الهندسة الاجتماعية الجديدة في أوروبا: حين يتحوّل الفقر إلى سياسة دولة


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 15:49
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

تمهيد نظري: أوروبا في مرآة سمير أمين

قبل الغوص في تفاصيل السياسات الاجتماعية الأوروبية الجديدة، لا بد من استحضار الإطار النظري الذي وضعه المفكر المصري الكبير سمير أمين لفهم تحولات الرأسمالية المعاصرة. فقد كان أمين من أوائل المنظرين الذين كشفوا عن آليات "التراكم عبر الإقصاء"، حيث تتحول السياسات الاقتصادية إلى أدوات لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، ومن الفقراء إلى الأغنياء، باسم الكفاءة والتنافسية.

ما يحدث اليوم في أوروبا ليس سوى تجسيد حي لهذه الرؤية. فما كان يُعرف بـ"دولة الرفاه" الأوروبية، تلك التي بُنيت على أسس التضامن الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية بقوة كفاح الأحزاب الشيوعية الأوروبية الغربية التي هزمت النازية التي تمثل الاحتكارات المالية والصناعية الأوروبية والأمريكية ، بدأت " دولة الرفاه " تتحول ببطء ولكن بثبات إلى "دولة العقاب"، حيث يُعاد تشكيل المجتمع وفق معايير النجاعة الاقتصادية وحدها، على حساب الكرامة الإنسانية والحقوق الاجتماعية.

أوروبا التي تغيّرت دون أن تعلن ذلك

لم تكن أوروبا بحاجة إلى إعلان رسمي كي ندرك أنّ شيئًا عميقًا قد تبدّل في روحها. ففي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الأزمات المتلاحقة — من الجائحة إلى الحرب في أوكرانيا، ومن التضخم إلى الانهيارات الاجتماعية — بدأت تظهر ملامح سياسة جديدة، لا تُسمّى باسمها الحقيقي، ولا تُقدَّم للناس بصورتها الكاملة، لكنها تُمارَس بصرامة: هندسة اجتماعية تعيد تشكيل المجتمع من أسفله، عبر الضغط على الفئات الأكثر هشاشة.

هذه ليست مبالغة صحفية، بل خلاصة ما تكشفه الأرقام الرسمية نفسها، وما نشرته مجلات مثل Le Vif البلجيكية، التي دقّت ناقوس الخطر حين قالت إنّ "إعادة تشكيل البطالة كلّفت الدولة أكثر مما توقّعت، لكن هذا لم يكن الهدف". الجملة الأخيرة ليست مجرد عنوان، إنها مفتاح لفهم ما يجري.

ففي بلجيكا، كما في دول أوروبية أخرى، جرى تقديم "إصلاح البطالة" بوصفه خطوة ضرورية لتشجيع الناس على العودة إلى العمل. لكن الأرقام التي نشرتها Le Vif تكشف واقعًا مختلفًا: 42 ألف شخص استُبعدوا من البطالة في موجة واحدة، و172 ألفًا سيُستبعدون بحلول 2027. فقط 11.5% وجدوا عملًا، بينما انتقل 38% إلى المساعدة الاجتماعية. والونيا وحدها تمثّل ثلثي المستبعدين رغم أنها ثلث السكان.

هذه ليست سياسة "تشجيع على العمل". هذه سياسة إعادة توزيع للفقر. فالدولة لم توفّر المال، بل نقلت العبء إلى البلديات، التي غرقت بدورها في العجز. والنتيجة: طبقة كاملة من الناس — خصوصًا من تجاوزوا الخمسين — سقطت في فقر مدقع لم تعرفه أوروبا منذ عقود.

1.الإطار النظري — من دولة الرفاه إلى هندسة الفقر

1.1 سمير أمين وإعادة قراءة الرأسمالية المعاصرة

يقدم سمير أمين في أعماله الكلاسيكية، مثل "تطور الرأسمالية" و"التمركز حول أوروبا"، نموذجًا لفهم تحولات النظام الرأسمالي يتجاوز القراءات الاقتصادية الضيقة. فبالنسبة لأمين، الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل هي "علاقة اجتماعية" تقوم على استغلال العمل وتوسيع دائرة التراكم عبر آليات معقدة تشمل السياسة والثقافة والأيديولوجيا.

أحد المفاهيم المحورية في فكر أمين هو "التراكم عبر الإقصاء"، حيث تتحول سياسات الدولة إلى أدوات لتهميش فئات بأكملها من دائرة الإنتاج والتوزيع العادل، مما يخلق "جيشًا احتياطيًا" من الفقراء يُستخدم للضغط على الأجور وشروط العمل. وهذا ما نراه اليوم بوضوح في السياسات الاجتماعية الأوروبية الجديدة.

1.2 تحول الدولة الاجتماعية في أوروبا

لطالما كانت أوروبا نموذجًا للدولة الاجتماعية، حيث قامت أنظمة الضمان الاجتماعي على مبادئ التضامن والعدالة التوزيعية. لكن منذ التسعينيات، ومع صعود النيوليبرالية، بدأت هذه الأنظمة تتعرض للتآكل. وقد تسارعت هذه العملية بعد أزمة 2008، ثم جائحة كوفيد-19، ثم الحرب في أوكرانيا.

يقول بيتر غاليون في تحليل نشره معهد السياسات الأوروبية بجامعة بوككوني: "إن أنظمة الرفاه الأوروبية تبدو اليوم رقعة غير متجانسة، غالبًا ما تكون غير كافية ومجزأة عبر الدول الأعضاء، بينما يتسع عدم المساواة وتتصاعد التوترات الجيوسياسية ونفقات الدفاع، ويستمر التضخم، وتخلق التحولات الخضراء والرقمية هشاشات جديدة" .

1.3 الهندسة الاجتماعية كسياسة دولة

الهندسة الاجتماعية ليست مؤامرة، بل سياسة. هي استخدام أدوات الدولة لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية معينة. وفي الحالة الأوروبية اليوم، تتجلى في:

· الضغط على الفئات الضعيفة
· تقليص شبكات الأمان الاجتماعي
· تحميل البلديات عبئًا ماليًا لا تستطيع تحمّله
· دفع الناس نحو سوق عمل لا يستوعبهم
· خلق طبقة جديدة من الفقراء العاملين وغير العاملين
· تحويل الفقر إلى أداة ضبط اجتماعي

2.إصلاح البطالة — حين يصبح الفقر أداة سياسية

2.1 بلجيكا نموذجًا: الأرقام التي لا تكذب

في بلجيكا، كما في دول أوروبية أخرى، جرى تقديم "إصلاح البطالة" بوصفه خطوة ضرورية لتشجيع الناس على العودة إلى العمل. لكن الأرقام التي نشرتها مجلة Le Vif تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا:

· 42 ألف شخص استُبعدوا من نظام البطالة في موجة واحدة
· 172 ألفًا سيُستبعدون بحلول 2027
· فقط 11.5% من المستبعدين وجدوا عملًا
· 38% انتقلوا إلى نظام المساعدة الاجتماعية (CPAS)
· والونيا وحدها تمثّل ثلثي المستبعدين رغم أنها تضم ثلث السكان فقط

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها خرائط لفقر مُعاد توزيعه. فالدولة لم توفر المال كما زعمت، بل نقلت العبء إلى البلديات، التي غرقت بدورها في العجز المالي. والنتيجة: طبقة كاملة من الناس — خصوصًا من تجاوزوا الخمسين — سقطت في فقر مدقع لم تعرفه أوروبا منذ عقود.

2.2 سياسات "التفعيل" بين النظرية والتطبيق

تعتمد السياسات الأوروبية اليوم على مفهوم "التفعيل" (Activation)، الذي يفترض أن الحل الأمثل للفقر هو إلحاق العاطلين عن العمل بسوق العمل، حتى لو كان ذلك عبر وظائف هشة ومنخفضة الأجر. وقد أصبح هذا المفهوم محور السياسة الاجتماعية الأوروبية منذ اعتماد استراتيجية لشبونة قبل عقدين.

لكن الأبحاث الميدانية تكشف فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. ففي دراسة حالة لمشروع أوروبي في بلغاريا يهدف إلى دعم الأمهات للعودة إلى العمل، وجدت الباحثة سيلفيا نايدينوفا أن معظم المستفيدين كانوا من العاملين بالفعل، ومن سكان المدن الكبرى، ومن ذوي التعليم العالي. أما العاطلون عن العمل، والآباء والأمهات العزاب، والأسر في المناطق الفقيرة، فقد كانوا بعيدين عن متناول هذه البرامج .

وتكشف نايدينوفا أن المشاركة في هذه البرامج تعتمد بشكل كبير على "المعرفة البيروقراطية" والموارد غير الرسمية، حيث يضطر المشاركون إلى تحمل أعباء إدارية وتكاليف غير معلنة، بينما تُسجل أسماؤهم كـ"مُفعّلين بنجاح" رغم أن العقبات الهيكلية لم تُرفع أبدًا .

2.3 تكلفة الإصلاح: من الذي يدفع الثمن؟

المفارقة الكبرى في هذه السياسات أن الإصلاح كلّف الدولة أكثر مما وفّر، ومع ذلك استمرت هذه السياسات. لأن الهدف — كما قالت Le Vif — لم يكن ماليًا بحتًا. إنه هدف سياسي بامتياز: إعادة تشكيل المجتمع، وتدجين الفئات الضعيفة، وخلق طبقة جديدة من الفقراء الذين لا يستطيعون العودة إلى العمل، ولا يستطيعون العيش بلا عمل، ولا يستطيعون الخروج من دائرة الفقر.

3. الضربة القاسية لكبار السن — حين يصبح العمر تهمة

3.1 فوق الخمسين: خارج دائرة الاهتمام

من تجاوزوا الخمسين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب العاصفة. ليس لأنهم لا يريدون العمل، بل لأن سوق العمل الأوروبي لا يريدهم. ومع ذلك، طُبّقت عليهم نفس المعايير التي تُطبّق على شاب في العشرين. فجاءت النتيجة كارثية:

· استبعاد جماعي من سوق العمل
· انهيار نفسي بسبب فقدان المكانة الاجتماعية
· أمراض مزمنة تتفاقم مع تقدم العمر وغياب الرعاية الصحية الكافية
· عجز عن دفع الإيجار أو أقساط السكن
· عجز عن شراء الدواء
· عجز عن دفع النفقة للأبناء
· تهديد مباشر بفقدان السكن

3.2 التمييز العمري المؤسساتي

تظهر الأبحاث أن التمييز العمري في سوق العمل الأوروبي أصبح ظاهرة مؤسساتية. فمعايير التوظيف الحديثة تستبعد تلقائيًا من تجاوزوا الخمسين، حتى مع وجود خبرات وكفاءات عالية. ومع ذلك، تُطبق عليهم سياسات "التفعيل" نفسها، وكأن المشكلة هي نقص الرغبة في العمل، وليس نقص الفرص المتاحة.

هذا التناقض يكشف عن وجه آخر للهندسة الاجتماعية الجديدة: إنها سياسة لا تهتم بمن يقع ضحيتها، بل تهدف فقط إلى خلق حالة من الخوف وعدم اليقين لدى كل فئات المجتمع، مما يسهل قبول سياسات أكثر تقشفًا في المستقبل.

4.ربّ الأسرة المطلق — الضحية الصامتة

4.1 معادلة مستحيلة: النفقة بين القانون والفقر

من بين كل الفئات المتضررة، يبرز ربّ الأسرة المطلق بوصفه الضحية الأكثر هشاشة، والأقل ظهورًا في النقاش العام. فهو ملزم قانونيًا بدفع النفقة — 250 يورو للطفل الواحد — مهما كانت ظروفه المالية. وفي الوقت نفسه، يحصل على مساعدة اجتماعية لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

هكذا يتحوّل القانون إلى معادلة مستحيلة:

· إذا دفع النفقة، لا يستطيع العيش
· وإذا عاش، لا يستطيع دفع النفقة

هذا ليس "ضغطًا اجتماعيًا"، بل استحالة مادية للعيش. وهو ما تسميه المادة 23 من الدستور البلجيكي: المساس بالكرامة الإنسانية.

4.2 الأسرة كعائق في سياسات الحد من الفقر

تظهر دراسة نشرتها مجلة السياسة الاجتماعية الدولية بجامعة كامبريدج أن الأسرة — رغم كونها وحدة اقتصادية طبيعية — أصبحت في السياسات الأوروبية الحديثة عائقًا أمام الحصول على الدعم الاجتماعي. فالتزامات الأسرة المالية (ضرائب أعلى، اشتراكات تأمين اجتماعي أعلى، ودعم مالي داخل الأسرة قبل الأهلية للحصول على مساعدات عامة) تمثل عبئًا إضافيًا على الفقراء مقارنة بالأفراد غير المتزوجين .

وتكشف الدراسة أن الفقراء من ذوي الأسر يواجهون "عقابًا عائليًا" مزدوجًا: فهم لا يحصلون على دعم كافٍ، وفي نفس الوقت يتحملون أعباء مالية إضافية بسبب التزاماتهم الأسرية .

5. من الرفاه الاجتماعي إلى اقتصاد الحرب

5.1 السياق الأوسع: تحول الأولويات الأوروبية

لفهم الصورة كاملة، يجب النظر إلى السياق الأوروبي الأوسع. منذ 2022، ارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة. شركات السلاح — الألمانية والبلجيكية والأمريكية — حققت أرباحًا قياسية. وفي المقابل، تقلصت الميزانيات الاجتماعية، وارتفعت الضرائب، وأصبحت الفئات الضعيفة تتحمل العبء الأكبر.

هذا ليس سرًا، إنه منشور في تقارير Eurostat وCour des comptes وFinancial Times وPolitico Europe. لقد انتقلت أوروبا — دون إعلان — من دولة الرفاه إلى اقتصاد الطوارئ، ومن اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد الحرب، ومن اقتصاد الحرب إلى هندسة اجتماعية تعيد تشكيل المجتمع بما يتناسب مع أولويات جديدة.

5.2 النفقات العسكرية مقابل الحماية الاجتماعية

تظهر الأرقام أن النفقات العسكرية الأوروبية قفزت بنسبة غير مسبوقة، بينما تقلصت ميزانيات الحماية الاجتماعية في معظم الدول الأعضاء. هذا التحول في الأولويات ليس مجرد خيار مالي، بل هو خيار سياسي وأخلاقي يعكس تغيرًا في مفهوم الدولة ودورها.

فالدولة التي كانت تُعرف بـ"الدولة الحامية" تتحول إلى "الدولة العقابية"، حيث تُعاد تعريف المواطنة من خلال الإنتاجية الاقتصادية بدلاً من الحقوق الاجتماعية. وهذا ما يفسر استمرار سياسات تقليص الدعم الاجتماعي حتى عندما تثبت الأرقام أنها غير مجدية اقتصاديًا.

6.أزمة الكرامة — الأرقام التي تصرخ

6.1 93 مليون أوروبي تحت خط الفقر

تشير أحدث البيانات الصادرة عن يوروستات إلى أن حوالي 93 مليون شخص في الاتحاد الأوروبي — أي واحد من كل خمسة أوروبيين — معرض لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي . وهذا الرقم، كما يحذر مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الاجتماعية ماريو نافا، قد يرتفع في الأشهر القادمة نتيجة لتأثير أزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا .

الأكثر إثارة للقلق هو أن حوالي 14 مليون شخص في أوروبا يعانون من أشكال حادة من الفقر المادي، أي أنهم غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والملبس والتدفئة . وهؤلاء هم الضحايا الخفيون للهندسة الاجتماعية الجديدة، الذين لا تظهر أسماؤهم إلا في الإحصاءات، بينما تبقى معاناتهم اليومية بعيدة عن الأضواء.

6.2 الفقراء العاملون: الوجه الخفي للأزمة

أحد أخطر مظاهر الأزمة الأوروبية اليوم هو ظهور طبقة جديدة من "الفقراء العاملين"، أي الأشخاص الذين يعملون بوظائف رسمية ولكنهم يبقون تحت خط الفقر بسبب تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة .

هؤلاء لا يظهرون في إحصاءات البطالة، ولا يشملهم برامج الدعم الاجتماعي (لأنهم "عاملون")، ولكنهم يعيشون ظروفًا لا تقل قسوة عن العاطلين عن العمل. وكما يشير تقرير منظمة Philea الأوروبية، فإن "الصورة السياسية للفقر تخفي عمدًا الوجه غير المرئي للفقر الذي يحيط بنا كل يوم" .

6.3 أزمة السكن: الجرح النازف

قفزت أسعار المساكن في أوروبا بأكثر من 50% في العقد الماضي، وأصبح واحد من كل عشرة مواطنين أوروبيين غير قادر على تحمل تكاليف التدفئة أو وجبة يومية مناسبة . أزمة السكن تضرب الفقراء بقسوة خاصة، حيث أصبح الإيجار يلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسر الفقيرة، مما يترك القليل جدًا للطعام والدواء والتعليم.

7. أوروبا أمام مفترق طرق

7.1 الاستراتيجية الأوروبية لمكافحة الفقر: أمل وحذر

في مايو 2026، قدمت المفوضية الأوروبية أول استراتيجية شاملة لمكافحة الفقر، بهدف القضاء على الفقر المدقع والإقصاء الاجتماعي بحلول عام 2050 . وتتضمن الاستراتيجية أهدافًا طموحة، مثل رفع 15 مليون شخص من الفقر بحلول 2030، بما في ذلك 5 ملايين طفل .

لكن الحماسة تجاه هذه الاستراتيجية يوازنها حذر كبير. فكما يشير التحالف التقدمي في البرلمان الأوروبي، فإن التقدم المحقق حتى الآن محدود جدًا، حيث لم يتم رفع سوى حوالي 3.7 مليون شخص من الفقر منذ بدء المساعي الأوروبية . ويطالب التحالف بتشريعات ملزمة بدلاً من التوصيات غير الملزمة، وبميزانية مخصصة لمكافحة الفقر بدلاً من الاعتماد على التمويل الحالي .

7.2 النقد الجوهري: غياب الآليات الملزمة

أكبر انتقاد موجه للاستراتيجية الأوروبية الجديدة هو غياب الآليات الملزمة. فالتوصيات غير الملزمة، كما أثبتت التجارب السابقة، لا تؤدي إلى تغيير حقيقي على الأرض. فمنذ تبني توصية المجلس الأوروبي بشأن الحد الأدنى للدخل في يناير 2023، لم تطرأ أي تغييرات جوهرية في ثلاثة أرباع الدول الأعضاء. وفي بعض الحالات، كما في إيطاليا، سار الاتجاه في الاتجاه المعاكس تمامًا .

7.3 الحل: نحو حد أدنى ملزم للدخل

يدعو الخبراء والناشطون إلى إطار أوروبي ملزم — يفضل أن يكون توجيهًا (-dir-ective) — يحدد معايير دنيا للدخل الأدنى، تشمل:

· ربط مستوى الدعم بـ 60% على الأقل من متوسط الدخل الوطني، مع ربطه تلقائيًا بالتضخم
· أهلية شاملة وغير تمييزية، مع إجراءات مبسطة
· ربط الدعم بخدمات تمكينية: التدريب والرعاية الصحية والسكن

وهذا يتوافق مع ما ورد في المادة 34 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، التي تنص على أن الحد الأدنى للدخل هو حق اجتماعي أساسي.

الخاتمة: أي مجتمع نريد أن نكون؟

لسنا أمام أزمة اقتصادية فقط، بل أمام تحوّل فلسفي في معنى الدولة ودورها. فإذا استمرت هذه السياسات، ستظهر في أوروبا طبقة جديدة: طبقة الفقراء الدائمين الذين لا يستطيعون العودة إلى العمل، ولا يستطيعون العيش بلا عمل، ولا يستطيعون الخروج من دائرة الفقر.

إنها ليست أزمة أرقام. إنها أزمة إنسان. أزمة كرامة. أزمة معنى.

كما قال محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، في كلمته أمام مؤتمر مكافحة الفقر الأوروبي: "الفقر ليس من صنع الفقراء، بل من صنع النظام الذي بنيناه. ومن مسؤوليتنا إعادة بناء النظام، لوضع الناس والكوكب في المقام الأول" .

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: "كيف نصلح البطالة؟" بل: "أي مجتمع نريد أن نكون؟"

هل نريد مجتمعًا يقوم على التضامن والعدالة الاجتماعية، حيث يكون الحد الأدنى للدخل حقًا أساسيًا لكل مواطن؟ أم مجتمعًا يقوم على النجاعة الاقتصادية وحدها، حيث يصبح الإنسان مجرد أداة في خدمة السوق؟

الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل السياسات الاجتماعية الأوروبية، بل مستقبل أوروبا نفسها ككيان سياسي وأخلاقي. فكما يخلص تقرير معهد بوككوني: "القضاء على الفقر ليس عملًا خيريًا، بل هو أكثر استثمارات أوروبا استراتيجية في الديمقراطية والتماسك والازدهار المشترك" .

أوروبا التي تغيّرت دون أن تعلن ذلك قد تعود إلى جوهرها الإنساني، إذا ما وجدت الإرادة السياسية لمواجهة التحديات الحقيقية. وإلا فإن الهندسة الاجتماعية الجديدة ستستمر في إعادة تشكيل المجتمع، ليس نحو الأفضل، بل نحو مزيد من التفكك والظلم، حتى تصبح أوروبا — كما حذر سمير أمين — مجرد سوق عملاقة بلا روح.