عن كتاب (العصر الذي احترق فيه الوهم).. مقال نقدي في سقوط القناع الغربي


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 20:06
المحور: الادب والفن     

كان للعالم أمسيةٌ طويلة من الغفوة، أمسيةٌ ظنَّ فيها أنه قد بلغ المدى، وأن العقل البشري قد ارتقى سُلَّم الحضارة حتى قمته الأخيرة، وأن التاريخ — ذلك النهر العاتي الذي ابتلع الأممَ والمدنَ والأساطير — قد فاض به الجريان حتى استقر في بحيرة صافية راكدة. كان القرن الحادي والعشرون يمشي على قدمين من وهم. قدمٌ تخطو في استقامةٍ ظاهرية، والأخرى تتبعها بثقةٍ حالمة، كأن الأرض تحت القَدَمَيْنِ قد صارت ملكًا لبني الإنسان، وكأن السماء لم تعُد تهدد بسحابةٍ أو بصاعقة. وكانت النظريات تترى في الجامعات العريقة تقول إن "التاريخ قد انتهى"، وإن الليبرالية والديمقراطية هما محطةُ القطار الأخيرة، وإن الجنس البشري قد وجد ضالته أخيرًا في صيغةٍ سياسيةٍ واقتصادية لا تخطئ.

لكن للقناع عُمرًا، كعُمر الوردة، كعُمر الفراشة. وكان عُمر هذا القناع قد بلغ منتهاه، دون أن يدري أحد، ودون أن يحسب له أهل المسرح الكبير حسابًا. ثم جاءت غزة. جاءت غزة لا كمدينة تُقصف، ولا كشعب يُهجر، بل جاءت كحدثٍ كوني، كنيزكٍ لم يحسب له الفلكيون حسابًا، ليخترق الغلاف الجوي الوهمي للعالم. جاءت غزة مثل مطرقة. مطرقة هوت على القناع بقوة الآلهة الغاضبة، فتكسر القناع إلى ألف شظية، وتطايرت تلك الشظايا في كل اتجاه، وانكشف الوجه الحقيقي للعالم. وكان الوجه — لا حاجة إلى التجميل في وصفه — قبيحًا. قبيحًا بكل معاني القبح: قبح الازدواجية، قبح النفاق، قبح الغطرسة، قبح العري المفضوح بعد ثيابٍ من كبرياء مزيف.

لم تكن غزة مدينة صغيرة محاصرة على شاطئ بحر يتوسط العالم القديم. كانت مرآة. مرآة صُنعت من زجاجٍ غير قابل للكسر، لأن زجاجها كان من دموع الأمهات وصبر الأطفال ونخوة الشبان. مرآة وُضعت فجأة أمام وجه العالم، فارتعب العالم من صورته. ارتعب العالم الذي ظن نفسه مثال الجمال والحكمة والأخلاق، إذ رأى في المرآة وجه قردٍ عارٍ، لا فرق بينه وبين أقدمِ غاباته الإفريقية، إلا أن قرد الغابة لا يقتل إلا للطعام، وهذا القرد المتحضر يقتل للمتعة، يقتل للهيمنة، يقتل للتجربة، يقتل لإرضاء شركة أسلحة تحتاج إلى عرض حي لمشروعها الصاروخي.




في تلك الأيام — أيام غزة — لم تكن القنابل تسقط على البيوت فقط. كانت القنابل تسقط على الروايات. كانت القنابل التي تدمر عمارة سكنية تدمر معها رواية كاملة عن "الديمقراطية الغربية". كانت القنابل التي تحول مدرسة تابعة للأمم المتحدة إلى رماد تُمزِّقُ صفحاتٍ من رواية "حق الدفاع عن النفس". كانت كل قذيفة تدمر جدارًا من جدران الأكاذيب التي بناها الغرب بيديه على مدى سبعين عامًا. وكان كل طفلٍ يصرخ، ولم يكن صراخ الأطفال مجرد صوت ألم جسدي، بل كان صوت الحقيقة التي حاول العالم دفنها تحت طبقات لا تُحصى من الخطاب الأخلاقي المصنوع. غزة لم تكن الضحية. كانت الشاهد. والشاهد أخطر من الضحية بألف مرة، لأنه لا يبكي فحسب بل يشير بأصبعه إلى الجلاد، ويقول: هذا هو، انظروا إليه.

لم يكن الانكشاف الذي حدث في غزة انكشافًا سياسيًا فقط. كان انكشافًا وجوديًا. الغرب الذي قدَّم نفسه بوصفه "ضمير العالم" اكتشف فجأة أنه بلا ضمير. الغرب الذي قدَّم نفسه بوصفه "حامي حقوق الإنسان" اكتشف أنه لا يحمي إلا مصالحه. الغرب الذي قدَّم نفسه بوصفه "قوة القانون" اكتشف أنه قوة الفيتو، قوة السلاح الفاسد، قوة الضغط الاقتصادي. كانت غزة مثل ضوء ساطع في غرفة مظلمة، كشف أن الحكومات الغربية ليست صوت شعوبها، بل هي صوت الشركات فوق القومية. كشف أن الإعلام ليس سلطة رابعة، بل هو ذراع ناعمة لسلطة رأس المال. كشف أن القانون الدولي ليس قانونًا، بل أداة انتقائية لا تُستخدم إلا ضد الضعفاء.

وفي تلك الأيام، لم يكن العالم يشاهد حربًا. كان يشاهد انهيارًا: انهيار الإعلام التقليدي أمام البث المباشر. كان الهاتف المحمول — ذلك الجهاز الصغير — يتحول فجأة إلى سلاح من أسلحة الحقيقة. كان الهاتف أقوى من كل الدبابات. أقوى من طائرات F-35. أقوى من كل غرف الأخبار المجهزة بأحدث التقنيات، لأن تقنية الهاتف الوحيدة كانت الصدق. كان الهاتف هو الحقيقة. والحقيقة كانت أقوى من كل الأكاذيب. ولأول مرة في تاريخ الحروب، كان بإمكان أي إنسان في أي مكان أن يرى الحرب بأم عينيه، ليس من خلال عدسة مصور صحفي ينتقي الزاوية، بل من خلال عين طفل غزة الذي لا ينتقي شيئًا، لأن كل ما يراه هو الموت.



خرجت الملايين في شوارع أوروبا وأمريكا. خرجوا كأنهم يريدون غسل أرواحهم من الدم الذي يُسكب باسمهم، وكأنهم يريدون تطهير ضمائرهم من الذنب الجماعي. خرج الطلاب في الجامعات العريقة، خرج الأساتذة في ثيابهم الأكاديمية، خرج الأطباء والممرضون، خرج العمال والنقابيون، خرج اليهود أنفسهم يعلنون براءتهم من دولة الاحتلال. خرجوا وهم يحملون لافتات كتبوا عليها بأيديهم: "أوقفوا الإبادة"، "فلسطين حرة". وخرجوا يهتفون بصوت واحد، بأكثر من لسان، وكأن غزة قد استطاعت أن توحد العالم تحت راية العدالة. لكن أصواتهم ارتطمت بجدار صلب. جدار من صنع الشركات فوق القومية، والصناعات العسكرية التي تبيع السلاح للطرفين، واللوبيات التي تمول الحملات الانتخابية للساسة. الشعوب صرخت، لكن القرار لم يكن بيد الشعوب. وهنا وُلد السؤال الذي يبنى عليه هذا الكتاب كله: من يحكم العالم؟

هذا الكتاب ليس عن غزة فقط. غزة هي الباب. الباب الذي نطرقه بأيدينا المرتجفة، الباب الذي ننظر من ثقب مفتاحه فنرى عالمًا لم نكن نعرف وجوده من قبل. عالم تحكمه قوى لا تُرى، قوى لا تظهر في الانتخابات ولا في نشرات الأخبار. قوى تملك الإعلام، فتصوغ الرأي العام. تملك البنوك، فتتحكم في تدفق رأس المال. تملك شركات الأدوية، فتقرر من يعيش ومن يموت. تملك شركات السلاح، فتدير الحروب كأنها مشاريع تجارية. تملك شركات التكنولوجيا، فتراقب كل تحركاتنا. تملك الجامعات، فتوجه مناهجها لتخريج أجيال لا تعرف كيف تفكر بل كيف تخدم. وتملك الحكومات نفسها، فتمول حملاتها الانتخابية، وتضغط عليها لتمرر القوانين التي تخدم مصالحها. هذه القوى هي الحكومة الحقيقية للعالم، والحكومات التي ننتخبها هي مجرد فروع تنفيذية محلية لهذه الحكومة العالمية الخفية.

أوروبا، التي كانت يومًا نموذجًا للعدالة الاجتماعية، صارت اليوم مقاولة عند رأس المال. أوروبا التي بنت دولة الرفاه بعد الحرب العالمية الثانية، هدمتها بيدها حين سلّمت اقتصادها للنيوليبرالية. في بلجيكا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، تنهب الشركات صناديق التقاعد، وتُخصخص المستشفيات، وتُرفع أسعار الطاقة، وتُفرض صفقات السلاح، وتُخنق الطبقات العاملة. غزة كانت تحت القنابل، وأوروبا كانت تحت الشركات. والفاعل واحد.




في مقابل هذا الانهيار، تقف الصين كنموذج مضاد. ليس لأن الصين جنة أو يوتوبيا، فكل الأنظمة فيها عيوب. لكن الصين تقدم نموذجًا لدولة لم تسقط في الفخ الذي سقطت فيه أوروبا وأمريكا. نموذج لدولة لم تسمح للشركات بأن تتحول إلى حكومة. نموذج لدولة وضعت الاقتصاد في خدمة الشعب، لا الشعب في خدمة الاقتصاد. نموذج لدولة قضت على الفقر المدقع لأكثر من ستمائة مليون من مواطنيها، وهو إنجاز لا نظير له. نموذج لدولة منعت نشوء لوبيات شركاتية تتفوق على إرادة الدولة، وأخضعت الشركات لإرادة الدولة وسيادتها. الصين تعاني من مشاكلها: من الفساد في بعض أجهزتها، ومن التفاوت الإقليمي، ومن التلوث البيئي. لكنها تقدم برهانًا عمليًا على أن العالم يمكن أن يُدار بطريقة أخرى. بطريقة لا يكون فيها الإنسان سلعة، ولا المرض سوقًا، ولا الحرب مشروعًا اقتصاديًا.

لماذا يُكتب هذا الكتاب؟ لأن العالم يقف اليوم على حافة هاوية. هاوية صنعتها الشركات فوق القومية، ودفعتها الحكومات الضعيفة، وغطَّاها الإعلام المحتكر. لأن غزة أثبتت — بدم أطفالها — أن الوهم لم يعد ممكنًا. أثبتت أن الإنسان المعاصر لم يعد يستطيع أن يتظاهر بأنه لا يعرف. فالمعرفة صارت في متناول الجميع، وصارت الحقيقة تكسر كل الحواجز. والوعي لم يعد خيارًا، بل صار فريضة. والجهل بعد غزة لم يعد عذرًا، والتغاضي لم يعد حيادًا، والصمت لم يعد موقفًا محايدًا، بل صار تواطؤًا، صار جريمة، صار مشاركة في القتل بالصمت.

هذا الكتاب يُكتب لأن غزة لم تكن حدثًا عابرًا، بل كانت بداية عصر جديد. عصر سقط فيه الوهم الكبير، سقط فيه القناع عن وجه العالم المتحضر، سقطت فيه الأساطير المؤسسة للنظام العالمي القائم، وبدأ فيه التاريخ الحقيقي. ليس التاريخ الذي يُروى في الكتب المدرسية، بل التاريخ الذي نعيشه في عظامنا ولحومنا، التاريخ الذي يكتب بالدم لا بالحبر، التاريخ الذي لا يستطيع أحد أن يزيفه.




هذا الكتاب ليس تحليلًا سياسيًا فقط، وليس دراسة اقتصادية فقط، وليس تأملًا فلسفيًا فقط. إنه رحلة. رحلة في قلب العالم كما هو، لا كما يُقدم لنا على شاشات التلفزيون. رحلة في بنية القوة الخفية، في بنية الكذب المنظم، في بنية الإعلام المشوه، في بنية الشركات التي تمتلك كل شيء، في بنية الإنسان الذي يحاول أن يبقى إنسانًا في عالم يسعى إلى تحويله إلى سلعة. رحلة تبدأ من غزة، لكنها لا تنتهي عندها، لأن غزة كشفت عن أزمة الضمير الغربي، وعن انهيار الإعلام التقليدي، وعن عجز القانون الدولي، وعن هشاشة الديمقراطيات التمثيلية. رحلة تكشف أن العالم كله غزة. ليس بمعنى أن كل العالم يتعرض للقصف، بل بمعنى أن البنية التي تحكم العالم تحول كل إنسان إلى ضحية محتملة. والمعركة الحقيقية ليست بين الشرق والغرب، ولا بين الإسلام والمسيحية، بل هي بين الشعوب والشركات، بين الحقيقة والرواية، بين الإنسان والسوق.

هذا الكتاب يُكتب لأننا نعيش في زمنٍ لم يعد فيه الوهم ممكنًا. زمن انكشفت فيه الحقيقة بقسوتها، وصار على العالم أن يختار. إما أن يواصل السير نحو الهاوية، متمسكًا بأوهامه البالية، متغاضيًا عن جرائمه المكشوفة، وإما أن يبدأ من جديد. يبدأ من الصفر، يعيد بناء مفاهيمه عن العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، يعيد بناء نظامه العالمي على أسس مختلفة. هذه الكلمات — كل كلمة منها — مكتوبة بدم غزة، بدم الأطفال الذين ماتوا تحت الأنقاض وهم يحملون هواتفهم ليبثوا العالم آخر لحظاتهم، بدم الأمهات اللواتي رفعن أكفان أطفالهن فوق رؤوسهن. هذه الكلمات مدينونة لأولئك الأموات الذين لم يموتوا عبثًا، الذين حولوا موتهم إلى حياة في ضمائر من تبقى.

فلنبدأ الرحلة إذن. لنبدأ من غزة. ولننتهِ — ربما — عند إنسانية جديدة. إنسانية تليق بمن خلقهم الله أحسن تقويم، ولم يخلقهم ليكونوا وقودًا لآلهة السوق والمال والقوة.

---

العصر الذي احترق فيه الوهم
تأليف: احمد صالح سلوم
يصدر قريبًا