-إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية العالمية-..تمهيد للكتاب
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 08:47
المحور:
الادب والفن
تمهيد الكتاب
"إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية العالمية"
……..
افتتاحية: حين يصبح الجلاد أمينًا على أسرار الملوك
ليس كل الجلادين يحملون البنادق. بعضهم يجلسون خلف مكاتب من خشب السنديان الفاخر، ويرتدون بزات رمادية كأنها دروع، ويوقعون أوراقًا بيضاء كأنها أحكام إعدام. ليس كل القتلة يتركون آثارًا من دماء، فبعضهم يذيبون التاريخ في براميل من حامض الكبريتيك، وبعضهم الآخر يذيبون ضمائرهم في كؤوس من الشمبانيا تقدم في قاعات اجتماعات النخبة المغلقة.
هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية لرجل، بل هو سيرة ذاتية لنظام عالمي كامل. نظام يجعل من الممكن أن يقف دبلوماسي متهم بجريمة حرب على منصة المفوضية الأوروبية، ثم ينتقل إلى قيادة أقوى نادٍ سري في العالم، ثم يموت في سريره الفاخر قبل أن يمثل أمام القضاء، بينما جريمة اغتيال رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا تبقى عالقة في ذاكرة الشعوب كشاهد لا يموت.
إتيان دافينيون ليس مجرد اسم منسي في دفاتر التاريخ البلجيكي، بل هو تجسيد حي - وإن انتقل إلى الرفات - لازدواجية المعايير التي تحكم عالمنا. إنه المرآة التي تعكس وجه الحضارة الغربية كما هي، لا كما تحب أن ترى نفسها: حضارة ترفع راية حقوق الإنسان بيد، وتغتال الأحلام بيد أخرى؛ حضارة تعاقب الضعفاء بسرعة البرق، وتحمي الأقوياء ببطء الصخر؛ حضارة تجعل من اغتيال حلم إفريقي نقطة انطلاق لصعود مسؤول بيروقراطي إلى قمة السلطة الأوروبية.
…….
أولاً: لماذا هذا الكتاب الآن؟
في السابع عشر من مارس عام 2026، أمرت محكمة بروكسل الابتدائية بإحالة الدبلوماسي البلجيكي السابق إتيان دافينيون، البالغ من العمر آنذاك ثلاثًا وتسعين سنة، إلى المحكمة الجنائية بتهم تتعلق بتورطه في اغتيال باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ إفريقيا، ورفيقيه موريس مبولو وجوزيف أوكيتو. كان ذلك بعد خمسة وستين عامًا من الجريمة. كان ذلك بعد عقود من الصمت والنسيان والتناسي المتعمد. كان ذلك بعد أن تقلد دافينيون مناصب عليا في المفوضية الأوروبية، وأدار مجموعة بيلدربيرغ، وصار مستشارًا لملوك بلجيكا الثلاثة، وحصل على لقب "فيكونت" النبيل.
ثم، في الثامن عشر من مايو 2026، وبعد أقل من شهرين من قرار الإحالة، مات إتيان دافينيون في سريره. مات كما يعيش الأغنياء: في قصر فاخر، محاطًا بعائلته، دون أن يرى قضبان السجن. هرب من العدالة التي طاردته طويلًا، هرب إلى الموت كما هرب إلى المناصب من قبل.
لو انتهت القصة عند هذا الحد، لكانت مجرد حكاية أخرى عن عدالة متأخرة وإفلات من العقاب. لكن القصة لم تنتهِ. لأن سؤالًا واحدًا ظل يلحّ، يتكرر على ألسنة كل من سمع بخبر وفاته: كيف يمكن لمجرم حرب متهم أن يكون نائب رئيس المفوضية الأوروبية؟ كيف يمكنه إدارة أقوى شبكة نخبوية في العالم لعقد كامل؟ كيف يمكن أن يموت مكرّمًا مخلّدًا بينما ضحيته تحولت إلى سن ذهبي احتفظ به أحد جلاده؟
هذا الكتاب هو محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة. ليس من خلال السرد التاريخي الجاف، بل من خلال تفكيك الآلة بأكملها: آلة النخبة العالمية التي تستطيع تحويل الجرائم إلى بطولات، والقتلة إلى قادة، والإرهابيين إلى رؤساء.
……..
ثانيًا: أطروحة الكتاب في أربع حلقات
تقوم أطروحة هذا الكتاب على فكرة مركزية واحدة، تتفرع إلى أربع حلقات متصلة، تشبه سلسلة لا تنتهي من الدم والمال والسلطة:
الحلقة الأولى: اغتيال لومومبا كجريمة تأسيسية
لم يكن اغتيال باتريس لومومبا مجرد عملية تصفية لزعيم قومي إفريقي. كان لحظة تأسيسية لنظام عالمي جديد، نظام يقول بوضوح: "من يجرؤ على تحدي مصالحنا يُقتل، ومن يساعد في قتله يُكرّم". لقد كان اغتيال لومومبا اختبار ولاء لدافينيون، الذي كان آنذاك ملحقًا دبلوماسيًا شابًا في وزارة الخارجية البلجيكية. اجتاز الاختبار بتفوق، فكانت مكافأته: صعود لا يتوقف نحو القمة.
هذه الجريمة لم تكن مجرد وصمة عار، بل كانت وسام شرف في عالم النخبة. لأن النخبة لا تسأل عن أخلاق من تنتدب، بل تسأل عن مدى استعداده لخدمة "المصلحة العليا"، مهما كان الثمن. ودافينيون أثبت أنه مستعد. أثبت أنه لا يخاف من الدم، ولا يتردد أمام جريمة. أثبت أنه "رجل موثوق به".
الحلقة الثانية: صعود دافينيون عبر أبواب النخبة
من ذلك الماضي الدامي، انطلق دافينيون في رحلة صعود لا تشبهها إلا رحلات فرعوننة القتلة في التاريخ. أصبح وزيرًا للخارجية البلجيكية، ثم مفوضًا أوروبيًا للصناعة والطاقة، ثم نائبًا لرئيس المفوضية الأوروبية. كل هذه المناصب لم تأتِ بالصدفة، بل كانت ثمنًا دفعته النخبة لمن أثبت ولاءه في أصعب الظروف.
لكن القمة الحقيقية لم تكن المفوضية الأوروبية. القمة كانت مجموعة بيلدربيرغ، ذلك النادي السري الذي تأسس عام 1954، والذي يجمع كل عام أقوى مئة وخمسين شخصية في العالم: ملوك، رؤساء دول، مدراء بنوك مركزية، قادة أجهزة مخابرات، عمالقة إعلام، رجال صناعة نفط وذهب. هنا، في هذا النادي الذي لا تخترقه الكاميرات، انتخب دافينيون أمينًا عامًا، ثم رئيسًا للجنة التوجيهية. أصبح الرجل الذي يدير ظهر العالم لأكثر من عقد، الرجل الذي يختار الأجندة، ويدعو الأعضاء، ويربط بين دوائر القوى في واشنطن ولندن وبروكسل والرياض والدوحة.
الحلقة الثالثة: صناعة الإسلام السياسي كأداة للهيمنة
إذا كان دافينيون هو الوجه الأوروبي للنظام، فإن هنري كيسنجر وزبغنيو بريجينسكي كانا الوجهين الأمريكيين. معًا، صمموا نظامًا عالميًا يقوم على ثلاث ركائز: البترودولار الذي يربط النفط الخليجي بالدولار، والحزام الأخضر الذي يحول الإسلام السياسي المسلح إلى أداة لمحاربة السوفييت (ثم كل خصوم الغرب)، والعملة الموحدة التي توحد أوروبا تحت سيطرة نخبة غير منتخبة.
هذه الركائز الثلاث هي ما يفسر تناقضات عالمنا اليوم: لماذا تدعم أمريكا وأوروبا الإرهاب التكفيري في سوريا ثم تتبرأ منه، ولماذا يتحول زعيم جبهة النصرة ذات يوم إلى رئيس سوريا يعترف ترامب بأنه نصبه بنفسه. إنها نفس العقلية التي أنتجت دافينيون: عقلية "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث الغاية هي الحفاظ على الهيمنة، مهما كانت الوسيلة قذرة.
الحلقة الرابعة: ازدواجية المعايير وإفلات إسرائيل من العقاب
أما الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة، فهي ما نعيشه اليوم: ازدواجية المعايير الفاضحة بين معاقبة روسيا على حربها في أوكرانيا (بعشرين حزمة عقوبات في أربع سنوات) والإفلات التام لإسرائيل من أي عقاب رغم الإبادة الجماعية في غزة. هذه الازدواجية ليست وليدة الصدفة، بل هي متأصلة في بنية النظام نفسه: نظام يعاقب الضعفاء ويحمي الأقوياء، نظام يطبق القانون على من لا يملكون نفوذًا، ويُعفى منه من يملكون شبكات من المصالح المشتركة.
هنا يأتي دور شبكات بيلدربيرغ، ودور رأس المال الصهيوني (مثل عائلة أديلسون التي تبرعت بمئات الملايين لدعم ترامب)، ودور العائلات المالكة الخليجية التي أصبحت "مقاولين ثانويين" في تدمير المنطقة. كلها خيوط في لعبة واحدة، هدفها الحفاظ على نظام الهيمنة، حتى لو كان الثمن عشرات الآلاف من القتلى في غزة، وملايين اللاجئين في سوريا، وتذويب حلم إفريقي كامل في برميل من حامض الكبريتيك.
……..
ثالثًا: منهجية الكتاب ومصادره
لم يكتب هذا الكتاب انطلاقًا من فراغ نظري، ولا من منطلق أيديولوجي مسبق، بل انطلاقًا من وثائق قضائية وتاريخية ظلت طي الكتمان لعقود، ثم أضاءت النور شيئًا فشيئًا بفضل نضال عائلة لومومبا ومنظمات حقوق الإنسان والصحافة المستقلة.
أهم هذه المصادر:
· التحقيق البرلماني البلجيكي (2001-2002) الذي خلص إلى أن الحكومة البلجيكية تتحمل "مسؤولية أخلاقية" في اغتيال لومومبا.
· قرار محكمة بروكسل في 17 مارس 2026 بإحالة دافينيون إلى المحاكمة الجنائية بتهم الاحتجاز غير القانوني، والحرمان من محاكمة عادلة، والمعاملة المهينة.
· كتاب "اغتيال لومومبا" للودو دي ويت (1999) الذي كشف الدور البلجيكي والأمريكي في الجريمة وأدى إلى اعتذار بلجيكا الرسمي عام 2002.
· تقارير إعلامية من نيويورك تايمز، بي بي سي، الغارديان، دي دبليو، وغيرها، غطت قضية دافينيون في مارس-مايو 2026.
· كتاب "صناعة الهولوكوست" لنورمان فينكلشتاين (2000) الذي فضح استغلال ذكرى المحرقة لخدمة أهداف سياسية وصهيونية.
· تصريحات ومقابلات مع شخصيات سياسية مثل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وأعضاء البرلمان الأوروبي، ومسؤولين أمريكيين سابقين.
كما اعتمد الكتاب على أسلوب "السردية المتشابكة" حيث يتم تتبع الخيوط من جريمة تأسيسية واحدة (اغتيال لومومبا) وصولًا إلى تجلياتها المعاصرة (غزة، سوريا، اليمن). هذا الأسلوب، الذي يجمع بين التحليل التاريخي والسرد الأدبي والتفكيك السياسي، يهدف إلى جعل القارئ جزءًا من الرحلة، لا مجرد متفرج سلبي على أحداث منفصلة.
…….
رابعًا: نظرة على الفصول
المقدمة التي بين يديك الآن تضع الإطار العام للكتاب: من هو إتيان دافينيون، ولماذا قصته مهمة، وما هي أطروحة الكتاب ومنهجيته.
الفصل الأول يعود بالزمن إلى الوراء، إلى ليلة السابع عشر من يناير 1961، ليروي تفاصيل اغتيال لومومبا ورفيقيه كما لم تروَ من قبل. يعتمد الفصل على وثائق القضاء البلجيكي التي ظلت طي الكتمان لعقود، ويركز على دور دافينيون كـ "قاتل بيروقراطي" لم يطلق النار لكنه وقع الأوراق.
الفصل الثاني يتتبع صعود دافينيون الغريب من ظل الجريمة إلى نور المنصب: من ملحق دبلوماسي إلى وزير خارجية، إلى مفوض أوروبي، إلى نائب رئيس المفوضية الأوروبية، وأخيرًا إلى أمين عام مجموعة بيلدربيرغ. يشرح الفصل كيف أن النخبة تكافئ من يخدمها، وكيف أن الجريمة قد تكون مفتاحًا للنجاح في عالم لا يعترف بالأخلاق.
الفصل الثالث ينتقل من السيرة الذاتية لرجل إلى تفكيك النظام بأكمله. يركز الفصل على "الطغمة المالية" التي تدير العالم: من هم، وكيف يجتمعون، وكيف يصنعون القرارات. ثم ينتقل إلى تفكيك "صناعة الإسلام السياسي" كأداة جيوسياسية، بدءًا من أفغانستان عام 1979 وصولًا إلى سوريا اليوم، مرورًا بصفقة البترودولار ودور حكام الخليج ومقاولين مثل أردوغان ونتنياهو.
الفصل الرابع يركز على ازدواجية المعايير الغربية، متخذًا من غزة نموذجًا. يقارن الفصل بين سرعة وفعالية العقوبات الأوروبية على روسيا، وبين العجز (أو عدم الرغبة) في فرض عقوبات على إسرائيل رغم الإبادة الجماعية في غزة. يكشف الفصل عن العوامل الهيكلية والتاريخية التي تفسر هذا التناقض: "حصانة الهولوكوست"، بنية المفوضية غير المنتخبة، الباب الدوار، عقدة الذنب الألمانية، وشبكات بيلدربيرغ واللوبي الصهيوني.
الفصل الخامس والأخير يحاول استخلاص الدروس من هذه الرحلة الطويلة التي استمرت ستة عقود. يطرح الفصل سيناريوهات للمستقبل، ويدعو إلى المقاومة الفكرية والعملية ضد هذه النخبة، ويختم برسالة أمل: لومومبا لم يمت، غزة لم تمت، سوريا لم تمت، والأفكار لا تموت بالرصاص.
الخاتمة تعيد التأكيد على الفكرة المركزية للكتاب: أن إتيان دافينيون ليس مجرد رجل، بل هو نموذج مصغر لنظام عالمي فاسد، وأن كشف هذا النظام هو الخطوة الأولى نحو تغييره.
…….
خامسًا: لمن هذا الكتاب؟
هذا الكتاب ليس للمتخصصين فقط، بل لكل من يريد أن يفهم كيف يعمل العالم حقًا. إنه لكل من تساءل: لماذا لا تُعاقب إسرائيل على جرائمها كما تُعاقب روسيا؟ لماذا يتحول الإرهابيون فجأة إلى رؤساء شرعيين؟ لماذا يموت القتلة في سريرهم بينما تذوب أجساد ضحاياهم في الحمض؟
هذا الكتاب أيضًا لمن يرفض الاستسلام لليأس. لمن يعتقد أن المعرفة سلاح، وأن كشف الحقيقة هو أول خطوات التغيير. لمن يعرف أن لومومبا لم يمت حقًا، وأن الأفكار لا تُقتل بالرصاص.
كتبتُ هذا الكتاب بلغة أدبية عالية، لا لأنني أريد التباهي ببلاغتي، بل لأن الموضوع يستحق أكثر من مجرد تقرير جاف. موضوع يستحق الشعر في أقسى لحظاته، والغضب في أصدقه، والأمل في أعمق تجلياته.
…….
ختام التمهيد: رحلة تبدأ من حظيرة دجاج وتنتهي بقصر رئاسي
قبل أيام من إعدامه، كتب لومومبا رسالة إلى زوجته بولين، قال فيها: "ربما يقتلونني، لكن الأفكار لا تُقتل. ربما يذيبون جسدي، لكن ذاكرتي ستبقى. وسيأتي يوم، قريبًا أو بعيدًا، يعرف فيه أطفالي وأحفادي أنني لم أمت جبانًا، بل وقفت في وجه الطغيان حتى الرمق الأخير."
في الثامن عشر من مايو 2026، مات إتيان دافينيون في سريره. لم يقف في وجه الطغيان، بل كان جزءًا منه. لم يمت شهيدًا، بل مات جانيًا. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا: من سينتصر في النهاية؟ لومومبا الذي تحول إلى فكرة، أم دافينيون الذي تحول إلى جثة في قصر؟
هذا الكتاب هو محاولة للإجابة، أو على الأقل، محاولة لطرح السؤال بشكل لا يحتمل التأجيل. إنها رحلة تبدأ من حظيرة دجاج في كاتانغا عام 1961، تمر بمكاتب المفوضية الأوروبية الملمعة وقاعات بيلدربيرغ المغلقة، وتنتهي بقصر الشعب في دمشق حيث جلس إرهابي سابق على كرسي الرئاسة بتتويج أمريكي. إنها رحلة عبر ستة عقود من الدم والنفاق والمال، رحلة تبحث عن العدالة في عالم فقد بوصلته.
فلنبدأ.
……..
يتبع: الفصل الأول - الجريمة التأسيسية (سرد الليل الذي أطاح بحلم إفريقي)
…………
يمكن قراءة الكتاب مجانا على الرابط التالي بالعربية :
https://open.substack.com/pub/saloum1/p/1a2?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
يمكن قراءة الترجمات بعدة لغات لاحقا في الأيام القادمة على روابط في الموقع نفسه