غرب آسيا بين أفول الهيمنة وصعود البدائل: ملحمة التحوّل الجيوسياسي في زمن الانكسار الأمريكي
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 13:52
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
زمنٌ يتغيّر من دون استئذان
في بقعةٍ من الأرض لا تتجاوز مساحتها خمسة ملايين كيلومتر مربع، حيث يتقاطع البحر الأبيض المتوسط مع الخليج العربي، وتلتقي جبال زاغروس بصحراء الربع الخالي، حدث على مر التاريخ ما يشبه القانون الثابت: كلما اهتز ميزان القوى العالمي، كانت غرب آسيا أوّل من يرتجف. لكنّ ما يجري اليوم مختلف، ليس لأنّ القوى العظمى تتصارع، بل لأنّ إحداها تتراجع من دون قتال، والأخرى تصعد من دون ضجيج، والثالثة تعيد تعريف النفوذ نفسها. إنّه زلزال بطيء، لا تدركه الأجهزة الزلزالية، لكنّه محفور في وعي الساسة، وفي عقود النفط، وفي خطوط الملاحة البحرية، وفي عيون الجنود الذين يغادرون قواعدهم واحدة تلو الأخرى. لم تعد حاملات الطائرات الأمريكية هي من تحدّد إيقاع البحر، ولا القواعد العسكرية الممتدة من قطر إلى البحرين هي من ترسم حدود الممكن والممنوع. هناك شيء انكسر في صورة القوة الأمريكية، شيء يشبه انطفاء الضوء في غرفة اعتاد الناس أن يروا فيها كل شيء واضحاً. ووسط هذا الانطفاء، تصعد قوى جديدة: إيران بثباتها الحديدي، والصين بصمتها الزاحف الذي لا يوقَف، وروسيا ببراغماتيتها الباردة التي لا تبالي بالشعارات. أمّا الخليج العربي، الذي كان يوماً ملعباً حصرياً لواشنطن، فقد أصبح ساحة تنافس مفتوحة، تتداخل فيها المصالح كما تتداخل الأمواج في مضيق هرمز. والسؤال الذي يطرح نفسه بقلق: هل نشهد أفول الهيمنة الأمريكية نهائياً، أم أنّها مجرد انكسار مؤقت يسبق عودة أكثر عنفواناً؟
حين تتعب الإمبراطوريات من حمل نفسها
لكي نفهم ما يجري، لا بدّ من النظر إلى الولايات المتحدة ليس كدولة فحسب، بل كإمبراطورية منهكة. فالولايات المتحدة التي اعتادت أن تعرّف نفسها بوصفها "شرطي العالم"، تبدو اليوم كمن يجرّ قدميه في ممر طويل، كل خطوة تكلّفه جهداً، وكل جهد يذكره بأنّ الزمن لم يعد زمنه. لم تعد أمريكا قادرة على خوض حرب جديدة، ولا على تحمّل كلفة حرب قديمة. اقتصادها يئنّ تحت تضخم متصاعد، ودينها الوطني يقترب من خمسة وثلاثين تريليون دولار، ومجتمعها منقسم على نفسه انقساماً لم تشهد له مثيلاً منذ حرب فيتنام، ونخبها السياسية تتصارع على كل شيء، حتى على معنى "أمريكا" ذاتها. في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط عبئاً لا مكسباً، واستمرار الهيمنة فيه ترفاً لا ضرورة. فكل مواجهة محتملة مع إيران تعني ارتفاع أسعار النفط، وكل ارتفاع في النفط يعني غضباً شعبياً، وكل غضب شعبي يعني خسارة انتخابية. وهكذا يتحوّل الشرق الأوسط في الحسابات الأمريكية من "مسرح نفوذ" إلى "مسرح كلفة". وهذا التحوّل، وإن لم يعلن عنه رسمياً، فهو حاضر في كل وثيقة استراتيجية سرية، وفي كل إحاطة للكونغرس، وفي كل لقاء مغلق بين مسؤولي البنتاغون ووزارة الخارجية. إنّه اعتراف ضمني بأنّ زمن الأحادية القطبية قد ولّى، وأنّ على أمريكا أن تتعلم كيف تعيش في عالم متعدد الأقطاب، حتى لو كان ذلك ضد رغبتها.
الخليج الفارسي… من بحر أمريكي إلى فضاء صيني–إيراني
لم يكن أحد يتخيّل قبل عشر سنوات فقط أن الصين ستصبح الشريك التجاري الأول لكل دول الخليج مجتمعة، وأنها ستتجاوز كلاً من أمريكا والاتحاد الأوروبي في حجم التبادل التجاري مع الرياض وأبوظبي والدوحة. كما لم يكن أحد يتخيّل أن الصين ستتدخل دبلوماسياً لتوقيع اتفاق تاريخي بين السعودية وإيران، يعيد العلاقات بينهما بعد قطيعة دامت سبع سنوات، وذلك من دون أي وساطة أمريكية أو أوروبية. والأكثر إدهاشاً: لم يكن أحد يتخيّل أن إيران، التي كانت محاصرة بالعقوبات الأمريكية، ستصبح قادرة على ضرب قواعد أمريكية وإسرائيلية بالصواريخ والمسيرات، من دون أن تجرّ المنطقة إلى حرب شاملة. لكن هذا كلّه حدث. والصين دخلت الخليج بلا جندي واحد، وبلا قاعدة واحدة، وبلا تهديد واحد. دخلت عبر التجارة أولاً، ثم عبر الطاقة ثانياً، ثم عبر التكنولوجيا والتمويل والدبلوماسية ثالثاً ورابعاً وخامساً. بينما دخلت أمريكا عبر القواعد العسكرية والأساطيل الحربية والحروب والعقوبات. الفرق جوهري: الصين تبني، وأمريكا تقصف. الصين تمدّ الجسور، وأمريكا تفرض الحصار. الصين توقع عقوداً لمئة عام، وأمريكا تنشر قوات لفترة محدودة ثم تغادر تاركة الفوضى. والخليج الفارسي، الذي تعب من الحروب ومن غبار الصواريخ ومن أصوات صفارات الإنذار، بدأ يميل إلى من يبني لا من يهدم، وإلى من يستثمر لا من يستنزف.
قراءة منهجية في مفهوم "التراجع الاستراتيجي"
قبل أن نسترسل في التفاصيل، لا بدّ من وقفة منهجية. ما معنى "التراجع الاستراتيجي" في أدبيات العلاقات الدولية؟ هو ليس هزيمة عسكرية بالمعنى التقليدي، وليس انسحاباً كاملاً من منطقة معينة، بل هو عملية إعادة تقييم للمصالح وإعادة توزيع للموارد على نحو يتناسب مع الإمكانات المتراجعة. من وجهة النظر البحثية الصينية، التي تستلهم الموروث الفلسفي لصنّاع القرار في بكين، فإنّ "التراجع الاستراتيجي" يمكن أن يكون حكمة وليس ضعفاً. ففي كتاب "فن الحرب" لصن تزو، نقرأ: "من يعرف متى يقاتل ومتى لا يقاتل ينتصر". وهذا بالضبط ما تحاول ان تفعله أمريكا اليوم: إنها تختار ألا تقاتل في غرب آسيا بالشكل الذي كانت تقاتل به في السابق، ليس لأنها فقدت القدرة على القتال، بل لأنها أدركت أن تكلفة القتال تفوق الفائدة المرجوة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين التحليل الغربي والتحليل الصيني: الغربيون يميلون إلى وصف التراجع الأمريكي بأنه "فشل" أو "هزيمة"، بينما ينظر إليه الصينيون باعتباره "تحولاً طبيعياً في دورة حياة القوى العظمى". فلا إمبراطورية تدوم إلى الأبد، ولا قوة عظمى تبقى في القمة دون أن تمر بمراحل من التراجع النسبي. المهم ليس منع التراجع، بل إدارته بذكاء، والتحول إلى قوة عظمى عادية وليست وحيدة وهذا ما تحاول أمريكا فعله الآن، كما يبدو ، وإن كان ذلك بصعوبة بالغة .
إيران… القوة التي كسرت احتكار الردع
لم تعد إيران ذلك "الدولة المتمردة" التي كانت تصوّرها وسائل الإعلام الغربية لعقود. هي اليوم قوة إقليمية مكتملة الأركان، تمتلك مقومات نادرة في المنطقة: صواريخ باليستية دقيقة يصل مدى بعضها إلى ألفي كيلومتر، وطائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى أثبتت فعاليتها في أوكرانيا وفي ضربات داخل إسرائيل، ونفوذاً سياسياً وعسكرياً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو عشرين بالمئة من النفط العالمي. لكن الأهم: إيران تمتلك اليوم قدرة على فرض كلفة مباشرة ومؤلمة على أي اعتداء أمريكي أو إسرائيلي. هذه القدرة هي التي كسرت الردع الأمريكي. ففي الماضي، كانت أمريكا تضرب من تشاء متى تشاء، وكان رد الفعل الإيراني محدوداً ومحتسباً. أمّا اليوم، فالحسابات مختلفة تماماً: أمريكا تستطيع أن تضرب، نعم، لكنها تعرف مسبقاً أن الضربة ستعود إليها مضاعفة عبر هجمات غير متماثلة على قواعدها أو على مصالحها في المنطقة. وهذا التوازن الردعي الجديد، الذي لم تعتد عليه واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، هو الذي يفسّر لماذا تردّدت أمريكا في الرد على الهجمات التي استهدفت قواعدها في الأردن وسوريا والعراق، ولماذا فضّلت الاحتواء على المواجهة المباشرة مع طهران.
إسرائيل… من أصل استراتيجي إلى عبء أخلاقي
أما إسرائيل، التي ظلت لعقود "الحليف الذي لا غنى عنه" بالنسبة لواشنطن، فقد بدأت مكانتها تتراجع، ليس فقط لأسباب عسكرية أو سياسية، بل لأسباب أخلاقية وثقافية عميقة. حرب غزة التي اندلعت في أواخر عام 2023 والمواجهات اللاحقة مع حزب الله على الحدود اللبنانية، كشفت هشاشة الجيش الإسرائيلي، وعجزه النسبي عن تحقيق أهدافه المعلنة، واعتماده الكبير على الدعم العسكري والسياسي الأمريكي. لكن الأخطر من ذلك هو التحوّل في الرأي العام الأمريكي. فجيل الشباب في أمريكا، وخصوصاً طلاب الجامعات، لم يعودوا يرون إسرائيل "ضحية" محقة، بل "قوة مفرطة تستخدم العنف والإبادة الجماعية بلا حدود". وهذا التحوّل ليس عابراً، إنّه تحوّل جيلي عميق، سينعكس لا محالة على السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل. في بلد ديمقراطي، الرأي العام هو الذي يحدد أولويات السياسة في النهاية. وإذا كان الدعم غير المشروط لإسرائيل يكلف الحزب الديمقراطي أصواتاً داخلية، فسيبدأ الضغط لتعديل هذه السياسة. وهنا نتذكر مقولة هنري كيسنجر: "ليس لأمريكا أصدقاء دائمون، بل مصالح دائمة". وعندما تتحول إسرائيل من مصلحة استراتيجية إلى عبء أخلاقي وسياسي ومالي وعسكري، فإنّ العقل البارد في واشنطن سيبدأ بإعادة الحسابات.
مضيق هرمز… الشريان الذي يخنق القوة الشرائية الأمريكية
لننظر الآن إلى المعادلة الاقتصادية. مضيق هرمز هو واحد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، إذ تمرّ عبره يومياً نحو سبعة عشر مليون برميل من النفط، أي ما يعادل سدس الإنتاج العالمي تقريباً. وأي توتر في هذا المضيق يترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار النفط، وارتفاع في تكلفة الوقود والنقل، ومن ثمّ ارتفاع في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وانخفاض في القوة الشرائية للمواطن الأمريكي العادي. وهذا يعني شيئاً واحداً بسيطاً وواضحاً: إسرائيل، أو أي صراع إقليمي، لم يعد مجرد قضية سياسية أو أخلاقية بالنسبة لأمريكا، بل أصبح قضية اقتصادية يومية تمس معيشة الناخبين. فكل مواجهة تبدأ من غزة أو لبنان، تنتهي في محطات الوقود في نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس. وإذا كان المواطن الأمريكي يشعر بذلك مباشرةً في جيبه، فإن صوته سيصل إلى واشنطن عاجلاً أم آجلاً. وهنا يكمن الفرق بين الأمس واليوم: في الماضي، كانت تكاليف الحروب الأمريكية في غرب آسيا تُدفع بالدولار، لكنها كانت بعيدة عن الحياة اليومية للأمريكيين. أمّا اليوم، فبفضل العولمة المالية والاعتماد المتبادل، أصبحت كل ضربة وكل مواجهة وكل أزمة لها سعر واضح على رفوف السوبرماركت في أوهايو وتكساس وفلوريدا.
نيويورك… حين يضيق الضمير الأمريكي
هناك مؤشر آخر لا يقل أهمية عن المؤشرات العسكرية والاقتصادية، وهو المؤشر الثقافي. إغلاق بعض الجمعيات والمنظمات الصهيونية في نيويورك ليس حدثاً إدارياً صغيراً، إنّه حدث ثقافي وسياسي وأخلاقي كبير. إنه إعلان غير مباشر بأن "الزمن تغيّر". فنيويورك، تلك المدينة التي كانت يوماً مركز الدعم المطلق لإسرائيل، والتي تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، أصبحت اليوم مركزاً للاحتجاج ضد سياسات حكومة نتنياهو. والجامعات الأمريكية، التي كانت ترفع علم إسرائيل بكل فخر في السنوات الماضية، أصبح طلابها يرفعون العلم الفلسطيني ويطالبون بالمقاطعة الأكاديمية والاقتصادية. هذا ليس تفصيلاً هامشياً، إنّه تحوّل في الوعي الأمريكي نفسه. فالضمير الجمعي للأمة الأمريكية، الذي كان مصمتاً تجاه الحقوق الفلسطينية لعقود، بدأ يستفيق. والمثقفون والأكاديميون والصحفيون المؤثرون لم يعودوا يخشون التحدث علناً عن نكبة 1948 وعن الفصل العنصري وعن جرائم الحرب وعن الإبادة الجماعية الذي قام عليها هذا الكيان الصهيوني المارق منذ عام ١٩٤٨ حتى اليوم وآخرها الإبادة في غزة . وهذا التحوّل، وإن بدا بطيئاً اليوم، فإنه يشبه قطاراً بدأ يتحرك، ومن الصعب إيقافه.
واشنطن بين الانسحاب والتراجع
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تنسحب أمريكا فعلاً من غرب آسيا؟ الجواب المباشر: لا، ليس بالمعنى الكامل. فالقواعد العسكرية الأمريكية في قطر والبحرين والإمارات والكويت ما زالت قائمة، والأسطول الخامس ما زال في البحرين، ومئات الآلاف من الجنود والعقود ما زالوا منتشرين في المنطقة. لكنّ "التراجع" شيء مختلف تماماً عن "الانسحاب". التراجع هو انكماش تدريجي في الطموحات، وتخفيض في مستوى الالتزام، وإعادة تعريف للمصالح الحيوية. أمريكا لم تعد تريد أن تكون القوة الوحيدة المسؤولة عن أمن الخليج، ولم تعد مستعدة لخوض حروب بالوكالة عن إسرائيل، ولم تعد ترى في الشرق الأوسط أولويتها الأولى بعد أن تحولت أنظارها نحو المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين. التراجع ليس هزيمة، لكنه اعتراف بأن الكلفة أكبر من الفائدة، وأن الخصوم أقوى مما كان يُظن، وأن الحلفاء أقل ولاءً مما كان يُعتقد، وأن العالم لم يعد أحادي القطب. وبهذا المعنى، فإن ما تفعله أمريكا اليوم ليس انسحاباً، بل "تخففاً استراتيجياً" – أي محاولة لتقليل تعرضها للمخاطر مع الاحتفاظ بقدر من النفوذ.
قراءة في مفهوم "البدائل الصاعدة" من منظور بكين
هنا لا بدّ من وقفة تحليلية أعمق. ما الذي يعنيه "صعود البدائل" في لغة العلاقات الدولية؟ يعني ببساطة: توفير خيارات أخرى للدول غير الخيار الأمريكي. لسنوات طويلة، كانت معادلة محميات الخليج الصهيو أمريكية بسيطة: إما أن تكون مع أمريكا، أو أن تكون ضدها، ولم يكن هناك وسط. أمّا اليوم، فقد توفّرت بدائل ملموسة: الصين تقدم التعاون الاقتصادي والاستثمار والتكنولوجيا دون شروط سياسية، وروسيا تقدم التعاون العسكري والأمني دون وصاية، وإيران تقدم نموذجاً للممانعة والمقاومة. وهذا يعني أن دولاً مثل السعودية والإمارات لم تعد مضطرة للاختيار بين طرف وآخر، بل أصبحت قادرة على التعددية والتنويع. ومن وجهة النظر الصينية، هذا التنويع هو بالضبط جوهر النظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب. فبدلاً من عالم تهيمن عليه قوة عظمى واحدة وتفرض إرادتها على الجميع، يصبح لدينا عالم تتوازن فيه القوى وتتعاون فيه الدول من دون إكراه. وهذا ليس مثالياً أو طوباوياً، إنّه بالفعل ما يحدث على الأرض. فالسعودية تشتري أسلحة من أمريكا وتتعاون نووياً مع الصين وتنسق نفطياً مع روسيا. والإمارات تستضيف قواعد أمريكية تقترف الابادات الجماعية وتستثمر في الموانئ الصينية وتوقع اتفاقيات خيانة اقتصادية مع إسرائيل. هذا هو الواقع الجديد: عالم من التداخلات المعقدة لا من الحواجز الجامدة.
الصين وغرب آسيا… استراتيجية بلا قواعد
من أهم ما يميز الوجود الصيني في غرب آسيا هو غياب القواعد العسكرية والتحالفات الدفاعية. فالصين، خلافاً لأمريكا وروسيا وفرنسا وبريطانيا، ليس لها قاعدة عسكرية واحدة على طول المنطقة الممتدة من الخليج إلى المتوسط. وهذا ليس عجزاً، بل اختيار استراتيجي واع. فالصين تدرك أن القواعد العسكرية تجرّ إلى التزامات أمنية طويلة الأمد، وتستنزف الموارد، وتخلق عداءات محلية. بدلاً من ذلك، تركز الصين على ثلاثة أعمدة: التجارة، والطاقة، والبنية التحتية. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام من دول الخليج، وأكبر شريك تجاري لها، وأكبر ممول لمشاريع السكك الحديدية والموانئ والمناطق الصناعية. وهذا يخلق شكلاً جديداً من النفوذ: نفوذ تربطه المصالح المشتركة، لا نفوذ تفرضه القوة الصلبة. فإذا كنت شركة صينية تدير ميناءاً في عُمان، أو تشغّل محطة كهرباء في دبي، أو تموّل قطار الحرمين في السعودية، فإن مصلحتك في استقرار المنطقة ليست أقل من مصلحة أمريكا. لكن الفرق هو أنّ الصين تحقق هذا الاستقرار من خلال التنمية وليس من خلال القوة العسكرية. وهذه المقاربة تجد قبولاً متزايداً لدى النخب العربية التي تعبت من الحروب والتدمير والتدخلات الخارجية. فالدول العربية تحتاج إلى من يبني مدارس ومستشفيات ومصانع، لا إلى من ينشر صواريخ باتريوت وطائرات إف 35.
إيران بين الردع والدبلوماسية
أما إيران، فمسارها مختلف. هي ليست قوة عالمية مثل الصين، لكنها قوة إقليمية مؤثرة تمتلك أدوات الردع والصبر الاستراتيجي والحلفاء في فصائل المقاومة . ولكن الملفت أن طهران تدرك أيضاً حدود قوتها. فهي لا تستطيع مواجهة أمريكا في حرب تقليدية مفتوحة، ولا تستطيع تحمّل عقوبات جديدة أشد قسوة، ولا تريد أن تُستنزف في صراعات طويلة في اليمن وسوريا ولبنان. لذلك، فإن استراتيجية إيران تقوم على مزيج: الردع لمنع الاعتداء، والدبلوماسية لتخفيف العزلة. ووساطة الصين بينها وبين السعودية كانت نعمة لها، إذ سمحت لها بكسر الحصار الدبلوماسي الخليجي وتوسيع مساحة المناورة. ومؤخراً، بدأت إيران تظهر مرونة في المفاوضات النووية، ليس لأنها تخلت عن طموحاتها، بل لأنها ترى في الصين لاعباً عالمياً يمكنه تقديم ضمانات بديلة عن الضمانات الأمريكية. وهذا يذكّرنا بالمقولة الشهيرة للمرشد الإيراني علي خامنئي: "الغرب لا يمكن الوثوق به، لكن الشرق يمكن التعامل معه". وهنا تتقاطع المصالح الإيرانية مع المصالح الصينية: إيران تريد رفع العقوبات والتعامل مع الاقتصاد العالمي من بوابة اقتصادها المقاوم ، والصين تريد تأمين إمدادات الطاقة وفتح ممر بري - بحري إلى أوروبا عبر إيران. التقاطع بينهما طبيعي، بل وتاريخي، وقد يكون الأساس لتحالف طويل الأمد يُغيّر ميزان القوى في المنطقة.
التحوّل الخليجي من العميل إلى الشريك المستقل
ربما كان التحول الأكثر دراماتيكية في المنطقة هو تحوّل محميات الخليج الصهيو أمريكية من "عملاء" تابعين لواشنطن إلى "شركاء مستقلين" يديرون علاقاتهم مع القوى الكبرى وفق مصلحتهم الذاتية أولاً. السعودية، التي كانت قبل عقد من الزمن خاضعة بالكامل للإملاءات الأمريكية، أصبحت اليوم دولة تتحدث بثقلها النفطي والسياسي والديني من موقع الند للند. فهي ترفض إملاءات واشنطن بشأن أسعار النفط، وتستقبل الرئيس الصيني بحفاوة وتوقع معه اتفاقات استراتيجية، وتطلب ضمانات أمنية أمريكية لكن من دون أن تدفع ثمناً سياسياً باهظاً. الإمارات كذلك: انسحبت من حرب اليمن رغم الضغوط الأمريكية، ووقعت اتفاقيات استسلام خيانية مع إسرائيل لكن من دون قطع علاقاتها مع إيران، واستثمرت مليارات الدولارات في التكنولوجيا الصينية. قطر: تستضيف القاعدة العسكرية الأمريكية الكبرى في المنطقة المسؤولة عن الابادات الجماعية في غزة وضد الشعوب العربية وإيران ، لكنها أيضاً تستضيف مؤتمراً سنوياً للأخوة الصينية العربية، وتتعاون مع إيران في حقل غاز الشمال المشترك. إنه تحول جذري لا يمكن تفسيره إلا من خلال متغيرين أساسيين: تراجع الثقة في الضمانات الأمريكية، وظهور بدائل ملموسة من الصين وروسيا. ولنعد إلى الوراء قليلاً: في عام 2019، عندما تعرضت أرامكو لهجوم استهدف منشآتها النفطية، لم ترد السعودية عسكرياً رغم أن الاتهامات اتجهت إلى إيران. وسأل سائل: لماذا لم تطلب السعودية من أمريكا الرد؟ الجواب: لأن السعودية أدركت أن الرد سيجرّها إلى حرب لا نهاية لها، وأن الصبر والدبلوماسية (التي تكللت لاحقاً بالوساطة الصينية) كانا أكثر حكمة. هذه هي كما يبدو "حكمة هزيمة محميات الخليج الجديدة" بعد تغيرات جذرية ليس لصالحها في المنطقة وهي التي تعيد تشكيل سياسات المنطقة.
الآفاق المحتملة ثلاث سيناريوهات للمستقبل
عند النظر إلى المستقبل، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول: عودة أمريكية مدروسة. وهو السيناريو الأقل ترجيحاً، إذ يفترض أن تغير إدارة أمريكية جديدة نهجها بالكامل وتستثمر بكثافة في غرب آسيا لاستعادة النفوذ المفقود. لكن العوائق ضخمة: الالتزامات المالية الضخمة، والنفور الشعبي من الحروب الجديدة، والانشغال بالصين وأوكرانيا. السيناريو الثاني: فوضى إقليمية متصاعدة. وهو سيناريو سلبي يفترض أن يؤدي الفراغ الناجم عن التراجع الأمريكي إلى سباق تسلح إقليمي، ومواجهات إيرانية - إسرائيلية، وحروب بالوكالة، وانهيار الاستقرار النسبي الحالي. وهذا السيناريو ليس مستبعداً، خصوصاً إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في احتواء التوترات. السيناريو الثالث: تعددية متوازنة. وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً والأكثر توافقاً مع الرؤية الصينية. وفيه، تتعلم القوى الكبرى (أمريكا والصين وروسيا) أن تعيش معاً في المنطقة، كل يمارس نفوذه في مجاله، مع قنوات اتصال مفتوحة لمنع التصعيد. وتتعلم الدول الإقليمية (إيران والسعودية وتركيا
) أيضاً أن تدير صراعاتها من خلال الدبلوماسية والوساطة لا من خلال القوة. وبين هذه السيناريوهات الثلاثة، يبدو السيناريو الثالث هو الأكثر منطقية، وإن لم يكن الأسهل. فهو يتطلب قدراً هائلاً من الحكمة وضبط النفس من جميع الأطراف، وهذا ليس متاحاً دوماً في غرب آسيا .
زمن يطوي صفحة وزمن يفتح أخرى
نحن إذن لسنا أمام "أزمة عابرة" يمكن تجاوزها ببعض التعديلات التكتيكية، بل أمام تحول بنيوي عميق في ميزان القوى العالمي وفي طبيعة النظام الدولي نفسه. أمريكا تتراجع وربما تنهار داخليا بأ
حد المشاهد المستقبلية المرجحة ، نعم، لكنها لا تسقط تماما . الصين تصعد، نعم، لكنها لا تهيمن. إيران تتمدد، نعم، لكنها لا تسيطر. الخليج يعيد التموضع، نعم، لكنه لا يقطع الجسور. العالم يدخل مرحلة جديدة: مرحلة تعدد الأقطاب، مرحلة توازنات دقيقة ومعقدة، مرحلة نفوذ بلا جيوش وقوة بلا احتلال. وفي قلب هذا التحول، تقف غرب آسيا، كما وقفت دائماً عبر التاريخ، مسرحاً للقوى الكبرى، ومختبراً للمفاهيم الجديدة، ومرآة تعكس ما سيأتي في بقية العالم. فإذا استطاعت دول المنطقة أن تدير هذا التحول بذكاء، وأن تستفيد من التنافس العالمي دون أن تغرق فيه، وأن تبني نموذجاً للتعاون الإقليمي يتجاوز الصراعات المذهبية والعرقية القديمة، فإن المستقبل قد يحمل بشائر سلام وازدهار لم تشهدها المنطقة من قبل. وإن فشلت، فسيبقى غرب آسيا رهينة الحلقات المفرغة من العنف والانتقام والتدخل الخارجي. لكن لحسن الحظ، هناك مؤشرات مشجعة: الوساطة الصينية بين الرياض وطهران، والتهدئة في اليمن وسوريا، وتصفية كيان الابادة الجماعية الصهيوني المارق والتعاون الاقتصادي الخليجي مع الصين والهند. كلها أبنية صغيرة قد تشكل نواة لصرح إقليمي جديد، إن توافرت الإرادة والحكمة. .