الحوكمة كسلاح جيوسياسي: الدعاية الخليجية الأمريكية ضد الصين في زمن انهيار الدولة السورية وصعود إيران
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 00:52
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الحوكمة… حين تتحول من مفهوم إداري إلى أداة استعمارية
في العقدين الأخيرين من التاريخ المعاصر، شهد مفهوم "الحوكمة" تحولاً جذرياً لم تشهد له النظريات السياسية والتنموية مثيلاً منذ نشأة مفاهيم الدولة الحديثة. فما كان في الأصل مصطلحاً إدارياً تنموياً تقنياً يرتبط بآليات اتخاذ القرار وكفاءة الأداء المؤسسي والشفافية والمساءلة، تحول إلى سلاح جيوسياسي حاد تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية و كيانها الصهيوني و محمياتها في الخليج الفارسي لتأطير العالم وفق مصالحهم الاستراتيجية، وإعادة إنتاج أنماط الهيمنة القديمة بثوب جديد أكثر حداثة وجاذبية.
لم تعد الحوكمة اليوم تعني "الإدارة الرشيدة" التي كانت المنظمات الدولية والبنوك التنموية تروج لها في تسعينيات القرن الماضي وألفياته، بل أصبحت تعني شيئاً آخر مختلفاً تماماً: إنها أصبحت المعيار الذي يحدد من يحق له أن يبني، ومن يُمنع من البناء؛ ومن يُسمح له بالاستثمار والتوسع الاقتصادي، ومن يُعاقب بالحرمان والإقصاء؛ ومن يُعتبر دولة ذات سيادة تحترم الشرعية الدولية، ومن يُعامل كسلطة غير شرعية تستحق العزلة والعقاب.
هذا التحول في الدلالات والمعاني لم يكن محض صدفة أو نتيجة طبيعية لتطور المفاهيم، بل كان نتاجاً لحرب باردة جديدة تخوضها الولايات المتحدة ضد الصين، تحت عناوين براقة مثل "النظام الدولي القائم على القواعد" و"الشفافية وحقوق الإنسان" و"محاربة الفساد". وفي قلب هذه الحرب، يتم تقديم الصين باستمرار كقوة عظمى "لا تحترم الحوكمة" و"تتجاهل معايير الحكم الرشيد"، بينما يتم تقديم الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين كحماة "للنظام العالمي" و"القيم الديمقراطية" ومبادئ الإدارة السليمة.
لكن الحقيقة الأعمق، التي تكشفها المقاربات التحليلية الجادة والنظرة غير المنحازة إلى التاريخ والسياسة، أكثر تعقيداً وإثارة للدهشة. فالخطاب الذي يهاجم الصين اليوم باسم الحوكمة ومعاييرها، هو نفسه الخطاب الذي دعم على مدى عقود طويلة أسوأ الأنظمة وأكثرها فساداً في غرب آسيا وشمال إفريقيا، من الأنظمة الملكية المستبدة في محميات الخليج إلى الأنظمة العسكرية والديكتاتوريات الأمنية كالسادات ومبارك ومرسي والنميري الإخوانجي . فحيثما وجدت مصالح أمريكية أو خليجية، كان خطاب الحوكمة يختفي فجأة، وتتحول الديكتاتوريات الفاسدة إلى "حلفاء استراتيجيين" و"ركائز استقرار إقليمي".
ومع انهيار الدولة السورية بعد الثامن من ديسمبر 2024، وصعود سلطة أمر واقع هجينة مدعومة تركياً وإسرائيلياً وبريطانياً، عاد خطاب الحوكمة ليُستخدم من جديد كسلاح دبلوماسي وإعلامي موجَّه ضد الصين. الهدف هذه المرة ليس تحسين الأداء المؤسسي أو تعزيز الشفافية، بل تبرير غياب الصين عن الاستثمار في سوريا، وإخفاء حقيقة صادمة أن البيئة السورية اليوم ليست بيئة حوكمة تحتاج إلى إصلاح، بل هي بيئة استخبارات متعددة الجنسيات وأجهزة أمن متنافسة، لا مكان فيها لأي مفهوم بريء للحوكمة والإدارة الرشيدة.
دعاية محميات الخليح الصهيو أمريكية – الصين كتهديد للنظام الريعي
الدعاية الخليجية المنظمة ضد الصين ليست وليدة اليوم أو الأمس، بل لها جذور تمتد إلى سنوات سابقة، لكنها ازدادت حدة وتركيزاً بعد عام 2020، حين بدأت الصين تظهر بشكل متزايد في صدارة المشهد الاقتصادي العالمي في قطاعات حساسة واستراتيجية. فبينما كان العالم مشغولاً بجائحة كورونا وتداعياتها، كانت الصين تتقدم بخطى ثابتة: سيطرت على أسواق الطاقة الشمسية العالمية، وفرضت نفسها كمنافس جاد في صناعة الذكاء الاصطناعي، وتقدمت بسرعة في مجال السيارات الكهربائية، وبدأت تبني شبكة من الموانئ والمناطق الصناعية في قارتي أفريقيا وآسيا تمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط.
هذا الصعود الصيني السريع والمبهر شكل تهديداً وجودياً للأنظمة الخليجية الريعية، التي بنت ثرواتها ونفوذها على مدى عقود على استخراج وتصدير النفط والغاز. فالخليج، الذي يقوم اقتصاده بالكامل على الريع النفطي والاعتماد على التكنولوجيا والسلاح الغربي، رأى في الصين تهديداً مزدوجاً لا يمكن التهاون معه.
التهديد الأول هو اقتصادي مباشر: فالصين لم تعد مجرد سوق ضخم للمواد الخام والنفط، بل أصبحت منتجاً لما يستهلكه العالم من سلع وتقنيات متطورة، وهذا يقلص تدريجياً اعتماد الدول الأخرى على النفط الخليجي، ويُهدد النموذج الريعي بأكمله. فكلما تقدمت الصين في مجال الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية، كلما تراجع الطلب العالمي على النفط، وكلما تضاءلت عائدات الخليج، واهتزت الاستقرارات السياسية الهشة التي تقوم على توزيع هذه العائدات.
أما التهديد الثاني فهو سياسي وأيديولوجي أكثر عمقاً: فالصين تقدم نموذجاً تنموياً بديلاً لا يقوم على التحالف مع الغرب أو الخضوع لإملاءاته، بل على الدولة القوية المركزية، والتصنيع، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى، والاعتماد على الذات في المجالات الحيوية. هذا النموذج يشكل تحدياً فكرياً للكيان الصهيوني ومحمياته الخليجية التي قامت على الولاء للغرب والحماية الأمريكية، ويثير أسئلة محرجة حول إمكانية التطور والازدهار خارج إطار التبعية للقوى الكبرى الغربية.
لهذا السبب، ظهرت سردية خليجية منظمة تقول إن الصين "تستغل الدول الفقيرة" و"تفرض عليها الديون" و"تنهب مواردها"، وإن الصين "لا تحترم معايير الحوكمة والشفافية" و"تدعم الأنظمة الاستبدادية" و"تتجاهل حقوق الإنسان". هذه السرديات، رغم تكرارها بإتقان في المحافل الدولية والإعلام الغربي، تتجاهل ببساطة أن الخليج نفسه دعم أنظمة استبدادية لعقود، ومول حروباً أهلية في أكثر من بلد عربي، واستثمر في دول بلا مؤسسات حقيقية، ولم يقدم أبداً نموذجاً تنموياً حقيقياً يخرج المنطقة من دائرة التخلف والتبعية.
إنها دعاية دفاعية بالأساس، هدفها الأساسي ليس تحسين الحوكمة في أي مكان، بل حماية النظام الريعي الخليجي الفاسد من التداعيات المدمرة للنموذج الصناعي الصيني الناجح.
الدعاية الأمريكية – الحوكمة كواجهة للحرب الباردة الجديدة
أما الولايات المتحدة، فاستخدامها لخطاب الحوكمة كسلاح استراتيجي في حربها الباردة الجديدة مع الصين، يتسم بطابع مختلف وأكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها الاقتصادية الضيقة، بل تسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة العالمية التي بدأت تفلت من قبضتها مع صعود قوى جديدة متعددة الأقطاب.
الخطاب الأمريكي الرسمي يقول إن الصين "لا تحترم معايير الشفافية" و"تتجاهل حقوق الإنسان" و"تستثمر في الأنظمة الفاسدة" و"تهدد قواعد النظام الدولي". هذا الخطاب يتم ترديده بإتقان في كل المحافل الدولية، من قاعات مجلس الأمن إلى منابر الأمم المتحدة وصحف واشنطن ولندن الكبرى.
لكن هذه السرديات البراقة، مهما بدت مقنعة للبعض، تخفي حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل: فالولايات المتحدة هي التي دعمت على مدى عقود أنظمة بلا مؤسسات حقيقية في العراق وليبيا الحالية ومصر السادات مبارك مرسي واليمن علي عبدالله صالح ، وهي التي أسقطت حكومات منتخبة ديمقراطياً في إيران مصدق 1953 و تشيلي عام 1973 وغواتيمالا عام 1954، وهي التي مولت فصائل مسلحة في سوريا وليبيا والعراق والسودان وأفغانستان ودولاً عدة، وهي التي استخدمت العقوبات الاقتصادية كسلاح لتدمير اقتصادات كاملة في إيران وروسيا وفنزويلا وكوبا، متسببة في معاناة إنسانية هائلة.
الولايات المتحدة، باختصار، لا تدافع عن الحوكمة أو أي مفهوم أخلاقي مجرد، بل تستخدمها كغطاء أخلاقي، كواجهة براقة، لإقصاء الصين من مناطق النفوذ الحيوية، ولمنعها من لعب دور يتناسب مع حجمها الاقتصادي والتجاري.
وفي سوريا، بعد الثامن من ديسمبر 2024، تحول خطاب الحوكمة من مجرد أداة دعائية عامة إلى آلية تبرير ملموسة لأجندة جيوسياسية محددة. فالهدف الأمريكي المعلن الآن هو "منع الصين من الاستثمار في سوريا" و"منع إيران من التمدد أكثر" و"منع روسيا من العودة" و"تثبيت سلطة أمر واقع مدعومة استخباراتياً من تل أبيب وأنقرة ولندن" ولا علاقة بالشعب السوري . كل هذا تحت عنوان دعم الحوكمة وتعزيز الاستقرار!
الهدف الحقيقي ليس الحوكمة بالطبع، بل إعادة تشكيل سوريا كمنطقة نفوذ غربي تركي إسرائيلي، تخدم مصالح هذه القوى وتقصي الخصوم الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم الصين.
سوريا بعد 2024 – حين تتحول الحوكمة إلى ذريعة لإقصاء الصين
بعد انهيار الدولة السورية وصعود سلطة الأمر الواقع الهجينة، أصبح خطاب الحوكمة أداة دعائية متقنة لتبرير غياب الصين عن الساحة السورية. فالدعاية الخليجية الأمريكية تريد أن يبدو الأمر وكأن الصين غير مرحب بها لأنها لا تحترم الحوكمة ومعاييرها، بينما الحقيقة الأكثر تعقيداً وإحراجاً أن الصين لا تستطيع الاستثمار في سوريا اليوم لأسباب موضوعية لا علاقة لها بالحوكمة بقدر ارتباطها بالجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية.
السبب الأول: سيطرة أجهزة استخبارات معادية للصين على المشهد السوري. فسوريا اليوم، وفق المعطيات المتاحة والمشهودة، تخضع لنفوذ أربع قوى كبرى، كل منها يعادي الصين بدرجات متفاوتة: تركيا، التي أصبحت خصماً جيوسياسياً للصين في آسيا الوسطى ومنافساً في بعض الملفات الحيوية؛ وإسرائيل، التي تعمل تحت ضغط أمريكي مباشر لمنع الصين من الوصول إلى موانئ شرق المتوسط؛ وبريطانيا، القائدة الفعلية للحرب المعلوماتية والدبلوماسية ضد الصين في أوروبا والعالم؛ والولايات المتحدة، الخصم الاستراتيجي الأول لبكين في إطار الصراع على النظام العالمي الجديد. والصين، ببساطة، لا تستثمر في مناطق تُستخدم كمنصات أو أدوات ضدها.
السبب الثاني: خروج سوريا من المجال الإيراني الحيوي. وان كان اعتراف موشيه يعلون بأن إيران أصبحت صاحبة اليد العليا في غرب آسيا، قد يغير الأمور جذريا قريبا وقد أصبح واضحاً أن إيران صعدت إقليمياً بينما خرجت سوريا من محورها مؤقتا وتحولت إلى منطقة نفوذ غربي تركي إسرائيلي. وبالتالي، سوريا لم تعد جزءاً من المجال الاستراتيجي الذي تعمل فيه الصين من خلال شريكها الإقليمي الرئيسي، إيران.
السبب الثالث: غياب الدولة والمؤسسات. الصين تحتاج إلى دولة مركزية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، وإلى قضاء مستقل لحل النزاعات، وإلى شرطة تحمي الاستثمارات، وإلى ضمانات سيادية واضحة. وسوريا اليوم، بكل أسف، تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة بل حتى تعريف الدولة الفاشلة كبير عليها بل يصح القول إنها امارات متخلفة ، تقوم على الفتنة الداخلية بين مكوناتها ، تطبيقا لشعار الاستعمار: فرق تسد
السبب الرابع: بيئة أمنية غير قابلة لحماية العمال الصينيين. الصين دفعت ثمناً غالياً في تجارب سابقة، حين فقدت مهندسين وعمالاً في هجمات استهدفت مشاريعها في باكستان. ولن تكرر الصين هذا الخطأ المؤلم في سوريا، حيث الوضع الأمني أسوأ بعشرات المرات.
الحوكمة كسلاح دعائي… والصين كمرآة تكشف هشاشة الخطاب الخليجي الأمريكي
في نهاية هذا التحليل المتعمق، يتضح أن خطاب الحوكمة ليس سوى واجهة دعائية براقة تستخدم لإخفاء صراع جيوسياسي عميق ومتشابك، تعكس أبعاده الحقيقية طبيعة التحولات الكبرى في النظام العالمي.
فالخليج يخشى النموذج الصناعي الصيني الذي يهدد أسس النظام الريعي الذي بني عليه. والولايات المتحدة تخشى فقدان الهيمنة العالمية بعد قرن من التفرد بالقوة. وإسرائيل تخشى صعود إيران كقوة إقليمية عظمى. وتركيا تخشى فقدان نفوذها المتنامي في آسيا الوسطى والقوقاز. وبريطانيا تخشى فقدان دورها التاريخي في المنطقة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وتراجع قوتها الناعمة والصلبة.
والصين، التي تعمل بمنطق الدولة والمؤسسات والاستقرار والرؤية طويلة المدى، ترى أن سوريا اليوم ليست دولة بالأساس قادرة على الالتزام، وليست مستقرة تصلح للاستثمار، وليست آمنة لحماية العمال والأصول، وليست قابلة للتمويل في ظل العقوبات والانهيار الاقتصادي، وليست ضمن مجال نفوذها الاستراتيجي، وليست بيئة يمكن أن تعمل فيها شركاتها ومؤسساتها بأمان وكفاءة.
وهكذا يتحول خطاب الحوكمة إلى قناع سميك يخفي حقيقة مرة: أن سوريا أصبحت ساحة صراع بين قوى كبرى تخشى الصين أكثر مما تخشى الفوضى والانهيار، وتسعى إلى إقصائها تحت أي عنوان، حتى لو كان عنواناً براقاً مثل الحوكمة وحقوق الإنسان والشفافية.
الصين ستعود إلى سوريا يوماً ما، هذا شبه مؤكد، لكن فقط عندما تعود سوريا إلى نفسها خرج المجال الاستعماري التركي الصهيوني الامريكي البريطاني ، وعندما يسقط القناع الدعائي الذي يختبئ خلفه خطاب الحوكمة الخليجي الأمريكي وخطاب الوحدة 8200، وعندما يصبح الاستثمار مجدياً وآمناً بدلاً من أن يكون مغامرة محفوفة بالمخاطر في بيئة استخباراتية معادية. وحتى ذلك الحين، ستبقى الدعاية الخليجية الأمريكية مجرد ضجيج إعلامي لا يغير من الحقائق شيئاً، ولا يخفي حقيقة أن الصين أصبحت قوة عظمى لا يمكن إقصاؤها بالكلمات البراقة والأقنعة الأخلاقية.