بين الدواء الممنوع والدم المباح: كيف تُعاد صياغة الحقيقة في زمن الهيمنة؟
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 00:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في زمن الحقائق المعلّقة
في الأزمنة التي تتداخل فيها الحقائق مع المصالح، وتتحوّل فيها المؤسسات التي وُجدت لحماية الإنسان إلى أدوات تُعيد تشكيل وعيه، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا من السؤال العلمي، ويغدو البحث عن الحقيقة أشبه بمحاولة انتزاع الضوء من بين أصابع الظلام. إنها لحظات تاريخية تتكاثف فيها الغيوم فوق أسئلة كبرى: من يملك الحقيقة؟ ومن يملك شرعية قولها؟ ومن يملك جرأة مواجهتها؟
في هذا المشهد الملتبس، تتقاطع قضيتان تبدوان للوهلة الأولى منفصلتين تمام الانفصال: قضية دواء رخيص يُحارب بضراوة وكأنه عدوٌّ خفي، وقضية شعب يُباد تحت غطاء "الدفاع عن النفس" و"حق الوجود". لكنّهما، في العمق الأعمق، ليستا سوى وجهين لعملة واحدة، وآليتين لصناعة واحدة: آلية صناعة السردية، وهندسة الوعي الجمعي، وإعادة تعريف الحقيقة بما يخدم الهيمنة.
فهل آن الأوان لنقول إن الحقيقة لم تعد تُكتشف بل تُصنع؟ وإن العلم لم يعد بريئًا بل شريكًا؟ وإن الدم لم يعد مجرّد حياة بل سلعة تسوّق لها قنوات إخبارية بأجمل الصور؟
…….
حين يتجاوز العلم حدوده... وتتكلم السلطة بلسان المختبر
لم يكن الإيفيرمكتين مجرد دواء. كان مرآة كاشفة لمدى هشاشة العلاقة بين العلم والسلطة، وشاهدًا على كيف يمكن للمؤسسة الصحية أن تتحول من حارسة للحقيقة إلى حارسة لمصالح فئة دون فئة.
فحين تُجبر وكالة بحجم إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على حذف منشوراتها الساخرة، لا لأن العلم تغيّر بين عشية وضحاها، بل لأن القضاء ذكّرها بحدودها، ندرك فجأة أن المسألة ليست دواءً ولا فيروسًا ولا جائحة عابرة، بل خطاب، بل سردية، بل سلطة.
لقد تصرّفت الوكالة، في لحظة خوف أو غرور أو طاعة عمياء لشركات الأدوية العملاقة، كما لو كانت وصيّة على وعي الناس، لا جهة تنظيمية تضع معايير وتراقب تطبيقها. سخرت، استهزأت، ورفعت صوتها فوق صوت العلم نفسه. وحين سقطت هذه اللغة المتعالية أمام قاضٍ أمريكي، انكشف ما كان مستورًا طوال الوقت: أن المؤسسات التي يفترض أن تكون محايدة، ليست محايدة دائمًا؛ وأن العلم، حين يُختطف من قبل رأس المال، يفقد براءته الأولى؛ وأن المعركة لم تكن يومًا حول جزيئة دوائية، بل حول مَن يملك الحق في قول الحقيقة.
لكن هل يعني هذا أن الدواء الرخيص كان علاجًا سحريًا مخفيًا عن الناس؟ ليس بالضرورة. فالغياب العلمي لا يُعوّضه الغضب الشعبي، ولا يمكن لثغرة في خطاب مؤسسة أن تتحوّل إلى دليل سريري قاطع. ومع ذلك، فإن الطريقة التي حورب بها الدواء — بالتخويف والتشويه والسخرية والحجب — تكشف شيئًا أعمق بكثير: أن المنظومة الصحية الغربية لا تتحرك فقط وفق المنهج العلمي المجرد، بل وفق مصالح اقتصادية هائلة، وأن أي تهديد لهذه المصالح، حتى لو كان مجرّد احتمال علمي ضعيف، يُقابل بحملة دعائية لا تقل شراسة عن الحملات العسكرية.
إنه مشهد كاريكاتيري مأساوي: دواء لا يتجاوز سعرة بضعة دولارات يُطارَد كما لو كان سمًا قاتلًا، بينما أدوية بمليارات الدولارات تُمنح تراخيص الطوارئ في أسابيع معدودة. ليس لأن الأول خاطئ علميًا بالضرورة، بل لأنه يهدد أرباح الآخرين.
……..
لوبيات الدواء... حين يصبح المرض اقتصادًا لا مرضًا
في الغرب، حيث تُقدّس السوق وتُعبد الأرباح، لا تُقاس قيمة الإنسان بضعفه أو وجعه، بل بقدرته على الدفع. والمرض، في هذه المنظومة، ليس حالة إنسانية تحتاج إلى شفاء، بل سوق سوداء بامتياز. سوق تُدار فيها المليارات، وتُصاغ فيها السياسات الصحية، وتُكتب فيها القوانين على مقاس الشركات العملاقة.
لوبيات الأدوية ليست مجرد مجموعات ضغط عابرة تظهر في الانتخابات وتختفي. إنها طبقة حاكمة موازية، تمتلك من النفوذ ما يجعل السياسيين يترددون قبل مواجهتها، ومن المال ما يجعل الإعلام يتلعثم قبل نقدها، ومن القوة ما يجعل الجامعات ومراكز الأبحاث تعدل في نتائجها مراعاة لمصادر التمويل.
هي ليست مؤامرة بمعنى الغرفة المظلمة والرجال ذوي البدلات السوداء، بل هي بنية اقتصادية متكاملة، تحوّلت فيها الصحة إلى سلعة، والدواء إلى استثمار، والإنسان إلى رقم في معادلة الربح والخسارة. وفي هذه البنية، يصبح الدواء الرخيص الذي لا يحمل براءة اختراع "مشكلة" يجب التخلص منها، بينما يصبح الدواء الباهظ الثمن الذي يضمن أرباحًا لعقود "ثورة طبية" تستحق الاحتفاء.
ولذلك، فإن السؤال عن "تأميم شركات الأدوية" أو حتى مجرد الحديث عن "ضبط أسعار الأدوية الحيوية" يبدو، في السياق الغربي، أشبه بالسؤال عن تغيير قوانين الجاذبية. فالنظام الرأسمالي لا يعيش إلا على المنافسة، ولا يتنفس إلا عبر الأسواق الحرة، ولا يرى في التأميم أو التسعير الجبري إلا تهديدًا وجوديًا لحريته المقدسة — حرية الربح دون حدود.
لكن الأخطر من ذلك كله، هو أن هذه اللوبيات الدوائية لا تكتفي بالتحكم في أجساد المرضى داخل حدودها الوطنية، بل تمتد مخالبها إلى السياسة الخارجية وإلى الحروب والنزاعات، حيث تتقاطع مصالحها مع مصالح لوبيات أخرى، أبرزها اللوبيات الداعمة للاحتلال والإبادة. وهنا، عند نقطة التقاطع هذه، يبدأ الدم والدواء في الالتقاء.
…….
من الدواء إلى الدم... حين يصبح الاحتلال "يدافع عن نفسه"
في اللحظة التي يُقصف فيها طفل فلسطيني في غزة، في مخيم للاجئين، أو على حاجز عسكري، يخرج المتحدث الرسمي ليقول: "إن الكيان يدافع عن نفسه". جملة قصيرة، حادة، مؤثرة، لكنها تحمل من التزوير والانقلاب على الحقائق ما يكفي لطمس جريمة كاملة.
كيف يمكن لقوة احتلال أن تدافع عن نفسها داخل الأرض التي تحتلها؟ كيف يمكن لمن لا يملك شرعية الوجود في الأصل أن يملك شرعية الدفاع عن هذا الوجود؟ وكيف يتحوّل الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى ضحية، إلا عبر سردية مصنوعة بعناية فائقة، وبتمويل هائل، وبمساحات إعلامية مفتوحة؟
إن خطاب "الدفاع عن النفس" ليس مجرد كذبة سياسية مكشوفة، بل هو سلاح فتاك. سلاح يُستخدم لتبرير القتل الجماعي، ولإسكات الضمير العالمي، ولتحويل الإبادة إلى "عملية عسكرية مشروعة"، ولقلب الحقائق رأسًا على عقب أمام الرأي العام الغربي الذي لا يعرف من القضية سوى ما تقدمه له شاشات التلفزيون.
والأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لا يُنتج في غرف الحكومات وحدها، بل في استوديوهات التلفزيون، وفي غرف التحرير، وفي مراكز الأبحاث التي تمولها الحكومات واللوبيات، وفي شركات العلاقات العامة التي تتقن تحويل القبح إلى جمال، وفي المؤسسات الأكاديمية التي تعيد صياغة المفهوم القانوني للعدوان تارة وللدفاع الشرعي تارة أخرى.
إنها آلة متكاملة. آلة صناعة الشرعية للإجرام. آلة تحويل الضحية إلى جلاد. آلة تبرئة القاتل وإدانة المقتول. وآلة الإيفيرمكتين هي نفسها، بنفس الآليات، وبنفس التمويل، وبنفس الخطاب، آلة قتل الفلسطينيين بالكلمة قبل القنبلة.
……..
الإعلام الغربي... حين يصبح الحياد جريمة
الإعلام الذي يصرخ في وجه دواء رخيص كما لو كان وباءً جديدًا، يصمت صمت الموتى أمام دم رخيص يسيل في أرصفة غزة والضفة الغربية. الإعلام الذي يطالب بالدليل العلمي قبل قبول أي علاج جديد، لا يطالب بالدليل الأخلاقي ولا بالقانوني ولا بالإنساني قبل قبول قصف المستشفيات والمدارس. الإعلام الذي يهاجم "المعلومات المضللة" بضراوة في قضايا الجوائح، هو نفسه الذي يروّج لرواية "الدفاع عن النفس" و"حق الوجود" و"أمن إسرائيل" دون أن يرفّ له جفن، ودون أن يقوم إلى ميزان العدالة التي يزعم أنها مقدسة لديه.
هذا الإعلام لا يخطئ لأنه جاهل، ولا يزور لأنه غافل، ولا يغض الطرف لأنه مشغول. بل لأنه منحاز. منحاز بوعي، بضمير ميت، بروح تلقت التدريب المناسب. منحاز لمن يملك القوة، لا لمن يملك الحق. منحاز لمن يملك المال، لا لمن يملك الأرض والذاكرة والتاريخ. منحاز لمن يملك السلاح، لا لمن يملك الجراح والدمع والصبر.
ولذلك، فإن معركة الفلسطيني اليوم ليست فقط مع الاحتلال العسكري الذي يقتل بالصواريخ والدبابات، بل مع الاحتلال السردي الذي يقتل بالكاميرا والمونتاج والكلمة. إنها معركة مزدوجة: على الأرض وفي الوعي. والأخطر أن الجبهة الثانية قد تخسر قبل الأولى، لأن العدو فيها لا يُرى، ويتسلل إلى العقول عبر الشاشات التي نفتحها بأيدينا كل صباح.
……..
حقوق الشعب الفلسطيني... الحق الذي لا يموت
رغم كل شيء، رغم كل الإبادة، رغم كل التزوير، رغم كل الصمت المخزي، يبقى الحق الفلسطيني ثابتًا لا تهتزّه الحملات الإعلامية، ولا تغيّره الروايات المصنوعة، ولا يمحيه مرور الزمن. فالقانون الدولي، بكل ما فيه من ضعف ومنازعات وازدواجية معايير، يعترف بثلاث حقائق لا يمكن لأي إعلام، ولا لأي لوبي، ولا لأي قوة أن تلغيها:
الأولى: أن الشعب الفلسطيني شعب أصيل على أرضه، له تاريخه وثقافته وهويته، وليس مجموعة لاجئين عابرين.
الثانية: أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير شرعي، وفق مئات القرارات الأممية.
الثالثة: أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين حق غير قابل للتصرف، ومكرس في القانون الدولي وفي ضمير الإنسانية.
هذه ليست شعارات تُرفع في المظاهرات، بل نصوص قانونية، وقرارات ملزمة، ومبادئ راسخة صمدت أمام عقود من الضغط والتهديد والتفاوض غير المتكافئ. لكن الحق، في عالم تحكمه القوة المطلقة، يحتاج إلى من يحمله بقوة السلاح أحيانًا، وبقوة الكلمة أحيانًا أخرى، وبقوة الوعي دائمًا.
وهنا يأتي السؤال المحوري: من سيحمي هذا الحق اليوم، بعد أن تخلى عنه من كان يفترض أن يكون حاميه؟ الأمم المتحدة؟ مجلس الأمن؟ محكمة الجنايات الدولية؟ أم الوعي الشعبي العالمي الذي بدأ يستفيق أخيرًا؟
……..
خيط واحد يجمع كل شيء
قد يتساءل قارئ: ما الرابط الذي يصل بين دواء رخيص يُحارب بضراوة، وبين شعب يُباد في وضح النهار تحت غطاء التلفزيونات العالمية؟
الرابط هو الهيمنة. هيمنة لا ترى إلا مصالحها، هيمنة تُعيد تعريف الحقيقة بما يخدم قوتها، هيمنة تجعل من العلم أداة ترسخها، ومن الإعلام سلاحًا يحميها، ومن القانون واجهة جميلة يراها من لا يريد أن يرى ما خلفها، ومن الإنسان مجرد تفصيل صغير في لوحة كبرى ترسمها البنوك وشركات السلاح ووكالات التصنيف الائتماني.
في عالم كهذا، يصبح البحث عن الحقيقة فعل مقاومة. يصبح كشف السردية فعل تحرير. يصبح الوقوف مع الضعيف — أي ضعيف — دفاعًا عن معنى الوجود الإنساني نفسه. وفي هذا العالم، لا يمكننا أن نقبل باستمرار صناعة الحقائق في مختبرات السلطة، سواء كانت هذه الحقائق دواءً ممنوعًا أو دمًا مباحًا. فكلاهما، في النهاية، جريمة بحق الإنسان. وجريمة بحق الحقيقة.
…….
حين ينهض الوعي... تسقط السردية
قد تستطيع القوة الغاشمة أن تفرض روايتها لبعض الوقت، وقد يستطيع الإعلام المدجج بالمال أن يجمّل القبح لبعض الوقت، وقد تستطيع اللوبيات أن تشتري الضمائر والأصوات لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع، مهما بلغت قوتها، أن تُطفئ الحقيقة إلى الأبد.
فالحقيقة، مثل النور، لا تحتاج إلى إذن كي تشرق. والوعي، حين ينهض، لا يعود إلى النوم مهما حاولوا. والشعوب، مهما طال ليلها في ظلم الحكام والاحتلال والإعلام المنحاز، تعرف الطريق إلى الفجر لأنها دربته بدمائها مرارًا وتكرارًا.
أسقطت جدار برلين، أسقطت الفصل العنصري، أسقطت الاستعمار في كل مكان... وستسقط سردية الدواء الممنوع والدم المباح. ليس لأننا نتمنى ذلك، بل لأن الإنسانية لا يمكنها أن تعيش إلى الأبد على أكاذيب تُغلف بزيف الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما الأطفال يموتون، والأدوية تُمنع، والحقيقة تُسجن.
والآن، يبقى السؤال: إلى أي جانب ستقف؟ مع صنّاع السردية أم مع كاشفيها؟ مع قتلة الحقيقة أم مع شهودها؟ مع الصوت العالي الناعم المموّل أم مع صوت الضمير الخافت الذي لا يملك غير صدقه سلاحًا؟
الخيار لك. والخيار للتاريخ. والتاريخ لا يرحم.