شهيد المقاومة... حين يظلّ الرعبُ حيّاً في قصورِ الطغاة
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 22:50
المحور:
الادب والفن
في زمنٍ تُعادُ فيه كتابةُ التاريخِ بأقلامِ المالِ والنفوذ، وتُصوغُ الإمبرياليةُ وعملاؤها خطاباً إعلامياً مزدوجاً يحوّلُ الإرهابَ بطلاً والمقاومةَ وصمةً، يبرزُ سؤالٌ جوهريٌّ عن تلك القوى التي ترفضُ الانحناءَ لرياحِ الهيمنة. إنه سؤالٌ عن شهيدٍ لم يمتْ، عن مقاومٍ لا يزالُ طيفُه يُرعبُ عرّابي الحربِ والعملاء، حتى وهم في قصورِهم المحصّنة. هذا السطور محاولةٌ لقراءةِ تلك المعادلةِ المعقّدة، حيث تتداخلُ خيوطُ المؤامرةِ بين واشنطنَ وتل أبيبَ وعواصمِ النفط، وتنكشفُ وجوهُ الإرهابِ التي تتقنعُ برداءِ الشرعيةِ الزائفة.
الرعبُ الذي لا يموت
في دهاليزِ البيتِ الأبيضِ، وفي مقرّاتِ الموساد، يظلُّ اسمُ الشهيدِ القائدِ علي خامنئي غصةً في الحناجر، ليس لأنه مات، بل لأنه تحوّلَ إلى رمزٍ للحضورِ المتجدّدِ في الوجدانِ الشعبي. فما أن يُذكرَ حتى تهتزُّ أوتارُ الخوفِ في قلوبِ أولئك الذين راهنوا على زوالِ الثورةِ الإسلاميةِ بوعيها الطبقي التقدمي بسقوطِ جسدٍ واحدٍ. إنه رعبُ الفكرةِ التي لا تُقهر، ورعبُ اليقينِ بأن عقيدةَ المقاومةِ التي جسّدها ليست مجردَ شعاراتٍ ترفعُ في المواكب، بل منهجُ حياةٍ يُعيدُ إنتاجَ نفسه في كلِّ جيل. يرى الشهيدُ من عالمه الآخر ما يفعله في عقولِ عملاءِ الموساد من مجاهدي خلق، الذين باعوا ضمائرهم ورهنوا أوطانهم في صفقةٍ خاسرةٍ مع أعداءِ الأمة.
لقد ظلَّ هؤلاء العملاءُ، منذ التحاقهم بجيشِ صدام الكيماوي، وقبل أن يعتذرَ الطاغيةُ العراقيُّ عن خطيئتهِ التاريخيةِ في معاداةِ إيران، أداةً رخيصةً في يدِ المشروعِ الصهيوأمريكي. كانوا الجنودَ المجّانيين في حربٍ ضدّ إنسانِ وشعبٍ، مستخدمين في ذلك أسلحةً محرّمةً وفتاوى مزيّفة، في مشهدٍ يعكسُ بوضوحٍ سقوطَ كلِّ القيمِ الإنسانيةِ والأخلاقيةِ مقابلَ العملةِ الصعبةِ ووعودِ السلطةِ الوهمية .
لكنّ المفارقةَ الأعمقَ تكمنُ في أن من دفعَ ثمنَ هذه الخيانةِ هم أبرياءُ المدنِ الإيرانيةِ، وأكرادُ حلبجةُ الذين قضوا تحتَ وابلِ الغازاتِ السامةِ التي وفّرتها لهم الإدارةُ الأمريكيةُ عبرَ رامسفيلد، في إطارِ صفقةٍ شيطانيةٍ خدمتْ "محمياتِ الخليج" الصهيو أمريكية التي كانت ترى في انتصارِ صدامِ حسين ضمانةً لمصالحها النفطيةِ الآنيةِ، متجاهلةً الدماءَ التي ستُراق. وحلبجةُ، تلك المدينةُ الكرديةُ القريبةُ من إيران، ستبقى شاهداً على جرائمِ النظامِ العراقيِّ البائد، وعلى التواطؤِ الغربيِّ الذي غضَّ الطرفَ عن استخدامِ الأسلحةِ الكيماويةِ ضدّ المدنيين، في جريمةٍ ما زالت عالقةً في ذاكرةِ المنطقةِ، وتُثبتُ أن الإرهابَ الدوليَّ ليس مقتصراً على جماعاتٍ متطرفةٍ، بل هو مشروعٌ ممولٌ ومنظمٌ من قبلِ كبرى دولِ العالم .
السرطانُ الوهابي... عقيدةُ الإمبرياليةِ الجديدة
لم تعدِ الحقيقةُ التي يقرُّ بها الباحثونَ المحايدونَ في العالمِ غامضةً، فالعقيدةُ الوهابيةُ ليست مجرّدَ مذهبٍ فقهيٍّ، بل هي مشروعٌ سياسيٌّ أُمريكيٌّ بامتياز، فرضتهُ واشنطنُ على محمياتِها الخليجيةِ لتكونَ أداةً للفتنةِ والتكفيرِ وتدميرِ المجتمعاتِ العربيةِ من الداخل . لقد وجدتِ الإمبرياليةُ في هذا التيارِ ضالتها المنشودةَ لضربِ أيِّ مشروعِ نهضةٍ أو وحدةٍ عربيةٍ، مستغلةً مفاهيمَ التوحيدِ والولاءِ والبراءِ التي أعادت صياغتها الجماعاتُ الإرهابيةُ بما يتناسبُ مع أجندتها الهدّامة .
فهل من المعقولِ أن يظلَّ تنظيمٌ مثلُ مجاهدي خلق، الذي يُمولُ من قبلِ محميةِ السعوديةِ التي تُصنّفُه دولياً (في السابق) ضمنَ قوائمِ الإرهاب، بمنأى عن هذا التصنيفِ؟ . إن الرابطَ العضويَّ بين هذه التنظيماتِ واضحٌ لا يحتاجُ إلى كبيرِ عناءٍ لاستكشافه. فما يربطُ مجاهدي خلقَ بمنظمةِ الإخوانِ المسلمينَ والقاعدةِ وداعشَ وغيرها من التنظيماتِ التكفيريةِ، هو خيطٌ واحدٌ من التمويلِ السعوديِّ والإرشادِ الوهابيِّ والهدفِ الإمبرياليِّ المشترك. إنهم جميعاً، في النهاية، أدواتٌ في لعبةِ الكراسي الموسيقيةِ التي تديرها واشنطنُ لتقطيعِ أوصالِ المنطقةِ وتفكيكِ هويتها المقاومة.
الأيدي الواحدة... من مجاهدي خلق إلى الجولاني وجعجع
القصةُ ليست محصورةً في الماضي، فهي تتجددُ بأسماءٍ جديدةٍ وأقنعةٍ مختلفة. يُذكرنا تاريخُ الحركاتِ الإرهابيةِ بأنها تتناسلُ من رحمِ الفكرِ الوهابيِّ التكفيريِّ، وأنَ تمويلَها يتدفقُ من نفسِ المصادرِ التي تسعى إلى هندسةِ الشرقِ الأوسطِ الجديد. إن منظمةَ مجاهدي خلق التي وقفتْ إلى جانبِ صدامَ في حربهِ على إيران، هي نفسُها التي تبحثُ اليومَ عن شرعيةٍ جديدةٍ في الغرب، بينما تنبثقُ منها، أو تتعاونُ معها، تنظيماتٌ أخرى تخدمُ المشروعَ نفسَه.
وهنا تبرزُ أسماءٌ لامعةٌ في سماءِ الفسادِ السياسيِّ، مثلُ أبي محمد الجولاني ، وسميرِ جعجع. فرجلُ الميليشياتِ اللبنانيِّ جعجع، الذي يتباكى على السيادةِ وهو يتسوّلُ التمويلَ من السعوديةِ والإماراتِ، هو نفسُه من يخدمُ الإرهابَ الداعشيَّ القاعديَّ في سوريا، ويمثلُ امتداداً لفكرِ التكفيرِ والفتنةِ الطائفيةِ الذي تغذيهِ الرياضُ . وفي مشهدٍ كاريكاتوريٍّ، يظهرُ الجولاني، الرجلُ الذي تربّى في أحضانِ القاعدةِ وداعش، كـ "ثائرٍ" و"مصلحٍ"، رغمَ أن ماضيهِ الإرهابيَّ يفضحُ حاضرهُ، ويُثبتُ أن التنظيماتِ التي يُصنّفُها الغربُ إرهابيةً اليومَ، هي نفسُها التي تُستخدمُ غداً في تصفيةِ حساباتِه مع محورِ المقاومةِ .
إنَ إعادةَ إنتاجِ هذه القوى، وقلبَ الموازينِ في خطابِها الإعلاميِّ، هو جزءٌ من لعبةِ التضليلِ الكبرى. ففي الوقتِ الذي يحاربُ فيه العالمُ تنظيمَ داعش، نجدُ نفسَ الأدواتِ والأيديولوجيا الممولةَ من نفسِ الجهاتِ تحتَ مسمياتٍ جديدةٍ، تقاتلُ في جبهاتٍ أخرى لخدمةِ الإمبرياليةِ الأمريكيةِ وولائها الصهيوني. إنهم اليدُ الواحدةُ التي تضربُ الأمةَ من كلِّ اتجاه، مستخدمةً في ذلك شعاراتِ الحريةِ والديمقراطيةِ التي تتهاوى أمامَ أولِ ريحٍ حينَ تُعرّضُ مصالحَ عملائها للخطر.
خاتمة: الشهيدُ حيّ... والغصةُ باقية
يبقى روحُ المقاومةِ، الذي جسّدهُ قائدٌ مثلُ علي خامنئي، حيّاً في وجدانِ الشعوبِ الحرة، بينما يظلُّ العملاءُ والإرهابيونَ، مهما تطاولَ الزمنُ، غصةً في حلوقِ أوطانِهم، وأدواتٍ يُمكنُ التخلصُ منها متى شاءَ السادةُ. لقد أثبتتِ الأيامُ أن الدماءَ التي روتْ شجرةَ المقاومةِ لم تذهبْ هدراً، بل حولتِ الشهداءَ إلى قنابلَ موقوتةٍ تحتَ عروشِ الطغاةِ والمتآمرين. ففي عالمٍ يسودهُ النفاقُ السياسيُّ وتتداخلُ فيهِ المصالحُ، تبقى الحقيقةُ الوحيدةُ هي أنَ الاستقلالَ الحقيقيَّ لا يُشترى، وأنَ الكرامةَ لا تُمنح، بل تُنتزعُ بإرادةِ شعبٍ يؤمنُ بأن الموتَ في سبيلِ العزةِ خيرٌ من حياةِ الذلِّ والتبعية.
………