زيارة بوتين إلى بكين بعد ترامب: عالم يكتب دستوره الجديد على إيقاع الدبابة واليوان


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 18:25
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

تحقيق في دلالات التوقيت، حكاية "حلف البقاء"، وقراءة في فكر سمير أمين بعد رحيله


بكين: ساحة استعراض الإمبراطوريات

في أحد أيام مايو 2026، لم تكن العاصمة الصينية مجرد مدينة تستقبل ضيوفاً. كانت خشبة مسرح تعيد عليه العالم صفوفه. هناك، على مدرج مطار بكين الدولي، تناوبت طائرتان رماديتان على نفس البساط الأحمر، بين جنود الشرف الذين لم يملوا من رفع أعلام دولتين تفصل بينهما أربع ليالٍ فقط.

الأولى حملت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رجل الصفقات الذي جاء ليختبر حدود "المنافسة بدون مواجهة". والثانية أقلّت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الرجل الذي يقاتل الناتو بأسنانه العارية منذ أكثر من أربع سنوات، حاملاً في جعبته أنابيب غاز وليس أوراق نقد.

لم تكن بكين محايدة. لم تكن متفرجة. كانت المخرجَ الذي يكتب سيناريو المرحلة القادمة: مرحلة تعدد الأقطاب المسلح. كانت ساحة الاستعراض التي تقول للعالم بصوت خافت لكن حاد: "الصين لم تعد طرفاً في لعبة الآخرين. الصين أصبحت هي اللعبة".

وبين الزيارتين، كان السؤال الذي يشغل كل عواصم القرار من واشنطن إلى برلين، ومن طوكيو إلى تل أبيب: لماذا هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا تستقبل الصين قطبي صراع عالمي في أسبوع واحد، وكأنهما تلميذان في عطلة مدرسية؟

الإجابة، كما سنرى، ليست في دبلوماسية بكين المرنة فقط. الإجابة أعمق من ذلك بكثير. إنها في انهيار أحادية القطب الذي ظنناه إلى الأبد، وفي ميلاد عالم جديد لا يكتب دستوره بالقلم ولا بالدم فقط، بل بـ اليوان وأنابيب الغاز والمسيّرات الإيرانية والخبرة النووية الكورية.



المشهد الافتتاحي – أربعة أيام غيرت خريطة الهيمنة

لنتخيل للحظة أننا كاميرا تلتقط لقطة بانورامية لحدث يتجاوز حجمه أي تحليل سريع.

15 مايو 2026: تغادر طائرة "القوة الجوية واحد" بكين بعد قمة مضنية بين ترامب وشي جين بينغ. التصريحات الرسمية تتحدث عن "تواصل صريح" و"إدارة الخلافات". لكن خلف الكاميرات، يعرف الجميع أن القمة لم تنتج تحولاً، بل رسخت حالة من الجمود المستقر. أمريكا تريد من الصين ألا تدعم روسيا، والصين تريد من أمريكا ألا تفرض حرباً تجارية جديدة. كلاهما يبتسم للآخر، وكلاهما يجهز خنادقه.

19 مايو 2026: بعد أربعة أيام فقط، تهبط طائرة بوتين الرئاسية على نفس المدرج. الفارق أن هذه المرة، البساط الأحمر أطول قليلاً، وجنود الشرف أكثر صمتاً، وكأن بكين تقول للعالم: "زيارة ترامب كانت واجباً. زيارة بوتين هي اختيار."

في تلك الليلة، لم يتناول الزعيمان العشاء الفاخر فقط. بل وقعا على عقود طاقة تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، وناقشا تفعيل مشروع "قوة سيبيريا 2" الذي سيمد الصين بـ 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وأكدا أن معاملات الطاقة بينهما ستتم باليوان والروبل فقط، بعيداً عن نظام "سويفت" الذي تحوله أمريكا إلى سلاح كلما أرادت.

لكن الأهم من كل ذلك، كان ما لم يُقال.

بوتين لم يأت ليطلب من الصين أسلحة فتاكة (هو يعرف أن بكين لن تقدمها). ولم يأت ليستجدي دعماً عسكرياً مباشراً (هو يعرف أن خطوطاً حمراء لا تُكسر). بل جاء ليؤكد مقولة أصبحت من بديهيات العلاقة الدولية الجديدة: "إذا سقطت موسكو، فبكين التالية." وجاءت الصين لترد عليه بنفس النبرة: "لن نسقط. لأن سقوطكما سقوط لنا."

هذه ليست مشاعر أخوة اشتراكية جامحة. هذا هو منطق الحصون المترابطة في زمن الرياح العاتية.



خلف الكواليس – لماذا لا يمكن أن يكون التوقيت صدفة؟

في عالم الدبلوماسية، التوقيت ليس مجرد تاريخ في مفكرة. التوقيت هو رسالة مشفرة. ومن يقرأ رسائل بكين جيداً، يعرف أن تتابع الزيارتين لم يكن صدفة، ولا حتى مجرد "تفاهم مسبق" كما قال الكرملين.

دعونا نكشف الشيفرة:

الرسالة الأولى إلى واشنطن: "أنتم لستم الوحيدين." الصين تستطيع أن تتعامل مع أمريكا كشريك تجاري أول، لكنها تستطيع أيضاً أن تتعامل مع روسيا كشريك وجودي أخير. لا أحد يملك حق الفيتو على علاقات بكين. من يظن أنه قادر على عزل الصين، فهو واهم. لأن الصين هي التي تعزل الآخرين بخريطة تحالفاتها الذكية.

الرسالة الثانية إلى موسكو: "أنتم لستم مجرد حليف ظرفي." بوتين كان بحاجة إلى طمأنة بعد أيام من قمة ترامب. فقد كانت المخاوف الروسية مشروعة: هل ستتفق واشنطن وبكين على "صفقة كبرى" تترك موسكو وحيدة في مواجهة الناتو؟ ردت بكين باستقباله بعد أربعة أيام فقط، وكأنها تقول: "لا صفقة مع الغرب على حسابك. لأن مصيرنا واحد."

الرسالة الثالثة إلى العالم: "بكين هي نقطة الارتكاز الجديدة." قبل عقدين، كان أي زعيم عالمي يرغب في الحديث عن النظام العالمي الجديد، كان عليه أن يمر بواشنطن أو بروكسل. اليوم، الممر الإلزامي هو بكين. من يريد التفاوض على الطاقة، يأتي إلى بكين. من يريد التفاوض على الأمن، يأتي إلى بكين. من يريد حتى التفاوض على مستقبل الدولار، عليه أن يجلس في القاعة الصينية.

وهنا تبرز الدهشة الكبرى: كيف استطاعت الصين أن تصل إلى هذا الموقع دون أن تطلق رصاصة واحدة، ودون أن تعلن عن "حلف عسكري" رسمي مع أي طرف؟ الجواب، كما سنرى في الصفحات التالية، ليس في القوة العسكرية فقط، بل في بناء بدائل اقتصادية وتكنولوجية تجعل الغرب عاجزاً عن المقاطعة، وأطراف الجنوب العالمي منجذبة بشكل طبيعي نحو مركز الثقل الجديد.

…….

1. الإطار الاستراتيجي – "الحصون المترابطة" ودروس الجغرافيا السياسية

لماذا لم تعد "السيادة" وحدها كافية؟

في نظريات العلاقات الدولية الكلاسيكية، كان يُعتقد أن الدولة القوية هي التي تمتلك جيشاً قادراً على حماية حدودها، واقتصاداً قادراً على إطعام شعبها. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. لم تعد السيادة مجرد قدرة على الدفاع عن التراب، بل أصبحت قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية دون أن ينهار البيت من الداخل.

هنا يبرز سؤال جوهري: كيف تستطيع دولة أن تبقى واقفة عندما يُحاصرها أقوى تحالف عسكري في التاريخ؟ كيف تصمد عندما تُطرد من نظام "سويفت" المالي العالمي، وتُجرد من قطع الغيار لطائراتها، وتُحاصر بأسطول من العقوبات التي لو أُنزلت على أي دولة أخرى لتحولت إلى رماد؟

الإجابة التي تقدمها موسكو اليوم، والتي تدرسها بكين عن كثب، هي: منظومة الحصون المترابطة.

تخيل للحظة أن العالم أشبه بمدينة قديمة محاطة بأسوار. في الماضي، كان كل حصن يقف وحده، يعتمد على متانة جدرانه وعدد جنوده. أما اليوم، فالهجمات لم تعد تأتي من جهة واحدة، بل من كل اتجاه: حرب سيبرانية، حصار اقتصادي، تلاعب بأسعار الطاقة، تضليل إعلامي، دعم للانفصاليين، وحتى اغتيالات سياسية.

في هذا العالم، الحصن المنعزل هو حصن محكوم بالسقوط. أما الحصون المترابطة، التي تتبادل المعلومات، وتنسق الردود، وتتبادل التقنيات، وتفتح خطوط إمداد برية وجوية آمنة، فهي التي تنجو. بل أكثر من ذلك، هي التي تكتب قواعد الحرب الجديدة.

وهذا هو بالضبط ما تفعله بكين وموسكو وطهران وبيونغيانغ اليوم. ليس تحالفاً أيديولوجياً جامداً كما كان في زمن الحرب الباردة، بل شبكة بقاء مرنة، تتقاسم فيها كل دولة ما تملك، وتعوض ما ينقص الأخرى.



محور البقاء: عندما تصبح الحاجة أم الاختراع الجيوسياسي

كان الفيلسوف الصيني القديم سون تزو يقول: "اعرف عدوك تعرفه ألف معركة لا تخسر." أما اليوم، فيمكن إعادة صياغة المقولة: "اعرف حلفاءك تعرفه كيف تنجو من عاصفة لا تنتهي."

ما الذي تقدمه كل دولة في هذه الشبكة المترابطة؟

روسيا: ليست مجرد دولة نفط وغاز. روسيا هي "معمل التجارب القتالية" الأضخم في العالم اليوم. كل صاروخ يُطلق في أوكرانيا، كل طائرة مسيّرة تُسقط، كل نظام دفاع جوي يُختبر، هو درس عملي لا يمكن الحصول عليه في أي كلية حربية. خبرة روسيا في الحرب الإلكترونية، في كشف أنظمة الناتو، في التحايل على العقوبات، هي سلاح لا يقدر بثمن. وبالمقابل، تقدم الصين لموسكو ما تحتاجه أكثر من أي شيء آخر: شريان حياة اقتصادياً. عندما تغلق أوروبا أسواقها، تفتح الصين أبوابها. عندما يتوقف الغرب عن بيع التكنولوجيا، تجد روسيا البديل في مصانع شنتشن وشنغهاي.

إيران: لطالما وصفتها واشنطن بأنها "دولة مارقة". لكن من منظور جيوسياسي مختلف، إيران هي أستاذة الهندسة العكسية بلا منازع. تحت حصار استمر أربعة عقود، تعلم الإيرانيون كيف يصنعون طائرات مسيّرة من قطع غيار تجارية، وكيف يطورون صواريخ دقيقة من تقنيات بدائية، وكيف يخترقون أنظمة مراقبة تكلّف مليارات الدولارات. هذه الخبرة، التي ولدت من رحم العوز، هي اليوم مورد استراتيجي لبكين وموسكو. إيران أيضاً تقدم عمقاً بحرياً استثنائياً في مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي تمر عبره ثلث صادرات النفط العالمية. في أي مواجهة مستقبلية، قدرة الصين على تأمين إمداداتها النفطية ستكون مرهونة باستقرار ذلك المضيق.

كوريا الشمالية: ربما هي الحلقة الأكثر إثارة للجدل في هذه الشبكة. لكن قيادة بيونغيانغ تمتلك شيئاً لا تمتلكه أي دولة أخرى: تجربة الصمود تحت عقوبات الجحيم. لقد عانى الشعب الكوري الشمالي من حصار هو الأشد في العالم الحديث، ومع ذلك طور قدرات نووية هائلة، وأنشأ نظام اتصالات تحت الأرض لا يمكن اختراقه، وبنى جيشاً من الملايين لا تعتمد تقنياته على مكونات غربية. هذه الدروس في "اقتصاد البقاء" هي كنز حقيقي لدول تخشى أن تكون هي التالية في قائمة العقوبات.

أما الصين، فليست مجرد "ممول" أو "سوق". الصين هي قلب النبض الذي يجعل هذه الشبكة تنبض بالحياة. خطوط إنتاجها الضخمة، ذكاؤها الاصطناعي، تقنياتها في الفضاء والسيبرانية، واحتياطياتها من النقد الأجنبي التي تتجاوز 3 تريليونات دولار، كلها عناصر تحول هذه الشبكة من مجرد تحالف دفاعي إلى نظام حياة بديل، قادر على منافسة الغرب في كل مجال.



فشل العزلة الأمريكية: قصة الحصار الذي تحول إلى ميزة تنافسية

في كل مرة تحاول فيها واشنطن عزل دولة، تدفعها عن غير قصد إلى أحضان حلفاء جدد. هذه هي السخرية الكبرى للسياسة الخارجية الأمريكية اليوم.

عندما فرضت أمريكا عقوبات قاسية على روسيا بعد ضم القرم عام 2014، كانت تتوقع أن تنهار موسكو أو ترضخ. لكن ما حدث هو العكس تماماً: تعمقت العلاقات الروسية-الصينية كما لم تتعمق من قبل. التجارة بين البلدين قفزت من 80 مليار دولار عام 2014 إلى 245 ملياراً عام 2024. والنسبة التي تمت بالعملات المحلية (الروبل واليوان) ارتفعت من أقل من 5% إلى أكثر من 65%.

عندما ضغطت واشنطن على أوروبا للتخلي عن الغاز الروسي، كانت تراهن على أن بكين لن تستطيع استيعاب كل الفائض الروسي. لكن الصين لم تستوعبه فقط، بل وقّعت صفقة "قوة سيبيريا 2" التي ستنقل 50 مليار متر مكعب سنوياً عبر منغوليا. اليوم، الصين تستورد من روسيا نفطاً وغازاً أكثر مما تستورده من أي دولة أخرى.

عندما حاولت أمريكا عزل إيران، كانت النتيجة أن طهران وجهت بوصلة علاقاتها شرقاً. المذكرة الاستراتيجية بين إيران والصين الموقعة عام 2021، والتي تمتد 25 عاماً، تعني عملياً أن إيران أصبحت محطة رئيسية في طريق الحرير الجديد، وضماناً صينياً لاستقرار الطاقة في الخليج.

وهكذا، كل عقوبة أمريكية كانت بمثابة رسالة توصيل مجاني، تحمل الدول المستهدفة إلى أحضان بعضها البعض. العزلة لم تعد أداة أمريكية فعالة. لأن العالم لم يعد مسرحاً تتحكم واشنطن في إضاءته، بل غابة كثيفة، حيث تجد الحيوانات المطاردة طرقاً ملتوية للنجاة والتعاون.



نقطة الارتكاز – بكين مركز الثقل الجديد

فلنعد الآن إلى سؤالنا الأصلي: لماذا تستقبل الصين ترامب وبوتين في أسبوع واحد؟

الجواب، بعد كل ما سبق، صار أوضح: لأن الصين هي المركز الوحيد الذي يستطيع استيعاب القطبين الآخرين دون أن تنهار.

بكين ليست مجرد وسيط محايد. هي المهندس الذي يخطط لعالم متعدد الأقطاب، والمنفذ الذي يبني البدائل الاقتصادية والتكنولوجية، والضامن الذي يمنع أي طرف من الانهيار الكامل.

عندما جاء ترامب، كانت رسالته: "نريد تفاهماً تجارياً، لكننا سنواصل منافستكم." وعندما جاء بوتين، كانت رسالته: "نريد تحالفاً وجودياً، لأن بقاءنا مرتبط بكم."

الصين قالت للأول: "مرحباً بك في صفقاتنا." وقالت للثاني: "أنت في بيتك بين أهلك."

هذا ليس ازدواجية، وليس ترجيح لكفة على أخرى. هذا هو فن التوازن الكبير الذي أتقنته الصين عبر آلاف السنين من الصراعات والممالك والتحالفات المتغيرة.

وإذا كان سمير أمين حياً اليوم، لقال قولته الشهيرة التي كررها دوماً: "عالم متعدد الأقطاب لا يعني انسحاب أمريكا، بل يعني أن بقية العالم لم يعد بحاجة إليها كمركز وحيد. وبكين، اليوم، هي الدليل الأبرز على أن هذا العالم الجديد ليس حلماً، بل هو واقع يتشكل في وضح النهار."

فهل تدرك واشنطن هذا؟ وهل تؤمن أوروبا بأنها تستطيع العيش في عالم لم تعد فيه النغمة الأمريكية هي النغمة الوحيدة؟


……..


2. الاقتصاد والطاقة – قوة سيبيريا 2

عندما تصبح أنابيب الغاز بديلاً عن أساطيل حاملات الطائرات



البترودولار يموت بصمت، واليوان يستنشق أنفاسه الأولى

في صخب التحليلات الجيوسياسية، يغفل كثيرون عن الحقيقة الأعمق: الإمبراطوريات لا تسقط بسبب المعارك العسكرية وحدها، بل بسبب انهيار عملاتها. كانت الجنيه الإسترليني آخر عملة احتكرت التجارة العالمية قبل أن يحل محله الدولار بعد حربين عالميتين. واليوم، أمام أعيننا، يبدأ الدولار رحلته البطيئة نحو التقاعد، ليس لأنه فقد قيمته، بل لأن العالم بدأ يجد بدائل للتعامل من دونه.

كان نظام "البترودولار" هو العصا السحرية التي حفظت هيمنة أمريكا لعقود. الاتفاق غير المعلن كان بسيطاً: السعودية ومنتجو النفط يبيعون الذهب الأسود بالدولار، وفي المقابل، تقدم أمريكا الحماية العسكرية لهذه الأنظمة. الحلقة المفرغة كانت مثالية: العالم يحتاج النفط، والنفط لا يُشترى إلا بالدولار، والدولار لا يحصل عليه العالم إلا عبر تصدير سلعهم بأثمان بخسة. اي ان محميات الخليج ، كانت أساس اقتصاد الاستعباد والحروب والابادات التي نفذتها واشنطن و تل أبيب ضد العرب والبشرية جمعاء
تحت راية الإسلام الصهيوني - وذلك قياساً على المصطلحين الراسخين المسيحية الصهيونية و اليهودية الصهيونية ، في إشارة إلى التيارات الدينية التي تخدم عملياً المشروع الإمبريالي الصهيوني وإن تغطت بخطاب معادٍ ظاهرياً-، خلال عقود.

ثم جاءت الصين وروسيا، في مشهد يمكن وصفه بـ"ثورة المدينين ضد الدائن".

ما حدث في قمة بكين بين بوتين وشي جين بينغ لم يكن مجرد احتفال بذكرى معاهدة الصداقة، بل كان إعلان ولادة نظام مالي موازٍ، لا يحتاج إلى الدولار، ولا إلى نظام سويفت، ولا إلى موافقة وول ستريت. آليات الدفع بالعملات المحلية (الروبل واليوان) لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت واقعاً يضرب جذوره في 65% من التجارة الثنائية. والنسبة في ارتفاع مستمر.

هنا تكمن المفارقة التاريخية: أمريكا التي استخدمت الدولار سلاحاً لعزل خصومها، وجدت نفسها فجأة تواجه نظاماً مالياً بديلاً، يرفع رأسه من تحت أنقاض العقوبات، وينمو كالفطر في غابة الحصار.



"قوة سيبيريا 2" – الأنبوب الذي قد يغير خريطة العالم

تخيل للحظة أن هناك شرياناً ضخماً يمتد لآلاف الكيلومترات، يبدأ من سهول سيبيريا الجليدية، يمر عبر صحراء منغوليا القاحلة، وينتهي في مصانع الصين الضخمة. ليس هذا الشريان مصنوعاً من اللحم والدم، بل من الفولاذ والمطاط. ليس ينقل الدم، بل ينقل الغاز الطبيعي. اسمه "قوة سيبيريا 2"، وهو المشروع الذي يحلم به الكرملين ويعمل عليه بكل ما أوتي من قوة.

لماذا هذا المشروع بهذه الأهمية؟

لأن أوروبا، التي كانت لعقود سلة خبز الطاقة الروسية، أغلقت صنابيرها طواعية تحت الضغط الأمريكي. فقدت روسيا سوقاً كان يمتص 150 مليار متر مكعب من غازها سنوياً. خسارة فادحة، كانت كفيلة بتحويل أي اقتصاد آخر إلى رماد. لكن موسكو لم تنهر، لأنها وجدت في الصين ما يشبه "بوابة النجاة".

قوة سيبيريا 2 ليس مجرد أنبوب غاز. إنه قرار مصيري للطرفين:

· بالنسبة لروسيا، هو تعويض استراتيجي عن السوق الأوروبية، وإيرادات تقدر بـ 15-20 مليار دولار سنوياً، وتثبيت مكانتها كمورد أول للطاقة إلى الصين متقدمة على السعودية.
· بالنسبة للصين، هو أمن طاقوي بديل، بعيداً عن مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي، وتجنب الابتزاز الأمريكي الذي يمكن أن يقطع إمدادات البحر في أي لحظة.

الرقم السحري في هذا المشروع هو 50 مليار متر مكعب سنوياً. ما يعادل تقريباً ثلث ما كانت روسيا تصدره لأوروبا قبل الحرب. ليس بديلاً كاملاً، لكنه شريان حياة حقيقي. وكما قال أحد الخبراء الروس بتعبير ساخر: "قد تكون أوروبا تخلت عن غازنا بدافع الشجاعة الأخلاقية، لكن الصين اشترته بدافع الضرورة الجيوسياسية. وفي النهاية، الغاز نفسه، يخرج من نفس الأرض، ويدفئ نفس المنازل."



خطوط الإمداد البحرية – نقطة ضعف الصين القاتلة

لكن دعنا نكشف جانباً آخر من الصورة، ربما يكون الأكثر إثارة للقلق في العاصمة الصينية.

الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، حيث تشتري حوالي 11 مليون برميل يومياً. وأكثر من 80% من هذه الكمية تمر عبر مضيق ملقا، ذلك الممر المائي الضيق بين ماليزيا وإندونيسيا. ممر يمكن لأي قوة بحرية أن تغلقه في غضون ساعات إذا أرادت توجيه ضربة وجودية للاقتصاد الصيني. هذا ما يسميه الاستراتيجيون الصينيون "معضلة ملقا".

ولكن المشكلات لا تتوقف عند ملقا. فاليمن لديها الحوثيون الذين يهددون باب المندب، وإيران لديها القدرة على إغلاق مضيق هرمز بآلاف الألغام والصواريخ، ومصر لديها السيسي الذي يمكن أن يغلق قناة السويس في لحظة غضب. حتى جبل طارق يمكن أن يكون نقطة اختناق إذا أرادت إسبانيا أو بريطانيا لعب الورقة الصينية.

هذه هي نقاط الضغط السبع التي ترتعش عندها ركب بكين كل صباح.

وهنا يأتي دور روسيا.

روسيا هي البلد الوحيد الذي يمكنه تزويد الصين بالطاقة عبر خطوط برية لا تحتاج إلى موانئ ولا إلى حاملات طائرات أمريكية لحمايتها. خط أنابيب "قوة سيبيريا" الحالي (المرحلة الأولى) والمرتقب (المرحلة الثانية) يمنحان الصين فرصة نادرة: تنويع مصادر طاقتها بعيداً عن البحر. ليس بديلاً كاملاً، لكنه شريان مؤمن، يقلص اعتماد بكين على الخليج من 80% إلى ربما 60% أو 50% خلال عقد.

وهذا هو السبب الجوهري وراء حماسة الصين لصفقة الغاز الروسي، رغم أنها قد تكون أغلى قليلاً من الغاز القطري أو الأسترالي. الأمن الاستراتيجي له ثمن، وبكين مستعدة لدفعه.



الالتفاف على سويفت – سلاح العقوبات يتحول إلى رماد

لا يمكن الحديث عن الاقتصاد في هذه الحرب الجديدة دون المرور على نظام SWIFT، ذلك النظام البلجيكي الهادئ الذي يدير تحويلات المال بين 11 ألف بنك في 200 دولة. الاسم الممل يخفي وراءه سلاحاً فتاكاً: القدرة على طرد أي دولة من النظام المالي العالمي بمجرد ضغطة زر.

وهذا ما حدث لروسيا في أعقاب غزو أوكرانيا. طُردت عدة بنوك روسية من سويفت، وجمدت أرصدة البنك المركزي الروسي في الغرب (نحو 300 مليار دولار)، وقطعت بطاقات فيزا وماستركارد عن المواطنين الروس. كان الهدف واضحاً: شل الاقتصاد الروسي وإشعال ثورة جياع في شوارع موسكو.

ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.

ردت روسيا والصين بسرعة الصاروخ: أطلقا نظام التحويلات المالية البديل (SPFS الروسي، وCIPS الصيني)، وزادا من اعتمادهما على العملات المحلية في التجارة، وشجعا دول بريكس وغيرها على الانضمام إلى النظام المالي الموازي. النتيجة: اليوم، يتم أكثر من ثلثي التجارة الروسية-الصينية بالروبل واليوان، والنسبة في ارتفاع. الهند تشتري النفط الروسي بالروبية والدرهم الإماراتي. السعودية تفكر بجدية في قبول اليوان مقابل نفطها.

سويفت لم يعد سلاحاً مضموناً. بل أصبح أشبه بمسدس قديم الطراز، يطلق رصاصات من دون رصاص.

هذا هو الإنجاز الأعظم الذي تحقق في ظل الحرب الاقتصادية الغربية على روسيا: كسر احتكار الغرب لنظام المدفوعات العالمي. بكين وموسكو لم تنتظرا إذن أمريكا لتعيدا تشكيل خريطة التمويل الدولية. لقد بنتا بدائلهما بأيديهما، وفي وضح النهار، وتحت أنظار العالم.

وهنا يعود صوت سمير أمين ليتردد في الأذهان: "الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع. وفك الارتباط عن المركز الإمبريالي ليس خياراً بل ضرورة. ما تفعله الصين وروسيا اليوم هو بالضبط ما كنت أدعو إليه منذ نصف قرن: بناء عالم لا يكون فيه الغرب بوابة العبور الإجبارية لأي دولة تريد أن تتنفس."

…….

3. الحلم الذي تحطّم على صخرة الحرب

CR929 – لماذا لن تكون هناك "إيرباص" صينية-روسية؟



عندما كانت السماء حداً للحلم

قبل أن تغير الحرب حسابات كل شيء، كان هناك حلم. حلم طموح، ربما طائش قليلاً، لكنه بدا ممكناً في صباحات بكين المشمسة وفي ليالي موسكو البيضاء.

كان اسم هذا الحلم CR929. الحرف C يقف خلفه العملاق الصيني COMAC، والحرف R يرمز إلى الروسي UAC. والرقم 929 كان يشير إلى مقعدين ووزن إقلاع يصل إلى 250 طناً، ما يعني أن الطائرة ستكون في فئة منافسة مباشرة لعملاقي السماء: بوينغ 787 وإيرباص A350.

تخيل للحظة المشهد: طائرة تجمع بين الخبرة الروسية في صناعة الطيران التي تمتد لأكثر من قرن (من ياكوفليف إلى توبوليف إلى إيروفلوت)، والدقة الهندسية الصينية التي حوّلت البلاد من مستورد للطائرات إلى مصدر للتكنولوجيا في أقل من جيلين. طائرة لا تحتاج إلى إذن من واشنطن لتطير، ولا تخضع لعقوبات أمريكية على قطع غيارها، ولا تخشى منع تصدير محركاتها. طائرة تمثل "قوس قزح" للتعاون بين القطبين الصاعدين.

انطلق المشروع رسمياً عام 2014، في قمة بين بوتين وشي جين بينغ، بحضور نخبة من مهندسي الفضاء. كانت الضحكات عالية، والمصافحات واثقة. الهدف كان إقلاع أول نموذج أولي بحلول 2025، ودخول الخدمة الفعلية عام 2028. كان الجميع يتحدث عن "إيرباص جديدة"، لكن هذه المرة بلهجة صينية وروسية.

لم يكن أحد يتوقع أن تكون الحرب أقرب من حلم الطيران.



انسحاب روسيا: عندما تصبح النجاة أهم من التحليق

في عام 2023، جاء الخبر الذي هز الأوساط الصناعية في بكين وموسكو معاً: روسيا تنسحب رسمياً من المشروع، وتترك الصين تواصل وحدها تطوير الطائرة تحت اسم جديد: C929. لم يبق في الاسم سوى الحرف C، وكأن روسيا لم تكن هناك أبداً.

ما الذي حدث؟

الجواب لا يحتاج إلى عبقرية استخباراتية: الحرب الأوكرانية التهمت كل شيء. فجأة، وجدت روسيا نفسها تواجه أقوى تحالف عسكري في التاريخ. احتاجت موسكو إلى كل مواردها الصناعية لإنتاج الدبابات والصواريخ والمسيرات. كل روبل يُصرف على تطوير طائرة مدنية كان بمثابة رصاصة لا تُطلق في وجه العدو.

كان المشهد أشبه بمفارقة تراجيدية: في الوقت الذي كانت فيه روسيا في أمس الحاجة إلى شريك مثل الصين لمواجهة العزلة الغربية، كانت مجبرة على الانسحاب من أكثر مشاريعها طموحاً معها. وكأن القدر يقول: "لا يمكنك أن تجمع بين حرب وجودية وحلم بطائرة مدنية."

لكن المشكلة لم تكن فقط في المال والموارد. كانت أعمق من ذلك.

العقوبات الغربية ضربت القدرة الروسية على توريد المكونات الأساسية للطائرة. المحركات، الإلكترونيات، أنظمة التحكم الطيراني – كثير منها كان يعتمد على مكونات غربية بشكل أو بآخر. ومع انقطاع سلاسل التوريد، أصبح من المستحيل على روسيا الوفاء بالتزاماتها في المشروع. أما الصين،أنها تراهن على شريك أصبح أضعف بكثير مما كان عليه قبل الحرب. فرغم أنها كانت الأقل تضرراً من العقوبات، إلا أنها أدركت فجأة

وهكذا، تحوّل الحلم الجميل إلى درس قاسٍ في واقعية السياسة الدولية.



لماذا فشل نموذج "إيرباص" بين بكين وموسكو؟

لكن دعنا نكون صادقين تماماً: المشكلة لم تكن فقط في الحرب. كانت هناك عيوب هيكلية في الشراكة نفسها، ظلت مخفية تحت غبار الطموحات، ثم انكشفت بفعل ضغط الحرب.

أولاً: صراع القيادة. في مشروع إيرباص، كانت القيادة أوروبية متعددة لكنها كانت تعمل تحت سقف سياسي واحد (الاتحاد الأوروبي). أما في CR929، فكان هناك دائماً توتر خفي: من يقود المشروع؟ الصين التي تملك المال والسوق، أم روسيا التي تملك الخبرة التاريخية؟ كل طرف أراد أن يكون "الرأس"، لا "الكتف".

ثانياً: الشك في الموثوقية. مع مرور الوقت، وخاصة بعد ضم القرم عام 2014 وبداية التوتر مع الغرب، بدأت الدوائر الصناعية في بكين تتساءل: هل روسيا شريك يمكن الاعتماد عليه؟ هل ستتمكن من توفير التزاماتها التكنولوجية تحت الحصار؟ الإجابة جاءت مدوية عام 2023: لا.

ثالثاً: الاعتماد على الذات مقابل التكامل. هذا هو الجوهر الأعمق. الصين تبنّت استراتيجية "صنع في الصين 2025"، التي تهدف إلى جعل البلاد مستقلة تماماً في الصناعات الاستراتيجية. ومع مرور الوقت، بدأت بكين تشعر أن الاعتماد على روسيا قد يُعيق هذا الطموح، بدلاً من أن يسرّعه. فلماذا تشارك موسكو في أرباح صناعة ستصبح صينية بالكامل مستقبلاً؟

وهكذا، انهار المشروع ليس بصوت عالٍ، بل بصمت مهندس أحبطته الجغرافيا السياسية. وكما قال أحد المحللين الصينيين في مقابلة خاصة: "الحلم كان جميلاً، لكن الزواج لم يُكتب له النجاح. كلانا أراد أن يكون الزوج، وليس الزوجة."



الدروس المستفادة – عندما تختار الصين الطريق الطويل المنفرد

اليوم، تواصل الصين وحدها تطوير الطائرة C929. لا روسيا إلى جوارها، ولا أوروبا تقدم لها المحركات. إنها وحدها، مثل متسلق جبال يحمل حقيبته على ظهره، يقطع الطريق الوعر بصبر لا يكل.

ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه القصة المحزنة، والتي تتصل مباشرة بموضوعنا الأصلي (زيارة بوتين بعد ترامب)؟

الدرس الأول: الظروف الوجودية تعيد ترتيب الأولويات. روسيا لم تخن الصين عندما انسحبت من المشروع. روسيا كانت تغرق في وحول حرب وجودية، وكان على الصين أن تفهم. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا استقبلت بكين بوتين بحفاوة أكبر بعد أيام من ترامب. العلاقة بينهما ليست مجرد شراكة تجارية، بل تفاهم وجودي: "قد نخفق في أحلامنا المشتركة، لكننا لن نتخلى عن بعضنا في ساحات القتال."

الدرس الثاني: الاعتماد على الذات ليس خياراً بل قدراً. أثبتت تجربة CR929 أن الصين لا يمكن أن تراهن على شريك استراتيجي لإنجاز مشاريعها الصناعية الكبرى. إذا أرادت بكين منافسة بوينغ وإيرباص، فعليها أن تفعل ذلك وحدها. نفس المنطق ينطبق على الرقائق الإلكترونية، وعلى أنظمة التشغيل، وعلى الفضاء. الغرب لن يبيعها التكنولوجيا، وروسيا لم تعد قادرة على مشاركتها إياها كما كانت.

الدرس الثالث: فشل مشروع لا يعني فشل استراتيجية. قد يعتقد البعض أن فشل CR929 هو دليل على أن العلاقة الصينية-الروسية ليست عميقة كما تُصوَّر. هذا فهم سطحي. العلاقة بين بكين وموسكو كانت دائماً علاقة مصالح وتوازن، لا علاقة عاطفية أو اندماج كامل. يمكن للمشاريع أن تفشل، ويمكن للشراكات الصناعية أن تتعثر، بينما يبقى التحالف الجيوسياسي قوياً كالجرانيت. لأن التحالف يُبنى على الخوف المشترك من عدو، وليس على حلم طائرة مشتركة.

وهنا نصل إلى نتيجة مؤلمة لكنها صادقة: الصين ستبني طائرتها العملاقة وحدها. والكرملين يعرف ذلك جيداً. لكنه يعرف أيضاً أن بكين لن تسلمه لواشنطن، مهما فشلت أحلامهما المشتركة.

…….

4. العودة إلى سمير أمين – نبي فك الارتباط الذي حان وقته



الراحل الذي يرى من خلف الغيب

كان سمير أمين يشبه، في هدوئه الأكاديمي ونظاراته السميكة، كما ناقشته في مقر النقابة الاشتراكية في مدينة لييج البلجيكية قبل وفاته بسنوات ، أستاذاً جامعياً عادياً. لكن من وراء ذلك المظهر المتواضع، كان يختبئ أحد أكثر العقول إزعاجاً للنظام العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين. مصري المولد، فرنسي التكوين، عالمي الرؤية، وأخيراً... منبوذ من التيار السائد لأنه قال الحقيقة دائماً.

ما هي تلك الحقيقة المزعجة؟

ببساطة: النظام الرأسمالي العالمي ليس نظاماً عادياً، بل هو آلة استعمار جديدة، تعيد إنتاج التبعية بين "مركز" غني و"أطراف" فقيرة، وتستخدم كل الوسائل – من القروض المشروطة إلى الانقلابات العسكرية إلى حروب "حقوق الإنسان" – لضمان بقاء الدول الغنية في القمة، والدول الفقيرة في القاع.

هذا كان جوهر نظريته في "التبعية" و"التراكم على المستوى العالمي"، التي طورها طوال خمسة عقود، ونشرها في عشرات الكتب التي نادراً ما قرأها صناع القرار الغربيون، لأنها كانت تفضح أكاذيبهم قبل أن يتم تصنيعها.

لكن لو كان سمير أمين حياً اليوم، في مايو 2026، لشاهد شيئاً ربما لم يتوقعه حتى هو: الدول التي وصفها ذات يوم بـ"الأطراف" بدأت تتحد، ليس فقط لمواجهة "المركز"، بل لبناء مراكز بديلة خاصة بها. الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية – وربما قريباً دول أخرى مثل جنوب افريقيا والبرازيل – كلها تسير في اتجاه بناء عالم متعدد الأقطاب، ليس بالخطابات فقط، بل بصواريخ عابرة للقارات، وأنابيب غاز عملاقة، وعملات رقمية بديلة، واتحادات جمركية منافسة.

هذا هو بالضبط ما كان يحلم به، وربما هذا هو سبب أن نعود إلى أفكاره اليوم، بعد أن كان الكثيرون يعتبرونها "راديكالية" و"متجاوزة".



نظرية فك الارتباط – من الحلم إلى التطبيق

أحد المفاهيم الأكثر إثارة للجدل في فكر سمير أمين كان "فك الارتباط" (Delinking). للوهلة الأولى، بدا المصطلح اشتراكياً عفا عليه الزمن، يدعو إلى قطع العلاقات مع الغرب والعودة إلى الاكتفاء الذاتي المغلق. ولهذا السبب، رفضه الكثيرون، بما في ذلك بعض اليساريين، واعتبروه غير واقعي في عصر العولمة.

لكن أمين كان يقصد شيئاً آخر تماماً.

فك الارتباط، في نظره، لا يعني العزلة أو قطع العلاقات. بل يعني بناء قدرات داخلية مستقلة في المجالات الاستراتيجية، بحيث لا تكون الدولة رهينة للإرادة الغربية. يمكنك أن تتاجر مع الغرب، وأن تستثمر في الغرب، وأن تتعلم من الغرب. لكن لا يمكنك أن تجعل بقاءك مرهوناً بالغرب. الفرق كبير.

وهذا هو بالضبط ما تفعله الصين وروسيا اليوم.

· الصين تعتمد على الغرب في عشرات المجالات (من الرقائق الإلكترونية إلى البرمجيات إلى الأسواق الاستهلاكية). لكنها في الوقت نفسه تبني بدائل وطنية لكل هذه المجالات، ببطء ولكن بإصرار. صناعة الرقائق الصينية لا تزال متخلفة عن تايوان وكوريا، لكنها تتقدم بوتيرة مذهلة. نظام الملاحة "بيدو" الصيني أصبح بديلاً حقيقياً لنظام "GPS" الأمريكي. ومحطة الفضاء الصينية "تيانقونغ" أصبحت النافذة الوحيدة للعديد من الدول بعد تقاعد محطة الفضاء الدولية.
· روسيا تعتمد على الصين اليوم أكثر مما كانت تعتمد على أوروبا بالأمس. لكنها في المقابل تحتفظ بقدرات نووية هائلة، واستقلال في مجال الفضاء والصواريخ، وموارد طبيعية تجعلها شريكاً لا يمكن استبداله بسهولة.
· إيران وكوريا الشمالية تقدمان النموذج الأكثر جذرية لفك الارتباط: تحت الحصار الكامل، طورتا قدرات عسكرية نوعية، وأنظمة حكم بديلة، ووسائل اتصال مستقلة، وحتى ثقافة صمود متفردة.

لو كان أمين حياً، لقال بابتسامته الساخرة: "لم أكن أدعو إلى فك الارتباط بدافع العاطفة، بل بدافع الضرورة. واليوم، أصبحت الضرورة أم الاختراع. فلتشكر واشنطن عقوباتها على تعليم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية كيف تصبح مستقلة."



سخرية القدر – عندما يتحقق حلمك على يد خصومك

لكن هناك جانباً مأساوياً في قصة سمير أمين، لا بد من ذكره، لأنه يضيف عمقاً إنسانياً لهذا التحليل السياسي.

أمين قضى حياته في نقد "الإمبريالية الأمريكية"، لكنه كان متشككاً في قدرة أي قوة أخرى على تحديها. كان يرى أن الصين، رغم نجاحها الاقتصادي، قد تتحول إلى "شريك صغير" في النظام الرأسمالي العالمي، وليس بديلاً حقيقياً له. كان يخشى أن تحذو بكين حذو اليابان وألمانيا: تنمو اقتصادياً، لكنها تبقى ضمن الفلك الأمريكي، ولا تسعى إلى قلب الطاولة.

لكن القدر كان له رأي آخر.

لم تكن الصين هي التي قررت تحدي الهيمنة الأمريكية. أمريكا هي التي دفعت الصين إلى ذلك، من خلال حربها التجارية، ومنع التكنولوجيا، ودعمها لتايوان، وحملاتها الإعلامية ضد "الإبادة الجماعية" الوهمية في شينجيانغ. كل خطوة أمريكية عدوانية ولدت رد فعل صينياً مضاداً، وكل عقوبة غربية كانت رسالة حب لبكين من موسكو وطهران.

وهكذا تحقق حلم أمين على يد أعدائه وليس على يد أصدقائه. أمريكا بنت بعقوباتها وحملاتها العدائية ما كان أمين يحلم به لخمسين عاماً: كتلة شرقية متماسكة، غير غربية، قادرة على قول "لا" للإمبريالية.

هنا تبرز المفارقة التاريخية: الدعوات إلى "التعددية القطبية" و"فك الارتباط" و"الجنوب العالمي الموحد" كانت لسنوات حكراً على اليسار الراديكالي والمفكرين المهمشين. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الأفكار جزءاً من البراغماتية الصينية والروسية، تدرس في أكاديميات الدفاع، وتنفذ في صفقات الطاقة، وتعلن في القمم الرئاسية.

ولو كان سمير أمين حياً، لكان أول المضحكين ساخراً من هذه النهاية غير المتوقعة لمسيرته الفكرية. ولربما قال بمرارة ممزوجة بالأمل: "لم أكن أتوقع أن يحقق أحلامي رجال لا يقرؤون كتبي، ويديرون دولاً لا تشبه دولاً حلمت بها. لكن الأهم من كل شيء: لقد تحقق الهدف. والآن، فلنعمل على بناء عالم جديد من الصفر."



الخاتمة – النظام العالمي الجديد: كيف سيبدو؟

بعد كل هذا التحليل الطويل، من زيارة ترامب إلى بكين، مروراً بزيارة بوتين، وصولاً إلى فشل مشروع الطائرات وعودة سمير أمين عبر أفكاره، يحق لنا أن نتوقف لحظة ونسأل: إلى أين تتجه البشرية؟ كيف سيبدو النظام العالمي الجديد الذي تتحدث عنه كل هذه الأطراف؟

دعونا نحاول رسم ملامحه، بناءً على ما نراه اليوم:

أولاً: نظام متعدد الأقطاب، ليس متعدداً بالكامل. لن تختفي أمريكا، ولن تختفي أوروبا، ولن تختفي اليابان. لكنها لن تكون قادرة على فرض إرادتها على بقية العالم كما كانت تفعل بعد الحرب الباردة. العالم سيصبح أشبه بلوحة شطرنج، فيها عدة لاعبين كبار، يتحالفون ويتنافسون حسب الملفات والمصالح.

ثانياً: عالم بلا أيديولوجيا كبرى. الحرب الباردة كانت صراعاً بين رأسمالية واشنطن واشتراكية موسكو. اليوم، الصين مرحلة رأسمالية توضع لبناتها لاشتراكية ذات خصائص صينية بافق عالمي بلا شك، وروسيا رأسمالية بالأمس وضمانات اجتماعية اشتراكية سوفييتية ، وإيران مزيج فريد من اشتراكية الحصار والرأسمالية الريعية، وكوريا الشمالية تواصل شعارات الاشتراكية الخاصة بها لكنها تعمل في مناخ الحصار الإمبريالي . لا يوجد "نموذج" واحد يوحّدهم، فقط مصالح مشتركة وعدو مشترك.

ثالثاً: اقتصاد عالمي مجزأ. كان العولمة يعني أن تصنع طائرة بوينغ من أجزاء مصنوعة في 30 دولة، وأن تعمل سلسلة التوريد العالمية كآلة واحدة. النظام الجديد سيعني إعادة الإنتاج إلى الداخل، وبناء سلاسل توريد بديلة، وتعزيز "الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي" على حساب الكفاءة الاقتصادية. قد يكون هذا مكلفاً، لكنه أصبح ضرورة في عالم لا يمكن الوثوق فيه بأحد.

رابعاً: صراع "رواية" لا يقل شراسة عن صراع الصواريخ. الغرب سيواصل سردية "الديمقراطية (ديكتاتورية الاقلية الاوليغارشية المالية الغربية ) ضد الديكتاتورية المتخيلة عن الآخرين "، والصين وروسيا ستردان بسردية "السيادة ضد الهيمنة". المعركة لن تكون فقط على الأرض، بل في وسائل الإعلام، والجامعات، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحتى أفلام هوليوود وبوليود. والأهم من كل ذلك، في عقول البشر.

خامساً: لا نهاية للصراع في الأفق. النظام الجديد لن يكون أكثر سلاماً من النظام القديم، بل ربما أكثر توتراً. اختفاء الهيمنة يعني اختفاء "الشرطي العالمي" الذي كان يحافظ على هدنة نسبية (لصالحه بالطبع). الصراعات الإقليمية ستصبح أكثر شراسة، والحروب بالوكالة ستزداد، وسباق التسلح سيعود بقوة.

هذه هي صورة المستقبل القريب، كما يمكن استقراؤها من تحالفات اليوم وصراعات الأمس.



الخاتمة – بكين 2026: لحظة ميلاد عالم جديد

نعود الآن إلى حيث بدأنا: إلى بكين، في مايو 2026، إلى المدرج الذي هبطت عليه طائرتا ترامب وبوتين في أسبوع واحد.

ما الذي رأته العيون هناك؟ رأت دبلوماسية صينية بارعة، رأت توقيتاً محسوباً، رأت استعراض قوة ناعمة وحازمة في آن. لكن من خلف الكاميرات، كان المشهد مختلفاً وأعمق.

ما رأته بكين في تلك الأيام كان دليلاً قاطعاً على نهاية أحادية القطب. لو كانت أمريكا لا تزال القطب المهيمن الوحيد، لما كان لبوتين أن يزور بكين بعد ترامب إلا في حالة واحدة: إذا كان قد أتى ليضع حداً للعلاقة الصينية-الأمريكية. لكنه لم يأتِ لهذا. أتى ليؤكد أن الصين قادرة على جمع الطرفين معاً، دون أن تخون أياً منهما. وهذا تحديداً هو تعريف القطبية المتعددة: عندما تكون دولة ما قادرة على استضافة قطبين متناحرين دون أن تُجبر على اختيار طرف، لأنها هي نفسها أصبحت قطباً مستقلاً بذاته.

ولعل اللقطة الأكثر رمزية في هذه القصة لم تكن في بكين، بل في مكان آخر. في القاهرة، حيث ولد سمير أمين . أو في باريس، حيث أمضى عقوداً من عمره. أو في دكار، التي أحبها و حيث كان يزور رفاقه في حركة عدم الانحياز.

لو كان حياً، لشاهد حلماً تحقق بطريقة لم يتخيلها. رأى أوروبا ترفع العقوبات على روسيا بينما تفرض أخرى على الصين، وشاهد أمريكا تعاني من انقساماتها الداخلية، وشاهد الهند وإندونيسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا ، كلها تتبنى سياسات "عدم الانحياز النشط"، بمعنى أنها لم تعد تنحاز لأحد، بل تستفيد من الجميع.

هل كان سيكون سعيداً؟ ربما. هل كان سيكون راضياً؟ ربما لا. لأن سمير أمين كان حالماً مستحيل الإرضاء. كان يريد القضاء على الرأسمالية، وليس فقط تقليص هيمنتها. كان يريد عدالة اجتماعية كاملة، وليس فقط توازن قوى دولي.

لكن الأهم من سعادته أو رضاه، أن أفكاره صارت جزءاً من اللغة السياسية اليومية. "التبعية"، "فك الارتباط"، "المركز والأطراف"، "النظام العالمي متعدد الأقطاب" – كلها مصطلحات لم تعد حكراً على الأكاديميين اليساريين، بل يستخدمها الدبلوماسيون والمحللون الاستراتيجيون في بكين وموسكو وطهران.

وهكذا، عندما حطت طائرة بوتين في بكين بعد أيام من ترامب، لم تكن مجرد زيارة دولة عادية. كانت جنازة رمزية لأحادية القطب، وكانت ولادة صاخبة لنظام عالمي جديد، لا يعرف أحد شكله النهائي بعد، لكن الجميع يعلم أنه لن يكون كما كان.

في هذا العالم الجديد، ستتصارع القوى الكبرى، وستتغير التحالفات، وستُكتب وتُعاد كتابة قواعد اللعبة. لكن شيئاً واحداً سيظل ثابتاً: لن تعود أمريكا وحدها من يكتب هذه القواعد. وبكين، في مايو 2026، أثبتت ذلك للعالم أجمع.

هذا هو الخبر. وهذا هو التحليل. وأما التفاصيل، فستكتبها الأيام القادمة، وستقرأها الأجيال القادمة، وتتساءل: كيف كان العالم قبل هذا التاريخ؟ وماذا بقي من أحادية القطب بعد هذا الأسبوع العجيب في بكين؟

العالم يتغير. والسؤال الوحيد الذي يبقى: هل سندرك نحن التغيير قبل فوات الأوان، أم سنظل أسرى نظريات الأمس في مواجهة حقائق الغد؟

……..

الملحق: ملخص الأرقام والحقائق الواردة في التحقيق

· 4 أيام: الفارق الزمني بين زيارة ترامب وزيارة بوتين لبكين (مايو 2026)
· 25 سنة: الذكرى السنوية لمعاهدة حسن الجوار والصداقة الصينية-الروسية (2001-2026)
· 245 مليار دولار: حجم التجارة بين الصين وروسيا عام 2024 (مقابل 108 مليارات عام 2020)
· 35%: نمو الصادرات النفطية الروسية إلى الصين في الربع الأول من 2026
· 50 مليار متر مكعب: الطاقة الاستيعابية السنوية لمشروع "قوة سيبيريا 2"
· 60 مشروعاً مشتركاً: بين الصين وروسيا بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار
· 65%: نسبة التجارة الروسية-الصينية التي تتم بالعملات المحلية (روبل ويوان)
· 3 تريليونات دولار: احتياطيات الصين من النقد الأجنبي
· 11 مليون برميل: استهلاك الصين اليومي من النفط (80% منها تمر عبر مضيق ملقا)

……..

قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا