مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد.. غرب آسيا: رقعة شطرنج تُقرأ بالمقلوب
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 16:33
المحور:
الادب والفن
الشخصيات:
· الراوي – صوت الحكمة الساخرة
· الأمريكي – ممثل الهيمنة الغربية (بلهجة تكساس)
· الإسرائيلي – ممثل الكيان المارق (بلهجة تل أبيب المتغطرسة)
· الإيراني – لاعب الشطرنج المحترف (بهدوء الخيام)
· حسن – ممثل حزب الله (بلهجة جنوب لبنان)
· المسيّرة – جندي صامت (يظهر كظل)
· القبة الحديدية – صوت غاضب مخنوق
· جوقة – أصوات الشعوب المقهورة
…….
المشهد الأول: طاولة البوكر التي تحولت إلى رقعة شطرنج
(الستارة ترتفع على مشهد مزدوج: في اليمين، طاولة بوكر فخمة عليها علم أمريكي وصور ترامب. في اليسار، رقعة شطرنج فارسية ضخمة، قطعها مصنوعة من الحرير والنار)
الراوي:
(يقف في المنتصف، يبتسم ابتسامة الحكيم الساخر)
ليس غرب آسيا اليوم ما كان عليه قبل عقد... ولا هو ما توقعته الاستراتيجيات الغربية قبل عام.
إنه كائن متحوّل، يشبه في تعقيده مرآة قصر مكسورة، كل شظية تعكس وجهاً مختلفاً للحقيقة.
المنطقة التي ظنت نفسها وقد فهمت قواعد اللعبة، اكتشفت فجأة أن اللوحة تغيّرت، وأن الحصان لم يعد يتحرك وفق المنطق المألوف.
(يشير بيده إلى طاولة البوكر)
هنا يجلسون... يرفعون الرهان، يهددون، يلوحون بالعقوبات القصوى.
يظنون أن التهديد بالقصف سيُجلس قادة طهران إلى طاولة المفاوضات وهم يرتجفون.
لكنهم نسوا أن إيران تفكر بمنطق الزمن الطويل، لا بمنطق اللحظة.
الأمريكي:
(يرفع ورقة البوكر بغطرسة)
أنا أرفع الرهان! عقوبات قصوى! تهديدات نووية! قواعد عسكرية في كل مكان!
هذه هي لعبتي، وهذه هي طاولتي!
الإيراني:
(جالس بهدوء على رقعة الشطرنج، يحرك قطعة ببطء شديد)
هذه ليست طاولتك يا سيد الأمريكي... هذه رقعة شطرنج.
وأنت تلعب البوكر بينما خصومك يلعبون الشطرنج.
البلوف لا تخيف الحصون... ورفع الرهان لا يحرك القطع على رقعة مربعة لا تعرف معنى المجازفة.
الإسرائيلي:
(يقفز إلى الطاولة متوتراً)
نحن نملك القبة الحديدية! نملك الطائرات الشبح! نملك الجيش الذي لا يُقهر!
الراوي:
(يضحك ضحكة مرّة)
القبة الحديدية... ذلك السقف الذي ظنوا أنه يقي من السماء.
لكن السماء اليوم مختلفة.
إنها تمطر مسيّرات... مسيّرات تحمل في رحمها خوارزميات لا تُرى، وأليافاً ضوئية لا تُشوش، وحكمة شرقية لا تُقهر.
(المسيّرة تظهر كظل على الجدار، تحلق بهدوء، ثم تختفي)
…….
المشهد الثاني: حين تعجز القبة أمام خيط الضوء
(على الخلفية، صورة ضخمة للقبة الحديدية تتصدع، وتتساقط منها شرارات)
القبة الحديدية:
(صوت مبحوح، منهك)
أنا لم أعد أعرف من أين يأتي الخطر!
أنا صُممت لمواجهة صواريخ باليستية تأتي من مسافات بعيدة ومسارات شبه مكافئية...
وليس لمواجهة أسراب من طائرات صغيرة تخترق الأجواء على ارتفاع شجيرات التين!
إنها ترى بأعينها... لا تعتمد على الأقمار الصناعية التي أستطيع تشويشها...
إنها كمن يجر خيطاً من الحرير خلفه، لا يمكن قطعه بوسائل الحرب الإلكترونية التقليدية.
حسن:
(يقف بثبات، يحدق في القبة الحديدية بابتسامة هادئة)
يا صاحبة القبة... نحن لا نلعب حرباً كلاسيكية.
نحن نمارس حرب استنزاف دقيقة، تُشبه قطرات الماء التي تنحت الصخر.
ليس هدفنا احتلال الأراضي، فالأرض ليست عطشى للجيوش.
هدفنا أعمق: جعل الاحتلال مكلفاً... جعل الحياة في الشمال المحتل مستحيلة... جعل المستوطن ينام على صوت صافرات الإنذار ويستيقظ على رنين الخسائر.
الإسرائيلي:
(يصفر من الألم)
عشرات الآلاف من المستوطنين نزحوا من الشمال!
تركوا مستوطناتهم وأعمالهم ومدارس أطفالهم!
المدن التي كانت تغرد بألق الاقتصاد وصخب الحياة صارت أشبه بمقابر جماعية تنتظر الموتى!
الراوي:
(يمشي ببطء بين الشخصيات)
هذا ليس مستنقع فيتنام ولا مستنقع أفغانستان...
إنه أخبث لأنه يصنع بوعي، ويُروى بمياه العيون الجبلية ودماء الشهداء وصبر الأجيال.
كل صاروخ يطلقه الحزب ليس مجرد قذيفة، بل رسالة: أنتم لستم آمنين في بيوتكم ولا في ثكناتكم ولا في مراكز قيادتكم.
جوقة:
(تهمس بصوت عميق)
المستنقع يبتلع الأحلام... والمستوطن يعد أيامه...
والقبة الحديدية تنظر إلى السماء ولا ترى إلا خيوطاً من النار...
وكل خيط يحمل في تركيبه الكيميائي دهشة من يشاهد، وعجز من يحاول فكّ رموز الصورة قبل اكتمالها.
…….
المشهد الثالث: التحالف الشرقي ومستقبل الهيمنة
(الإضاءة تتغير إلى لون ذهبي-أزرق. تظهر خريطة غرب آسيا، تتحرك عليها قطع شطرنج عملاقة: روسية، إيرانية، صينية)
الراوي:
(صوته يعلو قليلاً)
خلف ما يحدث في غرب آسيا يتحرك تحالف صامت...
لا توقيعات معلنة عليه ولا قواعد عسكرية مشتركة، لكنه أقوى من كثير من التحالفات الموقعة.
إنه تحالف المصالح المتقاطعة... موسكو، طهران، بكين.
في فهم واحد: أن العالم يتجه نحو التعددية القطبية، وأن الهيمنة الأمريكية يجب أن تواجه بجبهة موحدة.
الأمريكي:
(يتصبب عرقاً، يرمي أوراق البوكر على الأرض)
هذا لا يحدث! أنا أمريكا! أنا الذي يقرر قواعد اللعبة!
أنا الذي أرسم الخريطة وأحرك القطع!
الإيراني:
(يرفع عينيه بهدوء، يحرك قطعة شطرنج ضخمة)
أنت لم تعد ترسم الخريطة يا سيد الأمريكي... أنت تحاول تلوينها بألوان باهتة.
أما نحن فننسج سجادة فارسية لا يظهر جمالها إلا حين تكتمل.
وكل خيط يُضاف يحمل في تركيبه الكيميائي عجز من يحاول فكّ رموز الصورة قبل اكتمالها.
المسيّرة:
(تظهر فجأة في الهواء، تتحدث بصوت رنان وعميق)
أنا المسيّرة... أنا التي لا تُرى حتى أصل إلى حيث يؤلم.
أحمل في جناحيّ خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأليافاً ضوئية لا تُشوش.
أنا سبق الحرب... وأنا بعد الحرب...
أنا التي جعلت القبة الحديدية عمياء، وجعلت الرادارات الغربية تتحدث عن "فجوة تقنية لم تكن تتوقعها".
الراوي:
(يقترب من الأمام، يخاطب الجمهور مباشرة)
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عابر... إنه تحول تاريخي في ميزان القوى.
أشبه بلحظة سقوط جدار برلين في غرب آسيا، أو لحظة نهاية الحرب الباردة على طريقة المنطقة.
إيران وحزب الله لم يسقطا المنظومة الإسرائيلية بالكامل، لكنهما كشفا هشاشتها، وعرّيا نقاط ضعفها، وأثبتا أن الردع الذي كان يُظنّ أنه صلب، ليس سوى قشرة رقيقة.
حسن:
(يضع يده على قلبه)
نحن لا نريد الحرب... لكننا لا نخافها.
نحن لا نريد الدماء... لكننا لا نتراجع أمام من يسفكها.
لقد حوّلنا جنوب لبنان إلى متاهة هندسية لا يعرف أسرارها إلا من حفرها بأظافره على مدى عقود.
الإسرائيلي:
(ينهار على ركبتيه، يصرخ)
كيف ذلك؟ كيف لهذه المسيّرات البسيطة أن تفعل ما تعجز عنه طائرات بمليارات الدولارات؟
كيف لهذا التحالف الشرقي أن يعيد رسم الخريطة دون أن نستأذن؟
الراوي:
(يضحك ضحكة تاريخية)
لأنك يا سيد الإسرائيلي راهنت على تقنيات الأمس بينما خصومك راهنوا على تقنيات الغد.
لأنك ظننت أن القوة بالعدد والعتاد، واكتشفت أن القوة بالصبر والذكاء والزمن الطويل.
لأن الغرب الذي كان يظن أنه يمتلك التفوق التقني والعسكري والسياسي، يجد نفسه اليوم أمام مسيّرات لا يستطيع إسقاطها، وصواريخ لا يستطيع اعتراضها، وتحالف شرقي يعيد رسم قواعد اللعبة دون أن يستأذن أحداً.
الأمريكي:
(ينهض مبتسماً بغطرسة مصطنعة)
سأعود! سأعود بقواتي! سأفرض العقوبات! سأ...
الإيراني:
(يقاطعه بهدوء قاتل)
ستعود... وستجد أننا سبقناك إلى كل مربع.
ستفرض العقوبات... وستجد أننا تعلمنا كيف نصنع في بيوتنا ما كنا نستورده.
ستهدد... وستجد أن جدولنا الزمني لا يدق على إيقاع وول ستريت أو البنتاجون.
جوقة:
(ترفع أصواتها كالنشيد)
غرب آسيا لا يرحم من يتأخر عن فهمه...
ولا يعيد فرصه لمن ضيعها...
هنا التاريخ يُكتب بالصبر لا بالغطرسة...
وبالذكاء لا بالحديد والنار...
وبوحدة المقاومة لا بشعارات الهيمنة المضللة.
…….
المشهد الختامي: ملامح المستقبل
(الجميع يتجمدون في أماكنهم. الراوي يتقدم إلى الأمام، يرفع يده كالحكيم)
الراوي:
أي مستقبل ينتظر غرب آسيا بعد هذا الاستنزاف الطويل؟
(يرفع أصابعه واحداً تلو الآخر)
السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف لسنوات... حرب باردة ساخنة... لا هدنة حقيقية ولا حرب مفتوحة.
الجميع يخسر، ولا أحد يخسر بالكامل.
السيناريو الثاني: تصعيد مفاجئ يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة... ستكون مدمرة للجميع، وقد تعيد رسم الخريطة بالقوة الغاشمة.
السيناريو الثالث: انهيار تدريجي للنظام الإقليمي الحالي... مع صعود قوى جديدة تعيد تشكيل التحالفات والصراعات.
(يبتسم ابتسامة غامضة)
لكن ما يبدو مؤكداً هو أن المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه.
الاستنزاف الطويل غير قواعد اللعبة للأبد.
حتى لو توقفت الرصاص غداً، فإن الصدوع التي أحدثتها الحرب ستظل موجودة.
والثقة المفقودة ستستغرق أجيالاً لتعود.
والميزان الجديد للقوى سيستغرق وقتاً طويلاً ليتوازن.
(يلتفت إلى الجمهور مباشرة، صوته يعلو كالجرس)
وفي النهاية، يبقى الأمل الوحيد...
أن تتوقف الدماء...
من خلال تصفية كيان الإبادة الجماعية في تل أبيب ومحميات الخليج الصهيوأمريكية...
وأن تجد الشعوب طريقها إلى سلام ليس قائماً على الردع فقط، بل على فهم عميق للشعوب العربية والإيرانية، واحترام حقوقها، واعتراف بأن المنطقة تتسع للجميع...
(يتوقف لحظة، ثم يهمس)
...ما عدا الولايات المتحدة والكيان المارق والمحميات العميلة ومن لف لفها.
(الستارة تهبط ببطء، وعلى الخلفية تظهر رقعة شطرنج عملاقة، كل قطعة عليها علم دولة من دول المقاومة، وتتحرك وحدها نحو النصر)
جوقة:
(تردد كالنشيد الأخير)
هنا لا يغرق الفرسان في الرمال وحدهم...
بل تغرق معهم أحلام الانتصار الوهمي...
وكل يوم يمر يكتب صفحة جديدة...
صفحة لا تشبه ما قبلها، ولا يمكن التنبؤ بما بعدها.
(الستارة تغلق تماماً، ويُسمع صدى مسيّرة تحلق في السماء)
…….
نهاية المسرحية