأن "الراعي" الجديد في المنطقة هو إيران وروسيا وليس أنقرة. وأن البقاء تحت عباءة "المقاول" التركي يعني البقاء في الهامش، بينما سوريا الجديدة تُبنى بعيداً عنه.

لقد شاهدنا جميعاً تلك اللحظة المحرجة: وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يزور دمشق، فلا يُستقبل استقبال الفاتحين، بل يُستقبل استقبال "ممثل إقليمي" يطلب الإذن للبقاء في شمال سوريا. ووسائل الإعلام الموالية لأردوغان حاولت أن تبيع لنا أن الزيارة كانت ناجحة، بينما كانت العيون ترى أن فيدان عاد إلى أنقرة مغمض العينين، حاملاً وعوداً غير ملزمة، ومتفاهماً على هزيمته.

الكاتب السوري المخضرم حسني محلي، الذي قضى أربعين عاماً من عمره مراسلاً للإعلام السوري الرسمي في عهدي حافظ و بشار الأسد ، وكان ضيفاً على سجون أردوغان، يصف هذه اللحظة بعبارة قاسية لكنها دقيقة:

"أردوغان دخل سوريا على ظهر دبابة وهمية، وسيخرج منها على ظهر حمار مهزوم."

لم يكن محلي يبالغ. فالأرقام والتطورات تتحدث عن نفسها.

…….


"الفينو القطري" وتصفية الحسابات مع إيران

إذا كانت سوريا هي ساحة المعركة التي خسرها أردوغان، فإن قطر كانت صندوق الخزينة الذي كان يمد جيوشه الوهابية والاخوانجية الإرهابية بالمال والسلاح والشرعية. لكن هذه الخزينة، في تحول دراماتيكي لم تأخذه الحسابات التركية، أصبحت تحت "الوصاية الإيرانية".

قطر بين مطرقة ترامب وسندان إيران

لطالما كانت قطر "الشريك المثالي" لأردوغان. نظام سياسي يشبهه في كثير من سماته: علاقته مع الإسلام السياسي، استخدام القوة الناعمة، التمويل الضخم للحركات الارهابية المسلحة في المنطقة. وكانت الدوحة بمثابة "خرج الحمار الذهبي" الذي لا ينضب لأنقرة.

ففي كل أزمة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، كان أردوغان يمد يده نحو قطر، فتمده بالودائع في البنك المركزي، وتستثمر في مشاريعه العملاقة، وتشتري سنداته الحكومية. كانت العلاقة أقرب إلى زواج مصلحة استراتيجي منه إلى تحالف عابر.

لكن إيران، التي كانت تراقب هذا الزواج بعين غيورة ومتربصة، قررت أن تضع حدا له.

الهجومان الإيرانيان على قطر في عامي 2025 و2026 لم يكونا مجرد "استعراض قوة". بل كانا بمثابة رسالة واضحة وصارمة:

· الأول: في 23 يونيو 2025، استهدف قاعدة "العديد" الجوية، حيث تتمركز القوات الأمريكية والتركية.
· الثاني: في 2 مارس 2026، استهدف منشآت الغاز في رأس لفان، شريان الحياة الاقتصادي لقطر.

الضربة الثانية كانت الأكثر إيلاماً. لقد أوقفت إنتاج الغاز القطري، وأجبرت الدوحة على إعلان "حالة القوة القاهرة" على عقودها الدولية. وبين ليلة وضحاها، تحولت قطر من "دولة غنية" إلى "رهينة تحت رحمة صواريخ إيران".

والأكثر إثارة للاهتمام هو الطريقة التي اختارتها إيران لإيصال رسالتها. ففي الاستعراض العسكري الذي تلا الهجوم، ظهرت لافتة على أحد صواريخ "خرمشهر" كتب عليها: "رأس غاز – قطر".

لم تكن هناك حاجة لترجمة هذه اللافتة. لقد كانت واضحة كالشمس: "نحن نستطيع أن نصل إلى غازك في أي لحظة. نحن من يقرر متى تتنفس، ومتى تختنق."

ردة فعل قطر: بين الغضب العاجز والالتفاف الإيراني

بطبيعة الحال، كانت ردة فعل قطر غاضبة. وصفت الهجوم بأنه "انتهاك صارخ للسيادة" و"تهديد لمبادئ حسن الجوار". واحتفظت بـ "الحق الكامل في الرد" في الوقت المناسب.

لكن من كان يصدق ذلك؟

فقط من يعرف أن قطر لا تملك القدرة العسكرية للرد على إيران. فقط من يعرف أن أي "رد" من جانب الدوحة يعني تدمير بنيتها التحتية بالكامل. فقط من يعرف أن قطر، لسنوات، كانت تلعب لعبة "الحبلين" بين أمريكا وإيران، لكنها الآن اكتشفت أن الحبل الإيراني أصبح أكثر متانة من الحبل الأمريكي.

النتيجة العملية لهذا التحول كانت مذهلة:

· توقف التدفق المالي القطري إلى أنقرة. ليس لأن قطر لم تعد تريد دعم أردوغان، بل لأنها لم تعد تستطيع ذلك دون إذن إيراني.
· تحول "الفيتو القطري" إلى "فيتو إيراني". أصبحت طهران هي من تقرر متى وأين ولماذا تتدفق الأموال القطرية. وإذا كانت هذه الأموال ستذهب إلى تركيا، فلن يكون ذلك إلا لخدمة الأجندة الإيرانية، وليس الأجندة التركية.
· القاعدة التركية في الدوحة، التي كانت رمزاً للقوة التركية في الخليج، تحولت إلى "رهينة" في يد إيران. ففي أي مواجهة تركية-إيرانية، ستكون هذه القاعدة أول الأهداف.

ماذا يعني هذا لأردوغان؟

ببساطة: لقد انتهى عصر "المال القطري الساخن" الذي كان يدعم "المقاول" التركي.

أردوغان، الذي اعتاد على ضخ النفط القطري في شرايين اقتصاده المتعثر، وجد نفسه فجأة مضطراً للتعامل مع "جفاف مالي" غير مسبوق. وهذا الجفاف له انعكاسات مباشرة على وضعه الداخلي:

1. الليرة التركية، التي كانت تستمد بعض الصمود من الودائع القطرية، بدأت في الانهيار بشكل أسرع.
2. التضخم، الذي كان بالفعل فوق الخمسين بالمئة، قفز إلى مستويات قياسية جديدة.
3. الدعم الشعبي لأردوغان، الذي كان يعتمد جزئياً على قدرته على "شراء الولاء" عبر المشاريع والمساعدات، بدأ في التآكل بشكل خطير.

الكاتب المخضرم حسني محلي، الذي يعرف جيداً كيف تعمل أنظمة المال والسياسة في غرب اسيا، يصف هذه اللحظة بعبارة قاسية أخرى:

"أردوغان كان يظن أنه يشتري النصر بالمال القطري. لكنه اكتشف متأخراً أن المال القطري نفسه قد اشترته إيران."

………


إيران وحزب الله — من "هدف" إلى "صانع" للمشهد

لم يكن تراجع النفوذ التركي في سوريا وقطر مجرد صدفة. بل كان جزءاً من تحول إقليمي أكبر، يمكن وصفه بأنه "صعود المحور الإيراني" على حساب كل الأطراف الأخرى.

إسرائيل تهزم... وأمريكا تتفاوض

لطالما راهن أردوغان على أن إسرائيل وأمريكا ستتمكنان من كسر إيران وحزب الله عسكرياً. لكن الحرب الأخيرة في لبنان أثبتت عكس ذلك تماماً.

فحزب الله، رغم كل الضربات الموجعة التي تلقاها، ظل قادراً على:

· استهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ والمسيرات.
· إلحاق خسائر فادحة بالجيش الإسرائيلي في أي محاولة توغل بري.
· الحفاظ على تماسكه القيادي والسياسي رغم اغتيال عدد من قادته.

أما إيران، فلم تكتفِ بدعم حزب الله، بل أثبتت أنها قادرة على:

· توجيه ضربات مباشرة إلى قواعد أمريكية وإسرائيلية في المنطقة.
· استخدام أوراق الضغط (مثل الحوثيين في اليمن، والفصائل في العراق وسوريا) لإرباك حسابات خصومها.
· الجلوس على طاولة المفاوضات من موقع القوة، وليس من موقع الضعف.

النتيجة كانت مذهلة: أمريكا، التي كانت تهدد بتفكيك إيران، أصبحت تتفاوض معها. وإسرائيل، التي كانت تعد لحرب وجودية ضد حزب الله، أصبحت تقبل بوقف إطلاق النار دون تحقيق أهدافها.

وفي هذا السياق الجديد، ماذا كان يمكن لأردوغان أن يفعل؟

لقد راهن على الحصان الخاسر. واكتشف أن الخاسرين لا يملكون أموالاً ليدفعوها لـ"المقاولين".

روسيا والصين: "رصاصة الرحمة" القادمة؟

لكن الخطر الأكبر على أردوغان لم يأتِ من إيران وحدها. بل جاء أيضاً من موسكو وبكين، اللتين لديهما حسابات طويلة الأمد مع "المقاول التركي".

فأردوغان، الذي رفع شعار "آستانا" كغطاء لوجوده في سوريا، كان في حقيقة الأمر يلعب لعبة مزدوجة:

· مع روسيا: تارة يتعاون معها، وتارة يتحدى نفوذها في القوقاز وآسيا الوسطى وأوكرانيا.
· مع الصين: تارة يتودد إليها استثمارياً، وتارة يعرقل مشاريعها في آسيا الوسطى ويؤوي جماعات "الأويغور" في تركيا.

هذه "الازدواجية" لم تمر دون عقاب. فروسيا والصين، اللتان تراقبان المشهد بعين الخبير، تدركان تماماً أن أردوغان أصبح ضعيفاً، وأنه لم يعد يستحق الدعم الذي كان يحظى به سابقاً.

السيناريو المرجح، وفقاً للمحللين المقربين من موسكو وطهران، هو أن "رصاصة الرحمة" ستأتي من هذا المحور، وليس من واشنطن أو تل أبيب.

ففي لحظة ما، وعندما يصبح أردوغان عبئاً أكثر منه نفعاً، ستقرر روسيا وإيران "تسليمه" لخصومه الداخليين، أو "التخلي عنه" في سوريا، أو حتى "التسبب" في انهيار اقتصادي مدوي يطيح به.

الكاتب المخضرم حسني محلي، الذي رأى بأم عينيه كيف تخلت موسكو عن حلفائها في دمشق في لحظة ضعفهم، يصف هذا السيناريو بدقة متناهية:

"أردوغان يظن أن الروسي والصيني صديقان. لكنه لا يعلم أن الصداقة في السياسة لا تختلف عن صداقة الذئب للخروف. تدوم طالما أن الخروف سمين، وتنتهي بمجرد أن يبدأ في الهزال."


……..



الصراع الداخلي — أردوغان ضد المعارضة في معركة وجود

بينما كانت سوريا تشتعل تحت أقدام "المقاول" التركي، وبينما كان "الفيتو القطري" يتحول تدريجياً إلى أداة في يد طهران، كان المشهد الداخلي في تركيا يشهد تحولات لا تقل خطورة. بل يمكن القول إن الهزائم الإقليمية كانت تنعكس بشكل مباشر على الصراع الداخلي، وتجعله أكثر عنفاً وأقل احتمالاً للتسوية.

أوزغور أوزال: الرجل الذي أزعج "السلطان"

لم يأتِ صعود أوزغور أوزال من فراغ. بل جاء تتويجاً لمسيرة طويلة من الإحباط الشعبي من حكم أردوغان، ومن رغبة عميقة في التغيير. ما فعله أوزال، ببساطة، هو أنه أعاد تعريف المعارضة التركية.

فبعد سنوات من القيادة "اللينة" لكمال كليتشدار أوغلو، الذي كان يفضل الحوار والتفاوض والانتظار، جاء أوزال ليعلن: "كفى. لم نعد ننتظر. يجب أن نواجه."

الأرقام تتحدث عن نفسها:

· في الانتخابات المحلية لعام 2024، حقق حزب الشعب الجمهوري بقيادة أوزال فوزاً تاريخياً، ليس فقط في اسطنبول وأنقرة، بل في مدن كانت تعتبر معاقل لحزب العدالة والتنمية.
· استطلاعات الرأي التي تلت تلك الانتخابات أظهرت أن أوزال أصبح المنافس الأقوى لأردوغان في أي انتخابات رئاسية قادمة، متقدماً حتى على أكرم إمام أوغلو في بعض المقاييس.
· داخل الحزب، نجح أوزال في تطويق الأصوات المناوئة له، وفي فرض رؤيته التي تجمع بين العلمانية الصارمة واليسار الاجتماعي والقومية المعتدلة.

هذا الصعود لم يكن مجرد ظاهرة انتخابية عابرة. بل كان إعلان حرب على أردوغان وحزبه. فحزب الشعب الجمهوري، الذي كان يُنظر إليه لسنوات على أنه "حزب الماضي" أو "حزب العسكر" أو "حزب الأقلية العلمانية"، تحول فجأة إلى حزب الأغلبية الصامتة، إلى حزب الفقير الغاضب، إلى حزب أولئك الذين سئموا الاستبداد والفساد والجوع.

كيف يرى حسني محلي هذا الصراع؟

هنا يأتي دور حسني محلي مرة أخرى. هذا الرجل الذي عاش في تركيا، وتجرع مرارة سجونها، وعرف عن قرب كيف يعمل نظام أردوغان القضائي، يقدم قراءة مختلفة تماماً لصراع أوزال مع أردوغان.

يقول محلي، في إحدى مقابلاته التي لم تُنشر على نطاق واسع، ولكنها تتناقلها الأوساط المعارضة:

"أردوغان لا يخاف من أوزال لأنه قوي. بل يخاف منه لأنه يعكس له صورته الحقيقية. أوزال هو أردوغان الذي لم يصل إلى السلطة بعد. إنه طموح، ذكي، شعبي، لا يخاف المواجهة. الفرق الوحيد هو أن أوزال صادق، وأردوغان أصبح كاذباً."

هذه القراءة عميقة. فهي تقول إن الصراع بين الرجلين ليس صراعاً بين أيديولوجيتين (إسلام سياسي مقابل علمانية)، بل هو صراع بين نموذجين للزعامة: زعامة "المؤسس" الذي تآكلت شرعيته، وزعامة "المنافس" الذي لا يزال يحتفظ ببريقه.

ولأن أردوغان يعرف هذا جيداً، فإنه يلجأ إلى كل ما يملك من أدوات لتشويه صورة أوزال وتدمير مستقبله السياسي.

القضاء المسيّس: سلاح التدمير الأخير

هنا نصل إلى جوهر الأزمة التي اندلعت في 21 مايو 2026. قرار المحكمة الذي ألغى انتخاب أوزال لم يكن مفاجئاً لأي متابع للحالة التركية. بل كان الخطوة الطبيعية في مسلسل طويل من "الانقلابات القضائية" التي مارسها أردوغان ضد خصومه.

لنتذكر معاً:

· أكرم إمام أوغلو: سُجن بتهم فساد وهمية. أُلغيت شهادته الجامعية. منع من دخول الجامعات. حُكم عليه بالسجن لمئات السنين. كل ذلك لأنه كان المرشح الأوفر حظاً لخلافة أردوغان.
· صلاح الدين دميرطاش: قائد حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي)، يقبع في السجن منذ عام 2016، رغم صدور أحكام من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تطالب بالإفراج عنه.
· عثمان كافالا: رجل الأعمال والناشط السياسي، سُجن بتهم ملفقة، وأصبح رمزاً لغياب العدالة في تركيا.
· العشرات من رؤساء البلديات من حزب الشعب الجمهوري وحزب المساواة والديمقراطية: اعتقلوا، عزلوا، حلّت مجالسهم.

هذا هو النمط. إنه ليس قضاءً مستقلًا. إنه قضاء مسيّس، بل يمكن وصفه بأنه "سلاح الدمار الشامل" الذي يستخدمه أردوغان لتصفية خصومه واحداً تلو الآخر.

اللافت في قضية أوزال تحديداً هو التوقيت. فلماذا الآن؟ لماذا في هذا الوقت بالذات؟

الإجابة، وفقاً للمحللين المقربين من المعارضة، تكمن في عاملين:

1. الهزائم الإقليمية: كلما ضعفت مكانة أردوغان في الخارج (في سوريا، في ليبيا، في القوقاز، في الخليج)، كلما احتاج إلى "تعويض" هذا الضعف عبر قمع أقوى في الداخل. القرار ضد أوزال هو "صرخة يأس" رجل أدرك أنه خسر المنطقة، ويحاول التمسك بكرسي أنقرة.
2. الاستحقاق الانتخابي القادم: مع اقتراب انتخابات 2028، ومع عدم قانونية ترشح أردوغان لولاية جديدة (بحسب الدستور الحالي)، يحتاج الرجل إلى حالة من "الفوضى المدارة" تسمح له إما بتغيير الدستور، أو بإجراء انتخابات مبكرة، أو بإلغاء الانتخابات كلية بحجة "التهديدات الأمنية".

أوزال، الذي كان سيكون المرشح الطبيعي لمواجهة أردوغان في 2028، أصبح الآن خارج اللعبة. أو هكذا يظن أردوغان.

مكر أوزال: آية "ويمكرون" كردّ واستمرار

لكن أوزال ليس رجلاً يستسلم بسهولة. لقد أثبت ذلك في اللحظة الأولى التي أعقبت القرار، عندما تلا آية "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ".

هذه الآية، التي اعتاد أردوغان على ترديدها في خطاباته "النصرية"، تحولت فجأة إلى سلاح مضاد يستخدمه خصمه ضده. إنها سخرية القدر القصوى.

ولم يكتفِ أوزال بالتلاوة. بل أعلن في مؤتمر صحفي مهيب:

· التمسك بمنصبه كرئيس للحزب، ورفض تنفيذ القرار.
· الدعوة إلى انتخابات داخلية جديدة خلال 40 يوماً، لانتخاب قيادة جديدة.
· تحدي أردوغان عبر البقاء في مقر الحزب "ليلاً نهاراً"، ومقارنة نفسه بـ"المالك" الذي لا يترك منزله، بينما "المستأجرون" (كليتشدار أوغلو والحكومة) هم من سيرحلون.
· حشد الشارع، حيث خرج الآلاف في 24 مايو 2026 في مظاهرات حاشدة بأنقرة واسطنبول، رافعين صوره وهاتفين باسمه.

هذا المشهد، بكامله، يذكرنا بلحظات الانهيار البطيء التي سبقت سقوط أنظمة استبدادية أخرى. ليس بالضرورة أن يسقط أردوغان غداً. لكن شرعيته بدأت تتصدع، وقبضته على الحكم بدأت ترتخي.

الكاتب المخضرم حسني محلي، الذي رأى بأم عينيه كيف ينهار النظام عندما يفقد السيطرة على الشارع والقضاء في آن واحد، يقول:

"أخطأ أردوغان حين ظن أن القضاء يمكن أن يحل محل الشعب. القضاء يمكنه أن يزج بأوزال في السجن، لكنه لا يمكنه أن يزج بآمال ملايين الأتراك في السجن أيضاً. تلك الآمال ستنفجر يوماً، ولن يوقفها قاضٍ ولا سجان."

……..


صحة أردوغان — الجسد المريض كمرآة لدولة منهكة

في خضم هذه العاصفة السياسية والإقليمية، ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، لكنه يظل محاطاً بهالة من التكتم والتضليل: صحة أردوغان.

فالرجل الذي حكم تركيا بيد من حديد لأكثر من عقدين، والذي اعتاد على الظهور بمظهر "الزعيم الخارق" الذي لا يكل ولا يمل، بدأت تظهر عليه علامات التعب والمرض. ليس فقط على المستوى الجسدي، بل على المستوى النفسي والعقلي أيضاً.

الجسد الذي يتعب

لا يمكن الجزم بطبيعة المرض الذي يعاني منه أردوغان، فالمعلومات المتداولة تتراوح بين "اضطرابات في الجهاز الهضمي" إلى "مشاكل في القلب" إلى "علامات مبكرة للخرف". لكن ما يمكن ملاحظته بالعين المجردة هو:

· الظهور العلني المتراجع: أردوغان، الذي كان يعقد مؤتمرين أو ثلاثة صحفيين يومياً، أصبح يظهر بشكل أقل، وتختفي خطاباته فجأة دون تفسير.
· لغة الجسد المتعبة: الحركات البطيئة، الانحناء الواضح، اليد التي ترتجف أحياناً، والوجه الذي لم يعد يحمل بريق الشباب.
· الغيابات المفاجئة: إلغاء لقاءات أو تأجيل زيارات في اللحظة الأخيرة بحجة "الوعكة الصحية" أو "التعب". هذه الغيابات، التي كانت نادرة في الماضي، أصبحت أكثر تكراراً.

وسائل الإعلام الموالية لأردوغان، بالطبع، تبذل جهداً خارقاً لطمأنة الجمهور بأن "صحة الرئيس بخير"، وأن "ما يحدث مجرد إشاعات مغرضة من أعداء تركيا". لكن العيون ترى ما لا تسمعه الآذان.

الجسد السياسي المريض

والأخطر من مرض الجسد هو مرض "الجسد السياسي" الذي يمثله أردوغان. فحزب العدالة والتنمية، الذي كان في يوم من الأيام آلة انتخابية محكمة، أصبح اليوم مجرد أداة في يد رجل واحد.

هذه "الشخصنة" المفرطة للحكم هي نقطة الضعف الأكبر في النظام التركي. فحزب العدالة والتنمية لا يملك مشروعاً واضحاً بعد أردوغان. لا يملك قائداً بديلاً يمكنه أن يملأ الفراغ الذي سيتركه. لا يملك أيديولوجية متماسكة يمكن أن تستمر بدونه.

كل شيء مبني على شخص واحد. وهذا هو السرطان الحقيقي للنظام.

الكاتب المخضرم حسني محلي، يصف هذه الظاهرة بدقة مرعبة:

"الأنظمة الشخصانية لا تموت موتاً طبيعياً. إما أن يموت مؤسسها فتنهار معه، أو يبقى حياً لكنه يفقد قبضته فتنهار من حوله. أردوغان اليوم ليس مريضاً فقط، بل هو يمرض النظام التركي بمرضه."

ماذا يعني هذا عملياً؟

· إذا مات أردوغان (أو أصبح غير قادر على الحكم) غداً، فسيواجه حزب العدالة والتنمية صراعاً داخلياً دموياً على الخلافة. ولا يمكن استبعاد احتمال انشقاق الحزب إلى فصائل متناحرة.
· وإذا بقي حياً لكنه ضعيفاً، فسيصبح لعبة في يد مستشاريه، الذين سيتنافسون على النفوذ خلف الستار، مما سيشل عملية اتخاذ القرار.
· وفي كلتا الحالتين، فإن المعارضة ستجد نفسها أمام فرصة تاريخية لاستعادة ما فقدته.

"أردوغان للأبد" أم "الأسد للأبد"؟

هنا نعود إلى السؤال الذي تم طرحه في بداية المقال : هل يريد أردوغان أن ينصب نفسه رئيساً لتركيا للأبد؟

الإجابة، في ضوء كل ما سبق، هي نعم، لكنه لن يستطيع.

أردوغان يريد أن يحذو حذو الأسد في سوريا، أو أي زعيم آخر تمكن من البقاء في الحكم لعقود. لكنه ينسى أن الظروف مختلفة، وأن تركيا ليست سوريا.

فالأسد،
استطاع البقاء في الحكم بدعم خارجي غير محدود (من روسيا وإيران)، وبتغول أمني ضد أي معارضة سلمية . أما أردوغان، فإن دعمه الخارجي بدأ يتآكل (كما رأينا في سوريا وقطر)، وقمعه الداخلي، رغم عنفه، لم يستطع حتى الآن القضاء على روح المقاومة لدى المعارضة.

لقد كان حلم أردوغان أن يُخلد نفسه في التاريخ كـ "سلطان تركيا الجديد". لكن التاريخ، كما نعلم، لا يرحم المدعين. فالإمبراطوريات التي تُبنى على الوهم والظلم لا تعمر طويلاً.

الكاتب حسني محلي يختصر هذه الفلسفة في جملة واحدة:

"أردوغان ظن أنه يستطيع شراء الخلود، فاشترى لنفسه موتاً بطيئاً."

…….

ماذا بعد؟ سيناريوهات الانهيار والبقاء

بعد هذا التحليل الطويل والمتشائم، يحق للقارئ أن يتساءل: ماذا سيحدث بعد؟ هل سيسقط أردوغان حقاً؟ وإذا سقط، فكيف؟ وماذا بعد سقوطه؟

هنا، في الخاتمة، نحاول أن نرسم سيناريوهات محتملة للمستقبل، بعيداً عن الأمنيات والعواطف.

السيناريو الأول: الانهيار البطيء

هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. لن يسقط أردوغان فجأة، ولن تقوم "ثورة" في أنقرة. بل سيعاني نظامه من تآكل تدريجي لشرعيته، وانكماش اقتصادي مؤلم، وعزلة إقليمية متزايدة.

في هذا السيناريو:

· ستستمر الاعتقالات والقمع القضائي، لكنها ستفقد فعاليتها مع مرور الوقت.
· ستزداد الاحتجاجات الشعبية، لكنها ستبقى متمركزة في المدن الكبرى دون أن تمتد إلى الريف.
· سيبقى أردوغان في الحكم، لكنه سيكون "ظلاً" لنفسه، محاطاً بمستشارين فاسدين، وغير قادر على اتخاذ قرارات مصيرية.

هذا السيناريو قد يستمر لسنوات، مما سيطيل عمر المعاناة للشعب التركي، لكنه قد ينتهي في النهاية إما بموت أردوغان (طبيعياً) أو بعزله من قبل حلفائه المقربين.

السيناريو الثاني: الانهيار المفاجئ

هذا السيناريو أقل ترجيحاً، لكنه ليس مستحيلاً. قد تحدث "صدمة خارجية" أو "داخلية" لا يستطيع أردوغان احتواؤها.

مثل هذه الصدمة قد تكون:

· هزيمة عسكرية كبرى في سوريا (مثلاً، فقدان السيطرة على إدلب أو مناطق أخرى).
· انهيار اقتصادي مدوي (مثلاً، توقف التحويلات المالية من قطر، أو انهيار كامل لليرة التركية).
· حركة احتجاجية شعبية لا يمكن قمعها بالوسائل التقليدية.
· مرض مفاجئ أو موت لأردوغان نفسه.

في حالة حدوث أي من هذه الصدمات، قد ينهار النظام بأكمله في غضون أسابيع أو حتى أيام.

السيناريو الثالث: البقاء بصعوبة

هذا هو السيناريو الذي يراهن عليه أردوغان وأنصاره. في هذا السيناريو، يستطيع الرجل أن "يعبر العاصفة" كما عبر غيرها من قبل.

كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

· إجراء انتخابات مبكرة والترشح لها (رغم عدم دستوريته)، واستغلال انقسامات المعارضة للفوز بها.
· تغيير الدستور ليسمح له بالترشح لولاية جديدة، عبر تحالفات برلمانية مع أحزاب صغيرة.
· تحقيق اختراق إقليمي (مثلاً، اتفاق مع إيران أو روسيا) يعيد له بعضاً من بريقه.
· تحسين الأوضاع الاقتصادية (مثلاً، اكتشاف غاز طبيعي، أو استثمارات خليجية ضخمة).

لكن هذا السيناريو يصطدم بحقيقة واحدة: أردوغان لم يعد الرجل الذي كان عليه قبل عشر سنوات. إنه أضعف، وأكثر عزلة، وأقل قدرة على المناورة.

كلمة أخيرة عن حسني محلي

في نهاية هذه المادة، لا بد من العودة إلى الرجل الذي بدأنا به: حسني محلي.

هذا الصحفي المخضرم، الذي قضى عشرات السنين مراسلاً لإذاعة دمشق، والذي ذاق مرارة سجون أردوغان، والذي يطل علينا اليوم من شاشة الميادين ليقدم تحليلاته القاسية والصادقة، يمثل نموذجاً نادراً للصحافة "المختلفة".

إنه يرى ما لا يراه الآخرون، لأنه عاش ما لم يعشه الآخرون. إنه يفهم طبيعة الاستبداد لأنه تنفس هواء سجونه. إنه يعرف كيف تموت الأنظمة لأنه شهد ماحدث في سوريا، وهو الآن يشاهد موت نظام أردوغان في تركيا.

ربما يكون محلي متشائماً إلى حد الإفراط. وربما يكون قاسياً على أردوغان إلى حد الظلم. لكن صوته، في هذا الضجيج الإعلامي الخانق، يظل صوتاً مختلفاً يستحق الاستماع إليه.

في النهاية، لا يسعنا إلا أن نكرر مقولته التي استشهدنا بها أكثر من مرة:

"أردوغان دخل سوريا على ظهر دبابة وهمية، وسيخرج منها على ظهر حمار مهزوم."

ربما لم يحن وقت الخروج بعد. لكن الرياح بدأت تهب عكس اتجاهه. وأبواب سوريا، التي فتحها غازياً، بدأت تغلق في وجهه واحداً تلو الآخر.

أما تركيا، فستبقى. بغض النظر عمن يحكمها. والشعب التركي، بكل ما فيه من تناقضات وعذابات، سيقرر مصيره في النهاية.