انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 01:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

يرزح الاقتصاد الإيراني تحت ضغط مرحلة حادة من "الاختناق التام" في عملية تراكم الثروة المنتجة. هذا الاختناق لا يُمكن ربطه فقط بالعوامل الخارجية، بل ينبع بالأساس من أربعة عقود من تبني سياسات "التعديل الهيكلي" والخصخصة غير المنضبطة. وقد قادت هذه السياسات إلى تحول دور الدولة من "محفّز للتنمية" إلى "مظلة للنهب"، حيث تم توجيه الفائض الاقتصادي من القطاعات الإنتاجية والخدمات العامة لصالح طبقة مهيمنة من القائمين على الريع.

نشأت عن هذه التحولات طبقة من "بورجوازية المال"، متحالفة مع "البيروقراطية العسكرية-الأمنية"، تسيطر على مفاصل الدولة وتتحكم في العملات والأصول الوطنية بعيدًا عن أي رقابة مجتمعية حقيقية. وبالمقابل، تواجه البورجوازية الصناعية والطبقة العاملة ضغوطاً خانقة بفعل "كماشة الدولرة والركود التضخمي". وفي ظل اتساع الهوة بين هاتين الطبقتين وتضارب مصالحهما، فشلت كلتاهما في تحقيق توافق يؤسس لكتلة تاريخية موحدة، مما دفع رؤوس الأموال الصناعية للجوء إلى "الهجرة الفردية" كخيار يائس للبقاء، وترك القاعدة العمالية عرضة لصراع البقاء وسط أزمات متفاقمة.

أظهرت التطورات السياسية الأخيرة، بما فيها التغييرات على مستوى القيادة، أن مجرد تغيير الأسماء في قمة الهرم السياسي لا يعني تغييراً حقيقياً في المسار الاقتصادي. فالنهج النيوليبرالي الذي يتجلى فيما يسمى بـ ”الجراحات الاقتصادية" وسياسات التقشف الموجهة ضد الطبقات الوسطى والفقيرة لا يزال مهيمنًا. هذا النهج يعزز هيمنة الأوليغارشية ويُقوض أي فرصة لنهضة اقتصادية وطنية متماسكة.

إن استنزاف القدرات الإنتاجية، وهجرة الكفاءات ورؤوس الأموال إلى الخارج، فضلاً عن الإصرار على سياسات قائمة على "تجاريّة الاقتصاد"، يدفع البلاد نحو حافة الهاوية. في ظل هذا الوضع، فإن الحديث عن إصلاح تقني داخلي أصبح غير مجدٍ؛ فالأرجح أن الحل سيأتي من خلال انفجار اجتماعي حتمي نتيجة بلوغ الأزمات ذروتها، حيث يصبح انهيار الهيكل الحالي هو السبيل الوحيد لإعادة البناء.

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يتم دون المرور عبر بوابة "التحرير السياسي". ففي طريق استعادة عافية الاقتصاد، ينبغي كسر قبضة الأوليغارشية على الأصول السيادية وإحياء العقد الاجتماعي الذي يضع الإنتاج والرفاه في مقدمة الأولويات، متجاوزًا الجشع الريعي والاحتكار.

وأخيراً، فإن تأثير السياقات الدولية والجيوسياسية المتوترة يُعد عاملاً محورياً في هذا المشهد. إذ تعمل هذه البيئة كقوة دافعة تُسرّع الانهيار أو كعنصر معرقل لأي محاولات لإعادة الإعمار، مما يبرز الحاجة إلى تحليل أعمق يربط الانسداد الداخلي بهذا البعد الخارجي المعقد.

على الرغم من أن العقوبات الدولية تهدف ظاهرياً إلى تحقيق تأثير سلبي على الأنظمة المستهدفة، إلا أن واقع الحال يظهر نتائج مغايرة، حيث ساهمت العزلة الدولية في تعزيز الاقتصاد غير الرسمي. فقد نتجت عن هذه العقوبات ظهور "مافيات الالتفاف" التي تدار من قبل الأوليغارشية ذات النفوذ العسكري والأمني، مما منحها احتكاراً شبه كامل لطرق التجارة والعملة الصعبة بعيداً عن أي شكل من أشكال الرقابة سواء الدولية أو المحلية. إضافة إلى ذلك، كان لهذه العقوبات أثر مدمر على الطبقة البرجوازية الصناعية المستقلة، إذ بينما تمتلك الأوليغارشية وسائل التكيف مع هذه القيود، تفتقر المصانع الوطنية إلى القدرة على الوصول للتكنولوجيا المتقدمة والشبكات المالية العالمية. وبالتالي، تحولت العقوبات إلى أداة إضافية بين يدي الأوليغارشية لتضييق الخناق على منافسيها المحليين وتعزيز هيمنتها الاقتصادية.






عند بلوغ الانهيار الاجتماعي ذروته، تظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة على المستويين الدولي والإقليمي:

الأول هو "سيناريو الاحتواء القسري"، حيث تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى كبح الانهيار الكامل خوفًا من تداعيات مثل موجات اللاجئين أو انقطاع إمدادات الطاقة. هذا السيناريو قد يدفع تلك القوى إلى عقد اتفاقيات عملية مع النخب الحاكمة بهدف الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، مما يطيل عمر الأزمة الاجتماعية مع تحقيق نوع هش من الأمن.

الثاني يتمثل في "سيناريو تفتيت السيادة"، وهو الذي يمكن أن يحدث إذا فقدت السلطة المركزية السيطرة، مما يؤدي إلى تحول المناطق الحدودية إلى مناطق نفوذ للقوى الخارجية. في هذا الوضع، تتداخل الأزمات الاقتصادية مع النزعات القومية والمناطقية، وينشأ عنه صراعات بالوكالة تزيد من حالة التدمير.

أما السيناريو الثالث فهو "سيناريو الاندماج المشروط"، وهو خيار أكثر تفاؤلاً وإن كان الأصعب تحقيقًا. يقوم هذا السيناريو على فرض عقد جديد داخلي ودولي يتطلب تفكيك نفوذ الأوليغارشية مقابل رفع العقوبات والانضمام إلى النظام الاقتصادي العالمي. نجاحه مشروط بوجود بديل سياسي قادر على إدارة المرحلة الانتقالية بفعالية.

ومع تزايد الانسداد السياسي والاقتصادي مع الغرب، أصبحت إيران تعتمد بشكل شبه كامل على محور الصين وروسيا. لكن هذا الارتباط لم يحقق نقلًا للتكنولوجيا أو تنمية صناعية حقيقية، بل أدى إلى تحويل البلاد إلى مصدر للمواد الخام كالنفط والمعادن مقابل الحصول على سلع استهلاكية. هذه العلاقة تعزز دور إيران كمستعمرة لتصدير المواد الأولية وتخدم مصالح النخب المالية التي تستفيد من اقتصاد وسيط يعتمد على التجارة الاستهلاكية.

العوامل الخارجية، وعلى رأسها العقوبات، ليست المسبب الوحيد للأزمة، لكنها أوجدت بيئة مواتية مكّنت النخب الحاكمة من السيطرة على الاقتصاد عبر اقتصاد الظل. إن أي تغيير مستقبلي سيصطدم بتحديات جيوسياسية معقدة؛ فإما أن تؤدي الضغوط والانهيارات إلى تدخلات أجنبية تفتت البنية الوطنية، أو أن يصبح الانفتاح على المجتمع الدولي شرطًا أساسيًا لتفكيك القوى الداخلية وإعادة تشكيل اقتصاد وطني قائم على الإنتاج وليس الوساطة فقط.

العقوبات كبيئة خصبة لـ ”اقتصاد الظل" الأوليغارشي

خلافاً للأهداف المعلنة، لم تؤدِ العقوبات إلى إضعاف هيمنة الأوليغارشية، بل ساهمت في تعزيز احتكارها المطلق. فقد أسهمت العزلة المالية في ظهور "مافيات الالتفاف"، التي تهيمن عليها البورجوازية البيروقراطية ذات الطابع العسكري والأمني، لتصبح المتحكم الوحيد في تدفقات العملة الصعبة. وفي المقابل، أدى هذا الوضع إلى قمع المنافسة المستقلة؛ إذ بينما تمتلك الأوليغارشية وسائل التحايل على هذه القيود، تجد المصانع الوطنية المستقلة نفسها عاجزة عن الوصول إلى المواد الخام أو التعامل عبر الأنظمة المالية العالمية مثل SWIFT. ونتيجة لذلك، تعرض القطاع الخاص الحقيقي للإضعاف لصالح صعود ما يعرف بـ ”القطاع الموازي".

العوامل الخارجية ممثلة بالعقوبات والعزلة لم تكتفِ بأن تكون مجرد ضغط خارجي، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل الهرم الطبقي داخل النظام الداخلي. فعلى الرغم من أنها ألحقت الضرر بالبورجوازية الصناعية والطبقة العاملة، وفرت للأوليغارشية فرصة للسيطرة غير المحدودة على "اقتصاد الظل". وبالتالي، فإن تحقيق تغيير حقيقي يتجاوز مجرد إعادة ترتيب داخلي للثروات ويتطلب إنهاء حالة العزلة الاقتصادية التي أصبحت جزءاً من ديناميكية شبكات النفوذ الحالية، لتكون مفتاحاً لاسترداد الاقتصاد وضمان عمله بشكل عادل ومستدام.


تمر إيران بمرحلة "انسداد تاريخي" ناتج عن تحول بنيوي في وظيفة الدولة؛ من كيان تنموي يهدف لتراكم رأس المال الوطني إلى "دولة لصوصية" تديرها أوليغارشية هجينة. وقد أدت سياسات "التعديل الهيكلي" والخصخصة المشوهة إلى سحق القوى المنتجة (صناعيين وعمال)، مما أدى إلى هجرة الرأسمال الوطني وتآكل العقد الاجتماعي. ومع وصول الانسداد إلى قمة الهرم السياسي، يصبح المجتمع مرشحاً للحظة "ارتطام شامل" تعيد صياغة الواقع من الأنقاض.


جذور الأزمة: من التنمية إلى النهب المنظم
شهد الاقتصاد الإيراني تطبيق سياسات "تحرير الاقتصاد" التي استخدمت كغطاء لنقل واسع النطاق للأصول الوطنية، ما أدى إلى تقليص السيادة المالية. في إطار هذه السياسات، تم تحويل ملكية المناجم، البنوك، والصناعات الكبرى إلى مؤسسات موازية وأوقاف ومجمعات عسكرية، الأمر الذي حرم الخزينة العامة من مواردها الأساسية الضرورية لتمويل قطاعي التعليم والصحة. إضافة إلى ذلك، تعرضت القيمة المضافة للاقتصاد للتدمير، حيث شهد تحولاً عميقاً من "الإنتاج الصناعي" إلى "المضاربة الريعية"، مما جعل تحقيق الأرباح يستند إلى الوساطة التجارية وتداول العملات عوضاً عن الأنشطة التصنيعية.


آلية الدولرة وتأثيرها على الطبقة الوسطى
تُوظف الأوليغارشية تقنية منهجية لاستنزاف الثروات، تُسمى بتسعير الأسعار. هذه الآلية تستند إلى تسعير المواد الخام والسلع بالدولار وفقاً للأسعار العالمية، بينما تبقى الأجور ثابتة تُصرف بالعملة المحلية التي فقدت قيمتها. هذا الخليط بين تسعير عالمي وأجور محلية يُنتج ما يُعرف بـ "فائض قيمة قسري" يُستخلص من الطبقات العاملة والوسطى لصالح القوى الاقتصادية المسيطرة على العملات الصعبة. تدمير المدخرات نتيجة التضخم المستمر ليس مجرد ضعف إداري، بل يصبح بمثابة "ضريبة غير معلنة" تُهدر مدخرات الطبقة الوسطى، مؤديةً إلى انهيار اقتصادي يحوّل الفئات العاملة والمثقفة، وكذلك البورجوازية الصغيرة، إلى "طبقة بروليتارية جديدة" تعيش صراعاً يومياً من أجل الاستمرار والبقاء.


هيمنة الاحتكار الأوليغارشي (اختطاف الدولة)
تفرض الأوليغارشية سيطرتها من خلال نموذج "الاحتكار العابر للقطاعات"، الذي يجمع بين التداخل الأفقي والعمودي، بحيث تتمكن مجموعة واحدة من السيطرة على المنجم (المصدر الخام)، البنك (التمويل)، والمنصة الإعلامية (لتقديم التبريرات). هذا النظام يحول دون ظهور أي "برجوازية صناعية مستقلة" قادرة على المزاحمة. إلى جانب ذلك، تلجأ هذه المجموعات لاستخدام الشركات الرمادية عبر إنشاء شركات خاصة كواجهات لمؤسسات سيادية، لتهرب من الضرائب وتفادي الرقابة، مما يؤدي إلى خلق "اقتصاد موازٍ" يستنزف الأصول الوطنية ويستخدم نفوذه في تشكيل وصياغة القوانين بما يخدم مصالحه.

انعدام البديل الوطني وهروب رأس المال
أدى الجمود السياسي إلى عواقب اجتماعية كارثية. أضعف التحالفات التقليدية، حيث زادت الفجوة بين العمال المطالبين بتحسين الأجور والصناعيين الذين يعانون من ارتفاع التكاليف، مما أفسد فكرة تشكيل جبهة موحدة ضد هيمنة الأوليغارشية. ومع شعور البرجوازية الصناعية بالاختناق، لجأت إلى الحل الفردي عبر تصفية مشاريعها والانتقال بأموالها إلى الخارج، وهو ما نتج عنه عملية "إزالة التصنيع" الشاملة التي أفقدت البلاد جزءاً مهماً من "الخبرة التقنية".

لم تكن العقوبات سبباً وحيداً للأزمة، بل كانت "مسرّعاً" للأوليغارشية. احتكار "اقتصاد الظل" ، منحت العزلة الدولية الأوليغارشية احتكاراً لمسالك التهريب والالتفاف، مما مكنها من سحق المنتجين المستقلين المرتبطين بالنظام المالي الرسمي. التبادل غير المتكافئ بارتهان البلاد للمحاور الشرقية (الصين وروسيا) كـ "مستعمرة مواد أولية"، تُصدر النفط الخام بخصومات وتستورد سلعاً استهلاكية، مما يقتل ما تبقى من صناعة وطنية.



سيناريوهات الدمار الأعمى والاقتراب الحتمي من لحظة الانفجار تعكس حالة معقدة من الأزمات التي تصل إلى ذروتها عندما تتخطى حدود الانسداد السياسي والاجتماعي. عند هذه المرحلة الحرجة، تتحول المطالب الشعبية من مجرد السعي وراء توفير احتياجات أساسية مثل الخبز إلى تبني نهج أكثر تصعيداً يدعو إلى إسقاط النظام برمته، ذلك الهيكل الذي انتهى تماماً من أداء أي دور حيوي يخدم المجتمع.

وفي ظل تدهور الأوضاع، يتمدد التفكك ليصل إلى عمق الولاءات التقليدية داخل مختلف مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية. عندما تصبح الأزمة مؤثرة في المراتب الدنيا لهذه الأجهزة، تتراجع القدرة القمعية للنخب الحاكمة، مما يزيد من حدة الوضع ويجعل لحظة الانفجار الاجتماعي مسألة وقت فقط، لأنها تغدو غير قابلة لأي شكل من أشكال السيطرة.

أما فيما يتعلق بإيران تحديداً، فالأمر لا يتعلق بندرة الموارد كما يبدو ظاهرياً، بل بمشكلة أعمق تتمحور حول انسداد في نظم توزيع الثروات ومنظومة التمثيل السيادي. وللتخلص من الأزمات المتراكمة التي تخنق البلاد، يبرز حتمياً ضرورة القيام بإصلاحات جذرية تشمل تفكيك الكتل الأوليغارشية المسيطرة على الاقتصاد، واسترجاع الأصول الوطنية وإخضاعها لضوابط الرقابة الضريبية والبرلمانية بما يعزز العدالة الاقتصادية.

ومن الخطوات المهمة نحو الإصلاح، ضرورة إنهاء الاعتماد الكبير على "الدولرة" الداخلية وفصل معيشة المواطنين عن تقلبات أسعار الصرف العالمية. يتطلب ذلك تعزيز قيمة العملة الوطنية من خلال الإنتاج الحقيقي القائم على الموارد والإبداع، بدلاً من الاستمرار في النهج الحالي الذي يعتمد على المضاربة المالية.

وأخيراً، يصبح التوصل إلى ميثاق وطني جامع أمراً لا غنى عنه، ميثاق يتأسس على تحالف استراتيجي بين "الطبقة العاملة" و"رأس المال المنتج"، بهدف فرض منظومة إصلاح سياسي قادرة على تحرير المؤسسات من حالة الاحتجاز التي تعيق تطورها. هذا الميثاق ينبغي أن يضع سياسات مستدامة تعيد بناء الدولة على أسس عادلة وشاملة تكفل حقوق الجميع وتؤسس لمستقبل أكثر استقراراً ونمواً في كافة المجالات.

لقد أصبحت التكنولوجيا اليوم ساحة مركزية للصراع بين قوى النفوذ والسيطرة من جهة، والطموحات الشعبية نحو الشفافية والمحاسبة من جهة أخرى. في ظل هيمنة الدولة ومؤسساتها، انتقلت المواجهة بين الأوليغارشية والقوى المنتجة إلى الفضاء الرقمي، حيث أضحت التكنولوجيا أداة رئيسية في تشكيل معالم المرحلة القادمة والمساهمة في التأثير على مسار الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

يستغل الطرف المسيطر التكنولوجيا لتحقيق أهداف تُعزز من استبداده عبر تعزيز مفاهيم "الدولة اللصوصية". يتم ذلك من خلال محاولات متكررة لتأميم الفضاء الرقمي والتحكم به، بما يشمل السعي نحو إنشاء إنترنت محلي محدود (Intranet)، وهو نظام لا يهدف فقط لتعزيز السيطرة الأمنية، بل يهدف أيضاً لفرض احتكار تقني عبر فصل هذا الفضاء عن العالم الخارجي. بهذه الطريقة تُقيد حركة القطاعات المستقلة، وتحاصر قدرات القطاع الخاص الذي يسعى للوصول إلى الأسواق العالمية، مما يفرض استخدام منصات وبرمجيات تحت سيطرة الأوليغارشية وأذرعها الاقتصادية.

إضافة إلى ذلك، يتم توظيف تقنيات مثل "البلوكشين" وعمليات "التعدين الرقمي" ضمن شبكات العملات الرقمية من قبل المؤسسات شبه الحكومية، بهدف تجاوز القيود والعقوبات الدولية. هذه الأنشطة تُدار بعيداً عن أعين الرقابة الداخلية والخارجية، ما يضمن تضخيم ثروات "مافيات الالتفاف" على حساب الاقتصاد الوطني. وبالتالي، تبقى هذه الموارد المالية مجمدة خارج نطاق الدورة الاقتصادية الداخلية للدولة، مما يؤدي إلى مزيد من التفاوت الاقتصادي والاجتماعي.

بالمقابل، تبدأ "الرقابة الشعبية الرقمية" بالظهور كتحرك مكافئ لمواجهة هذا الاحتكار والسيطرة. من خلال تسريبات قواعد البيانات وتوسيع نطاق صحافة الاستقصاء الرقمي، يجري الكشف عن بنية مصالح النخب الاقتصادية والعلاقات المعقدة التي تؤسس لهيمنتها. تسهم هذه الجهود في فضح مشاريع "الخصخصة"، التي يتضح منها أنها ليست سوى عمليات نقل ملكية صورية داخل النخبة الحاكمة نفسها. إضافة إلى ذلك، تزداد أهمية توثيق الانهيارات الاجتماعية، حيث تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة تشبه "راداراً اجتماعياً"، ترصد بوضوح الفجوات المهولة بين طبقات المجتمع. يتم توثيق حياة الترف والبذخ التي يعيشها أبناء الطبقة المسيطرة مقابل المعاناة والجوع الذي تواجهه الأحياء الفقيرة، مما يزيد من حدة السخط الشعبي ويُسرّع من احتمالية الانفجار الاجتماعي.

في نفس الوقت، يمكن استخدام التقنيات اللامركزية كأداة للشفافية والمساءلة في إدارة موارد الدولة. فعن طريق توثيق كافة المعاملات المتعلقة بالموازنة العامة بشكل لا يمكن تعديله أو التلاعب فيه، يصبح لكل ريال مصدر ووجهة واضحة. هذا الإجراء يسحب تدريجياً السيطرة من أيدي البرجوازية البيروقراطية التي تستغل هذا الغموض لترسيخ مواقعها.

إضافة إلى ذلك، يمكن العمل على فرض أنظمة محاسبية رقمية شفافة تتيح للعامة والباحثين إمكانية الاطلاع على بيانات كافة المؤسسات السيادية والدينية مثل الأوقاف. هذا التدبير يعزز الوعي المجتمعي ويحد من إمكانية عودة ما يُسمى بـ ”اقتصاد الظل" بمسميات جديدة أو قديمة.

في المحصلة، يظل الصراع في الفضاء الرقمي مفتوحاً على مصراعيه وعلى أكثر من جبهة. بين محاولات السيطرة والاستخدام القمعي للتقنيات من قبل الأطراف المهيمنة، والسعي الشعبي لتكريس الشفافية والمساءلة باستخدام أدوات التكنولوجيا الجديدة، يتشكل المستقبل الذي ستُصاغ فيه قواعد اللعبة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعصر الثورة الرقمية.


2026-01-05
مالمو