مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 16:13
المحور:
الادب والفن
الشخصيات (بأسماء رمزية)
· نزار الكاتب – روائي عربي جاء إلى "بلاد الرمال الذهبية" لإجراء بحث عن تحولات الإعلام، واكتشف أنه أصبح جزءاً من المسرحية.
· الجنرال فولاذ – قائد القاعدة العسكرية الكبرى في البلاد، يتحدث كأنه يلقي خطاباً في الأكاديميات العسكرية، ويمتلك كاريزما تخفي وجه الفوضى.
· الأمير سنان – حاكم البلاد، يبتسم دائماً ويقول "نحن ننفذ سياسة الأصدقاء"، بينما يوقّع شيكات بلا حدود.
· الدكتورة ريم – خبيرة علاقات عامة، متخصصة في "تحويل الدماء إلى حبر"، تظهر في المؤتمرات ببدلات أنيقة وقلب من حجر.
· أبو جعفر – قائد مجموعة مسلحة، يتحدث عن "الخلافة" بينما يتبادل الرسائل مع البنوك السويسرية، ويأكل قلوب الأسرى أمام الكاميرا بطلب من المخرجين.
· الشيخ مالك – قيادي في جماعة تدعو إلى "الدولة المدنية" بينما تمول التنظيمات المتطرفة، يجيد الحديث بلغتين: لغة المؤتمرات ولغة التمويل.
· سامي الرحّال – تاجر حرب، ينقل الأموال بين البنوك باسم "المساعدات الإنسانية"، يضحك في وجه الفقراء ويملأ جيوبه.
· ناديا – لاجئة من بلاد الأرز، تعيش في مخيم، تبحث عن ابنها المفقود، تجسّد الضحية الصامتة.
· الراوي القديم – جالس في المقهى الأخير، يعلق على الأحداث بسخرية مريرة، ويروي حكايات الماضي القريب.
"المقهى الأخير"
في بلاد "الرمال الذهبية"، حيث يخرج النفط من باطن الأرض وتدخل الشعارات من بوابات القواعد العسكرية، كان هناك مقهى قديم يُدعى "المقهى الأخير". يجلس فيه نزار الكاتب، يحاول أن يكتب رواية عن تحولات الإعلام العربي، لكن الورقة تبقى بيضاء كوجه بريء في سوق فاسد.
دخل الراوي القديم، وراح يحدّق في نزار بعينين زرقاوين كبحر يحمل أسراراً لا تُروى. قال: "تريد أن تكتب عن الإعلام يا بني؟" أجاب نزار: "نعم، أريد أن أفهم كيف تحولت الشعارات البراقة إلى خراب مبطن." ضحك الراوي ضحكة مريرة، ثم همس: "لا تكتب. بل عش. عش القصة، وستجد أن كل حرف تكتبه سيكون ممهوراً بشيك من قاعدة ليست بعيدة."
ألقى الراوي ورقة صغيرة أمام نزار، كُتب عليها عنوان: "قاعدة سنان الجوية – البوابة الخلفية للحرية". تحت العنوان رسم لطائرة بدون طيار تطلق وردة حمراء. وقف نزار، وقرر أن يغوص في عين العاصفة، دون أن يعلم أنه أصبح جزءاً من اللعبة.
"القاعدة التي تبني الأوهام"
نزار وصل إلى القاعدة عبر بوابة تعلوها لافتة ذهبية: "نحو مستقبل أكثر إنسانية". لكنه سرعان ما اكتشف أن الإنسانية هنا تبدأ وتنتهي في ملفات العلاقات العامة. استقبله الجنرال فولاذ بترحيب عسكري/سياسي، وقال: "أهلاً بالكاتب الكبير. هنا نبني الديمقراطية بالصواريخ، وننشر حقوق الإنسان بالشيكات."
تجول نزار في أروقة القاعدة، فرأى غرف عمليات تعج بشاشات تعرض صوراً لمناطق مدمرة في بلاد الأرز وبلاد الأنهار، وكتب على الشاشات: "أهداف مشروعة". في الغرفة المجاورة، رأى فريقاً إعلامياً يعدّ تقريراً عن "انتصارات الحرية"، بينما خلفهم صور لمقاتلين يقطعون الرؤوس، وقد أضاف المخرج مؤثرات موسيقية حزينة لتكون المشهد درامياً.
التقى نزار بالدكتورة ريم، التي كانت ترتدي بدلة حمراء وقبعة بيضاء وكأنها تحضر حفل زفاف، لكنها كانت تناقش خطة لـ"تعديل صورة مجموعة مسلحة". قالت بكل برود: "لا تقلق، كل شيء ممكن تبييضه. حتى الدم إذا أضفت له لمسة فنية وأكاديمية، يصبح حبراً لطيفاً." أخرجت كتيباً من حقيبتها عنوانه: "فن تحويل القتلة إلى مثقفين". نزار ابتسم ابتسامة مصطنعة، وكتب في مذكراته: "القاعدة ليست عسكرية، بل هي مصنع لتزييف الواقع تحت إضاءة النيون الأمريكي."
"لقاء الأمراء الضاحكين"
دُعي نزار إلى قصر الأمير سنان، حيث تجمّع الضيوف حول طاولة مستديرة عليها خريطة للشرق الأوسط وقد قُسّمت مثل فطيرة جبن، وكتب على كل قطعة اسم جهة مانحة. الأمير سنان يبتسم ويصافح الجميع، ويردد: "نحن هنا لخدمة الحرية، يا أصدقائي. قطر هي القلب النابض للتغيير الإيجابي في المنطقة." نظر نزار حوله، فرأى وجوهاً مألوفة في غير مكانها: الشيخ مالك يتحدث عن الدولة المدنية بينما في جيبه قائمة بتمويل تنظيمات متطرفة؛ وأبو جعفر يحلف بالله أنه يحارب الظلم بينما يصافح ضباط الناتو.
أدار الأمير سنان ظهره قليلاً، وهمس في أذن نزار: "لا تصدق كل ما تراه. هذه مجرد مسرحية، ولكنها مسرحية ناجحة جداً، لأن الجمهور يصدقها حتى النهاية." ثم عاد ليعلن بصوت عالٍ: "نحن في قطر ندعم الإعلام المستقل، والدراسات الأكاديمية التي تنير العقول." نصف الحاضرين صفقوا، والنصف الآخر كانوا يتفقدون هواتفهم لمعرفة إن كانت التحويلات البنكية قد وصلت.
"مركز الأبحاث ... أو متجر الأقنعة"
زار نزار "مركز الأبحاث المتقدمة" الذي يُمول من بلاد الرمال الذهبية. على بابه لافتة: "نحو فكر تنويري مستقل". لكنه وجد داخله مكتباً لإنتاج تقارير تُفبرَك تحت الطلب. قابل مدير المركز الذي كان يرتدي نظارة سميكة ويعمل على كتاب بعنوان: "الديمقراطية في أوقات الأزمات". قال نزار: "أريد أن أنظر إلى ملف سوريا." ابتسم المدير وقال: "لدينا ثلاثة ملفات: ملف أكاديمي للمؤتمرات، وملف إعلامي للقنوات، وملف سري للممولين. أيهم تريد؟" نزار اختار الملف الأول، فوجد كلاماً نظيفاً عن "حقوق الإنسان"، وتجاهلاً كاملاً للفظائع التي ترتكبها الجهات الممولة. قال في نفسه: "إنها لعبة المرايا، كل مرآة تُظهر وجهاً مختلفاً، والكل يصدق الوجه الذي يناسبه."
خرج نزار من المركز وهو يحمل كتيباً صغيراً عن "إعادة إعمار سوريا"، لكنه تذكر أن سوريا التي عرفها كانت تحترق. كتب في مذكراته: "هنا يباع الوهم بثمن بخس، ويُشترى الضمير بأغلى الأثمان. المفكر المستقل هنا هو من يبيع قناعاته لمن يدفع أكثر."
"حفلة تنكرية كبرى"
في أحد الأمسيات، دُعي نزار إلى حفلة في قاعدة سنان، حيث الجميع يرتدون أقنعة: أزياء رسمية تحتها وجوه قاتمة. الجنرال فولاذ يتحدث عن "بناء الدولة"، والشيخ مالك يتحدث عن "الشريعة والديمقراطية"، وأبو جعفر يرتدي بدلة مدنية ويقول: "أنا مع السلام، ولكن السلام المسلح." اختلطت الأصوات في قاعة تشبه سوقاً عتيقاً، لكن الجميع كان يتحدث بلغة واحدة: لغة الشيكات والعمولات.
وقف أحد الضيوف صارخاً: "نريد حقاً وطنياً يستحق العيش." ضحك الجميع، وقالوا له: "أنت في المكان الخطأ، هذا وطن الشعارات، وليس وطن الحقيقة." أخرجوا له كأساً من العصير الأحمر، وقالوا: "اشرب، هذا عصير الحرية." لكنه كان دماً ممزوجاً بسكر الأوهام.
نزار نظر من النافذة، فرأى خارج القاعدة مخيماً للاجئين، وأطفالاً يتسولون لقمة خبز. كتب في مذكراته: "هنا تقام الحفلات، وهناك يموت الأمل. والمسافة بينهما لا تتجاوز متراً واحداً من الأسلاك الشائكة."
"جولة في بلاد الأرز المحترقة"
سافر نزار إلى بلاد الأرز (لبنان الرمزية)، حيث وجد مدينة "النور" (بيروت) وقد تحولت إلى ركام وشعارات متناقضة. في المرفأ، رأى صوامع القمح المحترقة، وكتب عليها: "الحرية تؤكل نيئة". التقى بناديا، اللاجئة التي تبحث عن ابنها المفقود، وكانت تمسك بصورة طفل صغير. قالت: "جاؤونا بشعارات عن الديمقراطية، لكنهم جلبوا الموت والخراب. ابني كان في المدرسة حين قصفوها. قالوا خطأ في التنسيق. لكن من يرد خطأً يقتل طفلاً؟!"
سألها نزار: "ومن هم الذين جاؤوا؟" قالت: "الجميع. الناتو، والخليج، والجماعات المسلحة، والمساعدات الإنسانية التي تحمل السلاح في باطنها. كلهم يريدون مصالحهم، ونحن الثمن." نزار كتب في مذكراته: "شعارات الناتو ليست إلا ستاراً لسرقة الموارد وتدمير الذات العربية. ومن يدفع الثمن هم ضعفاء لا صوت لهم."
"مخيم الخيام المقلوبة"
زار نزار مخيماً للاجئين السوريين على الحدود، حيث الخيام متداعية والوجوه متعبة، لكن اللافتات التي وزعتها منظمات "الإغاثة" تقول: "نحن نبني المستقبل". التقى بأطفال يرسمون الشمس على الرمال، لكن الشمس كانت سوداء. قال أحدهم: "نحن نرسم الشمس التي لا تطلع." بكى نزار في داخله، لكنه تظاهر بالصلابة.
في خيمة أخرى، وجد "مكتباً إعلامياً" تابعاً لجماعة مسلحة، يوزع منشورات عن "انتصارات الثورة"، بينما خلف الخيمة كان مقاتلون يذبحون أسرى. اقترب منه أبو جعفر وقال: "لا تخف، كل هذا جزء من الحرب النفسية. نحن نقتل لنحرر، ونفجّر لنبني، ونأكل القلوب لنثبت قوتنا. لكن الإعلام يصور لنا بطولاتٍ ونحن في الواقع مجرد قطاع طرق بثياب مقدسة."
سأله نزار: "ألم تسمع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان؟" ضحك أبو جعفر: "حقوق الإنسان؟ نحن نقطع الرؤوس ونأكل القلوب. هذه حقوقنا في الحرب. أما الديمقراطية فكلمة نضعها في الإعلانات المدفوعة الثمن. الحقوق الحقيقية هي تلك الدولارات التي تُودع في البنوك السويسرية بأسمائنا." كتب نزار: "الإعلام المموّل لا يغطي الحقيقة، بل يصنعها. والجمهور يلتهمها بشراهة، معتقداً أنه يشاهد واقعاً، بينما هو يشاهد فيلماً روائياً طويلاً عنوانه: كيف تسرق بلاداً وتجعلها تبارك سرقتها. "
"مكاتب البنوك الغربية ... معابد السرقة"
تسلل نزار برفقة سامي الرحّال إلى إحدى البنوك السويسرية، حيث يُودع المال المسروق باسم "المساعدات الإنسانية". شاهد كيف تُنقل الحقائب المليئة بالدولارات من طائرات قادمة من بلاد الرمال الذهبية وبلاد الأرز المحترقة. قال سامي: "هذه أموال النفط السوري والليبي، نبيعها في السوق السوداء، ونشتري بها أسهمًا في وول ستريت. أما الشعب، فليأكل التراب فالصحراء كبيرة."
سأله نزار: "أليس لديك ضمير؟" ضحك سامي ضحكة طويلة، ثم قال: "الضمير سلعة، وكل سلعة لها سعر. وسعري أنا هو ١٠٪ من كل عملية سرقة. الشعب يموت جوعاً، لكن حساباتي في جنيف تكبر. هذه هي الديمقراطية الحقيقية: من يملك المال يملك الحق، ومن لا يملك فليصمت ويموت." كتب نزار في مذكراته: "هنا، في معابد البنوك، تُحسم مصائر الشعوب. والدماء التي تُراق هي مجرد حبر لتوقيع عقود البيع والشراء."
"اعترافات في زنزانة نادرة"
في ليلة معتمة، اعتقل نزار لساعات، بتهمة "التساؤل المفرط". وُضع في زنزانة نادرة تجمع بين الفخامة والوحشية: جدرانها من زجاج عازل للصوت، وأرضيتها من الرخام، لكن سقفها يسيل دماً وهمياً بين الحين والآخر. جاء الجنرال فولاذ ليزوره، وقال ببرود: "أنت كاتب ذكي، لكن الذكاء الزائد مؤذٍ. نحن نقدم لك دوراً أفضل: أن تكتب رواية عن انتصاراتنا ، وسنمولك بأضعاف ما كنت تتخيل."
رفض نزار، فضحك الجنرال وقال: "كلنا نرفض في البداية. لكن الشيكات تغير القلوب. والشهرة تغير الضمائر. أنظر إلى عزمي الببغاء، كان مثلك، لكنه الآن يكتب عن الديمقراطية وينسى القلوب المأكولة. كل شيء له ثمن، وضميرك له ثمن أيضاً." خرج نزار بعد أن وقع على ورقة تعهد "بعدم المساس بصورة القاعدة"، لكنه احتفظ في جيبه بمذكرة سرية عن كل ما رأى.
"خطاب الجنرال الأخير"
في حفل التخرج السنوي لـ"خريجي غسيل السمعة"، ألقى الجنرال فولاذ خطاباً مؤثراً (حسب وصف الحضور): "أيها السادة، نحن في قاعدة سنان نبني شرقاً أوسط جديداً، قائماً على القيم الأمريكية والإنسانية. ننشر الديمقراطية حيث لا ديمقراطية، ونبني المؤسسات حيث لا مؤسسات، ونحمي حقوق الإنسان حيث تُسفك الدماء." وفي أثناء ذلك، كانت طائرة بدون طيار تحلق خلفه لتُصوّر الحدث، بينما في زاوية القاعة كان أبو جعفر يتفقد هاتفه ليؤكد وصول "المنحة السنوية". صفق الحضور بحماس، وهم يجهلون أن نصفهم مدينون للقاعدة بالمال والنفوذ، والنصف الآخر ينتظر دوره في السرقة.
همس الشيخ مالك في أذن نزار: "هذا الخطاب يُعاد كل عام، لكن النص واحد. نحن نطبع التغيير على ورق برّاق، أما الواقع فكما هو: فوضى، فقر، وحروب بالوكالة. لكن المهم أن الشعارات تصل إلى الناس وهم نيام." كتب نزار: "الخطابات هنا ليست للتبصير، بل للتمويه. والجمهور في الخارج يصدقها، وفي الداخل يمرّرها لأنها تخدم مصالحه."
"مراسيم تقسيم البلاد"
في غرفة مغلقة، اجتمع الجنرال فولاذ، والأمير سنان، والشيخ مالك، وأبو جعفر، وسامي الرحّال، وممثلو البنوك الغربية. وضعوا خريطة الشرق الأوسط على الطاولة، وأخذوا يرسمون حدوداً جديدة بقلم أحمر. قال الجنرال: "ليبيا أربع دول، سوريا خمس ولايات، العراق ثلاث دويلات. كل قسم له حكومته وبنكه المركزي وعصاباته المسلحة. والموارد تُقسّم حسب الحصص: لنا ٦٠٪، ولحلفائنا ٤٠٪. والشعب ليس له شيء." ضحك الجميع، وقال الأمير سنان: "سنعلن ذلك تحت عنوان إعادة إعمار و حق تقرير المصير . وسيمول مركز الأبحاث لدينا دراسات تؤكد شرعية التقسيم."
انتفض نزار في داخله، لكنه أمسك بقلمه وكتب في مذكراته: "هذه هي الخريطة الحقيقية، ليست خريطة الجغرافيا، بل خريطة النفوذ والمصالح. أما الشعوب فتُترك للاجتهاد في البقاء على قيد الحياة، أو الموت تحت أنقاض شعارات زائفة."
"مأساة ناديا والطفل المفقود"
عاد نزار إلى مخيم اللاجئين، حيث وجد ناديا تبكي أمام صورة ابنها. قالت: "لقد وجدوا جثته تحت الأنقاض. قالوا إنه قُصف بالخطأ. يا له من خطأ متكرر!" ركع نزار بجانبها، وأمسك يدها. قال: "لن يُعاد ابنك، لكنني سأروي قصته." نظرت إليه ناديا بارتياب، وقالت: "قصتنا لا يسمعها أحد. الإعلام يصورنا كأرقام، والبنوك تسرق أموالنا، والمقاتلون يقتلون أبناءنا. أنتم الكتّاب أيضاً جزء من اللعبة. تكتبون وتنشرون، لكن الواقع يبقى كما هو." بكى نزار معها، وأدرك أن الكلمات وحدها لا تكفي، وأن عليه أن ينقل ما رآه بعينيه، لكن الخوف من الشيكات والتهديدات كان أقوى.
كتب في مذكراته: "إن ضحايا اللعبة الجيوسياسية ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل آباء وأمهات وأطفال. من يدفع الثمن؟ هم الفقراء والعزّل. ومن يربح؟ عصابات تتنكر بثياب الحرية والدين."
"وداع القاعدة والحقيقة المرة"
قرر نزار مغادرة بلاد الرمال الذهبية. في المطار، صادف الجنرال فولاذ الذي كان يستقل طائرته الخاصة. قال له الجنرال: "لم تنشر شيئاً بعد؟" قال نزار: "لا، ما زلت أفكر." ضحك الجنرال: "فكر طويلاً، فالكتابة مثل القصف: تحتاج إلى هدف واضح. وهدفنا واحد: بقاء النفوذ ونهب الثروات. أما شعارات الحرية فمجرد إضاءة جانبية." ثم اختفى في الطائرة. صعد نزار إلى طائرته، وأمسك بمذكراته، وقرر أن يكتب عملاً أدبياً ساخراً يكشف كل التناقضات، لكنه أدرك أن ذلك قد يكلّفه حياته. فكر في صمت، وقال في نفسه: "ربما الكتابة الحقيقية هي أن تعيش التناقض، لا أن تحله."
"رسالة نزار الأخيرة إلى العالم"
بعد عودته إلى وطنه، نشر نزار مقالاً بعنوان: "القاعدة التي تبني الأوهام"، لكنه كتبه بأسلوب ساخر بحيث لا يبدو خطيراً. قال في مقاله: "في بلاد الرمال الذهبية، يلتقي النفط بالشعارات، والأمريكيون بالتنظيمات، والمال بالدماء. إنها مسرحية هزلية بامتياز، لكن ضحاياها حقيقيون." أُعجب القرّاء بالسخرية، لكنهم لم يدركوا الجدية خلفها. نزار كتب في مذكراته الشخصية: "إن أعظم انتصار للاستعمار الجديد هو أن يضحك الشعب على مصيبته، ويظن أنها مجرد نكتة. فأنا، ككاتب، سخرت لأُخفف الألم، لكن الحقيقة أن الألم لا يُخفف، بل يتضاعف حين نضحك عليه."
"صوت من خارج الزمن"
في نهاية الرواية، يظهر الراوي القديم مجدداً، جالساً في المقهى الأخير، يحدق في نزار الذي أنهى كتابه. قال الراوي: "لقد كتبت، ولكن هل غيرت شيئاً؟" أجاب نزار: "لا أعرف. لكني تركت بصمة، ولو على ورق." تنهد الراوي، وقال: "في هذا الزمان، حتى البصمة الورقية تُمحى بسرعة. لكن القصة تبقى في الذاكرة، ولو بين قلة. اذهب يا بني، وانشر ما كتبت، وليكن شاهداً على زمن استُبِيحت فيه الدماء باسم الحرية، وسُرقت فيه الثروات باسم الديمقراطية."
أغلقت الجريدة التي حملت مقال نزار، وطُويت مذكراته في درج قديم. لكن الضحكات الساخرة ظلت تتردد في أروقة المقهى، وفي نفوس أولئك الذين قرأوا وعرفوا، وفي قلوب ضحايا لا يُحصون، يحلمون بيوم تزول فيه الأقنعة، وتنكشف الحقيقة العارية، بكل بشاعتها وقسوتها.
الخاتمة
في نهاية هذه الرواية الساخرة، التي تسعى لأن تكون مرآة مقلوبة لواقع مؤلم، أترك القارئ مع سؤال واحد: هل سنظل نضحك على فجائعنا، أم سنصرخ حتى تنتبه العيون؟ في النهاية، القاعدة ستسقط، لكن الأثر سيبقى. والشعارات ستتلاشى، لكن الدماء ستظل شاهداً. وكل ما يبقى هو قصة، تُروى بلسان ساخر، وقلب حزين، وأمل متعثر بأن يأتي يوم لا تكون فيه الحرية مجرد كلمة على لافتة، ولا الديمقراطية مجرد غطاء للسرقة والقتل.
نهاية الرواية