طيف القنب.. وابتسامة الزمان


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 00:25
المحور: الادب والفن     

كان الزقاق يضيق كلما اقتربتُ من دارها، كأنما الجدران العتيقة تتنفس رطوبتها في صدري. هناك، في تلك المساحة الرمادية بين طفولتي وبوابة المدرسة، كانت "أم عيسى" شاخصة. جسدٌ ذوى حتى صار خيالاً، يتدثر بخرقة من "القنب" الخشن، وعينان تائهتان في ملكوتٍ لم نكن نملك مفاتيحه.
من فرط ذهولي وأنا أرصد ذهولها، كانت عثراتي تتكرر فوق قطع "الآجر" الناتئة أمام بيتها. في إحدى العثرات، كدتُ أهوي، فجاءني صوت جارةٍ تراقب الزقاق من عتبتها: "الله.. الله! دير بالك ابني.. انتبه لممشاك". مضيتُ وأنا أتجرع مرارة التناقض؛ حارةٌ تنبهني لعثرات قدمي، وتغضُّ الطرف عن عثرات القدر التي طحنت "أم عيسى" أمام أعينهم.
كانت والدتي تعيد حياكة حكايتها كل مساء بصوتٍ متهدج: "كانت ولية.. صوفية تقية، قِبلتها تكية فاطمة داني".
حينها، كنتُ أستحضر مشهدها في "الحضرة"؛ وسط ضجيج المريدين وتصاعد الدخان، تهز رأسها بشعرها المنفوش، تلهج بـ "حي.. حي.."، حتى يسلّ الزبد من أنفها وتنقلب عيناها، وتغادر روحها زقاقنا الضيق لتطير في وجدٍ خالص.
لكن خلف رائحة البخور وصوت الأذكار، كان سوط زوجها "سليمان" يكتب سيرةً أخرى على جسدها. كان يضربها بساديةٍ أمام الملأ الصامت، الملأ الذي كان يرى في النكال "حقاً للرجل"، بينما يرى في القبلة "خادشاً للشرف".
وعندما قالت أمي إن "السينما" هي من أورثتها الجنون، تمثلتها في عتمة قاعة العرض؛ تشيح بوجهها عن مشهدٍ حميمٍ تظاهراً بالخجل أمام صويحباتها، لكنها من بين شقوق أصابعها كانت تسرق النظر بفضولِ غريقةٍ تبحث عن طوق حياة، وتهمس بمرارةٍ لا يسمعها سوى قلبها:
"لعنك الله يا سليمان الكلب.. لهذا الجحيم أدخلتني؟ بئس العِشرة وبئس المصير.. لا رضى الله عنك ولا ملائكته، بحق شيخنا الجيلاني وسيدنا علي أبي تراب.. يا كافر!"
كانت تخشى أن يلمح "الشيخ" خيانة عينيها للشاشة، بينما لم يخشَ سليمان أن تلمح السماء طعنات سوطه لروحها.
مضت السنين، ورحلت "أم عيسى" لتستريح في ترابها. وذات مساء، رافقتُ شقيقتي وصديقتها إلى "سينما النصر". جلسنا في "اللوج" العلوي، وبينما كان فيلم الويسترن يتدفق بصهيل خيوله، انقطع المشهد فجأة بـ "قفزة" فجة؛ لقد بتر مقص الرقيب لقطةً "جريئة". حينها، ضجت القاعة بشتائم مقززة صُبَّت على عامل العرض "نوري كجل". عجبتُ لهذا الجمهور الذي يغفر للجلاد ساديته في الزقاق، ولا يغفر لعامل السينما "عفته" القسرية على الشاشة!
عند العودة، وقفتُ على العتبة، ونظرتُ إلى أمي بمكرٍ قديم:
"ألا تخافين على ابنتكِ من مسّ الجن.. كما جرى لأم عيسى؟"
لم تُجب أمي. تسمرت نظرتها للحظة، كأن سؤالي المباغت قد طرق أبواباً كانت موصدة بالخرافة. ثم، ببطءٍ وهدوء، انفرجت شفتاها عن ابتسامة عميقة؛ ابتسامة تقرّ بأن جيل ابنتها قد كسر القيود، وأن "الجن" لم يكن يوماً في السينما.. بل كان يختبئ في قسوة الرجال، وصمت الزقاق الطويل.