مسرحية: تراتيل الغبار والحرير


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 01:51
المحور: الادب والفن     


نص مسرحي من مشهد واحد طويل (متعدد المناظر)
الشخصيات:
• كمال: رجل في الأربعينيات، تسيطر عليه ملامح الهوس والبحث المضني.
• ليلى: امرأة قوية، تمثل الذاكرة والواقع الثائر في آن واحد.
• العم منصور: سائق السيارة القديم، يمثل الانكسار والوفاء.
• الكورال: أصوات الظلال (المتظاهرون، الجنود، الريح).

[المنظر الأول: مطاردة السراب]
(المسرح مظلم، تُسمع أصوات محركات سيارات متداخلة وأبواق حادة. تسقط بقعة ضوء على "كمال" وهو يمسك بمقود وهمي، يتحرك بجسده كأنه يقود بتوتر).
كمال: (بهمس محموم) هي.. أنا متأكد. ذلك الانحناء الرقيق للأنف، تلك الشفاه التي تنقبض عند التفكير. لسنوات رسمتُ تجاعيد هذا الوجه في منامي، والآن.. هي هناك، في تلك السيارة الرمادية "الشهباء".
(تتحرك إضاءة خلفية تحاكي أضواء إشارات المرور. يظهر "العم منصور" في بقعة ضوء أخرى، يقود بهدوء حذر، وخلفه تجلس "ليلى" بوشاحها الأرجواني، تنظر إلى الأفق).
كمال: (يصرخ) التفتي إليّ! ليتني أكون في نظركِ كما أنتِ في عيني. (يخاطب الجمهور) الجنود يملؤون الميادين، يضربون الدروع بالخوذات.. وهي، كأنها لا ترى سوى طريقها إلى "أكاديمية الحكمة".
(تتسارع وتيرة الموسيقى الإيقاعية؛ أصوات اصطدام معادن. كمال يتحرك بعنف كأنه يتجاوز سيارات أخرى).
كمال: لا تبتعدي! سحقاً لهذا الزحام! (تخفت الأضواء فجأة ويسود ضجيج عالٍ لصوت فرامل وصراخ). لقد اختفت.. "الشهباء" تلاشت وسط الدخان.

[المنظر الثاني: الرصيف المشتعل]
(يتحول المسرح إلى ساحة مفتوحة. تصاعد أبخرة بيضاء "غاز". كمال يركض بين "ظلال" المتظاهرين، يبحث في الوجوه).
كمال: (يلهث) كل الأوشحة تشبهها.. كل القامات النحيلة هي ليلى! (يتوقف فجأة. تسقط بقعة ضوء حادة على "ليلى" وهي تجلس على حافة الرصيف العريض. لا ترتدي الوشاح الآن، شعرها مبعثر، وتربط شريطاً ملوناً على أصابعها المرفوعة).
كمال: (يقترب بذهول) ليلى.. أخيراً.
ليلى: (دون أن تنظر إليه) المطاردة انتهت يا كمال. السيارة الرمادية توقفت، والوقت توقف أيضاً.
كمال: جئتُ لأستعيد وجهكِ الذي سكن أحلامي.. جئتُ لأحفظكِ من هذا الرصاص.
ليلى: (تنهض بقوة) الوجه الذي تحبه مات في المرايا الجانبية للسيارات. انظر إليّ الآن.. أنا ابنة هذا الرصيف. هل جئت لتنقذ "حلمك" أم لتشاركني "واقعي"؟
(يمد كمال يده المرتجفة ليلمس يد ليلى الملطخة بالطين والجروح. في لحظة التلامس، يتوقف كل شيء: تتجمد الحركة في المسرح، يخفت ضجيج الكورال، وتسقط بقعة ضوء "سبوت" حادة على وجه كمال وحده).
كمال (مونولوج انكسار البلّور):
(بصوت داخلي مسجل "Voice Over" أو يلقيه بهمس مشروخ وهو ينظر ليدها)
«هذا الصوت.. أنا أعرفه. ليس صراخ الجوعى، ولا عويل الدراجات، ولا حتى ارتطام الهراوات. هذا صوتُ "بيتي" وهو ينهار. لسنوات، بنيتُ لها بداخلي كنيسةً من مرآة. صقلتُ وجهها حتى صار ناعماً كالحرير، لا يخدشه غبار. كنتُ أعبد "النسخة" التي اخترعتها.. كنتُ أحبُّ المسافة التي تحميني من أن ألمسها وأكتشف أنها.. "بشر".
الآن.. تنكسر المرآة. الشظايا لا تسقط على الأرض، بل تسقط في قلبي. كنتُ أريدها ناصعة، فوجدتها دامية. كنتُ أريدها صامتة كاللوحات، فوجدتها هادرة كالمحيط. يا لهولِ الثمن! أن أكتشف أنني لم أكن أحبها، بل كنتُ أحبُّ "سجني" الجميل.
وداعاً أيتها الصورة الرقيقة.. اليوم ينتهي "المُشاهد" بداخلي، ويبدأ "الإنسان". الطينُ على يدكِ أطهرُ من كل مراياي.. والغبارُ في شعركِ أصدقُ من كل قصائدي. فلتتحطم المرآة.. تماماً.. فلم أعد أريد أن أرى نفسي في عينيكِ، بل أريد أن أرى "العالم" كما ترينه أنتِ.»
(يعود الزمن للحركة فجأة، يدوّي صوت رصاصة قوية. يهرع الكورال في حركة عشوائية).
ليلى: (تضغط على يده بقوة) هذا ليس زحاماً.. هذا نبض! (تنزع الشريط وتضعه في يده) إذا أردتني، فابحث عني في عيون الذين لا ينحنون. (تختفي ليلى وسط الدخان والظلال).

[المنظر الثالث: حطام الذكرى]
(يهدأ الضجيج. المسرح يسوده سكون كئيب. تظهر في الزاوية مقدمة سيارة محطمة "الشهباء". يدخل "العم منصور" متعثراً، ثيابه ملطخة بالرماد).
العم منصور: (ينظر للحطام) رحلت "الشهباء".. ورحلت السائقة. (يرى كمال جالساً على الرصيف يحدق في الشريط الملون بصمت).
كمال: لقد تركتني يا عم منصور.. ضاعت في الزحام.
العم منصور: (يجلس بجانبه بضعف) لم تضع.. هي الوحيدة التي وجدت طريقها. نحن الذين ضعنا في "الانتظار". كانت تقول لي: "السيارات التي لا يغطيها غبار الشوارع، تأكلها الصدأ في الكراجات".
كمال: (يرفع الشريط الملون ببطء، ينظر إليه بيقين جديد) قالت لي إن وجهها صار ملكاً للأزقة.
العم منصور: (يخرج مفتاح السيارة من جيبه ويلقيه داخل الحطام المعدني) إذن، لم يعد للمفاتيح فائدة. هل ستظل هنا؟
كمال: (يقف، يربط الشريط على معصمه بإحكام) سأكمل الطريق سيراً على الأقدام. لم يعد يهمني الوجه الذي حلمتُ به.. يهمني الوجه الذي رأيته اليوم تحت الرصاص.
(يمشي كمال نحو الاتجاه الذي اختفت فيه ليلى، يتبعه العم منصور ببطء. تبدأ إضاءة الفجر "زرقاء خفيفة" في البزوغ، بينما يرتفع نشيد الفتيات بعيداً ويزداد قوة).
[ستار]