أوروبا عند حافة المرآة: الاحتكارات المالية، الدولة المتراجعة، وأزمة المركز الغربي


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 10:02
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

حين لم تعد أوروبا تعرف نفسها

لم تعد أوروبا الغربية تشبه الصورة التي رسمتها لنفسها طوال سبعة عقود. القارة التي كانت تتباهى بكونها "المركز الثاني" في النظام العالمي، والتي كانت تتقاسم مع الولايات المتحدة قيادة الاقتصاد الرأسمالي، تجد نفسها اليوم أمام مرآة لا ترحم: اقتصاد متباطئ، دولة اجتماعية تتآكل، طبقة وسطى تتقلص، وصناعة تفقد قدرتها التنافسية أمام آسيا وأمريكا معًا.

لكنّ أخطر ما في المشهد ليس الأرقام، بل التحوّل البنيوي الذي يجري في صمت: تحوّل الدولة الأوروبية من دولة راعية إلى دولة مساهم، ومن فاعل اقتصادي إلى مدير لأصول تُباع قطعة بعد قطعة، ومن قوة تنظيمية إلى جهاز إداري يعمل بمنطق السوق. هذا التحوّل ليس حدثًا عابرًا، بل هو ذروة مسار طويل بدأ منذ الثمانينيات، وتسارعت وتيرته بعد 2008، وانفجر بعد 2022 حين فقدت أوروبا شرايين طاقتها الرخيصة.



أوروبا التي تفقد قلبها الصناعي

كانت الصناعة الأوروبية، خصوصًا الألمانية والبلجيكية والهولندية، تقوم على معادلة بسيطة: طاقة رخيصة من الشرق، وسوق واسعة في الغرب، وتكنولوجيا متقدمة في الشمال. لكنّ هذه المعادلة انهارت فجأة. تفجير خطوط الطاقة، العقوبات المتبادلة، ارتفاع أسعار الغاز، وتحوّل الولايات المتحدة إلى المورّد الوحيد تقريبًا للطاقة — كلها عوامل مجتمعة جعلت أوروبا تفقد الميزة التي بنت عليها قوتها.

وتشير البيانات إلى أن الاتحاد الأوروبي كان يستورد نحو 60% من احتياجاته الطاقية قبل الأزمة، مع اعتماد بلغ ذروته في قطاع الغاز الطبيعي حيث وصل إلى 97.6% في عام 2022 . وقد كانت روسيا المورد الرئيسي للغاز إلى أوروبا، حيث وفّرت نحو 44% من واردات الغاز الأوروبية في عام 2021. لكن الحرب في أوكرانيا غيّرت كل شيء، ودفعت أوروبا إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الطاقية برمّتها .

ومع فقدان الطاقة الرخيصة، بدأت المصانع تغلق، والشركات تنتقل إلى أمريكا أو آسيا، والدولة تبحث عن المال السريع لسدّ فجوات الميزانية. وهنا بدأ بيع الأصول العامة. ففي مقابل البرامج الطموحة التي أطلقتها إدارة بايدن — مثل قانون خفض التضخم (IRA) الذي خصص استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة، وقانون CHIPS لإعادة توطين صناعة أشباه الموصلات، وقانون البنية التحتية والوظائف بقيمة تتجاوز ألف مليار دولار — تبدو أوروبا عاجزة عن مجاراة هذا الزخم . فقد حولت الولايات المتحدة نفسها إلى أول منتج للنفط في العالم، وشرعت في سياسة "التصنيع بالقرب من الحلفاء" (Friendshoring) التي تعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية لصالحها .



بيلفيوس وإيثياس — قصة تحالف الاحتكارات

حين انهار النظام المالي في 2008، لم يكن أمام الدولة البلجيكية خيار سوى إنقاذ البنك الذي كان يُعرف آنذاك باسم Dexia. لم يكن الهدف بناء بنك عام، ولا تأسيس نموذج اجتماعي جديد، بل منع الانهيار الشامل. ضخّت الدولة مليارات من المال العام، تحمّلت الخسائر، أعادت الهيكلة، ثم أعادت إطلاق البنك تحت اسم Belfius.

لكنّ المفارقة الكبرى جاءت لاحقًا: بعد أن أصبح البنك مربحًا، بدأت الدولة تبيعه تدريجيًا. في يونيو 2026، أقرّ المجلس الوزاري البلجيكي المختصر بيع 20% من أسهم البنك، مع ربط هذه العملية بمصير حصة الدولة في شركة التأمين Ethias، التي تبلغ نحو 30% من رأسمالها عبر الشركة الفيدرالية للمشاركة والاستثمار (SFPIM) . هذا الربط ليس صدفة، بل جزء من منطق أعمق: منطق الاحتكارات المالية.

في هذا المنطق، لا يعود البنك بنكًا، ولا شركة التأمين شركة تأمين، بل يصبحان معًا كيانًا ماليًا شاملًا يسيطر على الائتمان، والادخار، والمخاطر، والتأمين، والاستثمار. إنه ما يسمّيه الاقتصاديون "التأمين البنكي" (Bancassurance). لكنّ هذا المصطلح البريء يخفي وراءه حقيقة أكثر خطورة: تحالف الائتمان مع التأمين، أي دمج الجهة التي تمنح القروض مع الجهة التي تؤمّن على مخاطر تلك القروض. وهذا هو قلب الاحتكار المالي الحديث .

وتأتي هذه الخطوة في سياق ضريبي جديد، حيث أقرّت بلجيكا في أبريل 2026 قانونًا لفرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية بنسبة 10%، مع إعفاء سنوي قدره 10,000 يورو، تسري بأثر رجعي اعتبارًا من 1 يناير 2026 . وهذا يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد المالي، حيث يصبح بيع الأسهم العامة عملية محفوفة بحسابات ضريبية جديدة.



الدولة التي تتراجع لأنها اختارت أن تتراجع

الدولة البلجيكية، مثل معظم دول أوروبا الغربية، لا تتراجع لأنها ضعيفة، بل لأنها تبنّت منطق السوق. لم تعد الدولة ترى نفسها فاعلًا اقتصاديًا، بل "مساهمًا" يبحث عن الربح، أو "مديرًا" يحاول تحسين ميزانيته عبر بيع الأصول. وهكذا، تتحول الدولة إلى جهاز إداري يعمل بمنطق الشركات، لا بمنطق المجتمع.

هذا التحوّل يفسّر لماذا تُباع البنوك بعد إنقاذها، وتُدمج شركات التأمين مع البنوك، وتُخصخص الخدمات العامة، وتُرفع أسعار الطاقة، وتُترك الطبقة الوسطى لمصيرها. إنه منطق واحد: منطق الرأسمالية الاحتكارية التي تبتلع الدولة بدل أن تضبطها.

وتعكس ردود الفعل الشعبية على قرار بيع بيلفيوس هذا التوجّه. فقد عبّر مواطنون على منصات التواصل عن استيائهم من "بيع أصول بلجيكية بأموال المعاشات"، وتساءل آخرون عن هوية المشترين وما إذا كانت الصفقة ستتم "بسعر صداقة" . هذه الانتقادات تعكس وعيًا متزايدًا بأن الدولة لم تعد تتصرف كحامية للمصلحة العامة، بل كتاجر يبيع ما تبقى من ممتلكاته.



أوروبا بين مركزين — لا مستقلة ولا تابعة بالكامل

أوروبا اليوم ليست مستعمَرة، وليست مستقلة، بل هي مركز داخل المركز، تعيش تناقضات داخلية عميقة: بين رأس المال الصناعي ورأس المال المالي، بين الدولة الاجتماعية والدولة النيوليبرالية، بين مصالح الشركات ومصالح المواطنين، بين التبعية للولايات المتحدة والرغبة في الاستقلال، بين اقتصاد السوق وذاكرة دولة الرفاه.

هذه التناقضات تجعل كل خطوة مالية — مثل بيع بيلفيوس أو دمج إيثياس — جزءًا من صراع أكبر: صراع على هوية أوروبا نفسها. فمن جهة، تريد أوروبا أن تكون فاعلًا مستقلاً في النظام العالمي، ومن جهة أخرى، تجد نفسها مرتهنة للغاز الأمريكي بعد فقدان الإمدادات الروسية . ومن جهة، تريد الحفاظ على نموذجها الاجتماعي، ومن جهة أخرى، تجبر نفسها على تبني سياسات نيوليبرالية تقوّض هذا النموذج.



الاحتكارات المالية — المرحلة الأخيرة من الرأسمالية الغربية

حين تندمج البنوك مع شركات التأمين، وحين تتحول الدولة إلى مساهم، وحين يصبح المديرون الماليون أقوى من الوزراء، فهذا يعني أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة: مرحلة الاحتكارات المالية الشاملة. في هذه المرحلة، تتقلص قدرة الدولة على التدخل، وتتراجع السيادة الاقتصادية، وتتوسع الفوارق الاجتماعية، وتتعمق هشاشة الطبقة الوسطى، وتصبح الأزمات المالية أكثر تكرارًا.

إنها مرحلة لا تُدار فيها الدولة، بل تُدار عبر السوق. وما يحدث في بلجيكا اليوم هو نموذج مصغّر لهذه المرحلة: بنك أنقذته الدولة بأموال المكلفين، ثم أصبح مربحًا، ثم قررت الدولة بيعه لمساهمين خصوصيين، بينما تدمج حصتها في شركة تأمين ضمن هيكل مالي واحد . هذا ليس مجرد صفقة مالية، بل هو تجسيد لتحوّل بنيوي في علاقة الدولة بالاقتصاد.



أوروبا التي تبحث عن مستقبلها في الظلام

أوروبا اليوم تقف عند مفترق طرق: هل تعود إلى الدولة الاجتماعية؟ أم تستمر في بيع أصولها؟ هل تستعيد استقلالها الطاقي؟ أم تبقى رهينة الغاز الأمريكي؟ هل تبني نموذجًا صناعيًا جديدًا؟ أم تتحول إلى اقتصاد خدمات منخفض القيمة؟ هل تضبط الاحتكارات المالية؟ أم تتركها تبتلع ما تبقى من الدولة؟

الأسئلة كثيرة، لكنّ الإجابات قليلة، والوقت يضيق. فبينما تستثمر الولايات المتحدة تريليونات الدولارات في إعادة بناء بنيتها التحتية وصناعتها، تبدو أوروبا غارقة في نقاشات حول الميزانيات والتقشف وبيع الأصول . إنها مفارقة تاريخية: القارة التي كانت مهد الثورة الصناعية، والتي أعادت بناء نفسها بعد حربين عالميتين، تجد نفسها اليوم عاجزة عن حماية ما تبقى من قوتها الاقتصادية.


العبرة — ما يحدث في بيلفيوس وإيثياس ليس حدثًا ماليًا، بل علامة على مرحلة كاملة

بيع جزء من بيلفيوس، دمج أسهم الدولة في إيثياس، تراجع الدولة الاجتماعية، فقدان الطاقة الرخيصة، توسع الاحتكارات المالية… كلها ليست أحداثًا منفصلة، بل خيوط في نسيج واحد. نسيج أزمة أوروبا الغربية التي لم تعد تعرف إن كانت مركزًا عالميًا أم هامشًا متقدمًا في نظام يقوده رأس المال المالي العابر للحدود.

إن هذا التحليل يستند إلى رؤية نقدية ترى في ما يحدث تحوّلاً بنيويًا في الرأسمالية الغربية، حيث تتحول الدولة من حامية للمصلحة العامة إلى أداة في خدمة الاحتكارات المالية. وهذه الرؤية تستلهم من المدرسة النقدية في الاقتصاد السياسي، التي أسسها الراحل سمير أمين وتلامذته، والذين درسوا بنية الرأسمالية الاحتكارية، وتحولات الدولة في الغرب، وعلاقة المركز بالأطراف.



أوروبا التي تحتاج إلى شجاعة النظر في المرآة

أوروبا اليوم لا تحتاج إلى إصلاحات تقنية، ولا إلى ترقيع مالي، ولا إلى بيع أصول جديدة، بل تحتاج إلى إعادة تعريف نفسها. هل هي قارة السوق؟ أم قارة المجتمع؟ هل هي قارة الاحتكارات؟ أم قارة الدولة الاجتماعية؟ هل هي قارة التبعية؟ أم قارة الاستقلال؟

هذه الأسئلة ليست فلسفية، بل سياسية واقتصادية، وستحدد مصير القارة لعقود. وما يحدث اليوم في بلجيكا — من بيع بيلفيوس إلى دمج إيثياس — ليس سوى مرآة صغيرة تعكس صورة قارة كاملة تبحث عن مستقبلها في زمن مضطرب. فالمرآة لا تكذب، لكنها تتطلب شجاعة النظر فيها، والإقرار بأن الصورة التي تراها أوروبا اليوم ليست الصورة التي رسمتها لنفسها طوال سبعة عقود.

………..

قائمة المصادر والمراجع

1. Le Soir, "Le drôle de rapprochement de Belfius et d Ethias," 21 يونيو 2026
2. Belfius, "Taxe sur les plus-values: Tout ce que vous voulez savoir," تحديث 15 يونيو 2026
3. Radio-Canada Environnement, "La guerre en Ukraine et les tensions avec les États-Unis ont forcé l’Europe à revoir sa stratégie énergétique," عبر فيسبوك
4. RTBF Info, "Le gouvernement a définitivement acté la vente de 20 % des parts de Belfius," عبر فيسبوك
5. Allnews.ch, "États-Unis vs. Europe: le fossé se creuse," تحليل اقتصادي
6. Planète Énergies, "La dépendance énergétique de l’Europe," 18 أغسطس 2025

…….

ملاحظة منهجية:
اعتمد هذا المقال في خلفيته النظرية على أعمال عدد من المفكرين النقديين في الاقتصاد السياسي العالمي، ممن درسوا بنية الرأسمالية الاحتكارية، وتحولات الدولة في الغرب، وعلاقة المركز بالأطراف، ومنهم مفكرون ينتمون إلى المدرسة التي أسسها الاقتصادي الراحل سمير أمين وتلامذته. كما استند في جانبه الوصفي والتحليلي إلى التقارير الصحفية والمصادر الرسمية الصادرة في يونيو 2026 حول صفقة بيع بيلفيوس ودمجها مع إيثياس، فضلاً عن البيانات الرسمية حول اعتماد أوروبا الطاقي وأثره على التحولات الاقتصادية والصناعية في القارة.