مسرحية -مخابيل الساحل- تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 07:56
المحور:
الادب والفن
مسرحية "مخابيل الساحل"
تراجيكوميديا شكسبيرية في ستة فصول
……
الشخصيات
· الملك أوروبا – ملك متجهم، يضع تاجاً من اليورانيوم
· الأمير مارك بوتينغا – نبيل بلجيكي، صاحب ضمير يئنّ تحت وطأة الفضائح
· السير فرانسوا دو باري – مستشار فرنسي، يمسح عرقه بمنديل من الذهب المالي
· الجنرال أميريكو – قائد أمريكي، يحمل عصا صواريخ بدلاً من الصولجان
· الشيخ أبو النووي – زعيم وهابي، يرتدي عمامة من الأوراق النقدية
· ملكة النيجر – سيدة أفريقية، تاجها من اليورانيوم الخام
· شبح سقراط – روح ساخرة تطل من بين السطور
· جوقة الحمقى – مجموعة من الدبلوماسيين الأوروبيين
…….
الفصل الأول
المشهد الأول: قاعة البرلمان الأوروبي – ستراسبورغ
يدخل الملك أوروبا على عرش من صناديق الذخيرة الفارغة، والنواب يصفقون بأيدٍ مرتعشة. يدخل الأمير مارك بوتينغا، ينظر حوله كمن يبحث عن مخرج.
بوتينغا:
(يرفع يده كخطيب أثيني)
أيها السادة، أيها النبلاء، أيتها الجدران المطلية بالدهاء،
ألم يحن الوقت لنكشف القناع عن وجه السياسة المضرّج؟
هذه الأسلحة التي نصنعها بأموال الضرائب،
التي نقول إنها لردع الروس في حقول أوكرانيا،
ها هي تبحـرُ سرّاً إلى صحاري الساحل،
كأنها هدايا زفاف يقدمها العريس الأوروبي لأرملة أفريقيا!
الملك أوروبا:
(يضحك ضحكة البلاط المعهودة)
يا عزيزي مارك، ألا تعلم أن الساحل أصبح قلعة أوروبا الجديدة؟
ففي باطنه الذهب، وفي ظاهره الإرهاب،
وفي وسطه عقود امتياز نكتبها بدماء الجياع!
السير فرانسوا:
(يتقدم بخطى متثاقلة كمن يحمل تابوتاً)
دعني أشرح للأمير الشاب،
فقد نسيت يا صديقي أن الاستعمار اليوم لا يحتاج إلى جنود،
يكفيه أن يبيع الأسلحة للجميع:
للحكومات الشرعية كي تحمي مناجمنا،
وللإرهابيين كي يرهبوا الحكومات الشرعية،
فنحصل على الثروات مرتين،
ونبيع الأسلحة مرتين،
ونبكي على ضحايانا مرتين!
يدخل الجنرال أميريكو وهو يلعب بكرة أرضية مكتوب عليها "أفريقيا"
الجنرال أميريكو:
أترون هذه البقعة الرملية؟ إنها كنز القرن الواحد والعشرين!
ليثيوم ونحاس ويورانيوم وذهب،
وهناك شعوب تعيش في أكواخ، تظن أن الفقر قدر،
بينما نحن في واشنطن نخطط لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في استخراج أحلامهم!
……
الفصل الثاني
المشهد الأول: مخبأ في الصحراء – مكان غير معروف
يدخل الشيخ أبو النووي ومعه مجموعة من المقاتلين، يرتدون عباءات سوداء مكتوب عليها "صنع في الصين".
أبو النووي:
(ينظر إلى السماء)
يا إلهي! كم أنت كريم!
لقد أرسلت لنا الغرب كي يمول جهادنا،
وأرسلت لنا الخليج كي يمول مساجدنا،
وأرسلت لنا أفريقيا كي ننهبها باسمك!
يدخل رسول فرنسي يحمل حقيبة دبلوماسية
الرسول:
سلام من السيد فرانسوا دو باري،
يقول لك: إضرب منجم اليورانيوم في أرليت،
ولن نرسل الجيش لملاحقتك إلا بعد ثلاثة أيام،
كي يكون لديك وقت كافٍ لتهريب الذهب،
ولنكتب في الصحف أن الهجوم روسي!
أبو النووي:
(يقبل الحقيبة)
أخبر سيدك أن الصفقة مقبولة،
لكن اشترط عليه أن يزيد عدد المسيرات التي تسقط في أرضنا بالخطأ،
فنحن بحاجة إلى قطع غيار لسياراتنا الجهادية!
يضحك الجميع ضحكة الشيطان الذي وجد صفقة الموسم
…….
الفصل الثالث
المشهد الأول: قصر ملكة النيجر – نيامي
تدخل الملكة جالسة على عرش من اليورانيوم الخام، ووجهها يلمع كالقمر في ليلة اكتمال.
ملكة النيجر:
(تنظر إلى المرآة)
يا له من قدر ساخر!
أنا أملك ما يُضيء مدن فرنسا،
ومع ذلك ألبس الظلام كوشاحٍ حول عنقي.
هؤلاء الأوروبيون يعاملونني كخادمةٍ فقيرة،
يأخذون كنوزي، ويمنحونني أسلحةً تصدئة،
ويسمون ذلك "التعاون التنموي"!
السير فرانسوا:
(يدخل بقوس منخفض)
يا مولاتي، لدينا عرض جديد:
سندعم جيشك بأحدث الطائرات المسيرة،
مقابل أن تسمحي لشركة "أريفا" باستخراج 90% من يورانيومك،
وسنترك لك 10% كي تنير بها قصرك!
ملكة النيجر:
(تضحك ضحكة المرير)
أيها السير المخادع،
أتعلم أن روسيا عرضت عليّ بناء مفاعل نووي؟
مفاعل يضيء كل مدن النيجر،
لا مفاعل يضيء باريس على حساب أطفالي الجياع!
السير فرانسوا:
(يتراجع في ذهول)
لكن يا مولاتي، روسيا لا تملك الديمقراطية!
نحن نملك حقوق الإنسان!
ملكة النيجر:
(تقف بغضب)
حقوق الإنسان التي تنتهكونها في مالي،
وتدعمون الوهابية لتمزيقها،
ثم تبيعون الأسلحة للجميع،
وتسمون ذلك "نشر السلام"؟!
حقوق الإنسان التي تُسقط المدنيين،
وتجعل الإرهاب مهنة مربحة؟
……
الفصل الرابع
المشهد الأول: ساحة المعركة – منطقة غامضة بالساحل
يتلاقى جيشان: جيش الحكومة المحلية، وجيش الإرهابيين، بينهما مندوب أممي يوزع مطويات عن السلام.
الجندي الأول:
(يهمس لرفيقه)
ألا ترى أن أسلحتنا متطابقة؟
فبندقيتي مكتوب عليها "صنع في بلجيكا"،
وبندقية العدو مكتوب عليها "صنع في بلجيكا" أيضاً!
الجندي الثاني:
(بدهاء)
هذا لأن بلجيكا تبيع السلاح للجانبين،
وتكتب تقاريرها عن "الصراع الدائر"،
وتحصي أرباحها كل مساء،
وتدعو إلى مؤتمر سلام كل صباح!
يدخل شبح سقراط من بين الغبار
الشبح:
(بصوت جهوري)
يا بني البشر، أتقاتلون لترضيتمن يبيعكم السلاح؟
إن من يصنع أداة القتل،
هو من يرسم خريطة القتل.
فكونوا كالأفارقة الأذكياء:
اشتروا السلاح من الجميع،
واستخدموه ضد الجميع،
ثم تصالحوا مع الجميع،
واحتفظوا بثرواتكم للجميع... أي لأنفسكم!
تختفي الجيوش في سحابة من الغبار، ويبقى مندوب الأمم يوزع مطوياته وحدها
…….
الفصل الخامس
المشهد الأول: مؤتمر قمة في قطر – غرفة مكيفة
يجتمع كبار الممولين الوهابيين، ومعهم مستشارون أوروبيون وأمريكيون، على طاولة مستديرة مغطاة بالذهب.
الممول الأول:
(يمسح عرقه بمنديل من الحرير)
نحن نُمول المساجد في أفريقيا،
هذا معروف،
لكن بعض المصلين يتحولون إلى جهاديين،
وهذا ليس خطأنا،
فنحن ننشر الدين، وهم يفسرونه!
السير فرانسوا:
(يضحك ببرود)
يا سيدي الكريم، لا تخف،
فنحن نستمتع بجهودكم!
فكلما زاد التطرف،
زادت حاجتهم لأسلحتنا،
وزادت حاجتنا لمواردهم،
وزادت أرباح الجميع... إلا هم!
الجنرال أميريكو:
(يضرب الطاولة بقبضته)
هذه هي الديمقراطية يا سادة!
سوق حرة في السلاح،
سوق حرة في النفط،
سوق حرة في الأديان،
وسوق حرة في... الضحايا!
يدخل مارك بوتينغا فجأة
بوتينغا:
(بصوت مرتجف)
يا للعار! يا للعار!
ها أنتم تخططون لاستعمار جديد،
وتستعملون الدين كغطاء،
والإرهاب كذريعة،
والأسلحة كأداة،
وتسمون ذلك... "مكافحة الإرهاب"؟!
الممول الثاني:
(بهدوء)
يا صديقي البلجيكي،
ألم تقرأ التاريخ؟
إن الاستعمار القديم كان يسرق الموارد بالسيف،
والاستعمار الجديد يسرقها بالعقود،
أما الاستعمار الأحدث فيسرقها باسم الدين،
فلماذا الغضب؟
إنها تطور حضاري!
…….
الفصل السادس والأخير
المشهد الأول: شرفة الملك أوروبا – تطل على أفريقيا من بعيد
يقف الملك أوروبا وحيداً، ينظر إلى الأفق الأفريقي، وتظهر أمامه رؤى الملكة النيجر وشبح سقراط.
الملك أوروبا:
(بصوت متعب)
كم أنا عظيم في عيني نفسي،
ومحتقر في عين التاريخ!
أعتقد أنني أحكم العالم،
بينما العالم يضحك من حماقتي.
أبيع الأسلحة لمن يحاربني،
وأستورد اليورانيوم ممن أستعبده،
وأدّعي أنني أنشر السلام،
بينما زرعت الحرب في كل قرية!
شبح سقراط:
(يظهر خلفه كالظل)
يا ملك الزيف،
أتعلم أن أفريقيا ستستيقظ يوماً؟
حينها ستكتشف أن لديها عقولاً،
لا تحتاج إلى وصايتك،
وتمدّداً، لا ينتظر منّتك،
وثروات، تنتظر يداً أفريقيةً تلمسها.
الملكة النيجر:
(تظهر كرؤيا في السحاب)
نعم يا أوروبا العجوز،
سأبني مفاعلاتي النووية مع روسيا،
وسأستخرج ليثيومي مع الصين،
وسأدرب جيوشي مع الجزائر،
وسأعلم شعبي أن الاستعمار،
ليس في بندقية العدو،
بل في عقل المستعمَر الذي يصدق أن السيادة تُمنَح!
تختفي الرؤيا، ويبقى الملك أوروبا وحيداً على شرفته، وأمامه حلمه وهو يحتضر
……..
الجوقة الختامية
تصعد جوقة الحمقى الدبلوماسيين على المسرح، يغنون بصوت متناغم:
الجوقة:
أيها المستعمرون، كم أنتم ظرفاء!
تبيعون السلاح وتسمونه "ردعاً"،
وتدعمون الإرهاب وتسمونه "جهاداً"،
وتسرقون الثروات وتسمونها "تنمية".
لكن التاريخ لا يخدع كالأقمار،
فكل إمبراطورية إلى زوال،
وكل استعمار إلى محال،
وستبقى أفريقيا واقفةً،
كسمرةٍ لا تُغيّبها الخيال!
يسقط الستار ويدوي ضحك طويل من خلفه، كضحك أفريقي عارم يُعلن نهاية عصر الوصاية
…..