تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (1)
حسين علوان حسين
الحوار المتمدن
-
العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 18:07
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
تمهيد
من المعروف في الفكر الماركسي أن الوجود الإجتماعي هو الذي يقرر الوعي الاجتماعي، وأن اللغة - باعتبارها "وعياً إجتماعياً عملياً" - يستحيل فصلها عن الحياة المادية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد الناطقين بها. وقد أشار ماركس وإنجلز إلى الدور البالغ الأهمية للغة في تطور الفكر البشري، وفي تشكيل وتحسين النشاط المعرفي للأفراد؛ كما أكدا أن ظهور اللغة وتطورها كانا دائمًا مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالتفكير؛ وأن تشكيل وتحسين التفكير واللغة يحدثان في آنٍ واحد من خلال عملية الأنشطة الاجتماعية والإنتاجية للأفراد. ففي "الأيديولوجية الألمانية"، كتَبَ ماركس وإنجلز: " اللغة قديمة قدم الوعي ؛ فاللغة ليست سوى وعي عملي موجود أيضاً لدى الآخرين، ومن خلاله فقط توجد أيضاً لديّ، وعي حقيقي، ومثل الوعي، لا تنشأ اللغة إلا من الحاجة الملحة للتواصل مع الآخرين." (ك. ماركس و ف. إنجلز. الأعمال، المجلد الرابع، ص 20-21). ولم ينظر كارل ماركس إلى اللغة كمجرد أداة للتواصل، بل كظاهرة اجتماعية ومادية وتاريخية متشابكة بعمق مع إنتاج الضرورات المادية للحياة. واعتبرها "وعياً عملياً" ينشأ من ضرورة التفاعل البشري، ويساهم في تشكيل الأيديولوجيا، ويعكس الصراعات الاجتماعية، ويؤثر على كيفية إدراك الأفراد لأنفسهم وللعالم. بل ولقد اعتبر إنجلز اللغة - بعد العمل – أحد مفاعيل تحقق التحول النوعي لجنس البشر. ففي كتابه "دور العمل في عملية تحول القرد إلى إنسان"، كتَبَ إنجلز: " أولاً، كان العمل، ثم الكلام الواضح، هما المحفزان الأكثر أهمية، اللذان تحت تأثيرهما تحول دماغ القرد تدريجياً إلى دماغ بشري".
وتشمل الوظائف الرئيسية للغة في النظرية الماركسية ما يلي:
• الوعي العملي: اللغة قديمة قدم الوعي نفسه – إنها وعي "حقيقي" وعملي موجود للآخرين، وهي ضروريه للتعاون الاجتماعي والإنتاج.
• حاملة الأيديولوجيا: اللغة هي وسيلة للأشكال الأيديولوجية التي من خلالها يصبح الناس واعين بالتناقضات الاجتماعية و"يقاتلون من أجلها".
• انعكاس العلاقات الاجتماعية: يعكس بشكل مباشر العلاقات المادية للإنتاج والتغيرات في القاعدة الاقتصادية (الصناعة والتكنولوجيا) من خلال تطوير مفرداته لتلبية الاحتياجات الجديدة.
• أداة التحول: تتجاوز اللغة مجرد تمثيل الواقع، فهي تعمل كقوة تحويلية فعالة في الحياة الاجتماعية والسياسية.
• موقع الصراع: اللغة ليست محايدة؛ إنها ساحة معركة حيث يتم التنازع على المعنى وتشكيله من خلال العمليات الاجتماعية والتاريخية والسياسية.
المصدر:
https://www.google.com/search?q=karl+marx+on+the+-function-+of+language
وقد أكدت نتائج بحوث علماء اللغة بعد ماركس وإنجلز صحة استنتاجاتهما بصدد الطبيعة الإجتماعية للغة، حيث ثبَّت فيردينان دي سوسير (Ferdinand de Saussure) (1857-1913) - الذي يُعتبر أحد مؤسسي علمي اللسانيات والعلامات (السيميولوجيا) في القرن العشرين – حقيقة كون اللغة "نظاماً من العلامات يعبر عن الأفكار"؛ إنه العلم الذي يدرس حياة العلامات داخل المجتمع، ويُعد جزءًا من علم النفس الاجتماعي والعام، وكون اللغة "حقيقة اجتماعية" (social fact). وبحسب إدوارد سابير (Edward Sapir) (1884-1939) - أول عالم لغة امريكي بارز في القرن العشرين - فإن اللغة هي في الأساس نتاج اجتماعي وغير غريزي وثقافي وليست وظيفة بيولوجية بحتة, إنها بمثابة "الدليل للواقع الاجتماعي"، حيث تعمل على تنظيم كيفية تفكير الجماعات في المشكلات الاجتماعية وبناء نظرتها للعالم من خلال العادات اللغوية الموروثة وغير الواعية.
https://www.google.com/search?q=Social+aspects+of+Language+according+to+Sapir
كما نظر جون روبرت فيرث (John Robert Firth) (1890-1960) - مؤسس “مدرسة لندن للسانيات” - إلى اللغة باعتبارها عملية اجتماعية وشكلاً من أشكال "فعل الأشياء" ضمن سياق محدد، بدلاً من كونها مجرد نظام مجرد. وتشمل الجوانب الرئيسية ما يلي:"سياق الموقف"، حيث تُدرس اللغة من خلال التفاعل الاجتماعي وأدوار المشاركين والأفعال غير اللفظيةشدد على المعنى الوظيفي والقصد التواصلي.
https://www.google.com/search?q=Social+aspects+of+Language+according+to+Firth
ولم ينظر فيليم ماتيسيوس (Vilém Mathesius) (1882-1945) - مؤسس دائرة براغ اللغوية الشهيرة والمؤثرة - إلى اللغة على أنها مجرد نظام بحت، بل على أنها أداة دينامية ووظيفية تستخدمها المجتمعات لتحقيق الأهداف الاجتماعية والعملية والتواصلية. ويؤكد منظوره، المتأثر بشدة بالوظيفية، على أن اللغة هي "مؤسسة اجتماعية" تتشكل بطبيعتها من خلال مستخدميها وسياقها.
تشمل الجوانب الاجتماعية الرئيسية للغة وفقًا له مايلي:
• اللغة كنظام مشروط اجتماعياً (العرف الإجتماعي): أصرّ ماتيسيوس على أن الأشكال اللغوية التي يستخدمها المتحدث يجب أن تتوافق مع المعايير العرفية (المعتادة أو الشائعة) لمجتمعه. وكان يعتقد أن اللغة لا تكتمل إلا في الجماعة، لا في فرد واحد.
• الوظيفية والفعل الموجه نحو الهدف: نظر إلى اللغة على أنها نظام من "وسائل التعبير الهادفة". فالكلام نشاط موجه نحو هدف، وليس مجرد مجموعة من القواعد المجردة، مما يعني أن التفاعل الاجتماعي هو الذي يحرك تطور اللغة.
• الكلام كجزء من السلوك الاجتماعي: لم يفصل ماتيسيوس اللغة عن فعل الكلام. بل أكد أن الظواهر اللغوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ "المختبر الاجتماعي" للحياة اليومية والتفاعل الاجتماعي.
• رفض التجانس: لقد أدرك أنه لا يوجد مجتمع لغوي متجانس تمامًا. بدلاً من ذلك، رأى اللغة على أنها مزيج من اللهجات الاجتماعية المختلفة واللغات العامية واللغات المتخصصة، مما يسلط الضوء على التنوع داخل المجتمع.
• "ثقافة اللغة" (Jazyková kultura): دعا ماتيسيوس إلى اتباع نهج فعّال وواعٍ تجاه اللغة، مع التركيز على "الثقافة اللغوية" (أو تنمية اللغة). ويتضمن ذلك جهودًا مقصودة ومنهجية لتوجيه تطور اللغة بما يتناسب مع احتياجات المجتمع والدولة (على سبيل المثال، في التعليم والإعلام).
• التركيز التزامني والاجتماعي: انطلاقاً من التركيز التاريخي للنحويين الجدد، جادل ماتيسيوس لصالح النهج التزامني الذي يحلل اللغة كما تعمل في مجتمع معين في وقت محدد.
باختصار، نظر ماتيسيوس إلى اللغة على أنها نظام اجتماعي وظيفي، يتم تشكيله باستمرار من قبل المتحدثين بها في سعيهم للتواصل داخل مجتمع منظم.
https://www.google.com/search?q=Social+aspects+of+Language+according+to+Mathesius
ولم يعتبر أوتو يسبرسن (Otto Jespersen) (1860-1943) (المؤسس الثالث لعلم اللغة في القرن العشرين – مع سوسير وماتيسيوس) إلى اللغة على أنها نظام مجرد وثابت، بل على أنها ظاهرة حية وديناميكية واجتماعية، متجذرة بعمق في التفاعل البشري وعادات المجتمع. كما أكد أن اللغة أداة لأغراض اجتماعية وأن تطورها يتشكل من طرف الأفراد الناطقبن بها.
تشمل الجوانب الاجتماعية الرئيسية للغة وفقًا له مايلي
• اللغة كعادة اجتماعية: عرّف يسبرسن اللغة بأنها مجموعة من العادات والتقاليد البشرية. فالكلمة، بالنسبة له، هي "فعل اعتيادي" يُستخدم لنقل الأفكار داخل المجتمع، على غرار الإيماءات الاجتماعية مثل الانحناء أو خلع القبعة.
• النشاط الهادف: أكد أن اللغة هي "نشاط هادف" يهدف إلى الفهم والفهم المتبادل، وليست مجرد بنية رسمية.
• مبدأ "الكفاءة" في المجتمع: جادل جيسبرسن بأن اللغة تتطور باستمرار نحو كفاءة تواصلية أكبر. واعتقد أن التغير اللغوي ليس انحطاطاً، بل تبسيط (في القواعد النحوية مثلاً) يُسهم في التواصل.
• نظرية الأصل "الغنائي": على عكس النظريات التي تؤكد على البقاء، اقترح يسبرسن أن اللغة نشأت من التفاعل الاجتماعي، وتحديداً من اللعب والضحك والمغازلة والأصوات العاطفية الشبيهة بالأغاني.
• التمايز الاجتماعي (الجنس/الطبقة): لاحظ كيف تختلف اللغة بين مختلف الفئات الاجتماعية، بما في ذلك الاختلافات في كلام الرجال والنساء. اعتقد أن النساء غالباً ما يفضلن تعابير أكثر تهذيباً أو غير مباشرة، بينما يبتكر الرجال اللغة. ملاحظة: تُعتبر بعض هذه الآراء "نظرية قصور" وينظر إليها اللغويون المعاصرون على أنها تخمينية.
• اللغة والجنسية: قام يسبرسن بتحليل كيف أن حدود اللغة ليست طبيعية تمامًا ولكنها غالبًا ما تتشكل بفعل العوامل الاجتماعية والسياسية، على غرار كيفية قيام القرى بمواءمة أنماط كلامها مع مناطق مختلفة بمرور الوقت.
وقد أبرزت مؤلفاته ، ولا سيما كتابه "اللغة: طبيعتها وتطورها وأصلها " (1922)حقيقة كون دراسة اللغة لا تنفصل عن دراسة السلوك الاجتماعي البشري.
ويُعرّف علم اللغة الوظيفي النظامي (SFL) لهاليداي (M. A. K. Halliday) (1925-2015) - أبرز عالم لغة وظيفي في القرن العشرين - اللغة بأنها "السيميائية الاجتماعية"؛ أي أنها المورد لصنع المعنى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياقات الاجتماعية والعلاقات والثقافة. وهي لا تعكس البنية الاجتماعية فحسب، بل تشكلها وتجسدها بشكل فعال. إنها الأداة للتفاعل الاجتماعي، وخلق العلاقات الاجتماعية، والحفاظ عليها.
وتشمل الجوانب الاجتماعية الرئيسية للغة وفقًا لهاليداي ما يلي:
• اللغة كدلالة اجتماعية: يوضح هاليداي بأن اللغة هي أداة اجتماعية تستخدم لخلق المعنى في سياقات محددة، مما يجعلها نظامًا للتفاعل الاجتماعي بدلاً من مجرد قواعد نحوية مجردة.
• الوظائف الثلاث أساسية للغة (وظائف اجتماعية): اللغة منظمة لخدمة ثلاثة أغراض اجتماعية ووظيفية متزامنة:
o التفكيري (المجال):استخدام اللغة لتمثيل التجربة، والتعبير عن المعرفة، ووصف العالم.
o المهارات الشخصية (النمط):استخدام اللغة للتفاعل، وإقامة العلاقات، والتعبير عن المواقف أو الأدوار.
o النصي (النمط):استخدام اللغة لبناء تواصل متماسك ومنظم (شفهي أو كتابي) مناسب للسياق.
• سياق الموقف (المقام): يتم تحديد استخدام اللغة من خلال السياق الاجتماعي، والذي يتكون من المجال (ما يحدث)، والأسلوب (من هم المعنيون)، والطريقة (قناة الاتصال) .
• التنشئة الاجتماعية والتعلم: التعلم هو عملية اجتماعية، وليست عملية فردية فقط. يتعلم الأطفال اللغة لأداء الوظائف الاجتماعية، وينتقلون من "المعرفة العامة" (المحادثة اليومية) إلى "المعرفة التعليمية" (لغة المدرسة).
• الوظائف السبع في تنمية لغة الطفل: حدد هاليداي سبع وظائف أولية للغة عند الأطفال وكلها اجتماعية بطبيعتها: الوظائف الأداتية (التأثير على البيئة)، والوظائف التنظيمية (التحكم في الأحداث)، والوظائف التفاعلية (الحفاظ على العلاقات الاجتماعية)، والوظائف الشخصية (التعبير عن المشاعر)، والوظائف الاستكشافية (التعلم)، والوظائف الخيالية (الإبداع)، والوظائف التمثيلية (نقل الحقائق).
• اللغة والبنية الاجتماعية: تعمل اللغة كاستعارة للمجتمع، مما يسمح للأفراد بالحفاظ على النظام الاجتماعي أو تعديله من خلال التواصل اليومي والسياقي.
https://www.google.com/search?q=social+aspects+of+language+according+M.+A.+K.+Halliday
وحتى عالم اللغة الشهير لويس هيلمسليف (Louis Hjelmslev) (1899-1965) - الشخصية المحورية في مدرسة كوبنهاغن للغويات البنيوية الذي عمل على تأسيس علم اللسانيات كعلم مستقل وداخلي يركز على البنية الداخلية للغة - فإنه لم يتجاهل الطبيعة الاجتماعية للغة، بل سعى إلى تعريفها كمؤسسة اجتماعية وذاكرة ثقافية باعتبارها "الأساس الأسمى والأعمق للمجتمع البشري"، ومستودع المعرفة والثقافة المتراكمة للمجتمع. وقدَّم مفهوم "السيميائية الضمنية" لتفسير التباين الاجتماعي والظرفي. وتُعرَّف الدلالات الضمنية بأنها المؤشرات الاجتماعية أو الإقليمية أو الأسلوبية (كاللهجات أو المستويات اللغوية) المرتبطة بنظام لغوي، مما يسمح له بنقل المعنى الاجتماعي.و نظر إلى العلاقة بين النظام الداخلي الثابت للغة واستخدامها الاجتماعي الخارجي المتغير على أنها "تناضح" عندما حلل كيف تؤثر التغيرات الاجتماعية على عدم تجانس اللغة، والذي بدوره يغذي النقل الجماعي للأشكال اللغوية. ومن وجهة نظره، فإن العوامل الاجتماعية ليست مجرد ضوضاء خارجية ولكن يمكن تحليلها على أنها اختلافات داخل النظام، مما يسمح بدراسة المتغيرات الاجتماعية (على سبيل المثال، في علم اللغة الاجتماعي، أو الجنس، أو العمر) كجزء من إطار هيكلي أكبر.
https://www.google.com/search?q=Social+aspects+of+Language+according+to+Hjelmslev
كل أعظم الآباء المؤسسين لعلم اللغة المعاصر أعلاه – وغيرهم العديد من علماء الاجتماع والأنثربولوجيا وعلم النفس الاجتماعي... – يؤكدون النظرية الماركسية لمنشأ اللغة من الحاجة الملحة للتواصل مع الآخرين كظاهرة اجتماعية ومادية وتاريخية.
ما الراي والموقف - إزاء كل هذا التراكم العلمي العتيد حول الطبيعة الاجتماعية للغة - عندما يقوم البنتاغون بالتصنيع والترويج الإعلامي الممنهج لعالم لغة مزيَّف يقرر للعالم على نحو تحكمي قافل بأن الوراثة هي التي تحدد الوعي البشري، لكون أداة الوعي:اللغة هي:
وحدة حاسوبية بيولوجية موروثة وملقمة مسبقاً بقواعد "النحو العالمي" في دماغ كل طفل مولود، وهي محصورة كلياً بالفرد، وخالية من أي جوانب تواصلية أو ثقافية أو اجتماعية أو أنثربولوجية أو دلالية أو أسلوبية أو نصّية. وإن كان لها أي غرض أو وظيفة متبقية، فهي مجرد وسيلة للتحدث مع الذات. وأن واجب عالم اللغة هو – حصراً وبالضبط – الاكتشاف الميكانيكي الكيفي لقواعد ذلك "النحو العالمي" عبر التنظير من على الكرسي ليس انطلاقا من تحليل قاعدة بيانات عريضة من مختلف لغات العالم ومن ثم تعميمها، بل انطلاقاً من تحليله الشخصي لقواعد اللغة الإنجليزية بالدرجة الأولى؛ ومن ثم إلهاء طلبة علم اللغة جيلاً بعد جيل في متاهات مشروع غير علمي وغير منتِج مستدام ثبت فشله الذريع والمدوي على الأقل خمس مرات خلال نصف القرن الماضي؟
هذا هو بالضبط ما فعله ربيب البنتاغون ورفيق أبستين نعوم تسومسكي.
يتبع، لطفاً.