سفن السماء


حسين علوان حسين
الحوار المتمدن - العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 20:49
المحور: الادب والفن     

في صباح اليوم ذاك ، إستبد العجب والفضول بعمّار وهو يشاهد عدة سفن ضخمة للغاية معلّقة بالسلالم الصاعدة إلى عنان السماء، فوق عمارة فيحاء شاهقة على شكل كرة كبيرة. أسرع خطاه، ودخل تلك العمارة، فسافر بصره في أرجاء قاعتها الأرضية الفسيحة جداً والمكتضة بعديد المجاميع البشرية من مختلف الأعمار، وكل مجموعة تنتظم في فرق متعددة، بعضها يخطط ويجري البحوث، وآخرون يتولون البناء لتوسعة رقعة العمارة، فيما تنهمك بقية فرق العمل بالاشتغال في ورشها الفنية المتنوعة.
سأل إحدى الفتيات الجالسات للراحة:
- صباح الخير، ست.
- صباح الأنوار!
- أنا عمّار !
- عاشت الأسامي، سيد عمار. إسمي كلارا؛ أنا أعمل مع فريق ورشة بناء المصاعد هنا.
- تشرفت بمعرفتك، ست كلارا. هل لي أن أسالك سؤالاً، لطفاً؟
- تفضل.
- ما هذه السفن المعلقة بالسلالم فوق هذه العمارة ؟
- كيف لا تعرف؟ إنها سفن السماء!
- ومَن فيها؟
- سكانها هم من البشر مثلنا، طبعاً ، ولكنهم يسرحون ويمرحون على هواهم، لأنهم يستطيعون انتاج كل مايحتاجون هناك!
- ممتاز! هذا ما أحلم به منذ طفولتي! كيف يمكنني الارتقاء إلي إحداها ؟
- بمعرفة كيفية إرتقاء السلالم المؤدية إليها، طبعاً.
- وكيف ذلك؟
- يجب ان يكون لديك المصعد القوي، والوقود الفعّال الذي يفي بهذا الغرض!
- وكيف يمكنني الحصول عليهما؟
- عليك أن تشارك بصنعهما بنفسك، طبعاً.
- أنا أشارك بصنع المصعد، مع الوقود ؟
- طبعاً، وإلا كيف سترتقي بنفسك إلى السماء؟
- أليس هذا بالأمر الصعب؟
- إنه أمر صعب بالتأكيد، ولكنه ليس مستحيلاً على العمل التعاوني الجماعي المنظّم، مثلما ترى.
- وكبف يمكنني المشاركة في صنعهما؟
- تنضم إلى فريق متخصص بتصميم وبناء المصاعد المرتقية إلى سفن السماء، وورشة عملهم، مثلنا. هل تحب ان تلتحق بفريقنا فتحقق أحلام طفولتك؟
قبل أن يستطيع عمّار الإجابة، تناهى الى مسامعه فجأة صوت ارتطام رهيب، هز أركان العمارة هزاً. هرول هو وكلارا خارج العمارة، فشاهدا من بعيد إحدى السفن الضخمة المعلقة بالسماء وقد هوت فوق وسائدها الهوائية أرضاًـ فيما انهارت كل سلالمها!
- يالها من كارثة رهيبة ! صاح عمار.
- أكيد!
- ما مصير سكّانها، ست كلارا!
- لدى كل واحد منهم وسادة هوائية لمقاومة الصدمات، تحفظ له حياته، ولكن هيكل السفينة نفسها قد تهشَّم، مثلما ترى، وسيتم بيع موارده ومكوناته وسلالمه الغالية بالفلسين. وسيمضي زمن طويل قبل أن تستطيع الأجيال الجديدة لسكانها إعادة بنائها! ولكن الفشل متوقع في المشروعات الجديدة الراقية من هذا النوع!
- هل تعرفين سبب سقوط سفينة السماء تلك على الأرض؟
- بالتأكيد! فقد كنّا قد توقعناه هذا منذ سنين!
- وما السبب؟
- ضعف جهاز التوجيه فيها بسبب فساد وقوده! هل يمكن - مثلاً - تشغيل محركات طائرة نفّاثة بالنفط الأسود؟
- لا، طبعا! ولكن لم استخدموا الوقود الفاسد أصلاً ؟
- لعدم وجود غيره في جهاز التوجيه لتلك السفينة، بعد نفاد وقوده المصفّي الأصلي، وفشلهم في إعادة انتاج مثيله الجديد!
- عجيب! ألم تقولي أنهم يستطيعون انتاج كل ما يحتاجون ؟
- صحيح، ولكن استطاعة الانتاج الشيء هو شيء، والحرص على تحقيق انتاجه فعلاً هو شيء أخر. لقد كان بمستطاعهم إنتاج نوع الوقود اللازم لجهاز توجيه سفينتهم ولكن التنافس على القيادة منعهم من ذلك، فخرَّب زعماءهم سفينتهم بأيديهم !
- ما هذه العدمية المأساوية؟
- صحيح! ولكن سفن السماء الأخرى تواصل مسيرة التحليق بنجاح مستدام، وهي تحرص على تفادي الأخطاء التي حصلت في جهاز التوجيه للسفينة تلك، مثلما ترى؛ وفريقنا جاد بتصنيع المصعد الناجز للإرتقاء إلي إحداها وفق أرقى الامكانات المتاحة. صحيح أن العمل لتحقيق هذا الهدف مجهد وصعب وطويل، ولكنه مجيد ويحقق الذات. هل يعجبك الإلتحاق بنا، سيد عمّار ؟
- لا، طبعاً !
- لماذا؟
- أخشى أن نفلح بالصعود إليها، ثم تهوى بنا مع سلالمها إلى الأرض بسبب خطأ بشري ما، مثلما حصل لتلك السفينة.
- ولكنك الآن على الأرض ولست في السماء، فإن أفلحتَ بالارتقاء إلى إحدى سفن السماء تلك، ثم هوت بك على الأرض، فستعود لنفس مكانك الآن، ولكنك ستخسر شرف محاولة تحقيق أحلامك للارتقاء إلى سفن السماء، أليس كذلك ؟!
- اعتذر، ست كلارا. أعفني من هذه المهمة المحفوفة بمخاطر الفشل!
- لِمَ لا تتيح الفرصة لشرف المحاولة فتحصل على علامتي تعجب شطرنجية ؟
- لا أحاول أن أكون غامضاً، لكنكِ ذكية ! ماذا أقول؟
- تشجع وقُل!
- لأنّني .. لأنّني ...مم-
- لأنّك ماذا؟
- عليًّ أن أعترف بأنني جبان!
- وأنا عليَّ - على الأقل - أن أقدِّر شجاعتك في هذا الإعتراف. ولكن متى كان الجُبن حلاً ؟
- لعله أسلم الحلول!
- صرت أشعر بالحزن عليك: فللشجاع ميتة واحدة، وللجبان ألف!
- ما باليد حيلة !
- خسارة على شبابك جحيم الموت المتكرر هذا!
- عليَّ ان انصرف الأن، بعد إذنك، ست.. أشوفك بخير؛ مع السلامة!
- مع ألف سلامة... ها قد هرب رجلٌ آخر من ميدان تحقيق ذاته!